الشعر

عراقي الإباء

بُرُوجُكَ فِي الفَضِيلَةِ فُقْنَ قَدْرَا = وَجُزْنَ ذُرَى المَجَرَّةِ نَحْوَ أُخْرَى
يَمُرُّ بِهَا السَّنَاءُ فَيَجْتَبِيهَا = وَيَنْشُدُهَا الثَّنَاءُ فَيَسْتَقِرَّا
وَتَأْلَفُهَا النُّفُوسُ بِلا عَنَاءٍ = وَتَغْبِطُهَا شُمُوسُ الفَخْرِ غَيرَى
فَعَرْفُكَ جَاوَزَ الجَوزَاءَ عُرْفًا = وَحَرْفُكَ حَازَ نَشْوَى الشِّعْرِ شِعْرَى
تَكَادُ مِنَ المَشَاعِرِ أَنْ تَرَاهَا = تُطِلُّ عَلَى صُرُوحِ المَجْدِ فَخْرَا
مِنَ الفَلُّوجَةِ امْتَدْتْ بُرُوقًا = فَأَينَعَ فِي السُّوِيدِ القَطْرُ زَهْرَا
فَمَا بَالُ المُرُوءَةِ مِثْل ثَكْلَى = وَأَخْلَقُ بِالمُرُوءَةِ أَنْ تُسَرَّا
أَمَا زَالَتْ تَنُوحُ عَلَى وَفَاءٍ = وَتْبكِي لِلعُهُودِ تَلِيدَ ذِكْرَى؟
أَمَا عَلِمَتْ بِأَنَّ الغَدْرَ أَمْسَى = سَجِيَّةَ كُلِّ مَنْ يَخْتَالُ كِبْرَا؟
أَمَا عَلِمَتْ بِأَنَّ اللهَ أَحْيَا = إِلَى أَجَلٍ وَأَنَّ المَوْتَ أَجْرَى؟
هُوَ القَدَرُ الذِي فِي الدَّهْرِ يَمْضِي = وَيَمْتَحِنُ الوَرَى وَصْلا وَهَجْرَا
فَكَمْ نَضَبَتْ رُبُوعٌ مِنْ سَحَابٍ = فَأَمْطَرَهُنَّ بَعْدَ الجَدْبِ وَفْرَا
وَكَمْ بَكَتِ الحُرُوفُ عَلَى طُرُوسٍ = فَأَبْدَلَهُنَّ بَعْدَ الطِرْسِ سِفْرَا
أَمَا عَرِفَتْ بِمَحْمُودِ السَّجَايَا = حَسِيبًا شَامِخًا حُرَّا وَبَرَّا
أَلُوفًا صَادِقَ الوَعْدَينِ شَهْمًا = أَخَا أَدَبِ وَمَكْرمَةٍ وَبُشْرَى
إِذَا نَفَشَ النَّوَالُ أَفَاءَ زُهْدًا = وَإِنْ عَطِشَ السُّؤَالُ أَفَاضَ نَهْرَا
عِرَاقِيَّ الإِبَاءِ سَلِيلَ صِيدٍ = مَتَى عَصَفَ البَلاءُ يَشُدُّ أَزْرَا
لَقَدْ أَوفَيتَ يَا مَحْمُودُ عَهْدًا = وَقَدْ نَقَضَ العُهُودَ القَومُ تَتْرَى
عَظِيمَ الفَضْلِ! هَلْ تَلِدُ الأَمَانِي = لِصَاحِبِهَا سِوَى مَا كَانَ أَقْرَى؟
وَهَلْ جَنَتِ المَنَاقِبُ مِنْ خَتُولٍ = بِمَا أَسْدَى سِوَى مَا جَاءَ إِمْرَا؟
فَمَاذَا الحُبُّ مَهْمَا طَابَ وَصْلا = إِذَا اتَّخَذَ الحَبِيبُ عَلَيهِ أَجْرَا؟
وَمَا صِفَةُ التَّشَكُّلِ فِي انْزِيَاحٍ = لِذِي غَرَضٍ يَرَى فِي الفُجْرِ فَجْرَا
لَكَمْ عَاشَرْتُ ظَاهِرَ ذِي حَرِيرٍ = وَخَيشُ ضَمِيرِهِ بِالحِقْدِ أَزْرَى
وَكَمْ جَرَّبْتُ ذَا شَمَمٍ وَرَأْيٍ = بِأَبْخَسِ لَفْظَةٍ فِي المَدْحِ يُشْرَى
هِيَ الأَهْوَاءُ تُشْقِي عَابِدِيهَا = فَتَقْضِي مِنْ ظُنُونِ السُّوءِ وَطْرَا
إِذَا رَجَتِ النُّفُوسُ غرَاسَ مَكْرٍ = سَتَحْصُدُ سُنْبُلاتِ المَكْرِ حَسْرَى
وَمَهْمَا كَالَ ذُو الوَجْهَينِ مَدْحًا = تَخَبَّطَ رَأْيُهُ وَارْتَدَّ خُسْرَا
وَمَا يُجْدِى الحَسُودَ كَثِيرُ نُصْحٍ = مَتَى اسْتَمْرَا الضَّغِينَةَ وَاسْتَمَرَّا
وَمَا يُبْرِي الدَّوَاءُ نُهَى صَفِيقٍ = يَظُنُّ بِأَنَّهُ فِي القَومِ كِسْرَى
وَمَا سُرُجٌ تُفِيدُ وَلا سُرُوجٌ = لأَحْمَقَ يَحْسَبُ الضِّرْغَامَ هِرَّا
فَكَيفَ يُوَافِقُ الإِنْصَافُ فِكْرًا = إِذَا الأَنْصَافُ قَدْ سَامَتْهُ كُفْرَا
وَكَيفَ يَشِتُّ مَنْ عَلِمُوا يَقِينًا = بِأَنَّ اللهَ بِالنِّيَّاتِ أَدْرَى
وَمَا العُمَرِيُّ إِلا ذُو فُؤَادٍ = وَدُودٍ يَرْتَجِي لِلنَّاسِ خَيْرَا
وَلِي قَلْبٌ يُحَلِّقُ بِالسَّجَايَا = وَلَمْ يُحِطُ العُلَا بِمَدَاهُ خُبْرَا
يَشُقُّ دَيَاجِرَ الأَيَّامِ دَرْبًا = وَيَبْعَثُ فِي ظَلَامِ اللَّيْلِ بَدْرَا
وَيَحْمِلُ هَمَّ أُمَّتِهِ بِعَزْمٍ = وَيَلْقَى النَّائِبَاتِ السُّودَ صَبْرَا
وَمَا قَبِلَ الدَّنِيَّةَ مِنْ خَؤُونٍ = وَلَا يَلْقَى لِأَهْلِ الزَّيْفِ عُذْرَا
يُنَاصِرُ دَعْوَةَ الأَحْرَارِ حَتَّى = يُتَوِّجَ فِي سَمَاءِ الحَقِّ نَصْرَا
وَيَسْعَى حَاسِدٌ لِلنَّيْلِ مِنْهُ = وَيُسْقَى مِنْ كُؤُوسِ البَغْيِ غَدْرَا
حُرُوفُ قَصِيدِهِ كَالنُّورِ تَهْدِي = وَتُلْقِي فِي حَشَا البَاغِينَ جَمْرَا
إِذَا نَطَقَ البَيَانُ بِفَضْلِ قَوْلٍ = أَقَامَ بِحِكْمَةِ الأَشْعَارِ أَمْرَا
وَلَا يَأْسَى إِذَا مَا اشْتَدَّ كَرْبٌ = فَإِنَّ مَعَ العَنَاءِ المُرِّ يُسْرَا
يُرَفْرِفُ طَائِرًا فِي كُلِّ أُفْقٍ = فَيُورِثُ حَاسِدِي العَلْيَاءِ قَهْرَا
سَيَبْقَى ذِكْرُهُ فِي النَّاسِ حَيًّا = وَيَمْلَأُ بِالوَفَاءِ الحُرِّ عُمْرَا
أَخِي مَحْمُودُ قَدْ أَغْدَقْتَ وُدَّا = يَرُفُّ شَذَى بِشِعْرٍ مِنْكَ أَطْرَى
كَأَنَّ حُرُوفَهُ قَدْ سِلْنَ شَهْدًا = وَأَنَّ سُطُورَهُ قَدْ فُحْنَ عِطْرَا
وَقَدْ رَشَفَ البَيَانُ مِنَ المَعَانِي = كُؤُوسَ بَلاغَةِ الإِبْدَاعِ سِحْرَا
بِهِ نَضَحَ الشَّعُورُ عَبِيرَ صِدْقٍ = يُلامِسُ فِي عَمِيقِ الحِسِّ طُهْرَا
وَفِي حَرَجِ المَوَاقِفِ كُنْتَ لَيثًا = يَذُودُ عَنِ الهُدَى نَابَا وَظُفْرَا
كَأَنَّكَ آخِرُ النُبَلاءِ عَهْدًا = وَأَوَّلُ صَفِّهِمْ فِي الفَضْلِ ذِكْرَا
وَأَكْرَمُ فِي خُطُوبِ الدَّهْرِ بَذْلا = وَأَوْسَعُ فِي العَنَا كَفَّا وَصَدْرَا
لَقَدْ صَدَّقْتَ فِيكَ القَولَ فِعْلا = يُوَافِقُ مَا اقْتَضَى حُلوًا وَمُرَّا
أَتَيتُكَ وَالمَدِيحَ عَلَى حَيَاءٍ = وَمَا أَجِدُ المَدِيحَ يَفِيكَ شُكْرَا
فَدَعْ بَيتَ القَصِيدِ وَسَعْ فُؤَادًا = بَنَى لَكَ فِي شِغَافِ الحَمْدِ قَصْرَا
بروجك في الفضيلة فقن قدرا = وجزن ذرى المجرة نحو أخرى
يمر بها السناء فيجتبيها = وينشدها الثناء فيستقرا
وتألفها النفوس بلا عناء = وتغبطها شموس الفخر غيرى
فعرفك جاوز الجوزاء عرفا = وحرفك حاز نشوى الشعر شعرى
تكاد من المشاعر أن تراها = تطل على صروح المجد فخرا
من الفلوجة امتدت بروقا = فأينع في السويد القطر زهرا
فما بال المروءة مثل ثكلى = وأخلق بالمروءة أن تسرا
أما زالت تنوح على وفاء = وتبكي للعهود تليد ذكرى؟
أما علمت بأن الغدر أمسى = سجية كل من يختال كبرا؟
أما علمت بأن الله أحيا = إلى أجل وأن الموت أجرى؟
هو القدر الذي في الدهر يمضي = ويمتحن الورى وصلا وهجرا
فكم نضبت ربوع من سحاب = فأمطرهن بعد الجدب وفرا
وكم بكت الحروف على طروس = فأبدلهن بعد الطرس سفرا
أما عرفت بمحمود السجايا = حسيبا شامخا حرا وبرا
ألوفا صادق الوعدين شهما = أخا أدب ومكرمة وبشرى
إذا نفش النوال أفاء زهدا = وإن عطش السؤال أفاض نهرا
عراقي الإباء سليل صيد = متى عصف البلاء يشد أزرا
لقد أوفيت يا محمود عهدا = وقد نقض العهود القوم تترى
عظيم الفضل! هل تلد الأماني = لصاحبها سوى ما كان أقرى؟
وهل جنت المناقب من ختول = بما أسدى سوى ما جاء إمرا؟
فماذا الحب مهما طاب وصلا = إذا اتخذ الحبيب عليه أجرا؟
وما صفة التشكل في انزياح = لذي غرض يرى في الفجر فجرا
لكم عاشرت ظاهر ذي حرير = وخيش ضميره بالحقد أزرى
وكم جربت ذا شمم ورأي = بأبخس لفظة في المدح يشرى
هي الأهواء تشقي عابديها = فتقضي من ظنون السوء وطرا
إذا رجت النفوس غراس مكر = ستحصد سنبلات المكر حسرى
ومهما كال ذو الوجهين مدحا = تخبط رأيه وارتد خسرا
وما يجدى الحسود كثير نصح = متى استمرا الضغينة واستمرا
وما يبري الدواء نهى صفيق = يظن بأنه في القوم كسرى
وما سرج تفيد ولا سروج = لأحمق يحسب الضرغام هرا
فكيف يوافق الإنصاف فكرا = إذا الأنصاف قد سامته كفرا
وكيف يشت من علموا يقينا = بأن الله بالنيات أدرى
وما العمري إلا ذو فؤاد = ودود يرتجي للناس خيرا
ولي قلب يحلق بالسجايا = ولم يحط العلا بمداه خبرا
يشق دياجر الأيام دربا = ويبعث في ظلام الليل بدرا
ويحمل هم أمته بعزم = ويلقى النائبات السود صبرا
وما قبل الدنية من خؤون = ولا يلقى لأهل الزيف عذرا
يناصر دعوة الأحرار حتى = يتوج في سماء الحق نصرا
ويسعى حاسد للنيل منه = ويسقى من كؤوس البغي غدرا
حروف قصيده كالنور تهدي = وتلقي في حشا الباغين جمرا
إذا نطق البيان بفضل قول = أقام بحكمة الأشعار أمرا
ولا يأسى إذا ما اشتد كرب = فإن مع العناء المر يسرا
يرفرف طائرا في كل أفق = فيورث حاسدي العلياء قهرا
سيبقى ذكره في الناس حيا = ويملأ بالوفاء الحر عمرا
أخي محمود قد أغدقت ودا = يرف شذى بشعر منك أطرى
كأن حروفه قد سلن شهدا = وأن سطوره قد فحن عطرا
وقد رشف البيان من المعاني = كؤوس بلاغة الإبداع سحرا
به نضح الشعور عبير صدق = يلامس في عميق الحس طهرا
وفي حرج المواقف كنت ليثا = يذود عن الهدى نابا وظفرا
كأنك آخر النبلاء عهدا = وأول صفهم في الفضل ذكرا
وأكرم في خطوب الدهر بذلا = وأوسع في العنا كفا وصدرا
لقد صدقت فيك القول فعلا = يوافق ما اقتضى حلوا ومرا
أتيتك والمديح على حياء = وما أجد المديح يفيك شكرا
فدع بيت القصيد وسع فؤادا = بنى لك في شغاف الحمد قصرا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى