القانون في قبضة الإمبراطورية الأمريكية؛ بين الاستثناء والمحاسبة
من سلسلة دراسة في عوامل وظواهر أفول الامبراطورية الأمريكية المعاصرة
تقوم الشرعية الأمريكية الحديثة على مفارقةٍ لا يمكن فهمها من أحد وجهيها وحده؛ فالولايات المتحدة أسهمت بفاعليةٍ في بناء مؤسسات النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، ورفعت شعارات الحرية وسيادة القانون وحقوق الإنسان، لكنها طورت في الوقت نفسه تصورًا استثنائيًّا لموقعها؛ كأنها ليست دولةً داخل النظام فقط، بل القوة التي تمنح النظام معناه، وتملك لذلك حق تفسير قواعده وتحديد متى تصبح ملزمةً ومتى تعوق «المسؤولية» التي تنفرد بها. لم تكن هذه الازدواجية حادثةً طارئةً في سياسةٍ واحدة، بل توترًا متأصلًا بين الدولة والإمبراطورية. الدولة تقول إن السلطة تُقيد بالقانون، وإن الإنسان لا يُجرَّد من حقوقه لمجرد اتهامه، وإن الحرب تحتاج إلى سندٍ مشروعٍ ومحاسبة. أما الإمبراطورية فتقول إن الأخطار التي تواجهها استثنائية، وإن مسؤوليتها العالمية لا تحتمل القيود نفسها، وإن الأمن قد يتطلب مناطق قانونيةً رماديةً لا يدخلها القضاء والإعلام والرأي العام إلا بعد أن تُنجز السلطة ما تريد.
في أوقات الاستقرار يبدو التناقض قابلًا للإخفاء؛ تتحدث الدولة بلسان القانون، وتعمل أجهزتها في مساحاتٍ لا يراها الجمهور. لكن لحظات الخوف تكشف البنية العميقة. بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر لم تواجه الولايات المتحدة خطرًا متوهمًا؛ تعرضت لهجومٍ حقيقيٍّ بالغ القسوة، وكان من حقها ملاحقة المسؤولين وحماية شعبها. غير أن طبيعة الاستجابة نقلت السياسة الأمريكية من مواجهة جريمةٍ وتنظيم إلى إعلان حربٍ مفتوحة على مفهومٍ لا يملك حدودًا واضحة. وحين يصبح العدو هو «الإرهاب»، وهي كلمة فضفاضة المعنى والتفسير لا جيشًا محددًا ولا دولةً محددة، يصبح من الممكن تمديد ساحة الحرب إلى كل مكان، وتمديد زمنها إلى أجيال، وتغيير تعريف المقاتل والأسير والحدود القضائية. ومن هنا نشأت البيئة التي سمحت بالاعتقال المفتوح، والتسليم السري، ومواقع الاحتجاز الخارجة عن أعين الجمهور، وأساليب استجوابٍ أُعيدت تسميتها كي تمر عبر أبواب القانون الضيقة.
“لم تكن الازدواجية حادثةً طارئةً في سياسة واحدة، بل توترًا متأصلًا بين الدولة والإمبراطورية.”
كان غزو العراق عام 2003 اختبارًا حاسمًا لادعاء القيادة القانونية. لم يصدر تفويضٌ جديدٌ صريحٌ من مجلس الأمن يجيز الحرب، وشهد المجلس بعد بدء العمليات اعتراضًا واسعًا؛ وصف كثيرٌ من المتحدثين الحرب بأنها جرت بلا تفويضٍ من المجلس وخالفت ميثاق الأمم المتحدة، بينما تمسكت الولايات المتحدة وبريطانيا بتفسيرٍ يقول إن قراراتٍ سابقةً وفرت أساسًا كافيًا. وبعد الاحتلال تعاملت قرارات المجلس مع الولايات المتحدة وبريطانيا بوصفهما سلطتي احتلال، ونظمت الواقع اللاحق من غير أن تمنح الغزو بأثرٍ رجعيٍّ شرعيةً دوليةً محل اتفاق. والأخطر أن الادعاء المركزي المتعلق بأسلحة الدمار الشامل لم يثبت بالصورة التي سُوِّقت للحرب؛ فقد أبلغ رئيس لجنة الأمم المتحدة للرصد والتحقق والتفتيش مجلس الأمن في يونيو 2003 أن المفتشين لم يجدوا، حتى انسحابهم قبيل الحرب، دليلًا على استمرار أو استئناف برامج الأسلحة المحظورة. لا يعني ذلك طبعاً أن نظام صدام حسين كان بريئًا أو متهماً أو مشروعًا غير مشروع، ولا أن تاريخ العراق خالٍ من القمع والعدوان. لكن شرعية الحرب لا تُبنى على سوء النظام وحده؛ وإلا أصبح لكل قوةٍ كبرى حق إسقاط أي حكومةٍ تراها ظالمة، وفق تقديرها ومصالحها. إذا صار الاستبداد الداخلي تصريحًا مفتوحًا للغزو الخارجي، لم يعد العالم يملك قانونًا، بل قائمة حكوماتٍ ينتظر كل منها حكم القوة الأقرب.
كشفت حرب العراق كيف يمكن للخطاب الأخلاقي أن يتحول إلى أداةٍ مزدوجة؛ يُستدعى تحرير الشعب بعد ضعف حجة الخطر المباشر، ثم يُطلب من المجتمع الذي دُمرت دولته أن يرى القصف والاحتلال طريقًا إلى حريته. وحين أخفق بناء النظام الجديد، لم تكن الخسارة عراقيةً فقط؛ خسرت أمريكا جزءًا من قدرتها على استعمال لغة الديمقراطية من غير أن يستدعي السامعون صور الحرب والفوضى. ثم جاء سجن أبو غريب ليكثف التناقض في صورٍ لا تحتاج إلى فلسفةٍ كي تشرحها. أظهرت التحقيقات العسكرية وسجلات الجيش انتهاكاتٍ شملت التعذيب والإذلال الجنسي والضرب ومعاملةً مهينةً للمعتقلين، وأقر تقرير التحقيق العسكري بوقوع أفعالٍ جسيمة ومخالفاتٍ خطيرة للقانون، وبفشل قياداتٍ في منع الاعتداءات. كما أشارت تحقيقات لاحقة إلى قصور التدريب والرقابة ووجود بيئةٍ سمحت بالإساءة.
لم يكن أبو غريب فشلًا أخلاقيًّا لأنه قدّم صورًا قبيحةً يمكن لخصوم أمريكا استخدامها فقط؛ كان كشفًا عن علاقة القوة بالإنسان حين يوضع خارج مجال التعاطف والمحاسبة. ما إن يتحول الأسير إلى «مادة استخبارية» أو فردٍ من جماعةٍ يُفترض فيها الشر، حتى يسهل على الجهاز أن ينقل جسده من دائرة الحقوق إلى دائرة الوسائل. وقد حوكم عددٌ قليل من الجنود، لكن الاقتصار على بعض الجناة المباشرين لا يجيب عن السؤال البنيوي؛ ما السياسات واللغة والتفويضات والضغوط التي صنعت مناخًا يُمكن أن يقع فيه هذا الانتهاك؟ فالجريمة الفردية لا تبرئ النظام إذا كان النظام قد وسع حدود المسموح، وخلط بين الاستجواب والإذلال، وأرسل إلى الميدان إشاراتٍ مفادها أن المعلومات المطلوبة أثمن من الحدود الأخلاقية.
“الجريمة الفردية لا تبرئ النظام إذا كان النظام قد وسع حدود المسموح وأرسل إشارات بأن المعلومات أثمن من الحدود الأخلاقية.”
أما غوانتانامو فصار نصبًا دائمًا للاستثناء القانوني. افتُتح مركز الاحتجاز كي يُحتجز فيه من تصفهم الدولة بأعداء الحرب خارج المسار الجنائي العادي، ثم تحول المؤقت إلى بنيةٍ استمرت أكثر من عقدين. في يناير 2025 أعلنت وزارة الدفاع بقاء خمسة عشر محتجزًا؛ كان بعضهم مؤهلًا للنقل، وبعضهم داخل إجراءات المراجعة أو المحاكمات العسكرية، بما يدل على أن المركز تقلص كثيرًا لكنه لم يُغلق، وأن النظام الاستثنائي بقي بعد زوال اللحظة التي أنشأته. وقد عبّرت لجان الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان ومناهضة التعذيب عن القلق من الاحتجاز المطول أو غير المحدد دون توجيه اتهامٍ ومحاكمةٍ عادية، وطالبت بإغلاق المنشأة ومحاكمة من تتوافر ضدهم أدلةٌ في محاكم مستوفيةٍ لمعايير العدالة أو الإفراج عنهم.
المعضلة الأخلاقية ليست أن الدولة احتجزت أشخاصًا اشتبهت في خطورتهم؛ للدول حق حماية شعوبها. المعضلة أن الخوف من صعوبة المحاكمة أو كشف الأدلة أو احتمال البراءة قاد إلى إنشاء مجالٍ لا هو ساحة حربٍ تقليدية تنتهي بانتهائها، ولا هو قضاءٌ جنائي يحسم الاتهام ببراءةٍ أو إدانة. أصبح الإنسان معلقًا بين نظامين؛ تستفيد السلطة من صلاحيات الحرب، ولا تمنحه ضمانات القانون المدني. وفي برنامج الاحتجاز والاستجواب التابع لوكالة الاستخبارات المركزية ظهر الاستثناء بصورته الأكثر عريًا. نشرت لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ عام 2014 خلاصة دراستها الواسعة للبرنامج، بعد مراجعة ملايين الوثائق، وناقشت إدارة الاحتجاز والاستجواب، والتمثيلات التي قدمتها الوكالة للسلطات والكونغرس والإعلام، وفاعلية الأساليب المستخدمة. وأقر أعضاء في اللجنة، من اتجاهات مختلفة، بأن بعض الأساليب بلغت حد التعذيب والمعاملة الوحشية، وبأن البرنامج أثار مشكلاتٍ جسيمةً في الإدارة والرقابة والصدق المؤسسي.
ولا تكمن خطورة «مذكرات التعذيب» في الألم الذي شرعنته فقط، بل في الطريقة التي تستطيع بها السلطة أن تستعمل اللغة القانونية لهندسة مخرجٍ من الأخلاق. لا تقول المؤسسة إنها تريد التعذيب؛ تعيد تعريف التعذيب تعريفًا ضيقًا، وتفصل الأسلوب عن مجموع الأساليب، وتوسع معنى الضرورة، ثم تحصل على رأيٍ قانوني يحمي الفاعلين. هنا قد يصبح القانون خادمًا للاستثناء بدل أن يكون قيدًا عليه. تُكتب المذكرة لا لتسأل بحيادٍ أين تقف الحدود، بل لتجد الطريق الذي يسمح للسلطة بالوصول إلى النتيجة التي تريدها. وحين يتحول المحامي إلى مهندس ممراتٍ سرية حول القاعدة، يصبح الفعل قانونيًّا داخل بناءٍ لغوي، وهو في وعي الضحية والمجتمع الإنساني انتهاكٌ لا يغير اسمه ما كُتب فوقه.
وتكشف الطائرات المسيّرة بُعدًا آخر من انقلاب الحرب. فدقة السلاح لا تجعل استعماله عادلًا تلقائيًّا؛ قد تقلل الخطأ التقني، لكنها لا تجيب عن شرعية اختيار الهدف، ولا عن نوع المعلومات المستخدمة، ولا عن حدود ساحة الحرب، ولا عن المسؤولية حين يكون القرار سريًّا. وقد أثيرت أسئلة قانونية وأخلاقية واسعة حول عمليات القتل المستهدف خارج ساحات القتال التقليدية، والشفافية والمحاسبة وسابقة تمكين الدولة من قتل شخصٍ في إقليم دولةٍ أخرى بناءً على تقديرٍ تنفيذيٍّ لا يخضع دائمًا لمراجعةٍ قضائية علنية. المشكلة ليست في الطائرة ذاتها؛ فكل سلاحٍ يمكن أن يُستخدم وفق القانون أو يُساء استخدامه. إنما الخطر في المسافة النفسية والمؤسسية التي تصنعها؛ يصبح القتل قرارًا على شاشة، وتتحول سيادة دولةٍ بعيدة إلى تفصيلٍ في ملفٍ استخباراتي، وينخفض الثمن السياسي الداخلي للحرب لأن الجنود لا يعودون معرضين للخطر نفسه. وكلما صار استعمال القوة أقل كلفةً على من يقررها، زادت الحاجة إلى قيودٍ أشد، لا إلى حريةٍ أوسع.
والمعلومة هي الساحة التي سبقت فيها الإمبراطوريةُ العالمَ إلى شكلٍ جديد من السيادة. الرقابة والتجسس لا يجمعان الأخبار فقط؛ يمنحان المركز قدرةً على قراءة الخصوم والحلفاء والأسواق والمجتمعات، وتوقع حركتهم والتأثير فيها. وقد كشفت أزمة المراقبة الإلكترونية بعد تسريبات سنودن حجم التوتر بين الأمن الأمريكي وحقوق الخصوصية في دولٍ حليفة؛ واعتبر المشرف الأوروبي لحماية البيانات أن المراقبة الجماعية لمواطني الاتحاد من أجهزةٍ أمريكية وغيرها تجاهلت حقوقًا أساسية وأسهمت في هدم الثقة بين جانبي الأطلسي. وحتى في 2025 شدد المشرف الأوروبي على ضرورة أن ترافق مشاركة البيانات مع الولايات المتحدة ضماناتٌ شاملة وفعالة، وتحديدٌ دقيق للضرورة والتناسب، وسبلٌ للمساءلة والانتصاف القضائي بصرف النظر عن الجنسية. وهذه ليست خصومةً مع التعاون الأمني، بل اعترافٌ بأن الحليف لا ينبغي أن يتحول إلى مجتمعٍ مكشوفٍ أمام جهازٍ أجنبي لا يتمتع أفراده بالحقوق نفسها التي يتمتع بها مواطنو المركز.
الإمبراطورية لا تكتفي بالسيطرة على الحدث؛ تحاول السيطرة على تعريفه. تنتقي الصور والضحايا، وتقرر أي مأساةٍ تستحق أن تصبح قضيةً كونية وأيها تُدفن في هامش الأخبار. تصنع العدو من خلال اللغة قبل أن تستهدفه بالسلاح؛ تنزع عنه التعقيد والإنسانية، وتضع أفعاله كلها داخل تفسيرٍ واحد، بينما تحيط عنفها هي بسياق الضرورة والخطأ غير المقصود. ليست الدعاية السياسية اختراعًا أمريكيًّا، ولا تنفرد واشنطن بصناعة الرواية؛ تمارسها كل القوى. لكن مركزية الإعلام والمنصات والمؤسسات الأمريكية جعلت قدرتها على تعريف الحدث جزءًا من بنيتها الإمبراطورية. وحين تتسع الفجوة بين الرواية والتجربة المحسوسة، لا تفشل الدعاية وحدها؛ تنهار الثقة في المصادر والمؤسسات، ويصبح الجمهور مستعدًا لتصديق دعاية الخصوم ولو كانت أشد كذبًا.
ثم تأتي القوة الاقتصادية بوصفها عنفًا لا يترك حفرة قنبلة، لكنه قد يعيد تشكيل حياة ملايين الناس. العقوبات قد تكون أداةً مشروعةً لاستهداف مسؤولين أو مؤسساتٍ ارتكبت انتهاكات، وقد تكون بديلًا أقل دمويةً من الحرب. لكن الفرق كبير بين عقوباتٍ محددةٍ مرتبطةٍ بهدفٍ واضح ومسارٍ للخروج، وعقوباتٍ واسعةٍ تعزل اقتصادًا بأكمله، وتدفع المدنيين إلى تحمل كلفة قراراتٍ لا يملكون تغييرها. تعترف وزارة الخزانة الأمريكية نفسها بالحاجة إلى تراخيص عامة واستثناءاتٍ للأنشطة الإنسانية والزراعة والدواء والعمل الدولي، وهو اعترافٌ ضمني بأن شبكة العقوبات قد تعوق معاملاتٍ مشروعةً أو إنسانية إن لم تُفتح فيها ممراتٌ خاصة.
“تتحول مركزية الدولار والأسواق إلى سلطة شبه تشريعية على العالم حين تُجبر الدول على الاختيار بين الخصم والمركز.”
غير أن وجود الاستثناء القانوني لا يضمن وصول الغذاء والدواء فعليًّا؛ فالمصارف والشركات قد تختار الامتناع المفرط خوفًا من العقوبة، وتغلق معاملاتٍ مسموحةً لأن كلفة التحقق والمخاطرة مرتفعة. وتزداد خطورة العقوبات الثانوية حين تُجبر شركاتٍ ودولًا ثالثةً على تطبيق قرارٍ لم تشارك في اتخاذه، تحت تهديد حرمانها من الأسواق أو النظام المالي الأمريكي. عندئذٍ لا تعود العقوبة ممارسةً للولاية على علاقةٍ أمريكية، بل تتحول مركزية الدولار والأسواق إلى سلطةٍ شبه تشريعية على العالم. لا تقول واشنطن للدولة المستهدفة فقط إنها ستمنع مواطنيها من التعامل معها؛ تقول لبقية الدول إن عليها أن تختار بين تعاملها مع الخصم وتعاملها مع المركز. وهذه القوة فعالةٌ لأنها تستند إلى بنيةٍ حقيقية، لكنها تحمل بذرة إضعافها. كل تجميدٍ للأصول، وكل استعمالٍ واسع للعقوبات الثانوية، يضيف سببًا جديدًا إلى حسابات الدول التي تفكر في تنويع احتياطياتها وبناء قنوات دفعٍ بديلة. لا يعني ذلك انهيار الدولار الوشيك، بل يعني أن الإفراط في تحويل المنفعة المالية العامة إلى سلاحٍ خاص يدفع المستفيدين منها إلى البحث عن قدرٍ من الحماية منها.
وتظهر أزمة الشرعية بوضوحٍ أشد أمام المحكمة الجنائية الدولية. الولايات المتحدة ليست طرفًا في نظام روما الأساسي وتعلن رفض اختصاص المحكمة على مواطنيها من دون رضاها، وهذا اعتراضٌ قانونيٌّ له حججه المتعلقة بالسيادة وعدم إلزام الدولة بمعاهدةٍ لم تصدق عليها. لكن المعضلة الأخلاقية والسياسية تتجاوز مسألة العضوية؛ فهي تقع حين تدعم الدولة فكرة المساءلة الدولية لخصومها، ثم تتعامل مع احتمال مساءلة مواطنيها أو بعض حلفائها بوصفه تهديدًا للأمن القومي. في فبراير 2025 صدر أمرٌ تنفيذي أمريكي وصف بعض جهود المحكمة للتحقيق أو الملاحقة المتعلقة بأمريكيين أو بمواطني حلفاء «محميين» بأنها تهديدٌ استثنائي، وأجاز عقوباتٍ وقيودًا مرتبطة بها. كما أكدت وزارة العدل في 2026 رفضها اختصاص المحكمة على الأمريكيين لأنها لم تنضم إلى نظام روما. قد تختلف المواقف القانونية من اختصاص المحكمة، وقد تُنتقد المحكمة نفسها في انتقائيتها وبطئها وأدائها. لكن استعمال قوة دولةٍ عظمى المالية لمعاقبة مؤسسةٍ قضائية أو موظفين بسبب سعيهم إلى فحص أفعال متهمين من المركز أو حلفائه يرسل رسالةً تتجاوز الخلاف القانوني؛ أن العدالة الدولية مقبولة ما دامت تتحرك نحو الأضعف، أما اقترابها من المجال المحمي للقوة فيحوّلها إلى خطرٍ يستحق العقاب.
وهنا يطرح العالم السؤال الذي يلتهم شرعية «النظام القائم على القواعد»؛ قواعد من، ومن يفسرها، ومن يُستثنى منها؟ إذا كان القوي يستطيع رفض المحكمة، واستخدام الفيتو، وفرض العقوبات على من يحقق معه، وحماية الحليف من المساءلة، فما الذي يجعل القانون عالميًّا غير بقاء الضعفاء وحدهم داخل قفصه؟ ليس المطلوب أن تُسلب الولايات المتحدة حقها في الدفاع عن مواطنيها، ولا أن تُمنح أي مؤسسةٍ دولية عصمةً من النقد. المطلوب ألَّا يتحول التفوق إلى حصانةٍ عمليةٍ دائمة، وأن لا يكون مركز القوة هو نفسه من يقرر متى تصبح المحكمة مستقلةً ومتى تصبح عدوًّا.
إنَّ الانهيار الأخلاقي لا يبقى في عالم المعاني؛ يتحول بالتدريج إلى ضعفٍ مادي. يبدأ التناقض بين الخطاب والفعل، فيتراجع مقدار الثقة. ومع تراجع الثقة تنخفض الجاذبية، ويزداد تحوط الحلفاء، وتجد الدعاية المضادة مادةً واقعيةً لا تحتاج إلى اختراعها. ويصبح من السهل على الخصوم أن يقولوا للشعوب إن القانون ليس إلا اسمًا لسلاح المركز. ثم تضطر الإمبراطورية إلى استعمال مزيدٍ من العقوبات والضغط والسلاح لتحصل على التعاون الذي كانت تحصل عليه بالثقة. ترتفع كلفة النفوذ، ويصبح بناء الائتلافات الطوعية أصعب، ويطالب الحلفاء بضماناتٍ أو أثمانٍ أكبر. تتحول القوة من منتجةٍ للنظام إلى مستهلكةٍ لمخزونها؛ تستخدم العملة حتى تُخشى، والمعلومة حتى يُشك فيها، والتحالف حتى يصبح عبئًا، والخطاب الأخلاقي حتى يفقد معناه. ولا تكون الأخلاق في هذه الصورة تنازلًا استراتيجيًّا، بل مصلحةً استراتيجيةً بعيدة المدى. اتساق المعايير يمنع الخصوم من تحويل كل قضيةٍ إلى محاكمةٍ لنفاق المركز. واحترام القانون يطمئن الدول الصغيرة إلى أن تحالفها مع القوة لا يجعل سيادتها رهينةً لها. والمحاسبة تكشف الخطأ قبل أن يكرر نفسه في حربٍ أخرى. وحماية المدنيين لا تمنع الموت وحده، بل تمنع ولادة أجيالٍ ترى في الدولة المعتدية عدوًّا وجوديًّا.
وأمَّا الوفاء بالعهود فإنَّه يجعل الضمان الأمريكي أكثر صدقية؛ فالتهديد لا ينجح لأن الدولة تستطيع تنفيذ العقوبة فقط، بل لأن الآخرين يصدقون أنها ستفعل ما قالت في الحدود التي أعلنتها. أما القوة المتقلبة التي تحول الاتفاق إلى صفقةٍ مؤقتة فتضعف حتى تهديدها؛ لأن الخصم والحليف يتعلمان أن الانتظار قد يغير الموقف. والتواضع الاستراتيجي ليس انكسارًا؛ إنه قدرة الدولة على معرفة حدود أدواتها. الجيش لا يعالج كل أزمة، والعقوبة لا تغير كل سلوك، والاستخبارات لا تمنح فهمًا كاملًا للمجتمعات، والتفوق التقني لا ينتج شرعية. وحروب الغرور تبدأ حين تخلط القوة بين قدرتها على الدخول وقدرتها على الخروج، وبين تحطيم الخصم وبناء السلام.
“الإمبراطورية التي تتعامل مع الأخلاق بوصفها قناعًا ستكتشف بعد سقوطه أن العالم رأى خوفها من القانون وحاجتها إلى أن تكون القاضي الذي لا يُقاضى.”
أما الإصلاح فلا يبدأ بكتابة خطابٍ أخلاقيٍّ جديد، بل بتقليص المسافة بين القاعدة والاستثناء. يبدأ بإخضاع السياسة الخارجية لرقابةٍ دستوريةٍ وتشريعيةٍ فعلية، وبمنع الحرب من التحول إلى صلاحيةٍ مفتوحةٍ للسلطة التنفيذية، وتقليص السرية التي لا تحمي عمليةً محددة بل تحمي المؤسسة من المحاسبة. ويقتضي إنهاء الاعتقال المفتوح، ومحاكمة من تتوافر ضده الأدلة أمام قضاءٍ يضمن الدفاع، وعدم تحويل غموض الحرب إلى مبررٍ لإبقاء الإنسان خارج القانون. ويقتضي منع التعذيب بلا تلاعبٍ لغوي، ومحاسبة من أمر وشرعن وأدار، لا من ظهر في الصورة وحده. ويقتضي كذلك ألا تُحمى الدول الحليفة من المساءلة لمجرد أنها حليفة، وألا تُستعمل حقوق الإنسان بوصفها عقوبةً سياسيةً تُرفع عن الصديق. فالاختبار الأخلاقي لا يقع عند إدانة العدو؛ كل قوةٍ تفعل ذلك. يقع حين تستطيع الدولة أن تقول لحليفها إن الشراكة لا تمنحه حصانةً من القانون.
ويحتاج الإصلاح إلى إعادة الاعتبار للأمم المتحدة والقانون الدولي، لا بوصفهما سلطتين معصومتين، بل بوصفهما المجال الوحيد المتاح لمنع كل دولةٍ كبرى من إنشاء قانونها الكوني الخاص. وإصلاح المؤسسات وتمثيل القوى الصاعدة أصدق من تجاوزها ثم الشكوى من بحث العالم عن بدائل. كما يحتاج إلى الاعتراف بالخطأ وتعويض المتضررين. الاعتذار الذي لا يتبعه كشفٌ للحقيقة ومحاسبةٌ وإصلاحٌ وتعويض يتحول إلى طقسٍ لتهدئة الضمير. أما الدولة التي تواجه جرائمها علنًا فلا تهدم هيبتها؛ إنها تستبدل هيبة الخوف بثقةٍ أعمق، وتثبت أن مؤسساتها أقوى من خطايا مسؤوليها.
إن قوة الدولة لا تظهر في قدرتها على كتابة الاستثناء، بل في قدرتها على مقاومة إغرائه حين تكون قادرةً عليه. الضعيف يلتزم أحيانًا لأنه لا يستطيع غير ذلك، أما القوي فلا يثبت إيمانه بالقانون إلا حين يملك أن يخرقه ثم لا يفعل. وإذا أرادت الولايات المتحدة استعادة شيءٍ من شرعية القيادة، فلن تحققه بمزيدٍ من الحملات الإعلامية عن «النظام القائم على القواعد»، بل بأن تثبت أن القواعد قائمةٌ عليها أيضًا؛ أن المواطن غير الأمريكي إنسانٌ لا مادةٌ استخبارية، وأن المدني البعيد لا تقل حياته لأن موته لا يدخل الانتخابات الأمريكية، وأن الحليف لا يكون فوق المحاسبة، وأن المحكمة لا تصبح عدوًّا حين تنظر إلى الأقوياء. فالإمبراطورية التي تتعامل مع الأخلاق بوصفها قناعًا ستكتشف، بعد سقوطه، أن العالم لم يرَ وجه قوتها فقط؛ رأى كذلك خوفها من القانون، وعجزها عن القيادة من غير استثناء، وحاجتها إلى أن تكون القاضي الذي لا يُقاضى. وقد تستطيع القوة أن تحكم زمنًا بهذه الصورة، لكنها لن تبني نظامًا يثق به أحد. ستظل تصدر الأوامر، ويظل الآخرون يطيعون حتى يكتمل لديهم طريقٌ آخر؛ وعندها تكتشف أن أكثر ما أضعفها لم يكن سلاح خصومها، بل اللحظة التي استباحت فيها الحق ثم طلبت من العالم أن يسمي الاستباحة قانونًا.
