الأدبسرديات

ختم منتصف الليل

قصة رمزية عن صراع الذاكرة والندم ومواجهة المصير

كَانَ المَطَرُ يَضْرِبُ زُجَاجَ النَّافِذَةِ العَتِيقَةِ بِإِيقَاعٍ وَاحِدٍ، كَأَنَّ اللَّيْلَ إِصْبَعٌ مُبْتَلَّةٌ لَا تَمَلُّ الطَّرْقَ عَلَى بَابٍ لَنْ يُفْتَحَ. فِي الغُرْفَةِ الضِّيِّقَةِ، جَلَسَ نَادِرٌ أَمَامَ المَوْقِدِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ مِغْلَفٌ مَخْتُومٌ بِشَمْعٍ أَحْمَرَ. لَمْ يَكُنْ كَبِيرًا، لَكِنَّهُ كَانَ يَمْلأُ الغُرْفَةَ أَكْثَرَ مِنَ المَطَرِ وَالظَّلَامِ. عَلَى الطَّاوِلَةِ، إِلَى جِوَارِهِ، سَاعَةُ جَيْبٍ نُحَاسِيَّةٌ تَوَقَّفَ عَقْرَبُهَا الـرَّفِيعُ عِنْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ، كَأَنَّ الزَّمَنَ وَضَعَ إِصْبَعَهُ هُنَاكَ وَقَالَ: كَفَى.

وَصَلَ المِغْلَفُ قَبْلَ الغُرُوبِ مَعَ رَسُولٍ مِنْ دِيوَانِ الحُكْمِ. لَمْ يَقُلِ الـرَّسُولُ شَيْئًا إِلَّا جُمْلَةً وَاحِدَةً: يُفْتَحُ عِنْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ. ثُمَّ تَرَكَ الغُرْفَةَ كَمَا يَدْخُلُ النَّاسُ المَقَابِرَ؛ بِخُطُوَاتٍ قَصِيرَةٍ وَحَذِرَةٍ. مُنْذُ ذَلِكَ الحِينِ، ظَلَّ نَادِرٌ يَجْلِسُ أَمَامَهُ. كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ الوَرَقَةَ فِي دَاخِلِهِ تَحْمِلُ إِمَّا العَفْوَ وَإِمَّا حُكْمًا لَا صَبَاحَ بَعْدَهُ. لَمْ يَكُنْ يَخَافُ المَوْتَ وَحْدَهُ؛ كَانَ يَخَافُ أَنْ يَجِدَ اسْمَهُ مَكْتُوبًا بِيَدِ رَجُلٍ لَمْ يَرَهُ قَطُّ، فَيَصِيرَ حِبْرُ غَيْرِهِ أَقْوَى مِنْ نَبْضِهِ.

لَمْ يَسْمَعِ البَابَ يُفْتَحُ. فَقَطْ خَفَتَتِ النَّارُ فَجْأَةً، وَدَخَلَ البَرْدُ إِلَى الغُرْفَةِ كَأَنَّهُ صَاحِبُ البَيْتِ. رَفَعَ نَادِرٌ رَأْسَهُ، فَرَأَى رَجُلًا يَجْلِسُ فِي المَقْعَدِ المُقَابِلِ. كَانَ غَرِيبًا وَمَأْلُوفًا فِي آنٍ وَاحِدٍ؛ النُّدْبَةُ الخَفِيفَةُ فَوْقَ الحَاجِبِ الأَيْسَرِ، مَيْلُ الفَمِ حِينَ يَحْبِسُ الكَلَامَ، وَالعَيْنَانِ اللَّتَانِ لَا تَطْلُبَانِ الـرَّحْمَةَ لِأَنَّهُمَا تَأَخَّرَتَا عَنْهَا كَثِيرًا. لَمْ يَحْتَجْ نَادِرٌ إِلَى سُؤَالٍ. كَانَ يَرَى وَجْهَهُ بَعْدَ ثَلَاثِينَ عَامًا، لَا فِي مِرْآةٍ، بَل| فِي خَرَابٍ جَالِسٍ أَمَامَهُ.

مَدَّ الـرَّجُلُ العَجُوزُ يَدَهُ، وَوَضَعَ عَلَى الطَّاوِلَةِ سَاعَةً نُحَاسِيَّةً تُشْبِهُ سَاعَةَ نَادِرٍ. كَانَ زُجَاجُهَا مَكْسُورًا، وَعَقْرَبُهَا مُتَوَقِّفًا عِنْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ أَيْضًا. ثُمَّ أَشَارَ إِلَى المِغْلَفِ. قَالَ: لَا تَكْسِرِ الـخَتْمَ. كَانَ صَوْتُهُ خَافِتًا، خَشِنًا، كَأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ بِئْرٍ ضَيِّقَةٍ. لَمْ يَسْأَلْهُ نَادِرٌ مِنْ أَيْنَ جَاءَ، وَلَا كَيْفَ عادَ. قَالَ فَقَطْ: وَمَاذَا فِيهِ؟ أَجَابَ العَجُوزُ بَعْدَ صَمْتٍ قَصِيرٍ: مَا يَكْفِي لِعُمْرٍ مِنَ النَّدَمِ. نَظَرَ نَادِرٌ إِلَى الشَّمْعِ الأَحْمَرِ. كَانَ الـخَتْمُ يَحْمِلُ شِعَارَ الدِّيوَانِ؛ عَيْنًا مَفْتُوحَةً دَاخِلَ دَائِرَةٍ. قَالَ: هَلْ فَتَحْتَهُ؟ ارْتَجَفَ فَمُ العَجُوزِ. قَالَ: اِحْرِقْهُ.

لَمْ تَكُنِ الجُمْلَةُ جَوَابًا. كَانَتْ هُرُوبًا مُتَأَخِّرًا يَرْتَدِي هَيْئَةَ نَصِيحَةٍ. وَمَعَ ذَلِكَ، كَانَ فِي وَجْهِ الـرَّجُلِ مَا يُرْغِمُ القَلْبَ عَلَى الإِصْغَاءِ. كَانَ فِيهِ تَعَبُ المَنَافِي، وَسَوَادُ الطُّرُقِ، وَذُلُّ مَنْ عَاشَ طَوِيلًا لِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ كَيْفَ يَمُوتُ فِي وَقْتِهِ. مَدَّ نَادِرٌ يَدَهُ إِلَى المِغْلَفِ، ثُمَّ تَوَقَّفَ. أَحَسَّ أَنَّ الوَرَقَةَ لَا تَزِنُ شَيْئًا، وَأَنَّ اليَدَ الَّتِي تَمْنَعُهُ مِنْهَا هِيَ الأَثْقَلُ. قَالَ العَجُوزُ: مَا دُمْتَ لَا تَعْرِفُ، فَأَنْتَ حُرٌّ. قَالَ نَادِرٌ: وَالحُرِّيَّةُ أَنْ أُصَدِّقَ خَوْفَكَ؟ لَمْ يَغْضَبِ العَجُوزُ. اِنْحَنَى إِلَى الأَمَامِ، حَتَّى ظَهَرَتْ فِي عُنُقِهِ عُرُوقٌ زَرْقَاءُ دَقِيقَةٌ. قَالَ: أَنَا البَاقِي مِنْكَ. وَهَذَا يَكْفِي.

كَانَ ذَلِكَ أَقْسَى مِنَ البُرْهَانِ. لَمْ يَكُنْ نَادِرٌ أَمَامَ نُبُوءَةٍ، بَلْ أَمَامَ نَتِيجَةٍ تَمْشِي وَتَتَنَفَّسُ وَتَحْمِلُ وَجْهَهُ. رَأَى فِي الشَّيْخِ كُلَّ طَرِيقٍ يُمْكِنُ أَنْ يَصِيرَ إِلَيْهِ: العُزْلَةَ، وَالجُوعَ، وَالمُطَارَدَةَ، وَذَاكِرَةً لَا تَنَامُ. عِنْدَهَا لَمْ يَعُدِ المِغْلَفُ سُؤَالًا عَنِ الحَيَاةِ وَالمَوْتِ، بَلْ عَنِ الثِّقَةِ: أَيُصَدِّقُ الوَرَقَةَ المَخْتُومَةَ، أَمِ الجُرْحَ الَّذِي عَادَ مِنْ آخِرِ العُمُرِ؟ أَمْسَكَ المِغْلَفَ. لَمْ يَفْتَحْهُ. أَلْقَاهُ فِي النَّارِ. اِلْتَهَمَ اللَّهَبُ طَرَفَ الوَرَقِ أَوَّلًا، ثُمَّ سَالَ الشَّمْعُ الأَحْمَرُ كَقَطْرَةِ دَمٍ عَلَى الجَمْرِ. فِي اللَّحْظَةِ نَفْسِهَا، شَهَقَ العَجُوزُ شَهْقَةً صَغِيرَةً، لَا تُشْبِهُ خَوْفَ مَنْ تَذَكَّرَ، بَلْ رُعْبَ مَنْ رَأَى الـذَّاكِرَةَ وَهِيَ تَنْقَلِبُ عَلَى صَاحِبِهَا. مَدَّ يَدَهُ نَحْوَ النَّارِ، لَكِنَّهَا كَانَتْ أَضْعَفَ مِنْ أَنْ تُنْقِذَ رَمَادًا. هَمَسَ: لَمْ أَفْتَحْهُ. لَمْ يَسْمَعْ نَادِرٌ الجُمْلَةَ أَوَّلَ الأَمْرِ. كَانَ يُحَدِّقُ فِي الوَرَقَةِ وَهِيَ تَنْكَمِشُ دَاخِلَ اللَّهَبِ. ظَهَرَتْ فِي سَوَادِهَا، لِثَانِيَةٍ وَاحِدَةٍ، كَلِمَتَانِ لَمْ تُتِمَّ النَّارُ اِبْتِلَاعَهُمَا بَعْدُ: يُطْلَقُ سَرَاحُهُ.

تَجَمَّدَ وَجْهُهُ. قَالَ العَجُوزُ، وَقَدْ صَارَ صَوْتُهُ طِفْلًا مَكْسُورًا: لَمْ أَفْتَحْهُ، قَدْ أَحْرَقْتُهُ، مِثْلَكَ. لَمْ يَكُنْ فِي الغُرْفَةِ صِرَاخٌ. الصِّرَاخُ يَحْتَاجُ إِلَى فُسْحَةٍ فِي الصَّدْرِ، وَلَمْ تَبْقَ فُسْحَةٌ. أَقْبَلَ نَادِرٌ عَلَى المَوْقِدِ بِيَدَيْهِ العَارِيَتَيْنِ، يَنْبُشُ الجَمْرَ، يَبْحَثُ عَنْ بَقِيَّةِ السَّطْرِ، عَنْ حَرْفٍ صَالِحٍ لِلشَّهَادَةِ، عَنْ رُكْنٍ لَمْ تَمْسَسْهُ النَّارُ. لَمْ يَجِدْ إِلَّا رَمَادًا سَاخِنًا اِلْتَصَقَ بِأَصَابِعِهِ. وَحِينَ رَفَعَ يَدَيْهِ، كَانَ الشَّمْعُ الأَحْمَرُ قَدْ بَرَدَ عَلَى جِلْدِهِ كَخَتْمٍ صَغِيرٍ.

طَرَقَ أَحَدٌ البَابَ. لَمْ يَكُنِ الطَّرْقُ عَنِيفًا. كَانَ رَسْمِيًا، هَادِئًا، يَعْرِفُ أَنَّ البَيْتَ لَمْ يَعُدْ يَمْلِكُ حَقَّ الـرَّفْضِ. دَخَلَ ضَابِطٌ مِنَ الدِّيوَانِ، وَخَلْفَهُ رَجُلَانِ يَحْمِلَانِ مِصْبَاحَيْنِ. نَظَرَ إِلَى المَوْقِدِ، ثُمَّ إِلَى الطَّاوِلَةِ، ثُمَّ إِلَى وَجْهِ نَادِرٍ. قَالَ: الـرِّقُّ المَخْتُومُ. لَمْ يُجِبْ نَادِرٌ. كَانَتْ يَدَاهُ المُرْتَجِفَتَانِ تَكْفِيَانِ. اِنْحَنَى الضَّابِطُ، وَأَخَذَ مِنْ حَافَّةِ المَوْقِدِ قِطْعَةً صَغِيرَةً سَوْدَاءَ، بَقِيَ فِيهَا نِصْفُ خَتْمٍ أَحْمَرَ. تَأَمَّلَهَا قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَ، كَمَنْ يَقْرَأُ بَنْدًا لَا يَرَاهُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ: العَفْوَ لَا يَقُومُ عَلَى رَمَادٍ.

تَحَرَّكَ العَجُوزُ فِي المَقْعَدِ المُقَابِلِ، لَكِنَّ الضَّوْءَ كَانَ قَدْ بَدَأَ يَنْفُذُ مِنْ جَسَدِهِ. لَمْ يَخْتَفِ دَفْعَةً وَاحِدَةً؛ تَلَاشَى كَمَا تَتَلَاشَى بُقْعَةُ نَفَسٍ عَلَى زُجَاجٍ بَارِدٍ. كَانَتْ عَيْنَاهُ مُعَلَّقَتَيْنِ بِنَادِرٍ، وَفِيهِمَا اِعْتِذَارٌ لَا يَصِلُ، لِأَنَّهُ جَاءَ بَعْدَ الفِعْلِ. لَمْ يَكُنْ قَدْ عَادَ لِيَمْنَعَ الكَارِثَةَ، بَلْ عَادَ لِيُعْطِيَهَا صَوْتَهُ، وَوَجْهَهُ، وَحُجَّتَهَا. أَخَذَ الضَّابِطُ نَادِرًا مِنْ ذِرَاعِهِ. لَمْ يُقَاوِمْ. عِنْدَ البَابِ اِلْتَفَتَ إِلَى السَّاعَةِ النُّحَاسِيَّةِ عَلَى الطَّاوِلَةِ. كَانَ عَقْرَبُ الثَّوَانِي قَدْ تَحَرَّكَ أَخِيرًا. تِك. ثُمَّ أُخْرَى. تَك. لَمْ يَكُنِ الزَّمَنُ مَسْجُونًا، وَلَا مُنْتَظِرًا إِذْنَ أَحَدٍ. كَانَ فَقَطْ يَتْرُكُ الإِنْسَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ لَحْظَةٍ فَاصِلَةٍ، ثُمَّ يَمْضِي، حَامِلًا اللَّحْظَةَ مَعَهُ كَمَا يَحْمِلُ النَّهْرُ جُثَّةَ عُصْفُورٍ صَغِيرٍ.

فِي الصَّبَاحِ، وَجَدَ خَادِمُ البَيْتِ الغُرْفَةَ فَارِغَةً. المَطَرُ تَوَقَّفَ، وَالمَوْقِدُ مَاتَ، وَعَلَى الطَّاوِلَةِ بَقِيَتْ سَاعَتَانِ نُحَاسِيَّتَانِ: وَاحِدَةٌ سَلِيمَةٌ تَمْشِي، وَأُخْرَى مَكْسُورَةٌ لَا تَزَالُ عِنْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ. وَبَيْنَهُمَا، عَلَى الخَشَبِ، نُقْطَةُ شَمْعٍ حَمْرَاءُ تَصَلَّبَتْ فِي شَكْلِ عَيْنٍ صَغِيرَةٍ مَفْتُوحَةٍ لَمْ يَلْمَسْهَا أَحَدٌ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى