الفكرتربية واجتماعمناهج وعقائدمنطق وتأصيل

أمريكا وأوهام الخلود؛ من دولة منتجة إلى إمبراطورية تحرس امتيازها

من سلسلة دراسة في عوامل وظواهر أفول الامبراطورية الأمريكية المعاصرة

لم تبدأ الولايات المتحدة إمبراطوريةً عالمية، لكنها حملت منذ تكوينها بذرتين متعارضتين؛ بذرة الجمهورية التي تقيد السلطة بالقانون وتعلن حقوق الإنسان، وبذرة التوسع الذي يرى في المجال المحيط أرضًا مفتوحةً لمشروعٍ اختارته العناية والتاريخ. وبين هاتين البذرتين تشكلت الشخصية الأمريكية؛ حريةٌ واسعةٌ داخل جماعةٍ معينة، وتوسعٌ قاسٍ على حساب من وُضعوا خارج حدود هذه الحرية.

كان التأسيس الجمهوري طاقةً سياسيةً حقيقية؛ دستورٌ ومؤسساتٌ وفصلٌ نسبي للسلطات ومجالٌ واسع للمبادرة الفردية. لكنه قام في الوقت نفسه فوق العبودية، واتسع عبر إزاحة السكان الأصليين وحروب التوسع القاري. وقد صاغت فكرة «القدر المتجلي» التوسع بوصفه حقًّا وواجبًا حضاريًّا، لا مجرد طلبٍ للأرض والأسواق؛ فظهرت مبكرًا اللغة التي تحول المصلحة الأمريكية إلى رسالةٍ يقال إنها تحمل التقدم إلى من يجري إخضاعهم. وهذه الازدواجية ليست هامشًا في التاريخ الأمريكي، بل مفتاحٌ لفهم انتقاله اللاحق من الجمهورية إلى الإمبراطورية. فالدولة التي تعلن أن قيمها كونية قد تخدم الإنسانية حين تلتزم بها، لكنها قد تمنح نفسها كذلك حق التدخل في حياة الآخرين بدعوى أنها لا تحمل مصالحها وحدها، بل تحمل مستقبلهم الذي لم يدركوه بعد.

في مرحلة التوسع القاري كانت الطاقة الأمريكية منتجةً وعنيفةً في آنٍ واحد. اتسعت الزراعة والأسواق والسكك الحديدية والصناعة، وربطت القارةَ شبكةٌ من الطرق والاتصالات، ونمت الهجرة والابتكار ورأس المال. لكن الأرض التي عُرضت في السردية الوطنية بوصفها فضاءً ينتظر العمران كانت مسكونةً بشعوبٍ جرى إخضاعها أو تهجيرها، وكان الصراع على توسيع العبودية في الغرب أحد التناقضات التي انتهت إلى الحرب الأهلية. ثم جاء الصعود الصناعي في القرن التاسع عشر ليغير مقياس القوة الأمريكية. لم تعد البلاد سوقًا داخليةً واسعةً فقط، بل أصبحت قوة إنتاجيةً وتجاريةً تبحث عن الأسواق والبحار والموانئ. ومع اقتراب القرن من نهايته، توسع الأسطول والاهتمام بالمصالح الخارجية، وجاءت حرب عام 1898 لتنهي جانبًا كبيرًا من الإمبراطورية الإسبانية في نصف الكرة الغربي، وتجعل الولايات المتحدة قوةً استعماريةً ذات ممتلكاتٍ في الكاريبي والمحيط الهادئ، بينها بورتوريكو وغوام والفلبين.

“حملت الولايات المتحدة منذ تكوينها بذرتين متعارضتين؛ بذرة الجمهورية وبذرة التوسع الإمبراطوري.”

هنا انتقلت الرسالة من تعمير القارة إلى حمل النموذج خارجها. لم تعد الحدود الأمريكية نهاية المشروع، بل أصبحت نقطة انطلاقه. وبدأ الخطاب عن تحرير الشعوب يمتزج بإقامة قواعد ومجالات نفوذ وحكمٍ مباشر أو غير مباشر. وهذا المزج بين التحرير والسيطرة سيصبح لاحقًا من أكثر سمات السياسة الأمريكية ثباتًا؛ فلا تقدم القوة نفسها غازيةً في روايتها، بل قوةً تضطر إلى التدخل كي تعيد التاريخ إلى مساره الصحيح. غير أن أمريكا لم تبلغ مركز النظام العالمي نتيجة التوسع العسكري وحده. جاءت الحربان العالميتان فأضعفتا المراكز الأوروبية القديمة، بينما خرجت الولايات المتحدة من الحرب الثانية بقدرةٍ اقتصاديةٍ وعسكريةٍ وسياسية استثنائية. وشاركت في بناء نظامٍ دولي مؤسسي؛ الأمم المتحدة، وصندوق النقد، والبنك الدولي، ونظام التجارة، ومشروع إعادة إعمار أوروبا، والتحالفات الأمنية. وقد صُممت ترتيبات بريتون وودز لإنشاء نظامٍ ماليٍّ أكثر استقرارًا وتعاونًا، بينما ساعد مشروع مارشال على إعادة بناء أوروبا الغربية وفتح أسواقٍ للسلع الأمريكية في الوقت نفسه.

كانت تلك مرحلةً أمريكيةً منتجةً بالمعنى الإمبراطوري؛ لم تكتف واشنطن بأخذ الموارد أو فرض الخضوع، بل أقامت نظامًا استطاع حلفاؤها أن ينموا داخله. نهضت أوروبا الغربية واليابان اقتصاديًّا، ولم يكن صعودهما في تلك المرحلة خسارةً خالصةً للمركز، بل أصبح جزءًا من صلابة المجال الأمريكي. وهذا ما منح القيادة الأمريكية شرعيتها الحضارية. صارت الجامعات مقصدًا للعقول، والصناعة والتقنية نموذجًا للتقدم، والدولار مركزًا للمعاملات، والثقافة الأمريكية قادرةً على دخول البيوت التي ترفض سياساتها. لم يكن العالم يخاف القوة الأمريكية فقط؛ كان قطاعٌ واسعٌ منه يريد أن يتعلم في جامعاتها، ويعمل في شركاتها، ويعيش بعض صورتها عن الحرية والفرصة.

لكن النظام لم يكن خاليًا من القمع والازدواجية. فقد دعمت واشنطن حركات التحرر في مواضع، وساندت أنظمةً سلطويةً وانقلاباتٍ وتدخلات في مواضع أخرى، بحسب ما تقتضيه الحرب الباردة والمصلحة. غير أن وجود الاتحاد السوفيتي فرض عليها قدرًا من الانضباط؛ كانت بحاجةٍ إلى الحفاظ على صورة نموذجها، وإقناع الحلفاء بأن النظام الغربي يقدم لهم أمنًا وازدهارًا أوسع من البديل.

لقد كان الخصم السوفيتي خطرًا على أمريكا، لكنه كان كذلك حاجزًا أمام غرورها. فوجود منافسٍ أيديولوجي وعسكري مكافئ يجبر القوة على الاستماع إلى الحلفاء، وعلى تقديم منافع حقيقية، وعلى تجنب بعض صور الاستثناء الفج. كانت الولايات المتحدة تقود مجالًا، لكنها تعرف أن ثمة مجالًا آخر قادرًا على اجتذاب الساخطين واستثمار أخطائها.

“لقد كان الخصم السوفيتي خطرًا على أمريكا، لكنه كان كذلك حاجزًا أمام غرورها.”

وحين تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991، حدث تحولٌ هائل في ميزان القوة، وبقيت الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة عالميًّا. دخلت اللحظة الأحادية التي بدت فيها مؤسسات النظام الذي بنته وقد أصبحت محاطةً بقوةٍ لا يوازنها منافسٌ مماثل. كانت تلك أخطر لحظات المشروع الأمريكي؛ لا لأن عدوًّا وقف على أبوابه، بل لأن المرآة اختفت من أمامه. صار من السهل تفسير الانتصار على الاتحاد السوفيتي بوصفه شهادةً نهائيةً على أن النموذج الأمريكي ليس أقوى النماذج في ظرفٍ تاريخي، بل خاتمة التطور السياسي والاقتصادي للبشرية.

ومن هنا بدأت الرسالة تتحول إلى استثناء. أعلنت الولايات المتحدة أنها تحمي النظام الليبرالي والقانون الدولي، ثم تصرفت تدريجيًّا بوصفها الحارس الذي لا يجوز أن تقيده القواعد التي يحرسها. وأصبحت القيادة الأمريكية في أجزاء من خطابها السياسي لا امتيازًا يحتاج إلى التجدد والقبول، بل حالةً طبيعيةً للعالم؛ كأن التعدد اضطراب، والاستقلال عن واشنطن انحراف، وصعود قوةٍ أخرى تهديدٌ للنظام لا مجرد تحولٍ في توزيع القدرة. لكن هذه اللحظة لم تكن خاليةً من تحذيرات الداخل. فقد أثار مفهوم الإفراط في الامتداد منذ ثمانينيات القرن العشرين نقاشًا واسعًا في الولايات المتحدة حول التناسب بين الالتزامات العسكرية والقاعدة الاقتصادية. غير أن انتصار الحرب الباردة بدا لكثيرين وكأنه دحضٌ نهائي لكل تحذير؛ فإذا كانت أمريكا قد انتصرت، فقد اعتُبر ذلك دليلًا على أن مواردها قادرةً على حمل ما تشاء من الأعباء، لا نتيجةً لتفاعل عوامل كثيرة بينها أخطاء الخصم السوفيتي نفسه.

ثم جاءت هجمات الحادي عشر من سبتمبر لتمنح الإمبراطورية الجريحة فرصةً لتوسيع الاستثناء. رأت للولايات المتحدة أن لها حق الدفاع عن شعبها وملاحقة المسؤولين عن الهجمات، فشنت مجموعة من الاعتداءات بدأت حرب أفغانستان في سياق رفض طالبان تسليم قيادة تنظيم القاعدة وإنهاء دعمها. لكن «الحرب على الإرهاب» لم تبقَ عمليةً محددة الهدف والحدود؛ تحولت إلى إطارٍ عالمي فضفاض يعيد تعريف الحرب والعدو والزمن والقانون. فالعدو لم يعد دولةً يمكن ردعها أو جيشًا يمكن هزيمته، بل مفهومًا قابلًا للاتساع. والحرب التي لا تملك نهايةً سياسيةً واضحة تمنح الأجهزة والقواعد والانتشار مبررًا دائمًا. وحين يصبح الخوف هو العدسة التي يُرى بها العالم، تميل الدولة إلى اعتبار كل حدٍّ قانوني قيدًا على قدرتها على النجاة. ثم جاء غزو العراق عام 2003 بوصفه التعبير الأشد وضوحًا عن الغرور الاستراتيجي. لم تكن العراق هي التي نفذت هجمات سبتمبر، لكن المناخ الذي صنعته الهجمات أتاح ربطها بخطاب الوقاية من الأخطار وإعادة تشكيل الشرق الأوسط. امتلكت الولايات المتحدة القدرة على إسقاط النظام بسرعة، لكنها لم تملك مشروعًا سياسيًّا قادرًا على احتواء المجتمع والدولة بعد تحطيم مؤسساتهما.

“تحول الانتصار العسكري إلى استنزافٍ سياسي وأخلاقي، واتسعت الهوة بين الرسالة الأمريكية والواقع.”

تكرر هنا أحد أنماط الإمبراطوريات في ذروتها؛ الخلط بين القدرة على الفتح والقدرة على الحكم، وبين التفوق العسكري والمعرفة الاجتماعية، وبين هزيمة النظام وإنتاج البديل. كأن الدبابة التي تستطيع اقتحام الباب تستطيع كذلك أن تكتب العقد الاجتماعي لمن في البيت. وكانت النتيجة أن تحول الانتصار العسكري إلى استنزافٍ سياسي وأخلاقي، واتسعت الهوة بين الرسالة الأمريكية عن الحرية والواقع الذي عاشته المجتمعات تحت الاحتلال والحرب. لم تفقد الولايات المتحدة الحرب لأنها عجزت عن تدمير خصومها، بل لأنها عجزت عن تحويل الدمار إلى نظامٍ يحمل شرعيةً مستقرة.

وفي أفغانستان استمرت الحرب عشرين عامًا قبل الانسحاب وعودة طالبان إلى السيطرة. وهذه النتيجة لا تعني أن البداية لم تكن مرتبطةً بهجومٍ حقيقي، بل تكشف كيف تنتقل القوة من هدفٍ محدودٍ نسبيًّا إلى مشروعٍ مفتوح لإعادة بناء دولةٍ ومجتمع، ثم تصبح المحافظة على الهيبة سببًا في استمرار التزامٍ لم يعد واضحًا ما الذي يحققه. وهكذا بدأت الالتزامات العسكرية تتراكم حول العالم، وصار كل انسحابٍ محتمل يُناقش لا على أساس المصلحة وحدها، بل على أساس الرسالة التي سيبعثها إلى الخصوم والحلفاء. وهذه هي مصيدة الهيبة؛ أن يصبح الموقع قليل الأهمية مهمًّا لأن التخلي عنه سيكشف أن الإمبراطورية قادرةٌ على التراجع، فتحرسه كي لا تعترف بأنها تستطيع العيش من دونه.

ثم جاءت الأزمة المالية عام 2008 من قلب النموذج الذي قدم نفسه بوصفه نهاية الحكمة الاقتصادية. بدأت الأزمة في سوق الرهن العقاري الأمريكي، وانتقلت عبر عمليات التوريق والرافعة المالية والأسواق المترابطة إلى النظام العالمي، وكشفت ضعف الرقابة ورداءة التقييمات وتعقيد الأدوات التي حولت المخاطر المحلية إلى عدوى دولية. ووصفت تقارير صندوق النقد تلك الأزمة بأنها الأسوأ منذ الكساد الكبير، مع انهيارٍ في الإنتاج والتجارة واضطرابٍ مالي عالمي واسع. كانت الأزمة أكثر من ركودٍ اقتصادي؛ كانت شرخًا في الشرعية الحضارية للنموذج. فالمركز الذي علّم الآخرين الانضباط المالي وجد نفسه ينقذ مؤسساته العملاقة بأموال الدولة، والنظام الذي مجّد حرية الأسواق كشف أن خسائر النخب قد تتحول إلى عبءٍ عام، بينما تبقى أرباحها خاصة.

وأسهمت الأزمة في إظهار التحول من اقتصادٍ ينتج الشرعية إلى اقتصادٍ يدير الامتياز. لم تتوقف الولايات المتحدة عن الابتكار أو الصناعة، ولم تتحول كلها إلى مصرف، لكنها شهدت اتساع المسافة بين ازدهار القطاعات المالية والتقنية الكبرى وبين أمن شرائح واسعةٍ من المجتمع. أصبح ارتفاع قيمة الأصول قادرًا على صنع ثرواتٍ ضخمة، بينما لم تعد ثمار النمو موزعةً بما يكفي لترميم الثقة في النظام. ولقد شرعت أمريكا بصفتها الاستعمارية والهيمنة التسلطية إلى فرض جباية للمال خصوصا المال الخليجي بالتهديد والضغط ظاهرا وباطنا لتعيد التوازن لاقتصادها المنهار على حساب اقتصاديات كل تلك الدول.

“تتحول الإمبراطورية من مجالٍ خارجي إلى بنيةٍ داخل الدولة تدافع عن امتيازاتها.”

وفي الوقت نفسه كانت الصين تصعد من خلال الإصلاح الصناعي، والانفتاح على التجارة والاستثمار، والاندماج المتزايد في الاقتصاد العالمي. ولم تنشئ الصين صعودها خارج النظام الذي تقوده أمريكا فقط، بل استفادت من الأسواق والمؤسسات والتقنيات التي أتاحها ذلك النظام، ثم تحولت مع الزمن إلى قوةٍ قادرةٍ على منافسة المركز في الصناعة والتجارة والتقنية.

وهنا ظهرت مفارقة القيادة الأمريكية؛ فقد كان النظام ناجحًا إلى حد أنه ساعد على إنتاج منافسين جدد، لكن واشنطن أخذت تتعامل مع نجاح الآخرين داخل النظام بوصفه خطرًا على النظام نفسه. بدل أن تعيد توزيع المسؤوليات والتمثيل بما يعكس تحول القوة، مالت إلى حماية الامتياز القديم. لا يعني ذلك أن الصين قوةٌ بريئة أو بديلٌ أخلاقي، ولا أن سياساتها الاقتصادية والعسكرية خاليةٌ من الإكراه. إنما المسألة أن صعودها يكشف انتقال العالم من الأحادية إلى الموازنة، ويختبر قدرة الولايات المتحدة على التمييز بين حماية أمنها ومنع التاريخ من التحرك.

ومع تنامي المنافسة، انتقلت السياسة الأمريكية تدريجيًّا من توسيع النظام إلى حراسة امتياز المركز داخله. توسعت القيود التقنية والعقوبات وأدوات الضغط المالي، وصار التحكم في سلاسل التوريد والتقنيات المتقدمة جزءًا من الصراع الجيوسياسي. وهذه الأدوات قد تحقق نتائج تكتيكية، لكنها تدفع المنافسين والحلفاء معًا إلى الاستثمار في الاستقلال والبدائل. فالاحتكار الذي يُستعمل سلاحًا يعلّم الخاضعين له أن الاستقلال عنه شرطٌ للأمن. وهذا ما فعله الإسبان جزئيًّا حين اعتمدوا على تدفق المعادن لتمويل القوة بدل بناء قاعدةٍ إنتاجيةٍ مكافئة، وما واجهته بريطانيا حين ارتفعت كلفة حماية مجالها الإمبراطوري مقارنةً بتغير موازين الصناعة، وما عاناه الاتحاد السوفيتي حين أصبحت التعبئة العسكرية والأيديولوجية غير قادرةٍ على إخفاء جمود الاقتصاد والمؤسسات.

لكن المقارنة لا تعني التطابق. الولايات المتحدة تختلف عن إسبانيا وبريطانيا والاتحاد السوفيتي في جغرافيتها واقتصادها وجامعاتها وقدرتها على جذب الكفاءات وعمق سوقها. ولهذا لا يفرض التاريخ عليها نهايةً جاهزة. إنما يضع أمامها الأسئلة نفسها؛ هل تستطيع تجديد قاعدتها المنتجة؟ هل تسمح مؤسساتها بالنقد والإصلاح؟ هل تقلص الالتزامات التي لا تخدم مصالحها الحيوية؟ هل تقبل بأن تكون قوةً كبرى داخل نظامٍ متعدد بدل أن تكون القانون فوقه؟

وتكمن الأزمة الأمريكية العميقة في انغلاق أجزاء من النخبة على مصالحها. فالمؤسسة العسكرية والصناعات المرتبطة بها، والقطاع المالي، والشركات التقنية، والأجهزة الأمنية، ليست أدواتٍ محايدةً خارج المجتمع؛ إنها مراكز قوةٍ داخليةٌ تستفيد من استمرار الامتداد والصراع. وقد يكون تقليص بعض الالتزامات مفيدًا للجمهورية، لكنه يهدد مصالح قطاعاتٍ بنت ثروتها ونفوذها على الإمبراطورية.

وهكذا تتحول الإمبراطورية من مجالٍ خارجي إلى بنيةٍ داخل الدولة. لا يعود السؤال هل تحتاج أمريكا إلى قاعدةٍ بعينها، بل مَن سيفقد التمويل والعقود والنفوذ إذا أُغلقت. ولا يعود السؤال هل تخدم العقوبة غايتها، بل هل تستطيع النخبة الاعتراف بأن أداتها المفضلة قد أنتجت بدائل ضدها. وفي الداخل تتراجع القدرة على الإصلاح حين يصبح الاعتراف بالخطأ اعترافًا بفقدان الهيبة. حربٌ فاشلة لا تُسمى فاشلة، لأن التسمية تهدد صورة القيادة. وسياسةٌ اقتصادية راكمت التفاوت لا تُراجع جذريًّا، لأن مراجعتها تمس شبكات النفوذ. وتتحول الانتخابات إلى صراعٍ على إدارة الإمبراطورية أكثر من كونها بحثًا في حدودها.

وتتسع المسافة بين خطاب الدولة وحياة المواطن. تتحدث واشنطن عن قيادة العالم الحر، بينما يسأل الأمريكي عن معنى الحرية في مجتمعٍ تتعاظم فيه مخاوفه الاقتصادية والسياسية. وتطلب منه الدولة تمويل حضورٍ عالمي لا ينتهي، بينما تتآكل الثقة بالبنية الداخلية. ويصبح المجد الخارجي أحيانًا تعويضًا رمزيًّا عن عجزٍ داخلي؛ يُقال للمواطن إنه ينتمي إلى أقوى أمةٍ على الأرض، كي لا يسأل بحدةٍ كافية عما تمنحه هذه القوة لحياته.

وهنا يقترب النموذج الأمريكي من لحظة الاختيار بين الجمهورية والإمبراطورية. الجمهورية تحتاج إلى قانونٍ يخضع له الجميع، وإلى مؤسساتٍ قابلة للمحاسبة، وإلى مواطنٍ لا يُستعمل وقودًا لمشروعاتٍ لا يقررها. أما الإمبراطورية فتحتاج إلى استثناءاتٍ وسريةٍ وأجهزةٍ وحروبٍ بعيدة وحقٍّ دائم في التدخل. وقد تستطيع الدولة الجمع بينهما زمنًا، لكن التوتر يتراكم. كل استثناءٍ يُنشأ للخارج يمكن أن يجد طريقه إلى الداخل، وكل جهازٍ يتعلم العمل بلا رقابة يكره العودة إلى الحدود، وكل حربٍ دائمة تحتاج إلى خوفٍ دائم. عندئذٍ لا يكون أخطر ما تفعله الإمبراطورية أنها تظلم الآخرين فقط، بل أنها تعيد تشكيل الدولة التي تحملها على صورتها.

“لا يبدأ الأفول الأمريكي حين تصبح الصين أكبر في مؤشرٍ ما، بل حين تعجز أمريكا عن تصور العظمة خارج الاحتكار.”

ولا يزال أمام الولايات المتحدة مجالٌ واسع للتجدد. فهي لم تفقد قدرتها الإنتاجية والمعرفية، ولا تزال مؤسساتها تملك إمكاناتٍ للمراجعة. لكن بقاء القوة لا يضمن حسن استعمالها، والقدرة على الإصلاح لا تعني أن النخب ستختاره. فالإمبراطوريات لا تسقط عادةً لغياب كل طريقٍ إلى النجاة، بل لأنها ترفض الطريق الذي يتطلب منها التخلي عن بعض امتيازاتها.

يمكن لأمريكا أن تقبل بعالمٍ متعدد المراكز، وأن تحول التحالف من تبعية إلى شراكة، وأن تستعمل قوتها لحماية قواعدٍ تخضع لها هي أيضًا، وأن تعيد وصل الاقتصاد بالإنتاج والمجتمع، وأن تميز بين مصالحها الحيوية وشهوة الحضور في كل مكان. لكن ذلك يتطلب أن تتخلى عن وهم الخلود؛ عن الاعتقاد بأن لحظة 1991 كانت كشفًا عن نظام الطبيعة لا ظرفًا تاريخيًّا عابرًا، وأن التفوق الذي صنعته الصناعة والمؤسسات والتحالفات سيستمر ولو تآكلت الصناعة والمؤسسات والثقة، وأن من يعارض الامتياز الأمريكي يعارض الحضارة نفسها.

لا يبدأ الأفول الأمريكي حين تصبح الصين أكبر في مؤشرٍ ما، ولا حين تخسر واشنطن حربًا أو قاعدة، بل حين تعجز عن تصور العظمة خارج الاحتكار. حين لا تعود قادرةً على قيادة نظامٍ إلا إذا امتلكته، وعلى احترام قانونٍ إلا إذا كتبت استثناءه، وعلى قبول حليفٍ إلا إذا أطاع، وعلى رؤية صعود الآخرين إلا بوصفه سرقةً لمكانةٍ تظن أنها خُلقت لها.

إن التاريخ لا يحكم بأن الولايات المتحدة ستسقط غدًا، لكنه يحذرها من أن القوة القديمة ليست ضمانًا أبديًّا للمستقبل. فقد تبقى الجيوش والدولار والجامعات والتقنيات زمنًا طويلًا، بينما تتآكل الشرعية، ويزداد الخصوم تعلمًا، والحلفاء استقلالًا، والمجتمع انقسامًا، وكلفة حماية الامتياز ارتفاعًا. وعندئذٍ قد تجد أمريكا نفسها في مفارقة الإمبراطوريات عند أفولها؛ تملك من القوة ما يكفي لإيذاء كل خصم، ولا تملك من الحكمة ما يكفي لصناعة عالمٍ لا يريد الجميع فيه مقاومتها. تكون قادرةً على منع انتصار الآخرين مؤقتًا، عاجزةً عن تقديم مستقبلٍ يشتركون معها في بنائه. فالإمبراطوريات لا تفنى لأن القوة غادرتها دفعةً واحدة، بل لأن القوة تتجمد في صورةٍ قديمة، وتتحول الرسالة إلى استثناء، والاستثناء إلى امتياز، والامتياز إلى عقيدة، ثم تنفق الدولة حاضرها كله دفاعًا عن حقٍّ أبدي لم يمنحه لها التاريخ، وإنما أعاره إياها زمنًا ثم بدأ يطالبها برده.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى