الفكرتربية واجتماعرؤى فلسفيةمنطق وتأصيل

ترميم الانسان في زمن السيولة

تصحيح المسار الإنساني بفلسفة ثلاثية الحق والخير والجمال

إنَّ الوجودَ الإنسانيَّ ليس عبورًا عابرًا في دهاليزِ الزمنِ، ولا إقامةً مؤقتةً بين شهوةٍ تنطفئُ وحاجةٍ تتجددُ، بل هو شهادةٌ كبرى ورسالةٌ مثقلةٌ بالمعنى، لا ينهضُ بها إلا كائنٌ يدركُ أنهُ لم يُخلقْ ليستهلكَ العالمَ، بل ليقرأَهُ، ويهذبهُ، ويعمرَهُ، ويشهدَ فيهِ للحقِّ والخيرِ والجمالِ. فعظمةُ الإنسانِ لا تكمنُ في قدرتهِ على ترويضِ الطبيعةِ، ولا في مهارتهِ في ابتكارِ الآلةِ، ولا في سلطانهِ المتنامي على المادةِ، بل في أهليتهِ لحملِ الأمانةِ المعرفيةِ والأخلاقيةِ التي تجعلهُ قادرًا على التمييزِ بين الحقِّ والباطلِ، والخيرِ والشرِّ، والجمالِ والقبحِ. فإذا فقدَ هذهِ الأهليةَ، لم يعدْ سيدًا في الكونِ، بل صارَ جزءًا من ضجيجهِ، وترسًا صغيرًا في آلةٍ كبرى تدورُ ولا تدري إلى أينَ تمضي.

ومن هنا، فإنَّ أزمةَ الإنسانِ المعاصرِ ليست أزمةَ أدواتٍ، بل أزمةَ وجهةٍ. ليست في نقصِ ما يملكُ, بل في ضمورِ ما يؤمنُ بهِ. لقد بلغَ من القدرةِ التقنيةِ مبلغًا هائلًا، لكنهُ كلما اتسعتْ يدهُ ضاقتْ روحهُ، وكلما تضاعفتْ إمكاناتهُ تراجعتْ قدرتهُ على السؤالِ عن الغايةِ. وما أخطرَ أن يملكَ الإنسانُ مفاتيحَ كثيرةً ولا يعرفُ أيَّ بابٍ يفتحُ، وأن يحسنَ السيرَ بسرعةٍ مذهلةٍ ولا يعرفُ إلى أينَ يتجهُ، وأن يضيءَ المدنَ بالكهرباءِ بينما يتركُ داخلهُ غارقًا في عتمةِ المعنى.

“إنَّ أزمةَ الإنسانِ المعاصرِ ليست أزمةَ أدواتٍ، بل أزمةَ وجهةٍ. ليست في نقصِ ما يملكُ، بل في ضمورِ ما يؤمنُ بهِ.”

لقد تحولَ العالمُ في العقودِ الأخيرةِ إلى سوقٍ كبرى تموجُ بالنزعاتِ الاستهلاكيةِ الفجةِ، حيث لم يعدِ التسليعُ يقتصرُ على الأشياءِ، بل امتدَّ إلى الأفكارِ والمشاعرِ والعلاقاتِ والرموزِ والقيمِ. لم تعدِ السوقُ تبيعُ للإنسانِ ما يحتاجهُ فحسب، بل صارتْ تعيدُ تشكيلَ حاجاتهِ، وتلقّنهُ ما ينبغي أن يرغبَ فيهِ، وتوهمهُ أنَّ الامتلاءَ يتحققُ بالمزيدِ، مع أنَّ روحهُ تزدادُ خواءً كلما ازدادَ امتلاءُ سطحهِ. وهكذا لم يعدِ الاستهلاكُ سلوكًا اقتصاديًا عابرًا، بل تحولَ إلى فلسفةٍ ضمنيةٍ للحياةِ، تجعلُ اللذةَ العاجلةَ بديلًا عن الخيرِ، والمنفعةَ الفرديةَ بديلًا عن الحقِّ، والإثارةَ الحسيةَ الرخيصةَ بديلًا عن الجمالِ المتعالي.

هذهِ هي السيولةُ المعرفيةُ والقيميةُ في أخطرِ صورِها: أن تفقدَ الأشياءُ مراتبَها، وأن يصبحَ كلُّ معنىً قابلًا للمساومةِ، وكلُّ قيمةٍ قابلةً لإعادةِ التعريفِ، وكلُّ يقينٍ متهمًا لمجردِ أنهُ يقينٌ. في هذهِ السيولةِ لا يعودُ الإنسانُ كائنًا غائيًا ذا رسالةٍ، بل يتحولُ إلى كائنٍ معلقٍ في الفراغِ، يستهلكُ لكي ينسى، وينشغلُ لكي لا يتأملَ، ويطاردُ الاعترافَ لكيلا يواجهَ وحشتهُ الأصليةَ. إنهُ يعيشُ في عالمٍ شديدِ الاتصالِ، لكنهُ قليلُ الوصالِ، مزدحمٌ بالأصواتِ، لكنهُ فقيرٌ بالحكمةِ، سريعُ الحركةِ، لكنهُ مخلوعُ الجذورِ.

ولم يكنْ هذا التيهُ وليدَ المصادفةِ وحدها، بل نتجَ عن تفكيكٍ منهجيٍّ للبنى التي كانتْ تمنحُ الإنسانَ شعورًا بالمعنى والانتماءِ والاتجاهِ، دون أن تُقدَّمَ لهُ بدائلُ حضاريةٌ متماسكةٌ. لقد أُضعفتِ الأسرةُ، وتراجعتْ هيبةُ التربيةِ، وتشوّهَ معنى الحريةِ، وتحوّلتِ الفردانيةُ من حقِّ الإنسانِ في الكرامةِ والاختيارِ إلى عزلةٍ خانقةٍ تجعلهُ مطالبًا بأن يخترعَ معنى وجودهِ في كلِّ صباحٍ، داخلَ عالمٍ لا يعترفُ إلا بما يلمعُ ويباعُ ويُستهلكُ. وحين يفقدُ الإنسانُ مرجعيتهُ الكبرى، لا يصيرُ حرًا كما يُوهمُ، بل يصيرُ نهبًا لكلِّ مؤثرٍ عابرٍ، وكلِّ شاشةٍ صاخبةٍ، وكلِّ رغبةٍ متنكرةٍ في صورةِ حقِّ.

“في هذهِ السيولةِ لا يعودُ الإنسانُ كائنًا غائيًا ذا رسالةٍ، بل يتحولُ إلى كائنٍ معلقٍ في الفراغِ، يستهلكُ لكي ينسى، وينشغلُ لكي لا يتأملَ.”

ومن هنا نفهمُ لماذا يتضخمُ العنفُ الرقميُّ، ولماذا تتكاثرُ النرجسيةُ المقنعةُ، ولماذا يبحثُ الإنسانُ عن الاعترافِ في أعينٍ مجهولةٍ لا تعرفهُ ولا يعنيها خلاصهُ. إنَّ منصاتِ التواصلِ، في كثيرٍ من وجوهِها، لم تعدِ فضاءً للتعارفِ بقدرِ ما صارتْ مسرحًا للذاتِ القلقةِ، تعرضُ صورتَها كلَّ يومٍ لتتأكدَ أنها ما زالتْ موجودةً. وفي هذا العرضِ المتكررِ يموتُ العمقُ بصمتٍ، لأنَّ الإنسانَ الذي يعتادُ أن يُرى أكثرَ مما يعتادُ أن يرى نفسَهُ، يفقدُ تدريجيًا القدرةَ على الخلوةِ، والخلوةُ هي المختبرُ الأولُ للحقيقةِ.

والأشّدُ خطرًا أنَّ هذا الفراغَ لا يبقى فراغًا طويلًا، بل تملؤهُ العصبياتُ الضيقةُ، والهوياتُ المرتبكةُ، والتعصباتُ المذهبيةُ والعرقيةُ، بوصفِها بدائلَ دفاعيةً عن المعنى المفقودِ. فإذا عجزَ الإنسانُ عن الانتماءِ إلى قيمةٍ كبرى، انتمى إلى قوقعةٍ صغرى. وإذا غابتِ الرسالةُ الجامعةُ، تكاثرتِ الخنادقُ. وما أكثرَ ما يفرُّ الإنسانُ من العراءِ الروحيِّ إلى جدرانٍ متوهمةٍ تمنحهُ دفئًا كاذبًا، لكنها تزيدُ عزلتهُ وتضاعفُ خوفهُ من الآخرِ والعالمِ والحقيقةِ.

ويعودُ أصلُ هذا الخللِ، في جانبٍ كبيرٍ منهُ، إلى اختزالِ الإنسانِ في أبعادهِ الماديةِ والنفعيةِ، وإلى الاعتقادِ المتعجلِ بأنَّ تفسيرَ الجسدِ يكفي لفهمِ الروحِ، وأنَّ تحليلَ السلوكِ الظاهرِ يغني عن سؤالِ المقصدِ والضميرِ والحريةِ والسموِّ. لقد أنجزتِ العلومُ الحديثةُ ما لا ينكرهُ منصفٌ في ميادينِ الطبِّ والطاقةِ والاتصالِ والعمرانِ، لكنها تخطئُ حين تتحولُ من منهجٍ لفهمِ جانبٍ من الواقعِ إلى فلسفةٍ تزعمُ تفسيرَ الوجودِ كلهِ. فالعلمُ حين يعرفُ حدودَهُ يكونُ نورًا، وحين يتألهُ على المعنى يصبحُ حجابًا. والآلةُ حين تخدمُ الإنسانَ تكونُ نعمةً، وحين تعيدُ تعريفهُ على صورتِها تصيرُ لعنةً مهذبةً.

“فالعلمُ حين يعرفُ حدودَهُ يكونُ نورًا، وحين يتألهُ على المعنى يصبحُ حجابًا. والآلةُ حين تخدمُ الإنسانَ تكونُ نعمةً، وحين تعيدُ تعريفهُ على صورتِها تصيرُ لعنةً مهذبةً.”

إنَّ الإنسانَ ليس خلايا تتحركُ فقط، ولا رغباتٍ تتنازعُ، ولا استجاباتٍ كيميائيةً معقدةً، بل هو كائنٌ يحملُ في داخلهِ بعدًا علويًا لا يختزلُ في المادةِ، وقلقًا أخلاقيًا لا تفسرهُ المنفعةُ، وعطشًا إلى الجمالِ لا ترويهِ اللذةُ، وتطلعًا إلى المطلقِ لا يشبعهُ التراكمُ. ومن يتجاهلُ هذهِ الحقيقةَ يبني حضارةً ذاتَ واجهاتٍ لامعةٍ وأساساتٍ رخوةٍ، حضارةً تستطيعُ أن تنتجَ كلَّ شيءٍ إلا الإنسانَ السويَّ، وأن تسيطرَ على الطبيعةِ وهي عاجزةٌ عن تهذيبِ النفسِ.

ولنتأملْ مدينةً أقيمتْ على أرضٍ سبخةٍ متحركةٍ، ثم قررَ مهندسوها، انبهارًا بواجهاتِ الزجاجِ والحديدِ، أن يستغنوْا عن الأساساتِ العميقةِ التي تصلُ إلى الصخرِ الصلدِ، بحجةِ أنَّ حفرَ الأساسِ يبطئُ الإنتاجَ ويؤخرُ التوسعَ. في أعوامِها الأولى بدتِ المدينةُ معجزةً معماريةً، أبراجُها تعانقُ السماءَ، وواجهاتُها تخطفُ الأبصارَ، وطرقاتُها تلمعُ كأنها وعدٌ بمستقبلٍ لا ينكسرُ. لكن مع أولِ هزةٍ، ومع أولِ تراكمٍ للماءِ في باطنِ الأرضِ، ظهرتِ الشقوقُ في الجدرانِ، ومالتِ الأبراجُ ببطءٍ، ولم تعدِ الواجهاتُ الزجاجيةُ قادرةً على سترِ الخللِ في الهيكلِ. تلكَ المدينةُ هي صورةُ الحضارةِ حين تبني الخارجَ وتهملُ الداخلَ. فالمباني الشاهقةُ، والتقنياتُ المذهلةُ، والأسواقُ المتخمةُ، ليست إلا واجهاتٍ قابلةً للانهيارِ إذا كانتِ التربةُ الأخلاقيةُ والفكريةُ التي تقومُ عليها رخوةً ومائعةً. لا يقومُ عمرانٌ مستدامٌ على ذكاءِ الآلةِ وحدهِ، ولا تنهضُ أمةٌ بالوفرةِ الماديةِ إذا كان إنسانُها محطَّمَ المعنى، مشتتَ الوجدانِ، فاقدًا للميزانِ الذي يفرّقُ بهِ بين ما يرفعهُ وما يبتذلهُ.

ومن هنا يصبحُ البديلُ القيميُّ ضرورةً لا ترفًا. وهذا البديلُ لا يقومُ على الحنينِ العاطفيِّ، ولا على الرفضِ الانفعاليِّ لكلِّ جديدٍ، ولا على خطابٍ وعظيٍّ يكتفي بإدانةِ الانحرافِ، بل يقومُ على ثلاثيةٍ كبرى لا ينفصمُ بعضُها عن بعضٍ: الحقُّ في المنطقِ، والخيرُ في السلوكِ، والجمالُ في الشعورِ. فالحقُّ يمنحُ العقلَ صرامتهُ، والخيرُ يمنحُ الإرادةَ طهارتَها، والجمالُ يمنحُ الروحَ رهافتَها. وإذا اختلَّ واحدٌ من هذهِ الثلاثةِ اختلَّ الإنسانُ كلهُ؛ فالحقُّ بلا خيرٍ قد يتحولُ إلى قسوةٍ باردةٍ، والخيرُ بلا حقٍّ قد يتحولُ إلى عاطفةٍ عمياء، والجمالُ بلا حقٍّ وخيرٍ قد ينحدرُ إلى فتنةٍ حسيةٍ تخدرُ ولا تهذبُ.

“لا يقومُ عمرانٌ مستدامٌ على ذكاءِ الآلةِ وحدهِ، ولا تنهضُ أمةٌ بالوفرةِ الماديةِ إذا كان إنسانُها محطَّمَ المعنى، مشتتَ الوجدانِ.”

الحقُّ في المنطقِ يعني أن نعيدَ للعقلِ هيبتهُ، لا بوصفهِ خصمًا للروحِ، بل بوصفهِ أداةَ تمييزٍ ومسؤوليةٍ. يعني أن نرفضَ التناقضَ، وأن نكفَّ عن عبادةِ الشعاراتِ، وأن نزنَ الأفكارَ بميزانِ الدليلِ والاتساقِ والصدقِ. فالطرحُ الذي لا يستندُ إلى أصلٍ معرفيٍّ صلبٍ قد يلمعُ زمنًا بالدعايةِ، لكنهُ يسقطُ عند أولِ امتحانٍ جادٍّ. وكلُّ نهضةٍ لا تبدأُ من تصحيحِ المفاهيمِ، وضبطِ المقدماتِ، وتحريرِ العقلِ من الوهمِ والاتباعِ، تظلُ بناءً مؤجلَ الانهيارِ مهما ارتفعتْ جدرانهُ.

والخيرُ في السلوكِ هو ترجمةُ هذا الحقِّ إلى حياةٍ. فما قيمةُ معرفةٍ لا تطهرُ اليدَ، ولا تهذبُ اللسانَ، ولا ترحمُ الضعيفَ، ولا تنصرُ المظلومَ، ولا تمنعُ صاحبَها من الخيانةِ حين تقتربُ المصلحةُ؟ إنَّ الإصلاحَ الحقيقيَّ لا يبدأُ من المنابرِ العاليةِ وحدها، بل من السلوكِ اليوميِّ الصغيرِ، من نزاهةِ المعاملةِ، وصدقِ الوعدِ، رحمةِ الخلقِ، والقدرةِ على مقاومةِ ما يقدرُ الإنسانُ عليهِ حين يكونُ قادرًا على الإساءةِ. فالأخلاقُ ليست زينةً اجتماعيةً، بل هي الشكلُ العمليُّ للحقيقةِ حين تسكنُ الإنسانَ.

أما الجمالُ في الشعورِ، فهو الضمانةُ التي تمنعُ الحقَّ من الجفافِ، والخيرَ من التحولِ إلى واجبٍ ثقيلٍ بلا روحٍ. الجمالُ يربي الذوقَ على كراهيةِ القبحِ، لا في الفنِّ وحدهِ، بل في القولِ والفعلِ والعلاقةِ والمدينةِ والبيتِ واللغةِ. الإنسانُ الذي يفقدُ حسَّ الجمالِ يسهلُ عليهِ أن يألفَ الابتذالَ، ومن ألفَ الابتذالَ ضعفَ نفورهُ من القبحِ الأخلاقيِّ والفكريِّ. لذلكَ كان الجمالُ قوةً تربويةً عميقةً، لأنهُ يجعلُ النفسَ تنجذبُ إلى الرفيعِ، وتنفرُ من الفجِّ، وتبحثُ في الكونِ عن أثرِ المعنى لا عن سطحِ المتعةِ وحدهِ.

وعندما تتكاملُ هذهِ الثلاثيةُ في وجدانِ الفردِ، يبدأُ الترميمُ الحقيقيُّ. لا يعودُ الإصلاحُ شعارًا خارجيًا، بل يصيرُ إعادةَ بناءٍ للإنسانِ من الداخلِ: عقلٌ يعرفُ، وضميرٌ يستقيمُ، وذوقٌ يسمو. وهذا الترميمُ لا يتمُّ بالقسوةِ ولا بالازدراءِ، بل بحكمةِ المصلحِ الذي يشخصُ المرضَ دون أن يشمتَ بالمريضِ، ويكشفُ العطبَ دون أن يقتلَ الأملَ، ويقدمُ الترياقَ في كأسٍ من نورِ البيانِ، لأنَّ الإنسانَ لا ينهضُ بالسوطِ وحدهِ، ولا بالمعلومةِ وحدها، بل بالكلمةِ التي تجمعُ بين صدقِ التشخيصِ ورحمةِ المقصدِ وجمالِ الأداءِ.

“الأخلاقُ ليست زينةً اجتماعيةً، بل هي الشكلُ العمليُّ للحقيقةِ حين تسكنُ الإنسانَ.”

إنَّ الكلمةَ في هذا المشروعِ ليست ترفًا أدبيًا ولا زخرفةً على هامشِ الفكرةِ، بل هي جزءٌ من فعلِ النهوضِ. فالحقيقةُ العظيمةُ إذا قُدمتْ بلغةٍ متهالكةٍ خسرتْ بعضَ سلطانِها، والفكرةُ الرفيعةُ إذا نزلتْ في عبارةٍ مبتذلةٍ فقدتْ كثيرًا من هيبتِها. وليس البيانُ الجميلُ حيلةً للتغطيةِ على ضعفِ الحجةِ، بل وفاءً لحقِّ المعنى في أن يظهرَ بهندامٍ يليقُ بهِ. غيرَ أنَّ البلاغةَ لا تكونُ بلاغةً إلا إذا خدمتِ الحقيقةَ، أما إذا حلتْ محلَّها صارتْ ستارًا من دخانٍ. والكمالُ أن يلتقي البرهانُ والبيانُ، فيصيرُ العقلُ مضيئًا، والقلبُ حاضرًا، واللغةُ جسرًا لا حجابًا.

ولذلكَ فإنَّ النصَّ الإصلاحيَّ الرفيعَ ليس نصًّا يكدّسُ المصطلحاتِ ولا نصًّا يستعرضُ الزينةَ اللفظيةَ، بل نصٌّ ينسابُ فيهِ المعنى محكمًا كالنهرِ، تتسلمُ فيهِ كلُّ فكرةٍ أختَها دون انقطاعٍ، وتتحولُ فيهِ الحجةُ إلى طاقةٍ وجدانيةٍ، والمعرفةُ إلى دافعٍ أخلاقيٍّ. إنَّ الغايةَ ليست أن يقالَ إنَّ النصَّ جميلٌ فحسب، بل أن يخرجَ القارئُ منهُ وقد تغيّرَ موضعُ شيءٍ في وعيهِ، أو استيقظَ سؤالٌ في ضميرهِ، أو استقامَ ميزانٌ في نظرتهِ إلى نفسه والعالمِ.

وبهذا المعنى، فإنَّ معركةَ النهوضِ ليست صراعًا على المواردِ وحدها، ولا سباقًا في استيرادِ الأدواتِ، بل هي معركةُ سيادةٍ فكريةٍ وأخلاقيةٍ وجماليةٍ. فالأممُ لا تسقطُ لأنها لا تملكُ المصانعَ فقط، بل لأنها تفقدُ قبلَ ذلكَ معنى ما تصنعهُ، ولماذا تصنعهُ، ولمن تصنعهُ. ولا تنهضُ الأممُ لأنها امتلكتِ التقنيةَ وحدها، بل لأنها امتلكتِ إنسانًا يعرفُ كيف يستخدمُ التقنيةَ دون أن يتحولَ إلى عبدٍ لها. فالآلةُ لا تمنحُ الغايةَ، والسوقُ لا يصنعُ الضميرَ، والسرعةُ لا تعوضُ غيابَ الوجهةِ.

إنَّ ورشةَ الترميمِ الكبرى تبدأُ من إعادةِ الاعتبارِ للإنسانِ بوصفهِ كائنًا ذا رسالةٍ، لا مجردَ مستهلكٍ في سوقٍ، ولا رقمٍ في منظومةِ إنتاجٍ، ولا صورةٍ تبحثُ عن إعجابٍ عابرٍ. تبدأُ من تحريرِ العقلِ من الفوضى، والضميرِ من المساومةِ، والذوقِ من الابتذالِ، واللغةِ من التهلهلِ، والروحِ من اليأسِ. تبدأُ من الإيمانِ بأنَّ الحقَّ والخيرَ والجمالَ ليست كلماتٍ موروثةً للاحتفاءِ البلاغيِّ، بل أركانٌ وجوديةっと تحفظُ الإنسانَ من التبعثرِ، وتصنعُ للعمرانِ أساسَهُ الصلدَ.

وفي النهايةِ، لا خلاصَ لحضارةٍ تبني زجاجَها على أرضٍ رخوةٍ، ولا لمجتمعٍ يكثرُ فيهِ الذكاءُ وتقلُّ فيهِ الحكمةُ، ولا لإنسانٍ يملكُ العالمَ ويفقدُ نفسَهُ. إنَّ الكلمةَ الصادقةَ، حين تصدرُ عن عقلٍ بصيرٍ وضميرٍ حيٍّ وذوقٍ رفيعٍ، تستطيعُ أن تكونَ بدايةَ الترميمِ في جدارِ الإنسانيةِ المتصدعِ، لا لأنها وحدها تكفي، بل لأنها توقظُ ما بدونهِ لا يبدأُ عملٌ ولا يثبتُ بناءٌ. فلتكنْ غايتُنا أن نعيدَ للإنسانِ بهاءَهُ الأولَ، وللعقلِ هيبتهُ، وللضميرِ سلطانهُ، وللجمالِ رسالتهُ، وأن نكتبَ ونفكرَ ونعملَ بما يجعلُ الحياةَ أرفعَ من الاستهلاكِ، والمعرفةَ أوسعَ من المنفعةِ، والحضارةَ أسمى من الواجهاتِ اللامعةِ. هناكَ، حيثُ يلتقي الحقُّ والخيرُ والجمالُ، يبدأُ الإنسانُ في استردادِ نفسه، وتبدأُ النهضةُ في استردادِ معناها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى