انصراف عن عتبات الجحود
عَلَى تُخُومِ انْكِشَافِ الوَهْمِ، حَيْثُ تَتَعَرَّى الأَشْيَاءُ مِنْ أَسْمَائِهَا المُسْتَعَارَةِ، وَتَسْقُطُ عَنِ الوُجُوهِ أَقْنِعَةُ البَهَاءِ المُؤَقَّتِ، أَقِفُ اليَوْمَ عَلَى ذُرْوَةِ طَوْدٍ أَشَمَّ، أَرْنُو بِعَيْنِ البَصِيرَةِ النَّافِذَةِ إِلَى سُفُوحِ الوَهْمِ الَّتِي ارْتَضَيْتِهَا لِنَفْسِكِ مَقَامًا وَمُسْتَقَرًّا، لا غَضَبًا يَفْقِدُ مِيزَانَهُ، وَلا أَسًى يَطْلُبُ مَنْ يَجْبُرُهُ، بَلْ بِصَمْتِ مَنْ رَأَى الحَقِيقَةَ وَقَدْ انْشَقَّتْ عَنْ وَجْهِهَا الأَخِيرِ، فَعَرَفَ أَنَّ بَعْضَ الرَّحِيلِ لَيْسَ مُغَادَرَةً لِمَكَانٍ، بَلْ عَوْدَةٌ إِلَى الذَّاتِ حِينَ تَسْتَرِدُّ مَمَالِكَهَا مِنْ أَيْدِي العَابِرِينَ.
لَقَدْ جِئْتُكِ فِي البَدْءِ وَبَيْنَ جَوَانِحِي قَلْبٌ صِيغَ مِنْ نُورِ اليَقِينِ، وَرُوحٌ تَفِيضُ بِنُبْلِ المَقَاصِدِ وَشَرَفِ الغَايَاتِ، ظَنًّا مِنِّي أَنِّي أُلْقِي بِبِذَارِ الخُلُودِ فِي تُرْبَةٍ تَعْرِفُ قَدْرَ المَطَرِ حِينَ يَهْبِطُ، وَقَدْرَ الفَجْرِ حِينَ يَفْتَحُ عَيْنَيْهِ عَلَى جَدْبِ الأَرْضِ. رَعَيْتُكِ رِعَايَةَ السَّمَاءِ لِلأَرْضِ العَطْشَى، وَسَكَبْتُ مِنْ أَبَارِيقِ وِجْدَانِي مَاءً طَهُورًا يَغْسِلُ عَنْ مَلَامِحِكِ غُبَارَ العَادِيَّةِ، وَيَنْتَشِلُ مِنْ طِينِكِ العَابِرِ تِمْثَالًا مِنْ جَلَالٍ كَانَ يَنْتَظِرُ يَدًا تُحْسِنُ النَّحْتَ، وَعَيْنًا تُؤْمِنُ بِمَا تَرَى قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ النَّاسُ.
كُنْتُ أَرَى فِيكِ الفِكْرَةَ البِكْرَ، وَالجَمَالَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ تُقَامَ لَهُ صَلَوَاتُ الحَرْفِ فِي مَحَارِيبِ البَيَانِ، فَنَسَجْتُ لَكِ مِنْ قَوَارِيرِ حُبِّي عَبَاءَةً مِنْ مَجْدٍ، وَأَلْبَسْتُكِ تَاجًا مِنْ قَصَائِدَ لا تَبْلَى، وَغَرَسْتُ فِي صَحْرَاءِ كِيَانِكِ مِنْ بُذُورِ الحُبِّ مَا هُوَ جَوْهَرُ الكَوْنِ وَسِرُّ بَقَائِهِ. لَمْ أَكُنْ أُعْطِيكِ فَضْلَةَ شُعُورٍ، وَلا مُجَامَلَةً عَابِرَةً تَتَبَخَّرُ مَعَ أَوَّلِ هَبَّةِ مَلَلٍ، بَلْ كُنْتُ أَهَبُكِ مِنْ رُوحِي مَا لا يُوهَبُ إِلَّا لِمَنْ ظَنَنْتُهَا قَادِرَةً عَلَى حَمْلِ المَعْنَى دُونَ أَنْ تَسْكَرَ بِثِقَلِهِ.
غَيْرَ أَنَّ النُّفُوسَ حِينَ تُرْفَعُ فَجْأَةً فَوْقَ مَقَامِهَا، قَدْ تُصِيبُهَا دُوَّارَةُ الارتِفَاعِ، فَتَنْسَى أَنَّ الأَجْنِحَةَ الَّتِي حَمَلَتْهَا لَمْ تَنْبُتْ كُلُّهَا مِنْ لَحْمِهَا، وَأَنَّ البَرْقَ الَّذِي رَأَتْهُ فِي مِرْآتِهَا لَمْ يَكُنْ دَائِمًا مِنْ سَمَائِهَا. سَقَيْتُكِ مِنْ ثَنَاءٍ صَادِقٍ يَسْتَبْطِنُ إِعْجَابًا بِمَا فِيكِ مِنْ حُسْنٍ وَذَكَاءٍ وَقَابِلِيَّةٍ لِلارتِقَاءِ، فَإِذَا بِالمَطَرِ العَذْبِ يُنْبِتُ فِي أَرْضِكِ أَشْوَاكَ الزَّهْوِ، وَإِذَا بِالنُّورِ الَّذِي أَرَدْتُهُ كَشْفًا يَصِيرُ فِي يَدَيْكِ حِجَابًا، وَإِذَا بِالعَطَاءِ الَّذِي أَرَدْتُهُ مِعْرَاجًا يَغْدُو عِنْدَكِ سُلَّمًا إِلَى وَهْمٍ لَا قَاعَ لَهُ.
طَفِقْتِ تَنْظُرِينَ فِي مِرْآةِ الزَّهْوِ، تَحْسَبِينَ أَنَّ البَرِيقَ المُنْبَعِثَ مِنْهَا مِنْ صَمِيمِ جَوْهَرِكِ، وَمَا هُوَ إِلَّا انْعِكَاسُ شَمْسِي عَلَى زُجَاجٍ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ يَعْرِفُ مَعْنَى الضِّيَاءِ. أَسْبَغْتُ عَلَيْكِ مِنْ صِفَاتِ الحُسْنِ وَالفِطْنَةِ مَا جَعَلَكِ تَمْشِينَ فِي طُرُقَاتِ نَفْسِكِ بِخُطًى أَوْسَعَ مِنْ قَدَرِهَا، وَتَنْظُرِينَ إِلَى الوُجُودِ مِنْ بُرْجٍ شَيَّدْتُهُ أَنَا لَكِ بِلَبِنَاتٍ مِنْ صَبْرِي وَرِفْقِي وَحُسْنِ ظَنِّي. وَكُنْتُ أَرْمُقُ نُمُوَّ ذَلِكَ الغُرُورِ فِيكِ بِعَيْنِ الشَّفَقَةِ تَارَةً، وَبِعَيْنِ الحِكْمَةِ تَارَةً أُخْرَى، مُوقِنًا أَنَّ الوِعَاءَ الَّذِي لا يَتَّسِعُ لِلنُّورِ سَيَتَصَدَّعُ، لا لأَنَّ النُّورَ ظَالِمٌ، بَلْ لأَنَّ الضِّيقَ لا يُحْسِنُ صُحْبَةَ السَّعَةِ.
فَبَدَلًا مِنْ أَنْ تُقَابِلِي الجَلَالَ بِالخُشُوعِ، وَالكَرَمَ بِالعِرْفَانِ، وَالعَطَاءَ بِرِقَّةِ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّهُ مُكْرَمٌ لا مُمْتَلِكٌ، مَالَتْ بِكِ أَهْوَاءُ الزَّهْوِ إِلَى صَلَفٍ أَجْوَفَ، وَتَجَاهُلٍ بَارِدٍ يَفْتَقِرُ إِلَى أَدْنَى دَرَجَاتِ الحَصَافَةِ وَالنُّبْلِ. وَهُنَا لا يَكُونُ الجُحُودُ مُجَرَّدَ خُلُقٍ نَاقِصٍ، بَلْ يَصِيرُ عَمًى مُرَكَّبًا؛ فَالأَعْمَى قَدْ لا يَرَى النُّورَ، أَمَّا الجَاحِدُ فَيَسْتَضِيءُ بِهِ ثُمَّ يَتَّهِمُ الشَّمْسَ بِأَنَّهَا لَمْ تُشْرِقْ.
أَيُّ وَهْمٍ هَذَا الَّذِي يَقُودُكِ إِلَى مَهَالِكِ الحَيْرَةِ؟ وَأَيُّ خِدَاعٍ بَائِسٍ يُغْرِيكِ بِأَنْ تَخْتَبِرِي حُدُودَ السُّلْطَانِ عَلَى قَلْبٍ لَمْ يَكُنْ يَحْتَاجُ إِلَى القَيْدِ كَيْ يَبْقَى، وَلَمْ يَكُنْ يَنْتَظِرُ الحِيلَ كَيْ يَثْبُتَ؟ أَظَنَنْتِ أَنَّ مُقَابَلَةَ الحَرَارَةِ بِزَمْهَرِيرِ الجَفَاءِ، وَاسْتِبْدَالَ الوَصْلِ الشَّرِيفِ بِتَجَاهُلٍ مُصْطَنَعٍ، سَيَجْعَلُ الخُيُوطَ كُلَّهَا فِي يَدَيْكِ؟ تَبًّا لِفَهْمٍ لا يُمَيِّزُ بَيْنَ سَعَةِ الحِلْمِ وَعَمَى الغَفْلَةِ، وَلا يَعْرِفُ أَنَّ صَمْتَ الكَرِيمِ لَيْسَ دَلِيلَ جَهْلٍ، بَلْ أَحْيَانًا آخِرُ مَا يَمْنَحُهُ لِمَنْ لا يَسْتَحِقُّ فَضِيحَةَ الكَشْفِ.
لَمْ أَكُنْ غَافِلًا عَنْ تِلْكَ الأَلَاعِيبِ الصَّغِيرَةِ، وَلا عَنْ ذَلِكَ البَرْدِ المُصْطَنَعِ الَّذِي يُرَادُ بِهِ أَنْ يُسْتَدْرَجَ القَلْبُ إِلَى دَوَّامَةِ القَلَقِ. فَأَنَا مَنْ يَقْرَأُ زَفْرَاتِ الصُّدُورِ قَبْلَ أَنْ تَنْطِقَ بِهَا الشِّفَاهُ، وَيُفَكِّكُ المَعَانِي قَبْلَ أَنْ تَتَّخِذَ لَهَا وَجْهًا فِي الكَلَامِ. إِنَّمَا كَانَ صَمْتِي وَتَغَافُلِي عَنْ زَلَّاتِكِ ضَرْبًا مِنْ ضُرُوبِ السِّيَادَةِ الدَّاخِلِيَّةِ، وَكِبْرِيَاءَ التَّبَتُّلِ الَّذِي يَتَرَفَّعُ عَنْ النُّزُولِ إِلَى وَحْلِ العِتَابِ فِي كُلِّ صَغِيرَةٍ. أَرَدْتُ أَنْ أَمْنَحَكِ، مِنْ فَرْطِ النُّبْلِ وَغَزَارَةِ العِفَّةِ، مِسَاحَةً لِلرُّجُوعِ إِلَى الرُّشْدِ، وَفُرْصَةً لِتَفْهَمِي أَنَّ القَلْبَ الكَبِيرَ لا يُدَارُ بِالخُدَعِ، بَلْ يُصَانُ بِالصِّدْقِ.
كُنْتُ أَغُضُّ الطَّرْفَ عَنْ جَفَائِكِ المُتَصَنَّعِ، لا لأَنِّي لا أَرَاهُ، بَلْ لأَنِّي كُنْتُ أَرَى مَا هُوَ أَعْمَقُ مِنْهُ: طَيْشًا يُحَاوِلُ أَنْ يَتَقَنَّعَ بِالحِكْمَةِ، وَخَوَاءً يُفَتِّشُ عَنْ هَيْبَةٍ فِي ثِيَابِ القَسْوَةِ، وَرُوحًا لَمْ تَتَعَلَّمْ بَعْدُ أَنَّ مَنْ يُكْرَمُ لا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ كَمَنْ فَتَحَ مَدِينَةً. لَمْ أَكُنْ سَاذَجًا لِأَبْتَلِعَ طُعْمَ الابتِزَازِ، بَلْ كُنْتُ المُتَسَامِي الَّذِي يَرَى الطِّفْلَةَ العَابِثَةَ فِيكِ، فَيَرْبِتُ عَلَى طَيْشِهَا بِحَنَانِ الأَبِ، وَيَتَرَفَّعُ عَنْ مُحَاسَبَتِهَا بِصَرَامَةِ القَاضِي.
وَلَكِنَّ الطَّبْعَ الَّذِي لا يَتَهَذَّبُ بِالنُّورِ يَسْتَحِيلُ النُّورُ فِي عَيْنَيْهِ تَهْدِيدًا، وَاليَدُ الَّتِي تَرْفَعُهُ مِرْآةً تَكْشِفُ لَهُ مَا لا يُرِيدُ أَنْ يَرَاهُ. وَهَا أَنْتِ تَتَأَمَّلِينَ الزَّمَانَ بِنَظْرَةٍ تَظُنِّينَهَا عُمْقًا، وَمَا هِيَ إِلَّا حَيْرَةٌ تَلْبَسُ عَبَاءَةَ الغُمُوضِ، وَتَظُنِّينَ الجَفَاءَ سُلْطَانًا، وَمَا هُوَ إِلَّا فَقْرٌ فِي أَدَبِ التَّلَقِّي، وَنَقْصٌ فِي مَعْرِفَةِ المَقَامِ.
لَقَدْ أَوْصَلَنِي تَعَنُّتُكِ وَجَفَاؤُكِ إِلَى النُّقْطَةِ الَّتِي تَنْتَفِضُ فِيهَا كَرَامَةُ الرَّجُلِ الحُرِّ، لِتُعْلِنَ سِيَادَتَهَا المُطْلَقَةَ عَلَى كُلِّ عَاطِفَةٍ مَهْمَا بَلَغَ صِدْقُهَا. أَنَا لا أَسْتَجْدِي وُدًّا، وَلا أَقِفُ عَلَى أَبْوَابِ القُلُوبِ مُتَسَوِّلًا قَطْرَةَ اهْتِمَامٍ، وَلا أُسَلِّمُ عِزَّتِي لِمَنْ يَظُنُّ أَنَّ الكَرَمَ ضَعْفٌ، وَأَنَّ الحِلْمَ غَفْلَةٌ، وَأَنَّ الحُبَّ مِسَاحَةٌ لِلْمُنَاوَرَةِ لا مِحْرَابٌ لِلصِّدْقِ. أَنَا النَّهْرُ المَدِيدُ؛ إِنْ لَمْ يَجِدْ وَعَاءً يَلِيقُ بِفَيْضِهِ، عَادَ إِلَى أَعْمَاقِهِ، لا نَاقِصًا، بَلْ أَشَدَّ امْتِلَاءً بِسِرِّهِ.
لَقَدْ كُنْتُ لَكِ وَطَنًا، وَشَيَّدْتُ لَكِ فِي أَعْمَاقِي مَدِينَةً يَفُوقُ اتِّسَاعُهَا اتِّسَاعَ المَجَرَّاتِ، لا تَمَسُّهَا رِيَاحُ الزَّوَالِ، وَلا تَخْدِشُهَا أَظَافِرُ العَادِيِّ وَالمُسْتَهْلَكِ. غَيْرَ أَنَّكِ اخْتَرْتِ التَّشَرُّدَ فِي أَزِقَّةِ التَّلَاعُبِ الرَّخِيصِ، وَآثَرْتِ أَنْ تَكُونِي عَابِرَةً فِي ضَجِيجِ الوَهْمِ عَلَى أَنْ تَكُونِي مَلِكَةً فِي مَمْلَكَةِ المَعْنَى. فَاعْلَمِي الآنَ، وَأَنْتِ فِي سَكْرَةِ زَهْوِكِ، أَنَّكِ لَمْ تَخْسَرِي عَاشِقًا عَادِيًّا يُسْتَبْدَلُ بِعَابِرٍ آخَرَ، بَلْ خَسِرْتِ قَلْبًا كَانَ يَعْرِفُ كَيْفَ يَصُونُ، وَعَقْلًا كَانَ يَفْهَمُ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَ، وَرُوحًا كَانَتْ تَمْنَحُكِ مَا لا تُحْسِنُ الأَرْوَاحُ الصَّغِيرَةُ حَتَّى تَخَيُّلَهُ.
لا يَضِيرُنِي أَنْ تَجْهَلِي قَدْرِي، وَلا أَنْ تَعْمَيْ عَنْ مَقَامٍ لا يَنْقُصُ مِنْهُ إِنْكَارُ العُمْيَانِ. فَهَلْ يَضِيرُ الشَّمْسَ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ، وَهِيَ تَسْطَعُ بِجَلَالِهَا المُطْلَقِ، أَنْ تَحْجُبَهَا عَنْ بَعْضِ العُيُونِ غُيُومٌ عَابِرَةٌ سَاقَهَا هَوَاءٌ طَائِشٌ؟ إِنَّ الغُيُومَ مَهْمَا تَكَاثَفَتْ، وَمَهْمَا تَبَرْقَعَتْ بِلَوْنِ الرَّمَادِ، لا تَمْلِكُ مِنْ أَمْرِ الشَّمْسِ شَيْئًا؛ إِنَّهَا تَعْتَرِضُ الطَّرِيقَ بَيْنَ العَيْنِ وَالنُّورِ، لا بَيْنَ النُّورِ وَحَقِيقَتِهِ. أَمَّا الشَّمْسُ فَهِيَ الأَصْلُ، وَالمَرْكَزُ، وَالمَعْنَى الَّذِي يَمْنَحُ لِلْغُيُومِ ظِلَّهَا، وَلِلأَرْضِ دِفْأَهَا، وَلِلأَيَّامِ مَا تَبَقَّى فِيهَا مِنْ رَجَاءٍ.
أَنْتِ، فِي تَكَبُّرِكِ وَجَفَائِكِ، كَتِلْكَ الغَيْمَةِ الَّتِي تَظُنُّ أَنَّهَا حِينَ تُغَطِّي وَجْهَ الشَّمْسِ قَدْ أَطْفَأَتْهَا، وَلا تَدْرِي أَنَّهَا إِنَّمَا حَجَبَتْ عَنْ نَفْسِهَا سِرَّ الدِّفْءِ. غُرُورُكِ هُوَ الحِجَابُ الَّذِي يُعْمِيكِ عَنْ إِبْصَارِ الحَقِّ، لا السِّتَارُ الَّذِي يُغَيِّرُ حَقِيقَةَ الحَقِّ. قِيمَتِي ثَابِتَةٌ كَثَبَاتِ الجِبَالِ الرَّوَاسِي، وَكَرَامَتِي لا تَنْتَظِرُ اعْتِرَافًا مِنْ بَصِيرَةٍ أَعْمَتْهَا أَضْوَاءُ ذَاتِهَا الزَّائِفَةِ. وَكَمَا تَنْقَشِعُ الغُيُومُ حَتْمًا عَنْ وَجْهِ النَّهَارِ، سَتَبْقَى حَقِيقَتِي مُشْرِقَةً لا تُنْقِصُهَا جَحْدَةٌ عَابِرَةٌ، وَلا يَزِيدُهَا اعْتِرَافُ مَنْ لَمْ يَرَ النُّورَ إِلَّا حِينَ أَوْجَعَهُ الظَّلَامُ.
وَحِينَ أَسْحَبُ أَشِعَّةَ اهْتِمَامِي عَنْ تُرْبَتِكِ الَّتِي لَمْ تُحْسِنْ حِفْظَ المَطَرِ، فَلَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عُقُوبَةً صَاخِبَةً، وَلا انْتِقَامًا يَطْلُبُ شُهُودًا، بَلْ تَرْتِيبًا كَوْنِيًّا يُعِيدُ النُّورَ إِلَى مَصْدَرِهِ، وَيَتْرُكُ مَا لَمْ يَتَهَيَّأْ لِلإِشْرَاقِ يَتَعَلَّمُ وَحْدَهُ مَعْنَى البَرْدِ. وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ دِفْئِي الَّذِي سَكَنَ أَوْصَالَكِ يَوْمًا لَنْ يُغَادِرَ ذَاكِرَتَكِ كَمَا تُغَادِرُ الكَلِمَةُ أُذُنًا لا تُحْسِنُ الإِنْصَاتَ؛ سَيَبْقَى أَثَرُهُ وَشْمًا مِنْ نَارٍ عَلَى جِلْدِ الأَيَّامِ، وَنُقْطَةَ ضِيَاءٍ تُفْسِدُ عَلَى العَتَمَةِ كَمَالَ ظِلِّهَا.
سَتَبْحَثِينَ فِي الوُجُوهِ عَنْ وَمْضَةٍ مِنْ ذَلِكَ البَهَاءِ الَّذِي أَغْدَقْتُهُ عَلَيْكِ، فَلا تَجِدِينَ إِلَّا سَرَابًا يُضَاعِفُ العَطَشَ، وَأَصْدَاءً تُشْبِهُ الصَّوْتَ وَلا تَبْلُغُ حَقِيقَتَهُ. سَتَذْكُرِينَ، حِينَ تَنْقَشِعُ سَكْرَةُ الزَّهْوِ، كَيْفَ كَانَ وُجُودِي مَلَاذًا لا يَطَالُهُ الخَوْفُ، وَكَيْفَ كَانَتْ كَلِمَاتِي طَوْقَ نَجَاةٍ فِي بَحْرِ التَّفَاهَةِ المُحِيطِ بِكِ، وَكَيْفَ كَانَ صَدْرِي يَتَّسِعُ لِتَنَاقُضَاتِكِ دُونَ أَنْ يَضِيقَ، لا عَجْزًا عَنْ الحَدِّ، بَلْ سَعَةً فِي الحِلْمِ. وَحِينَ تَبْحَثِينَ عَنْ تِلْكَ السَّعَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا، سَتُدْرِكِينَ أَنَّ بَعْضَ الأَبْوَابِ إِذَا أُغْلِقَتْ لَمْ تُغْلَقْ لأَنَّهَا عَاجِزَةٌ عَنِ الفَتْحِ، بَلْ لأَنَّ مَنْ خَرَجَ مِنْهَا لَمْ يَعُدْ جَدِيرًا بِالمُقَامِ.
فَامْضِي فِي طَرِيقِ الجَفَاءِ إِنْ شِئْتِ، وَتَلَحَّفِي بِعَبَاءَةِ التَّجَاهُلِ، وَمَارِسِي أَلْعَابَكِ بَعِيدًا عَنْ مِحْرَابِي. فَقَدْ رَفَعْتُ أَذَانَ الرَّحِيلِ عَنْ مَعْبَدِ وَهْمِكِ، وَنَفَضْتُ غُبَارَ الانْتِظَارِ عَنْ أَثْوَابِ عِزَّتِي، وَأَعَدْتُ إِلَى قَلْبِي مَفَاتِيحَهُ كُلَّهَا. سَأَعُودُ إِلَى عُزْلَتِي المَجِيدَةِ، إِلَى أَنَا العُلْوِيَّةِ الَّتِي تَأْبَى أَنْ تَتَمَرَّغَ فِي طِينِ الحِيلِ الصَّغِيرَةِ، وَسَأَبْقَى كَمَا كُنْتُ دَائِمًا: جَبَلًا لا تُزَلْزِلُهُ الرِّيَاحُ، وَمُحِيطًا لا تُكَدِّرُهُ الحَصَى، وَشَارَةَ نُبْلٍ تَتَلَأْلَأُ فِي سَمَاءِ الرُّجُولَةِ الحَقَّةِ.
وَلْتَعْلَمِي، وَاليَقِينُ يَصْفَعُ وَجْهَ الوَهْمِ فِي صَمْتٍ، أَنَّ انْصِرَافِي عَنْكِ لَيْسَ انْكِسَارًا، بَلْ هُوَ الانْتِصَارُ الأَعْظَمُ؛ انْتِصَارُ الرَّجُلِ لِكَرَامَتِهِ، وَانْتِصَارُ النُّورِ لِصَفَائِهِ، وَانْتِصَارُ المِيزَانِ الدَّاخِلِيِّ لِرُوحٍ لا تَقْبَلُ المُسَاوَمَةَ. لَنْ أَحْمِلَ مِنْ هَذِهِ التَّجْرِبَةِ ضَغِينَةً تُصَغِّرُنِي، وَلا مَرَارَةً تُعَكِّرُ نُورِي، بَلْ سَأَحْمِلُهَا كَحِكْمَةٍ أُخْرَى تُضَافُ إِلَى دِيوَانِ السِّيَادَةِ: أَنَّ العَطَاءَ لا يَنْبَغِي أَنْ يُوضَعَ إِلَّا حَيْثُ تَعْرِفُ التُّرْبَةُ قَدْرَ البِذْرَةِ، وَأَنَّ القَلْبَ الكَبِيرَ لا يُنْقِصُهُ أَنْ يَنْسَحِبَ مِنْ مَكَانٍ لَمْ يَعُدْ يَلِيقُ بِهِ.
سَأَتْرُكُكِ تُعَانِقِينَ ظِلَّكِ البَارِدَ، وَأَمْضِي أَنَا لأَعْزِفَ لَحْنَ الخُلُودِ عَلَى قِيثَارَةِ الاسْتِغْنَاءِ، مُحْتَفِظًا بِكُلِّ قَطْرَةٍ مِنْ كِبْرِيَائِي، وَبِكُلِّ ذَرَّةٍ مِنْ صَفَائِي، وَمُرَدِّدًا فِي صَمْتٍ مُدَوٍّ: الوَصْلُ شَرَفٌ لا يُمْنَحُ إِلَّا لِمَنْ كَانَ فِي مُسْتَوَى الارتِقَاءِ، وَالحُبُّ مِحْرَابٌ لا يَدْخُلُهُ مَنْ لَمْ يَتَطَهَّرْ مِنْ دَنَسِ التَّلَاعُبِ، وَالكَرَامَةُ شَمْسٌ لا تُسَاوِمُ غَيْمَةً عَلَى حَقِّهَا فِي الإِشْرَاقِ.
فَإِنْ بَقِيتِ فِي القَاعِ، فَلَيْسَ لأَنَّ السَّمَاءَ ضَنَّتْ عَلَيْكِ بِالسُّلَّمِ، بَلْ لأَنَّكِ اخْتَرْتِ ثِقَلَ الوَهْمِ عَلَى خِفَّةِ الصُّعُودِ. وَإِنْ أَظْلَمَتْ حَوْلَكِ الدُّرُوبُ بَعْدَ انْسِحَابِ نُورِي، فَلَا تَلُومِي الشَّمْسَ؛ فَالشَّمْسُ لا تُطْفِئُ نَفْسَهَا حِينَ تَنْصَرِفُ عَنْ نَافِذَةٍ أَغْلَقَتْ سَتَائِرَهَا. أَمَّا أَنَا، فَسَأَبْقَى فِي مَدَارِي العَالِي، لا أَسْتَجْدِي مَكَانًا، وَلا أُفَسِّرُ قَدْرِي لِمَنْ لَمْ يَتَهَيَّأْ لِفَهْمِهِ، وَلا أُبْقِي فِي مَمْلَكَتِي بَابًا مَفْتُوحًا لِمَنْ أَسَاءَ أَدَبَ الدُّخُولِ.
هَكَذَا تَنْتَهِي الحِكَايَةُ لا بِانْطِفَاءِ الحُبِّ، بَلْ بِتَرَقِّيهِ إِلَى حِكْمَةٍ أَعْلَى؛ فَمَا كُلُّ مَنْ أَحْبَبْنَاهُ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَبْقَى فِي مَعْبَدِ الرُّوحِ، وَمَا كُلُّ مَنْ أَضَأْنَاهُ يَعْرِفُ أَنَّ الضِّيَاءَ أَمَانَةٌ لا زِينَةٌ عَابِرَةٌ. وَطُوبَى لِقَلْبٍ يَعْرِفُ مَتَى يَمْنَحُ، وَمَتَى يَحْجُبُ، وَمَتَى يَبْقَى، وَمَتَى يَرْحَلُ؛ لا انْكِسَارًا، وَلا انْتِقَامًا، بَلْ صَوْنًا لِلشَّمْسِ مِنْ أَنْ تُحَاكِمَهَا غَيْمَةٌ عَابِرَةٌ، وَحِفْظًا لِلسِّيَادَةِ مِنْ أَنْ تُبْذَلَ عَلَى عَتَبَاتِ الوَهْمِ.
