الفكرمناهج وعقائدمنطق وتأصيل

حق تعريف المصلحة الوطنية

من يتحدث باسم الدولة ومن يملك حق تعريف المصلحة الوطنية وتحديد الثوابت

كلما تقدمتِ المجتمعاتُ في العمرِ السياسيِّ، اتسعتْ حاجتُها إلى الكلماتِ الكبرى التي تضبطُ معنى وجودِها المشتركِ؛ الوطنُ، الدولةُ، الأمنُ، المصلحةُ العامةُ، الثوابتُ، السيادةُ، الهويةُ، الاستقرارُ. غيرَ أنَّ هذه الكلماتِ، على جلالِها وضرورتِها، ليستْ بريئةً دائمًا حينَ تُلقَى في الفضاءِ العامِّ بلا تعريفٍ، ولا تُتْرَكُ مفتوحةً بلا ضفافٍ، ولا تُمنَحُ لجهةٍ واحدةٍ تحتكرُ تأويلَها وتقررُ باسمِها من يكونُ وفيًّا ومن يكونُ متهمًا، ومن يخدمُ الدولةَ ومن يهددُها، ومن ينطقُ باسمِ المصلحةِ ومن يقفُ في طريقِها. فالمشكلةُ لا تبدأُ حينَ تُستعمَلُ هذه المصطلحاتُ، بلْ حينَ تُستعمَلُ بوصفِها مفاتيحَ مغلقةً لا يملكُها إلا فاعلٌ واحدٌ، وحينَ تتحولُ من مفاهيمَ عامةٍ قابلةٍ للنقاشِ والمراجعةِ إلى أختامٍ سياديةٍ تُضْرَبُ على القراراتِ والسياساتِ لتُخْرِجَها من دائرةِ السؤالِ.

“المشكلةُ لا تبدأُ حينَ تُستعمَلُ المصطلحاتُ الكبرى، بلْ حينَ تتحولُ من مفاهيمَ عامةٍ قابلةٍ للنقاشِ والمراجعةِ إلى أختامٍ سياديةٍ تُضْرَبُ على القراراتِ والسياساتِ لتُخْرِجَها من دائرةِ السؤالِ.”

منْ هنا ينهضُ السؤالُ المركزيُّ الذي ينبغي أن يكونَ خاتمةَ كلِّ تفكيرٍ رشيدٍ في علاقةِ المواطنِ بالدولةِ؛ منْ أعطى أيَّ شخصٍ، أو حزبٍ، أو نخبةٍ، أو مؤسسةٍ، حقَّ القولِ المطلقِ؛ “أنا أمثلُ مصلحةَ الدولةِ”؟ منِ الذي منحَ فئةً من الناسِ حقَّ احتكارِ المعنى العامِّ، والتحدثَ باسمِ الكيانِ كلِّهِ، ومصادرةَ حقِّ الآخرينَ في السؤالِ والمراجعةِ والاعتراضِ؟ أليستِ الدولةُ، في أصلِها، بناءً اعتباريًا قامَ على إرادةِ المجتمعِ؟ أليستِ المصلحةُ الوطنيةُ، في جوهرِها، راجعةً إلى الإنسانِ والجماعةِ والحقوقِ والأمنِ والكرامةِ؟ فإذا كانَ الأمرُ كذلكَ، فكيفَ يجوزُ أن تُخْتَزَلَ هذه المصلحةُ في رؤيةِ سلطةٍ عابرةٍ، أو حزبٍ حاكمٍ، أو نخبةٍ اقتصاديةٍ، أو جهازٍ إداريٍّ، أو خطابٍ إعلاميٍّ، ثمَّ يُطْلَبُ من الناسِ أن يتعاملوا مع هذا الاختزالِ كما لوْ كانَ وحيًا سياسيًا لا يأتيهِ الباطلُ من بينِ يديهِ ولا من خلفِهِ؟

إنَّ أخطرَ ما في المصطلحاتِ السياسيةِ الكبرى أنَّها تجمعُ بينَ القوةِ والغموضِ. فهيَ قويةٌ لأنَّها تستثيرُ الوجدانَ، وتحملُ في داخلِها شحنةً رمزيةً عاليةً، وتلمسُ أعصابَ الخوفِ والانتماءِ والكرامةِ. وهيَ غامضةٌ لأنَّها تتسعُ لمعانٍ كثيرةٍ، ولا تكشفُ بذاتِها حدودَها الدقيقةَ. “المصلحةُ الوطنيةُ” عبارةٌ جليلةٌ، لكنَّها قد تعني حمايةَ المواطنِ من الفقرِ والظلمِ، وقدْ تُؤْخَذُ لتبريرِ زيادةِ الأعباءِ عليهِ بلا مساءلةٍ. “أمنُ الدولةِ” ضرورةٌ لا قيامَ للمجتمعاتِ من دونِها، لكنَّهُ قد يعني حمايةَ الناسِ من العدوانِ والفوضى، وقدْ يُسْتَعْمَلُ لحمايةِ السلطةِ من النقدِ. “هيبةُ الدولةِ” معنًى معتبرٌ إذا قُصِدَ بهِ احترامُ القانونِ والمؤسساتِ، لكنَّهُ قد يتحولُ إلى ستارٍ يحمي المسؤولَ من المساءلةِ. “الثوابتُ الوطنيةُ” قد تكونُ إطارًا جامعًا للكيانِ والتاريخِ والحقوقِ، وقدْ تتحولُ إلى صندوقٍ مغلقٍ تُلقَى فيهِ كلُّ الأفكارِ التي لا يريدُ أحدٌ مناقشتَها.

هنا تكمنُ المعضلةُ. فحينَ يكونُ المصطلحُ فضفاضًا، يصبحُ قابلًا للتلاعبِ. وحينَ لا يوجدُ تعريفٌ واضحٌ، تصبحُ الجهةُ الأقوى هيَ التي تملكُ التعريفَ بحكمِ الأمرِ الواقعِ. وحينَ تملكُ السلطةُ تعريفَ المصطلحِ، فإنَّها لا تملكُ اللغةَ فحسبُ، بلْ تملكُ جزءًا كبيرًا من الواقعِ؛ لأنَّها تستطيعُ أن تسميَ الاعتراضَ تهديدًا، والمساءلةَ تشويشًا، والحقوقَ ترفًا، والشفافيةَ إساءةً، والنقدَ خروجًا على الثوابتِ. إنَّ السيطرةَ على الكلماتِ تسبقُ السيطرةَ على الأفعالِ؛ فمنِ استطاعَ أن يحددَ معنى “المصلحةِ” استطاعَ أن يحددَ من يقفُ معها ومن يقفُ ضدَّها، ومنِ استطاعَ أن يحددَ معنى “الأمنِ” استطاعَ أن يقررَ أيَّ صوتٍ يُسْمَحُ لهُ بالبقاءِ وأيَّ صوتٍ يُحَاصَرُ باسمِ الخطرِ.

ولذلكَ لا يكفي أن نسألَ: ما المصلحةُ الوطنيةُ؟ بلْ يجبَ أن نسألَ قبلَ ذلكَ: منْ يعرّفُها؟ وبأيِّ آليةٍ؟ وتحتَ أيِّ رقابةٍ؟ ولمصلحةِ منْ؟ ومنْ يملكُ حقَّ الاعتراضِ على هذا التعريفِ؟ وهلْ هيَ مصلحةٌ تُسْتَخْرَجُ منْ نقاشٍ عامٍّ مفتوحٍ، ومؤسساتٍ تمثيليةٍ، وبياناتٍ واضحةٍ، وموازنةٍ بينَ الحقوقِ والواجباتِ، أمْ أنَّها عبارةٌ جاهزةٌ تُعْلَنُ منْ أعلى ثمَّ يُطْلَبُ منَ الجميعِ تصديقُها؟ إنَّ الفارقَ بينَ دولةٍ راشدةٍ ودولةٍ متضخمةٍ لا يكونُ دائمًا في استعمالِ المصطلحاتِ، فكلاهُما يستعملُ لغةَ الأمنِ والمصلحةِ والاستقرارِ، بلْ في طريقةِ إنتاجِ هذه المعاني؛ هلْ تُنْتَجُ عبرَ تعاقدٍ ومساءلةٍ وشفافيةٍ؟ أمْ تُفْرَضُ عبرَ خطابٍ واحدٍ لا يرى في المجتمعِ إلا جمهورًا للتلقي؟

“ليستِ المصلحةُ الوطنيةُ ملكًا للسياسيِّ أو الحزبِ أو النخبةِ؛ لأنَّ المصلحةَ الحقيقيةَ لا تولدُ منْ صوتٍ واحدٍ، بلْ منْ توازنٍ شاقٍّ بينَ أصواتٍ متعددةٍ، ومنْ مؤسساتٍ تمنعُ القوةَ منْ أن تتحولَ إلى تعريفٍ نهائيٍّ للحقيقةِ.”

قد يقولُ السياسيُّ: أنا أعرفُ مصلحةَ الدولةِ لأنني منتخبٌ أو مكلفٌ أو صاحبُ خبرةٍ. وقد يقولُ الحزبُ: نحنُ نمثلُ إرادةَ الشعبِ لأننا الأكثرُ تنظيمًا أو الأكثرُ حضورًا. وقد تقولُ النخبةُ الاقتصاديةُ: نحنُ نعرفُ ما ينفعُ البلاد_ لأنَّ الاستثمارَ والنموَّ بأيدينا. وقد يقولُ الإعلامُ الموجهُ: نحنُ نعبرُ عن نبضِ الأمةِ لأننا نملأُ الشاشاتِ والفضاءَ العامَّ. وقد يقولُ الجهازُ الإداريُّ أو الأمنيُّ: نحنُ أدرى بالمخاطرِ لأنَّ لدينا معلوماتٍ لا يملكُها الناسُ. وكلُّ واحدٍ من هؤلاءِ قد يكونُ لهُ نصيبٌ من المعرفةِ أو المسؤوليةِ، لكنَّ الخطرَ يبدأُ حينَ يتحولُ النصيبُ إلى احتكارٍ، وحينَ تتحولُ الخبرةُ إلى وصايةٍ، وحينَ تتحولُ السريةُ إلى حصانةٍ، وحينَ تتحولُ الأغلبيةُ أو القوةُ أو الحضورُ الإعلاميُّ إلى حقٍّ مطلقٍ في تعريفِ المصلحةِ بلا مساءلةٍ.

ليستِ المصلحةُ الوطنيةُ ملكًا للسياسيِّ وحدَهُ، لأنَّ السياسيَّ قد يخلطُ بينَها وبينَ مصلحتِهِ في البقاءِ. وليستْ ملكًا للحزبِ، لأنَّ الحزبَ قد يخلطُ بينَها وبينَ مصلحةِ التنظيمِ. وليستْ ملكًا للنخبةِ الاقتصاديةِ، لأنَّ المالَ قد يرى الوطنَ من زاويةِ الربحِ والخسارةِ لا من زاويةِ العدالةِ والكرامةِ. وليستْ ملكًا للإعلامِ، لأنَّ الإعلامَ قد يبيعُ العاطفةَ بوصفِها حقيقةً، وقدْ يصنعُ إجماعًا مصطنعًا بضخٍّ متكررٍ لا بنقاشٍ نزيهٍ. وليستْ حتى ملكًا للأغلبيةِ وحدَها، لأنَّ الأغلبيةَ قد تخطئُ، وقدْ تنساقُ وراءَ الخوفِ أو الغضبِ أو التحريضِ، وقدْ تظلمُ أقليةً باسمِ العددِ. المصلحةُ الوطنيةُ الحقيقيةُ لا تولدُ منْ صوتٍ واحدٍ، بلْ منْ توازنٍ شاقٍّ بينَ أصواتٍ متعددةٍ، ومنْ مؤسساتٍ تمنعُ القوةَ منْ أن تتحولَ إلى تعريفٍ نهائيٍّ للحقيقةِ.

وإذا كانَ منْ حقِّ الدولةِ أن تمتلكَ أسرارًا أمنيةً لا تُعْلَنُ كلُّها للناسِ، فهذا لا يعني أن تتحولَ السريةُ إلى ليلٍ سياسيٍّ دائمٍ. وإذا كانَ منْ حقِّ القيادةِ أن تتخذَ قراراتٍ صعبةً في لحظاتِ الخطرِ، فهذا لا يعني أن تصيرَ الضرورةُ قاعدةً أبديةً. وإذا كانَ منْ حقِّ الأغلبيةِ أن تحكمَ وفقَ الآلياتِ العامةِ، فهذا لا يعني أن تملكَ ضميرَ الأقليةِ وحقوقَها. وإذا كانَ منْ حقِّ المؤسساتِ أن تطلبَ احترامَ القانونِ، فهذا لا يعني أن تتخذَ القانونَ غطاءً لإلغاءِ السؤالِ. إنَّ كلَّ حقٍّ في المجالِ السياسيِّ يحتاجُ إلى حدٍّ يحميهِ من التحولِ إلى طغيانٍ، وكلَّ مصلحةٍ تحتاجُ إلى ميزانٍ يحميها من أن تصيرَ مطيةً لمصلحةٍ أضيقَ منْها.

الغموضُ، حينَ يُدَارُ بذكاءٍ نفعيٍّ، يصبحُ أداةَ هيمنةٍ لا مجردَ خللٍ لغويٍّ. فالعبارةُ الفضفاضةُ تمنحُ صاحبَ القرارِ مساحةً واسعةً للتحركِ بلا التزامٍ دقيقٍ. إذا قيلَ إنَّ إجراءً ما اتُّخِذَ “لحمايةِ الأمنِ”، وجبَ أن نسألَ: أيُّ أمنٍ؟ أمنُ الحدودِ؟ أمنُ المواطنينَ؟ أمنُ المؤسساتِ؟ أمْ أمنُ السلطةِ من النقدِ؟ وإذا قيلَ إنَّ سياسةً اقتصاديةً موجعةً جاءتْ “للمصلحةِ الوطنيةِ”، وجبَ أن نسألَ: هلْ جرى توزيعُ الكلفةِ بعدلٍ؟ وهلْ بدأَ التقشفُ من الامتيازاتِ أمْ منْ جيوبِ الفقراءِ؟ وهلْ عُرِضَتِ البدائلُ؟ وهلْ نُشِرَتِ البياناتُ؟ وهلْ حُوسِبَ منْ تسببَ في الأزمةِ؟ وإذا قيلَ إنَّ منعَ خطابٍ أو تقييدَ حقٍّ أو حجبَ معلومةٍ إنَّما وقعَ “صيانةً للثوابتِ”، وجبَ أن نسألَ: ما هذه الثوابتُ؟ ومنْ صاغَها؟ وهلْ تشملُ صيانةَ الكرامةِ والعدلِ والحريةِ؟ أمْ أنَّها صارتْ جدارًا لحمايةِ روايةٍ واحدةٍ من النقدِ؟

“الدولةُ لا تزدادُ هيبةً حينَ يسكتُ الناسُ عنِ الخطأِ، بلْ حينَ يثقُ الناسُ أنَّ الخطأَ سيُحَاسَبُ. لا تزدادُ هيبةً حينَ يُخَافُ المسؤولُ، بلْ حينَ يخافُ المسؤولُ منَ القانونِ.”

كلما كانَ المصطلحُ أعلى في الرنينِ، وجبَ أن يكونَ أدقَّ في التعريفِ. لأنَّ المفاهيمَ العاليةَ حينَ تُتْرَكُ بلا تحديدٍ تتحولُ إلى مظلاتٍ واسعةٍ يحتمي تحتَها كلُّ شيءٍ؛ الإصلاحُ والفسادُ، العدلُ والظلمُ، الأمنُ والقمعُ، المصلحةُ والامتيازُ، الوحدةُ والإقصاءُ. وليسَ من العقلِ ولا من الوطنيةِ أن نقبلَ عبارةً كبرى لأنَّها كبرى فحسبُ. بلْ إنَّ كبْرَها هو سببُ وجوبِ مساءلتِها. فالمصلحةُ الوطنيةُ ليستْ تعويذةً، وأمنُ الدولةِ ليسَ نصًّا مقدسًا، وهيبةُ الدولةِ ليستْ عصًا فوقَ الرؤوسِ، والثوابتُ الوطنيةُ ليستْ مخزنًا يُخَبَّأُ فيهِ العجزُ عن الحجةِ.

وعندما ينتقلُ هذا الغموضُ من اللغةِ إلى الواقعِ، تظهرُ الأسئلةُ التي لا يجوزُ لأيِّ مجتمعٍ راشدٍ أن يتخلى عنْها؛ من المستفيدُ؟ من المتضررُ؟ من يقررُ؟ من يحاسبُ؟ هذه الأسئلةُ الأربعةُ تكادُ تكونُ مفتاحًا أخلاقيًا وسياسيًا لكلِّ سياسةٍ تُمرَّرُ باسمِ الدولةِ. فإذا قيلَ إنَّ مشروعًا ضخمًا يخدمُ المصلحةَ الوطنيةَ، فلنسألْ: من ينتفعُ بعقودِهِ؟ ومن يتحملُ كلفَتَهُ؟ وهلْ هو أولى من الصحةِ والتعليمِ والسكنِ والبنى الأساسيةِ؟ وإذا قيلَ إنَّ الضرائبَ الجديدةَ ضرورةٌ وطنيةٌ، فلنسألْ: هلْ يدفعُ الأقوياءُ نسْبَتَهُمُ العادلةَ؟ وهلْ خُفِّضَ الهدرُ قبلَ تحميلِ المواطنِ؟ وهلْ فُتِحَتْ ملفاتُ الامتيازاتِ والفسادِ؟ وإذا قيلَ إنَّ تقييدَ حريةٍ معينةٍ ضرورةٌ للأمنِ، فلنسألْ: ما الدليلُ؟ وما المدةُ؟ وما الرقابةُ القضائيةُ؟ وما الضماناتُ؟ ومنْ يعوضُ المتضررَ إنْ ثبتَ التعسفُ؟ وإذا قيلَ إنَّ الصمتَ واجبٌ في لحظةٍ وطنيةٍ حساسةٍ، فلنسألْ: هل الصمتُ يحلُّ الأزمةَ أمْ يؤجلُ انفجارَها؟

هذه الأسئلةُ ليستْ عداءً للدولةِ، بلْ حمايةٌ لها من أن تُخْتَطَفَ. لأنَّ الدولةَ التي لا تُسْأَلُ باسمِ المصلحةِ العامةِ قد تتحولُ إلى أداةٍ في يدِ منْ يعرفُ كيفَ يتكلمُ باسمِها. ولأنَّ المواطنَ الذي يتنازلُ عنْ حقِّهِ في السؤالِ لا يحمي الوطنَ، بلْ يتركُ تعريفَ الوطنِ لمنْ يملكُ المنبرَ والقوةَ. ولأنَّ السياسةَ التي لا تكشفُ مستفيديها ومتضرريها تتحولُ إلى قدرٍ غامضٍ يهبطُ على الناسِ منْ فوقُ، معَ أنَّها في الحقيقةِ قراراتٌ بشريةٌ، يتخذُها أشخاصٌ، وتخدمُ مصالحَ، وتنتجُ آثارًا، ويجبُ أن تخضعَ للمحاسبةِ.

خذْ مثلًا سياسةً ماليةً تُرْفَعُ تحتَ شعارِ “إنقاذِ الاقتصادِ الوطنيِّ”. قد تكونُ الحاجةُ حقيقيةً، وقدْ تكونُ الدولةُ فعلًا في أزمةٍ تتطلبُ إجراءاتٍ صعبةً. لكنَّ الوطنيةَ الراشدةَ لا تكتفي بالشعارِ. تسألُ؛ هلْ جرى تحميلُ الفئاتِ الضعيفةِ ما لا تطيقُ؟ هلْ جرى مساسٌ بالأساسياتِ قبلَ الكمالياتِ؟ هلْ خُفِّضَتِ امتيازاتُ المسؤولينَ والنخبِ قبلَ مطالبةِ الناسِ بالصبرِ؟ هلْ حُوسِبَ منْ أهدرَ المالَ العامَّ؟ وهلْ وُضِعَتْ خطةٌ واضحةٌ للخروجِ من الأزمةِ؟ وهلْ تُعْرَضُ النتائجُ على المجتمعِ بشفافيةٍ؟ إذا غابتْ هذه الأسئلةُ، صارتْ “مصلحةُ الدولةِ” قناعًا يدفعُ تحتَهُ الضعفاءُ الثمنَ، بينما يحتفظُ الأقوياءُ بأبوابِهِمُ الخلفيةِ.

وخذْ مثلًا خطابَ الأمنِ. لا أحدَ عاقلًا يستخفُّ بالأمنِ؛ فالأمنُ شرطٌ للعيشِ، ومنْ دونِهِ تنهارُ الحقوقُ نفسُها. لكنَّ الأمنَ الحقيقيَّ لا يكونُ مطرقةً عامةً تُسْقَطُ على كلِّ صوتٍ. حينَ يُسْتَثْمَرُ أمنُ الدولةِ لتقييدِ حريةِ الرأيِ، أو مراقبةِ الناسِ بلا ضوابطَ، أو تخويفِ الصحافةِ، أو تجريمِ الاختلافِ السلميِّ، فإنَّ السؤالَ يصبحُ واجبًا؛ هلْ نحنُ أمامَ أمنِ المجتمعِ أمْ أمنِ الجهازِ؟ هلْ يُحْمَى المواطنُ من الخطرِ، أمْ تُحْمَى السلطةُ من المواطنِ؟ الأمنُ الذي يصونُ حياةَ الناسِ وحقوقَهُمْ ضرورةٌ، أما الأمنُ الذي يبتلعُ الحقوقَ بلا حدودٍ فيتحولُ إلى خوفٍ منظمٍ. والمجتمعُ الخائفُ ليسَ مجتمعًا آمنًا، بلْ مجتمعٌ مؤجلٌ الانفجارِ.

وخذْ مثالَ “هيبةِ الدولةِ”. إذا قصدنا بها احترامَ القانونِ، ونزاهةَ القضاءِ، وانتظامَ المؤسساتِ، وعادلةَ الإجراءاتِ، فهيَ معنًى جليلٌ. أما إذا تحولتْ إلى منعِ المواطنِ منْ نقدِ موظفٍ، أو كشفِ فسادِ إدارةٍ، أو الاعتراضِ على قرارٍ، فليستْ هيبةَ دولةٍ بلْ هيبةَ أشخاصٍ اختبأوا في ثوبِها. الدولة_ لا تزدادُ هيبةً حينَ يسكتُ الناسُ عنِ الخطأِ، بلْ حينَ يثقُ الناسُ أنَّ الخطأَ سيُحَاسَبُ. لا تزدادُ هيبةً حينَ يُخَافُ المسؤولُ، بلْ حينَ يخافُ المسؤولُ منَ القانونِ. لا تزدادُ هيبةً حينَ تُمْنَعُ الأسئلةُ، بلْ حينَ تُجَابُ الأسئلةُ بوضوحٍ. إنَّ أضعفَ الدولِ هيَ التي تجعلُ هيبتَها مرهونةً بصمتِ الناسِ، وأقواها هيَ التي تجعلُ هيبتَها ثمرةَ عدلِها.

أما “الثوابتُ الوطنيةُ” فهيَ أكثرُ المفاهيمِ حساسيةً، لأنَّها تمسُّ هويةَ الجماعةِ واستمرارَها. ولا شكَّ أنَّ لكلِّ مجتمعٍ أصولًا كبرى يحرسُ بها وجودَهُ؛ وحدةَ الكيانِ، السلمَ الأهليَّ، كرامةَ الإنسانِ، استقلالَ القرارِ، احترامَ القانونِ، العدالةَ الأساسيةَ بينَ المواطنينَ. لكنَّ الخطرَ يبدأُ حينَ تتوسعُ قائمةُ الثوابتِ حتى تشملَ كلَّ سياسةٍ حكوميةٍ، وكلَّ تفسيرٍ رسميٍّ، وكلَّ روايةٍ تاريخيةٍ، وكلَّ اختيارٍ اقتصاديٍّ، وكلَّ موقفٍ إعلاميٍّ. عندئذٍ لا تعودُ الثوابتُ ثوابتَ، بلْ تتحولُ إلى متاريسَ تمنعُ الحركةَ. والثابتُ الحقيقيُّ لا يخافُ من النقاشِ الرشيدِ، لأنَّهُ يستمدُّ قوَّتَهُ منْ عمقِهِ لا منْ حراسةِ الشرطةِ اللغويةِ حولَهُ.

إنَّ المصلحةَ العامةَ الحقيقيةَ ليستْ ما تقررهُ السلطةُ وحدَها، ولا ما تريدُهُ الأغلبيةُ وحدَها، ولا ما يطلبهُ السوقُ وحدَهُ، ولا ما يصنعهُ الإعلامُ في لحظةِ حماسةٍ. المصلحةTarget العامةُ هيَ نتيجةُ توازنٍ دقيقٍ بينَ الحقوقِ والحرياتِ والعدالةِ والأمنِ والكرامةِ الإنسانيةِ. فإذا حضرَ الأمنُ وغابتِ الكرامةُ، لمْ نكنْ أمامَ مصلحةٍ عامةٍ بلْ أمامَ إدارةِ خوفٍ. وإذا حضرتِ الحريةُ وغابَ القانونُ، لمْ نكنْ أمامَ مصلحةٍ عامةٍ بلْ أمامَ فوضى. وإذا حضرتْ رغبةُ الأغلبيةِ وغابتْ حقوقُ الأقليةِ، لمْ نكنْ أمامَ مصلحةٍ عامةٍ بلْ أمامَ طغيانِ عددٍ. وإذا حضرتِ التنميةُ وغابتِ العدالةُ، لمْ نكنْ أمامَ مصلحةٍ عامةٍ بلْ أمامَ نموٍّ مشوهٍ ينتفعُ بهِ البعضُ ويُطْلَبُ منَ الجميعِ دفعُ ثمنِهِ. وإذا حضرتِ الدولةُ وغابَ الإنسانُ، فقدْ غابتِ الغايةُ نفسُها.

“تعريفُ المصلحةِ الوطنيةِ يجبُ أن يخضعَ دائمًا لاختبارِ الإنسانِ؛ هلْ تزيدُ هذه السياسةُ منْ كرامةِ الناسِ أمْ تنقصُها؟ فالعباراتُ لا تطهّرُ الأفعالَ، كما أنَّ الأعلامَ لا تغسلُ الفسادَ.”

ولذلكَ فإنَّ تعريفَ المصلحةِ الوطنيةِ يجبَ أن يخضعَ دائمًا لاختبارِ الإنسانِ. هلْ تزيدُ هذه السياسةُ منْ كرامةِ الناسِ أمْ تنقصُها؟ هلْ توسعُ عدالتَهُمْ أمْ تضيقُها؟ هلْ تحمي أمنَهُمْ فعلًا أمْ تكتفي بحمايةِ صورةِ السلطةِ؟ هلْ توزعُ الأعباءَ بإنصافٍ؟ هلْ تحاسبُ المسؤولينَ كما تطالبُ المواطنينَ؟ هلTarget تفتحُ المجالَ للمراجعةِ أمْ تغلقُهُ؟ هلْ تُشْرِكُ المجتمعَ في الفهمِ أمْ تطلبُ منْهُ التسليمَ؟ إنَّ السياسةَ التي لا تنجحُ في هذا الاختبارِ لا يكفيها أن تتزينَ بعبارةِ المصلحةِ الوطنيةِ. فالعباراتُ لا تطهّرُ الأفعالَ، كما أنَّ الأعلامَ لا تغسلُ الفسادَ، ولا الأناشيدُ ترممُ غيابَ العدالةِ.

وهنا تكتملُ الدائرةُ معَ كلِّ الأسئلةِ السابقةِ؛ الوطنُ ليسَ ملكًا لمنْ يرفعُ صوتَهُ باسمِهِ، والدولةُ ليستْ ملكًا لمنْ يجلسُ مؤقتًا على مقاعدِ إدارتِها، والسلطةُ ليستْ هيَ الكيانَ، والمصلحةُ العامةُ ليستْ ختْمًا جاهزًا، والوطنيةُ ليستْ طاعةً عمياءَ، والولاءُ ليسَ تنازلًا عن العقلِ. كلُّ هذه المقالاتِ لا تدعو إلى برودٍ تجاهَ الوطنِ، ولا إلى استخفافٍ بالدولةِ، ولا إلى تفكيكِ الانتماءِ، ولا إلى فوضى سياسيةٍ تقذفُ المجتمعَ في العراءِ. بلْ تقولُ العكسَ تمامًا؛ لأنَّ الوطنَ عظيمٌ، يجبُ ألا يُتْرَكَ للمتاجرينَ باسمِهِ. ولأنَّ الدولةَ ضروريةٌ، يجبُ ألا تُخْتَزَلَ في أهواءِ منْ يديرونَها. ولأنَّ المصلحةَ الوطنيةَ جليلةٌ، يجبُ ألا يُتْرَكَ بلا تعريفٍ ولا رقابةٍ. ولأنَّ الأمنَ مهمٌّ، يجبُ ألا يُسْتَعْمَلَ لإلغاءِ العدالةِ. ولأنَّ الرموزَ لها قيمةٌ، يجبُ ألا تتحولَ إلى أقنعةٍ تخفي غيابَ المعنى.

إنَّ الذينَ يحتكرونَ الحديثَ باسمِ الوطنِ والدولةِ لا يحمونهُما بالضرورةِ؛ قدْ يكونونَ أخطرَ عليهِما ممنْ ينتقدونَهُمْ. فالمتاجرُ بالمعنى يفرغُهُ منْ داخلِهِ، والمحتكرُ للرمزِ يضيّقُ ما كانَ ينبغي أن يتسعَ، والمستفيدُ من الغموضِ يربطُ مصيرَ الكيانِ بمصلحتِهِ الخاصةِ. أما النقدُ المعرفيُّ الراشدُ، حينَ يصدرُ عنْ وفاءٍ للحقيقةِ وحرصٍ على الإنسانِ، فهو ليسَ خيانةً للفكرةِ الوطنيةِ بلْ دفاعٌ عنها منَ المختطفينَ. النقدُ هنا لا يقفُ خارجَ الوطنِ، بلْ يقفُ في قلبِ معناهُ. لا يهدمُ الدولةَ، بلْ يمنعُها من أن تتحولَ إلى غنيمةٍ. لا يضعفُ المصلحةَ العامةَ، بلْ يطالبُ بتعريفِها تعريفًا يمنعُ تزويرَها. لا يحاربُ الثوابتُ، بلْ ينقذُها من التمددِ الكاذبِ الذي يحولُها إلى أدواتِ قمعٍ.

وفي كلِّ مرةٍ يقولُ فيها شخصٌ أو مؤسسةٌ: “نحنُ نمثلُ مصلحةَ الدولةِ”، ينبغي للمواطنِ الراشدِ ألا يكتفيَ بالإنكارِ ولا بالتسليمِ، بلْ بالسؤالِ: ما الدليلُ؟ ما التعريفُ؟ ما الكلفةُ؟ ما البديلُ؟ ما الضمانةُ؟ منْ يراقبُ؟ منْ يحاسبُ؟ منْ يدفعُ الثمنَ؟ ومنْ يجني الثمرةَ؟ هذه الأسئلةُ هيَ اللغةُ الحقيقيةُ للمواطنةِ الناضجةِ. أما المجتمعاتُ التي تخافُ من السؤالِ، فإنَّها تسلّمُ مفاتيحَها لمنْ يملكُ الجرأةَ على الكلامِ باسمِها. وحينَ يتوقفُ الناسُ عن السؤالِ، لا تختفي المصالحُ الخاصةُ، بلْ تختفي القدرةَ على كشفِها.

إنَّ الدولةَ العادلةَ لا تخافُ منْ هذا النوعِ من الأسئلةِ، لأنَّها تعرفُ أنَّ وضوحَ المعنى يحميها. الدولة_ الواثقةُ لا تتهربُ منْ تعريفِ المصلحةِ، ولا تستعملُ الغموضَ للهيمنةِ، ولا تعدُّ المواطنَ الذي يسألُ خصمًا. بلْ ترى في السؤالِ جزءًا من الرشدِ العامِّ، وفي المراجعةِ ضمانًا من الضلالِ، وفي الشفافيةِ مصدرًا للثقةِ. أما الدولة_ التي تحتاجُ إلى غموضٍ دائمٍ كي تمررَ سياساتِها، وإلى عباراتٍ ضخمةٍ كي تمنعَ نقاشَها، وإلى تخوينٍ متكررٍ كي تسكتَ ناقديها، فهيَ تعترفُ ضمنًا بأنَّ حجَّتَها لا تكفيها.

والخاتمةُ الكبرى أنَّ حمايةَ الوطنِ لا تكونُ بتسليمِ تعريفِهِ إلى جهةٍ واحدةٍ، وحمايةَ الدولةِ لا تكونُ بإعفائِها من المساءلةِ، وحمايةَ المصلحةِ العامةِ لا تكونُ بتركِها لفظًا مطاطيًا في يدِ الأقوى. كلما ارتفعتْ قيمةُ الوطنِ، زادتْ ضرورةُ منعِ احتكارِهِ. وكلما عظمتْ أهميةُ الدولةِ، زادتْ ضرورةُ تقييدِ منْ يتكلمُ باسمِها. وكلما اتسعتِ المصلحةُ الوطنيةُ، زادتِ الحاجةُ إلى إخراجِها من الغموضِ إلى ميزانِ الحقوقِ والحرياتِ والعدالةِ والأمنِ والكرامةِ.

ليستِ الرسالةُ النهائيةُ؛ لا تحبّوا الوطنَ. بلْ أحبّوهُ بما يكفي كيْ لا تسمحوا لأحدٍ أن يسرقَهُ منكُمْ باسمِ الحبِّ. وليستِ الرسالةُ؛ لا تحترموا الدولةَ. بلِ احترموها بما يكفي كيْ لا تتركوها تتحولَ إلى أداةٍ في يدِ سلطةٍ أو حزبٍ أو نخبةٍ أو سوقٍ. وليستِ الرسالةُ؛ شككوا في كلِّ شيءٍ عبثًا. بلِ اسألوا عنْ كلِّ شيءٍ يمسُّ مصيرَ الناسِ، لأنَّ المصيرَ العامَّ لا يجوزُ أن يُدَارَ بالضبابِ. إنَّ النقدَ، في هذا المقامِ، ليسَ ترفًا سياسيًا ولا معارضةً عابرةً، بلْ دفاعٌ عن الفكرةِ نفسِها التي يدَّعي المتاجرونَ أنَّهُمْ يحرسونَها. فمنْ أرادَ دولةً جديرةً بالاحترامِ فليمنعْ تحويلَها إلى قناعٍ. ومنْ أرادَ وطنًا جديرًا بالحبِّ فليمنعْ احتكارَ الحديثِ باسمِهِ. ومنْ أرادَ مصلحةً وطنيةً حقيقيةً فليطلبْ تعريفَها في ضوءِ الإنسانِ، لا في ظلِّ مصالحِ منْ يملكونَ الصوتَ الأعلى.

وحينَ يبلغُ المجتمعُ هذه الدرجةَ من الوعيِ، لا يعودُ الوطنُ شعارًا يُرْفَعُ لإسكاتِ الناسِ، بلْ فضاءً يتسعُ لأسئلتِهِمْ. ولا تعودُ الدولةُ صنمًا سياسيًا، بلْ مؤسسةً تخدمُ الكرامةَ. ولا تعودُ المصلحةُ الوطنيةُ عبارةً غائمةً، بلْ عهدًا مفتوحًا على العدلِ. عندها فقطْ يصبحُ الانتماءُ أرقى من الخوفِ، والولاءُ أصدقُ من التصفيقِ، والاحترامُ أعمقُ من الطاعةِ، والنقدُ شكلًا منْ أشكالِ الحراسةِ الأخلاقيةِ للمعنى العامِّ. وحينَها لا يستطيعُ أحدٌ أن يقولَ وحدَهُ: “أنا الدولةُ، وأنا مصلحتُها، وأنا صوتُ الوطنِ”، لأنَّ الوطنَ أوسعُ منْ كلِّ فمٍ، والدولةَ أكبرُ منْ كلِّ سلطةٍ، والمصلحةَ العامةَ أنبلُ منْ أن تُتْرَكَ لمنْ يريدونَ تحويلَها إلى ملكيةٍ خاصةٍ باسمِ الجميعِ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى