الفكرتربية واجتماعمناهج وعقائدمنطق وتأصيل

كيف تصعد القوى الكبرى وتهوي بها غرور لحظة الذروة؟

من سلسلة دراسة في عوامل وظواهر أفول الامبراطورية الأمريكية المعاصرة

لا تولد القوى الكبرى من الذهب المكدّس في الخزائن، ولا من السيوف المعلقة على أبواب القصور، بل تولد غالبًا من حاجةٍ تاريخيةٍ عميقة؛ فوضى تبحث عن نظام، وانقسامٍ يفتش عن مركز، وطرائق قديمةٍ عجزت عن حماية المجتمع أو إطعامه أو تنظيم طاقاته. عندئذٍ تظهر جماعةٌ تملك من التماسك والإرادة والخيال ما لا يملكه غيرها، فتعيد جمع الأجزاء المتناثرة، وتمنح القوة معنى، وتقدم للناس وعدًا بأن الغد لن يكون تكرارًا للعجز الذي أنهكهم.

في بداياتها لا تكون القوة تاجًا على رأس الحاكم، بل عضلةً في جسد المجتمع. تعمل، وتنتج، وتتعلم، وتغامر، وتبني الطرق والإدارة والأسواق والجيوش والمؤسسات. تكون أقرب إلى المحراث منها إلى الصولجان؛ تشق الأرض التي عجز السابقون عن شقها، وتفتح منافذ بين الجماعات والمناطق، وتحول التفرق إلى قدرةٍ جمعية. ولهذا لا يبدأ صعود الأمم الكبرى من انتصارها على الآخرين فقط، بل من انتصارها على شيءٍ من فوضاها الداخلية.

لكن التاريخ ينسج في أعماق كل قوةٍ مفارقةً خفية؛ فالخصال التي تصنع الصعود قد تُضعفها نتائج الصعود نفسه. الحاجة تولّد الانضباط، والندرة تفرض الاقتصاد، والخطر يجمع الصفوف، والمنافسة تفتح العقل على التعلم. فإذا جاء الثراء والأمان واتسع النفوذ، أمكن للانضباط أن يرخو، وللوحدة أن تتحول إلى استعلاء، وللمؤسسات المنتجة أن تصير حارسةً للامتياز، وللرسالة التي منحت القوة معناها أن تنقلب إلى حجةٍ تمنحها حقًّا أبديًّا في القيادة.

“لا يبدأ صعود الأمم الكبرى من انتصارها على الآخرين فقط، بل من انتصارها على فوضاها الداخلية.”

ولهذا يبدو تاريخ القوى الكبرى كأنه دورةٌ تتكرر، غير أنه ليس ساعةً ميكانيكيةً تمر فيها كل أمةٍ بالمراحل نفسها وفي الأعمار نفسها. التاريخ لا يملك تروسًا خفيةً تدفع المجتمعات إلى حتفها في مواعيد مقدرة، وإنما يكشف عن أنماطٍ تتكرر لأن البشر والمؤسسات والقوة والمصلحة تنتج، في ظروفٍ متقاربة، إغراءاتٍ وأزماتٍ متقاربة. والفرق بين القانون الحتمي والنمط المتكرر جوهري. القانون الحتمي لا يترك مجالًا للإرادة أو المصادفة أو الإصلاح، أما النمط فيقول إن ظروفًا معينةً تجعل نتيجةً ما أكثر احتمالًا، لا أنها تجعلها قدرًا لا يُرد. قد تتعلم أمةٌ من أزمةٍ كادت تقتلها، وقد يظهر قائدٌ يعيد ترتيب الأولويات، وقد تغير تقنيةٌ جديدةٌ ميزان الإنتاج والحرب، وقد تنهار قوةٌ صاعدة بسبب قرارٍ واحدٍ أحمق، وقد تجدد إمبراطوريةٌ مؤسساتها فتؤخر أفولها قرونًا.

ومن هنا لا ينبغي أن يتحول ابن خلدون أو أرنولد توينبي أو بول كينيدي إلى منجمين يقرؤون للأمم طالعها، ولا أن تُستعمل أفكارهم جداول جاهزةً نضع فيها كل دولةٍ ثم نعلن موعد سقوطها. لقد قدم كل واحدٍ منهم عدسةً تكشف جانبًا من الظاهرة، لا مرآةً سحريةً تعكس المستقبل كله. رأى ابن خلدون في العصبية قوةً للتماسك والتعاون والطلب السياسي؛ طاقةً تجعل الجماعة قادرةً على احتمال الكلفة وتوحيد الإرادة وإقامة الملك. لكن العصبية ليست دمًا قبليًّا وحده، بل رابطةٌ جمعيةٌ تمنح الأفراد شعورًا بأن مصيرهم متصل، وأنهم مستعدون للعمل والتضحية ضمن مشروعٍ مشترك. وهي تفسر جانبًا من طاقة التأسيس، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير الاقتصاد والتقنية والجغرافيا والمؤسسات والقيادة والمصادفات التي تصنع التاريخ. أما توينبي فقد رأى أن الحضارات تنمو حين تستجيب استجابةً خلاقةً للتحديات، وأن الجماعة المبدعة تفقد شرعيتها حين تتحول من أقليةٍ تقنع المجتمع بمحاكاتها إلى أقليةٍ مهيمنةٍ تفرض نفسها عليه. ولم يكن تصوره، في صورته الأدق، قانونًا طبيعيًّا يجعل الانهيار محتومًا، بل تأكيدًا أن القدرة على الاستجابة الإبداعية، أو العجز عنها، هي التي تحدد اتجاه الحركة. أما كينيدي فلفت النظر إلى العلاقة بين القاعدة الاقتصادية والالتزامات العسكرية؛ فالقوة العظمى قد تراكم مسؤولياتٍ وجبهاتٍ والتزاماتٍ تفوق ما تسمح به قدرتها الإنتاجية على المدى الطويل. لا تسقط لأنها أنفقت على جيشها، بل لأنها تفقد التناسب بين ما تريد حمايته وما تستطيع مواردها تجديده. يصبح الامتداد الذي كان يومًا دليلًا على التفوق شبكةً تلتف حول المركز وتستنزفه.

وتتكامل هذه العدسات من غير أن يختزل بعضها بعضًا؛ فالعصبية تشرح طاقة الاجتماع، والتحدي والاستجابة يشرحان القدرة على التجدد، والإفراط في الامتداد يشرح اختلال العلاقة بين الطموح والموارد. لكن التاريخ يبقى أوسع منها جميعًا؛ فقد تمنح التقنية دولةً صغيرةً قوةً لم تكن متاحةً لمن قبلها، وقد تغير الثورة الصناعية أو الطاقة أو المعلومات معنى المسافة والثروة، وقد تقلب قيادةٌ بارعةٌ هزيمةً إلى إصلاح، أو تقلب قيادةٌ مغرورةٌ ذروةً إلى هاوية.

تبدأ دورة القوة الكبرى حين يعجز النظام السابق عن أداء وظائفه. تنهار الطرق القديمة في ضبط الأمن أو جمع الموارد أو إدارة الاختلاف، وتفقد النخب القديمة قدرتها على إقناع المجتمع، وتتسع المسافة بين المؤسسات والواقع. في هذه اللحظة لا تكفي الشجاعة الفردية؛ لا بد من نخبةٍ قادرةٍ على التنظيم، ومن تماسكٍ اجتماعيٍّ أو أيديولوجي، ومن وعدٍ يتجاوز الغنيمة. إنَّ القوة المؤسسة لا تقول للناس: اتبعوني لأنني أملك السيف فحسب، بل تقول لهم: إن داخل النظام الجديد أمنًا أكثر، وعدلًا أوسع، أو إدارةً أكفأ، أو فرصةً أكبر للنمو. قد تكون هذه الرسالة صادقةً جزئيًّا وممزوجةً بطموح السيطرة، لكن التوسع الذي لا يقدم للأطراف شيئًا غير الخوف يحتاج إلى احتلالٍ دائم، أما النظام الذي يمنح حوافز حقيقيةً فيستطيع تحويل بعض الخاضعين إلى شركاء ومستفيدين وحراس. لهذا كان الجمع بين السلاح والإدارة أحد أسرار القوى الصاعدة. السلاح يفتح الباب، لكن الإدارة تمنع البيت من السقوط بعد فتحه. الجيش يستطيع إخضاع إقليم، لكنه لا يستطيع وحده تنظيم الضرائب والقضاء والطرق والموانئ والأسواق والاتصالات. والسلطة التي تنتصر في الحرب وتفشل في الإدارة تبني من خصومها أكثر مما تهزم.

“السلاح يفتح الباب، لكن الإدارة تمنع البيت من السقوط بعد فتحه.”

في مرحلة الصعود تكون القوة منتجة. تتفوق في الزراعة أو الصناعة أو التجارة أو التقنية العسكرية، وتعرف كيف تحول الفائض الاقتصادي إلى مؤسساتٍ وقدرات. تبني الطرق لأنها تحتاج إلى نقل الجنود والبضائع، لكن الطرق نفسها توسع السوق وتربط الأقاليم. تنظم الضرائب لتمويل الدولة، لكن الإدارة المنتظمة تقلل فوضى الجباية. تطور الموانئ لحماية التجارة، ثم تصبح الموانئ منافذ للمعرفة والهجرة ورأس المال. وتتعلم القوى الصاعدة من خصومها بلا عقدةٍ من الاعتراف. تأخذ السلاح الأفضل، والتنظيم الأقدر، والمعرفة الأعمق، ثم تعيد تركيبها داخل تجربتها. ففي مرحلة الصعود لا تكون الهوية جدارًا خائفًا، بل معدةً حضاريةً قويةً تهضم ما ينفعها. أما حين تبدأ القوة بالشيخوخة النفسية، فإنها تخلط بين التعلم والهزيمة، وتفضل التمسك بطريقةٍ ثبت قصورها على الاعتراف بأن لدى الخصم شيئًا يستحق الاقتباس.

كما تستوعب القوة الصاعدة النخب المحلية بدل أن تعتمد على غرباء المركز وحدهم. تمنح بعض الأطراف حوافز للدخول في النظام؛ مكانةً أو حمايةً أو أسواقًا أو مواطنةً أو فرصًا للترقي. لا يلغي ذلك التراتب والاستغلال، لكنه يجعل الإمبراطورية شبكة مصالحٍ لا سجنًا عسكريًّا مجردًا. وهنا تنتقل القوة إلى مرحلة الشرعية الحضارية؛ وهي اللحظة التي لا يعود فيها الآخرون يقلدون المركز لأنهم يخافونه فقط، بل لأنهم يرون فيه صورةً من المستقبل. تنتشر لغته لأنها لغة الإدارة والعلم والتجارة، وتُدرّس قوانينه لأن مؤسساته تبدو أكفأ، ويقصد الناس عاصمته للتعلم والعمل، وتتشكل خارج حدوده طبقاتٌ ترتبط مصالحها بنجاحه.

والفرق عميق بين الاستتباع والانجذاب. الاستتباع يجعل الطرف يتصرف كما يريد المركز لأن تكلفة العصيان مرتفعة. أما الانجذاب فيجعله يعيد تشكيل نفسه طوعًا؛ يقتبس التعليم والمؤسسات واللغة والمعايير لأنه يراها طريقًا إلى القوة. الإمبراطورية التي تجمع الخوف بالجاذبية أكثر رسوخًا من إمبراطوريةٍ لا تملك إلا الخوف، لأن الجنود يستطيعون حماية الحدود، لكنهم لا يستطيعون احتلال المخيلة إلى الأبد.

وقد كانت روما، في مراحل من تاريخها، قادرةً على توسيع مجال القانون والمواطنة واستيعاب نخبٍ من خارج النواة الأولى، فتحول بعض الخاضعين إلى مشاركين في النظام. وكانت الدولة العباسية في طورها المؤسس قادرةً على جمع طاقاتٍ عربية وفارسية وغيرها داخل جهازٍ إداريٍّ وثقافيٍّ واسع، ثم أخذت أطرافها تنشئ مع الزمن سلالاتٍ وقوًى مستقلةً مع تراجع قدرة المركز السياسية، حتى عندما بقيت للخلافة مكانةٌ رمزية.

والدولة العثمانية لم تعش ستة قرون لأنها ظلت جامدةً على نظامٍ واحد، بل لأنها عرفت طويلًا أشكالًا من التكيف والمرونة وإدارة التنوع. ولهذا تحذر الدراسات الحديثة من سردية «الانحدار» البسيطة التي تتخيل أن الإمبراطورية بدأت تتعفن فور انتهاء توسعها، وتفضل الحديث عن أزماتٍ وتحولاتٍ ومحاولات إصلاحٍ معقدة تفاعلت فيها العوامل الداخلية والخارجية. غير أن مرحلة الشرعية الحضارية تقود إلى لحظةٍ هي أخطر من لحظات الضعف الظاهر؛ لحظة الذروة. ففي زمن التأسيس تعرف القوة أنها محاطةٌ بالأخطار، وفي زمن الصعود تعرف أن عليها أن تتعلم، أما عند الذروة فيغيب المنافس المكافئ أو يضعف، فتبدأ القوة بتفسير نجاحها تفسيرًا أخلاقيًّا مطلقًا.

“في مرحلة الصعود لا تكون الهوية جدارًا خائفًا، بل معدةً حضاريةً تهضم ما ينفعها.”

لا تعود تقول إن مؤسساتها نجحت في شروطٍ تاريخيةٍ معينة، بل ترى نجاحها دليلًا على تفوقها الجوهري. لا تقول إن نظامها أقوى من البدائل المتاحة، بل تقول ضمنًا إنه الصورة الطبيعية الوحيدة للعالم. وتتحول اللحظة التاريخية إلى عقيدة؛ كأن ميزان القوة لم تصنعه الصناعة والحرب والتحالفات والمصادفات، بل منحته الطبيعة لأمةٍ اختارتها كي تعرّف للبشر معنى التقدم. وهنا يبدأ الخلط بين النظام القائم وقوانين الكون. ما يخدم المركز يُعرض بوصفه نافعًا للعالم بالضرورة، وما يهدد امتيازه يُصوَّر تهديدًا للاستقرار الإنساني كله. ينكمش الفارق بين أمن الدولة وأمن النظام، ثم بين أمن النظام وأمن البشرية، حتى تصبح مقاومة قرار المركز عصيانًا على العقل والتاريخ.

وفي الذروة تتراجع القدرة على سماع الاعتراض؛ لأن التحذير يفسد صورة الانتصار. يصبح الناقد الداخلي جبانًا أو خائنًا أو فاقدًا للإيمان برسالة الأمة. وتطرد النخبة من حولها الأصوات التي تذكّرها بالحدود، فتسمع صوتها مرتدًّا من جدران القصر وتظنه إجماعًا عالميًّا. عند هذه النقطة تتحول الرسالة إلى استثناء. تبدأ الإمبراطورية بإعلان مبادئ عامة؛ القانون، أو الحضارة، أو الأمن، أو التحرير، أو العدالة. ثم تقدم نفسها بوصفها الحارس الأوحد لهذه المبادئ. وبعد ذلك تستنتج أن الحارس لا يمكن تقييده بالقواعد التي يحرسها، لأن مهمته الاستثنائية تحتاج إلى حريةٍ استثنائية. ثم تتصلب امتيازاته حتى تبدو جزءًا من النظام الطبيعي. وأخيرًا تصف مقاومة امتيازه بأنها عدوانٌ على المبادئ نفسها التي أعفى نفسه من الخضوع لها. هذه هي اللحظة التي يتحول فيها التفوق من حقيقةٍ تاريخية إلى وهمٍ ميتافيزيقي بالاستحقاق الدائم. لا تعود الدولة قويةً لأنها تملك اقتصادًا وجيشًا وتحالفات، بل تتخيل أنها تملك الاقتصاد والجيش والتحالفات لأنها جديرةٌ بالقيادة إلى الأبد. تنقلب النتيجة إلى سبب، والمكسب إلى حق، والظرف إلى قدر.

ثم يأتي الإفراط في الامتداد. تتسع الالتزامات العسكرية لأن كل منطقةٍ أصبحت متصلةً بهيبة المركز، لا بمصلحته الحيوية وحدها. لا تستطيع الإمبراطورية الانسحاب من موقعٍ قليل القيمة، لأن خصومها قد يفسرون الانسحاب ضعفًا. فتحرس المكان لا لما فيه، بل لما يعنيه تركه. وهكذا تتحول الهيبة إلى دائنٍ شرهٍ يطالب الدولة بسداد فوائد لا تنتهي. ثم يتبع ذلك تراكم الحروب الصغيرة، والانتشارات، والقواعد، والمساعدات العسكرية، وضمانات الأمن. ويصعب على المجتمع أن يعرف أيها يحميه وأيها يحمي صورة الإمبراطورية عن نفسها. وتتسع الفجوة بين الأهداف المعلنة والقدرة السياسية الواقعية؛ فالجيش قد يمنع الهزيمة، لكنه لا يصنع حكومةً شرعية، وقد يسقط مدينةً لكنه لا يبني مجتمعًا.

ويبدأ مركز الاقتصاد نفسه بالتحول من الإنتاج إلى الامتياز. ففي زمن الصعود تصنع النخبة المصانع والسفن والتقنيات، أما في زمن الهيمنة فقد تجد أن إدارة المكانة القائمة أكثر ربحًا من بناء قوةٍ جديدة. تعتمد على التمويل والريع والاحتكارات وامتياز العملة والأسواق، وتكتشف أن الطلب العالمي على أصولها يسمح لها بتأجيل مواجهة الخلل الداخلي. ولا يعني هذا أن التمويل عيبٌ أو أن الصناعة القديمة هي الشكل الوحيد للقوة؛ إنما الخطر أن تنفصل الثروة عن قدرة المجتمع الإنتاجية، وأن تصبح النخبة أغنى في الوقت الذي تضعف فيه البنية التي تحمل الدولة. تنمو المضاربات، وتتركز الأسواق، وتصبح أرباح الفئة العليا أقل اتصالًا بجودة التعليم والبنية التحتية وحياة العامل، فيبدو الاقتصاد متألقًا في المؤشرات ومجهدًا في الجذور. وتكشف إسبانيا في العصر الإمبراطوري جانبًا من هذا الخطر؛ فقد أسهم تدفق الفضة الأمريكية في توسيع قدرتها على تمويل الحروب والاستهلاك، لكنه ارتبط كذلك بثورةٍ سعريةٍ وتضخمٍ أضعفا الأثر الحقيقي للثروة، فلم تكن المعادن الوافدة بديلًا مستدامًا عن تجديد القاعدة الإنتاجية.

“تتحول الهيبة إلى دائنٍ شرهٍ يطالب الدولة بسداد فوائد لا تنتهي في مواقع لا قيمة لها.”

ثم تنغلق النخبة. يتراجع الحراك، ويحل الولاء محل الكفاءة، وتتحول المؤسسات من أدواتٍ لحل الأزمات إلى ساحاتٍ تتصارع فيها المصالح على الغنائم. ويصبح الاعتراف بالخطأ شديد الكلفة، لأن كل إصلاحٍ يكشف أن الإدارة السابقة لم تكن معصومة، وأن الهيبة التي عاش عليها النظام تخفي عيوبًا قابلةً للمحاسبة. وتتسع المسافة بين لغة الدولة وحياة المواطنين. تتحدث النخبة عن العظمة، بينما يرى المواطن بنيةً تحتيةً متعبة، وفرصًا تتقلص، وثروةً تتكدس بعيدًا عنه. وتطلب منه التضحية لحماية نظامٍ عالمي، فيسأل عن مقدار ما يحميه هذا النظام داخل وطنه. عندئذٍ يتصارع الخارج والداخل على الموارد والمعنى، وتبدأ الإمبراطورية بأكل الجمهورية أو الدولة التي قامت فوقها.

وفي الخارج تتشكل قوى الموازنة. الخصوم لا يبقون تلاميذ متأخرين إلى الأبد؛ يدرسون تقنيات الإمبراطورية، وينقلون صناعاتها، ويطورون أدواتهم. والحلفاء لا يقبلون التبعية المطلقة إذا صاروا قادرين على الاستقلال. والعقوبات التي تعاقب الخصم تدفعه إلى بناء طرق ماليةٍ بديلة، والاحتكار التقني يحفزه على الاستثمار في بديله، والضغط المفرط يجمع دولًا لم تكن قادرةً على التعاون لولا خوفها المشترك من المركز. وهذه مفارقة الهيمنة؛ أنها تصنع بيدها أحيانًا الائتلاف الذي سيوازنها. فالدول التي تختلف في المصالح والثقافات قد تتعاون لأن القوة المهيمنة لم تترك لكل واحدةٍ منها أمانًا منفردًا. لا يوحدها الحب، بل الخوف من أن يأتي دورها لاحقًا.

وهكذا لا يبدأ الأفول لأن الإمبراطورية كفت فجأةً عن امتلاك القوة، بل لأنها بدأت تتعامل مع القوة القديمة كما لو كانت ضمانًا أبديًّا للمستقبل. تظل تستهلك من رصيد الانتصارات السابقة، وتتعامل مع الثقة الموروثة كما لو كانت منجمًا لا ينضب، وتظن أن المؤسسات التي بنتها ستظل تعمل لمصلحتها حتى بعد أن تكف عن الوفاء بالعقد الذي شرعنها.

“قوة الأمة الحقيقية لا تُقاس بقدرتها على بلوغ الذروة، بل بقدرتها على النجاة من غرورها عند الذروة.”

إن قوة الأمة الحقيقية لا تُقاس بقدرتها على بلوغ الذروة وحدها، بل بقدرتها على النجاة من غرورها عند الذروة. فهناك أممٌ تهزم خصومها ثم تهزم نفسها؛ لا لأنها افتقرت إلى المال والسلاح، بل لأنها صدقت أن نجاح الأمس أعفاها من شروط النجاح غدًا. وهناك قوى تستطيع أن تجدد رسالتها ومؤسساتها، وتقلص التزاماتها، وتسمع النقد، وتعيد وصل الثروة بالإنتاج، فتجعل الذروة محطةً للمراجعة لا منصةً لعبادة الذات. لكن الإمبراطورية التي تتحول رسالتها إلى استثناء لا تعترف بسهولةٍ بأن العالم تغير؛ لأنها لا ترى امتيازها صفحةً من التاريخ، بل ترى التاريخ كله هامشًا حول امتيازها. وعندئذٍ تبدأ بمحاربة المستقبل، لا لأنها لا تملك القوة، بل لأنها لم تعد تعرف كيف تستخدم قوتها إلا لحراسة الماضي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى