حين الوفاء سيادة روح
عَلَى مَهَبِّ هَذَا الوُجُودِ المُضْطَرِبِ، حَيْثُ تَتَخَاطَفُ الأَهْوَاءُ قُلُوبَ العَابِرِينَ، وَيَتَنَازَعُ ضَجِيجُ الفَنَاءِ مَعَانِيَ البَقَاءِ، تَقِفُ الرُّوحُ العَالِيَةُ شَامِخَةً كَطَوْدٍ لا تُزَلْزِلُهُ عَوَاصِفُ التَّنَكُّرِ، وَلا تَمَسُّ عَبَقَهُ مَنَاجِلُ النِّسْيَانِ. هُنَاكَ، حِينَ يَتَبَدَّلُ النَّاسُ كَأَوْرَاقٍ يَابِسَةٍ فِي مَوَاسِمِ المَصَالِحِ، وَحِينَ تَصِيرُ العُهُودُ عِنْدَ الكَثِيرِينَ حِبْرًا بَارِدًا عَلَى وَرَقٍ أَبْرَدَ، يَنْبَثِقُ الوَفَاءُ كَجَذْوَةٍ مُقَدَّسَةٍ لا تُطْفِئُهَا رِيَاحُ الجُحُودِ، وَلا يَنْقُصُ مِنْ سَنَاهُ طُولُ الغِيَابِ، وَلا تَخْدَشُ كِبْرِيَاءَهُ خَيْبَةُ مَنْ لَمْ يُحْسِنُوا قِرَاءَةَ المِيثَاقِ.
لَمْ يَكُنِ الوَفَاءُ يَوْمًا نَسِيجًا مِنْ كَلِمَاتٍ تُعْلَكُ عَلَى شِفَاهِ العَابِرِينَ، وَلا طُقُوسًا بَاهِتَةً تُؤَدَّى فِي مَحَارِيبِ العَادَةِ، وَلا شَارَةً اجْتِمَاعِيَّةً يَتَزَيَّنُ بِهَا مَنْ يَعْجِزُونَ عَنْ حَمْلِ أَعْبَائِهَا. إِنَّمَا هُوَ النَّبْضُ السَّرْمَدِيُّ الَّذِي يَسْرِي فِي عُرُوقِ الأَشْيَاءِ، فَيُحِيلُ العَوَاطِفَ كَائِنَاتٍ نُورَانِيَّةً لَهَا أَجْنِحَةٌ مِنْ ثَبَاتٍ، وَحُرَّاسٌ مِنْ يَقِينٍ، وَقُدْرَةٌ عَلَى أَنْ تَبْقَى مُشْرِقَةً حَتَّى وَإِنْ خَذَلَتْهَا المَوَاسِمُ وَتَنَكَّرَتْ لَهَا الطُّرُقُ.
وَلِأَجْلِ هَذَا التَّعَالِي المُقَدَّسِ، لا يَكُونُ الوَفَاءُ مُجَرَّدَ فَضِيلَةٍ عَاطِفِيَّةٍ، بَلْ يَصِيرُ أَجْمَلَ مَا فِي العَاطِفَةِ مِنْ فَضِيلَةٍ، وَأَشْرَفَ مَا فِي الثَّبَاتِ مِنْ مَهَابَةٍ. إِنَّهُ مِعْرَاجُ النَّفْسِ مِنْ طِينَةِ الغَرَائِزِ إِلَى سِدْرَةِ الكَمَالِ، حَيْثُ يَتَجَرَّدُ الإِنْسَانُ مِنْ نَزَقِهِ المَادِّيِّ، وَيَخْرُجُ مِنْ سُوقِ التَّقَلُّبِ إِلَى مَمْلَكَةِ المَعْنَى، لِيَصِيرَ آيَةً تُتْلَى فِي كِتَابِ الجَمَالِ، وَشَاهِدًا بَصِيرًا عَلَى أَنَّ فِي قَلْبِ الإِنْسَانِ قُوَّةً تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقْهَرَ سَطْوَةَ التَّغَيُّرِ بِجَبَرُوتِ الثَّبَاتِ.
وَأَوَّلُ مَدَارِجِ هَذَا الصُّعُودِ العُلْوِيِّ يَتَجَلَّى فِي الوَفَاءِ لِلْمَشَاعِرِ؛ تِلْكَ النَّبَضَاتِ الأُولَى الَّتِي انْبَجَسَتْ مِنْ رَحِمِ العَدَمِ لِتَخْلُقَ فِي دَوَاخِلِنَا أَكْوَانًا بِكْرًا تَتَنَفَّسُ عِطْرَ الدَّهْشَةِ. فَالشُّعُورُ لَدَى أَصْحَابِ النُّفُوسِ الكَبِيرَةِ لَيْسَ نَزْوَةً تَذْرُوهَا رِيَاحُ التَّبَدُّلِ، وَلا غَمَامَةَ صَيْفٍ تُغْرِي ثُمَّ تَتَلَاشَى، وَلا حَرَارَةً طَارِئَةً تُوقِدُهَا اللَّحْظَةُ ثُمَّ تَتْرُكُهَا رَمَادًا فِي أَوَّلِ مَهَبٍّ. بَلْ هُوَ جَذْوَةٌ قُدُسِيَّةٌ نَزَلَتْ مِنْ عِلِّيِّينَ لِتَسْتَقِرَّ فِي هَيْكَلِ الصَّدْرِ، وَتَصِيرَ جُزْءًا مِنْ نَسَبِ الرُّوحِ لا عَارِضًا مِنْ أَعْرَاضِ المِزَاجِ.
إِنَّنَا نَصُونُ عَوَاطِفَنَا كَمَا يَصُونُ السَّادِنُ نَارَهُ الأَزَلِيَّةَ، لا نَسْتَجْدِي بِهَا الدِّفْءَ مِنْ قَوَارِعِ الحِرْمَانِ، وَلا نُعَرِّضُهَا لِرِيَاحِ الأَسْوَاقِ كَي تُسَاوِمَ عَلَيْهَا أَكُفُّ العَابِرِينَ، بَلْ نَرْعَاهَا اسْتِحْقَاقًا لِذَوَاتِنَا التَّوَّاقَةِ إِلَى المُطْلَقِ. لَقَدْ مَنَحْنَا هَذِهِ المَشَاعِرَ مِنْ دِمَاءِ مُهَجِنَا، وَصُغْنَا لَهَا مِنْ حَرِيرِ أَرْوَاحِنَا كُسْوَةً لا تَبْلَى، فَمَا كَانَ لَنَا، وَنَحْنُ حُرَّاسُ الوِجْدَانِ، أَنْ نَتْرُكَهَا ذَبِيحَةً عَلَى مَذْبَحِ الجُحُودِ، أَوْ نَسْلُبَهَا قَدَاسَتَهَا لِأَنَّ زَمَنًا مُتَوَحِّشًا لا يُحْسِنُ إِلَّا قِيَاسَ الأَشْيَاءِ بِمِكْيَالِ المَنْفَعَةِ.
العَاطِفَةُ الصَّادِقَةُ كَائِنٌ يَشْهَقُ بِالرَّجَاءِ، وَالوَفَاءُ لَهَا هُوَ دِينُ النُّفُوسِ السَّيِّدَةِ؛ نُقِيمُ شَعَائِرَهُ عَالِيًا، لا نَنْكُصُ عَلَى أَعْقَابِنَا إِنْ تَبَدَّلَتْ مَوَاسِمُ الحَصَادِ، وَلا نَخُونُ مَا صَدَّقْنَاهُ فِي دَاخِلِنَا لِأَنَّ خَارِجًا مَا لَمْ يَعُدْ يَسْتَحِقُّهُ. فَإِنَّنَا حِينَ نُحِبُّ صِدْقًا، لا نَخْلُقُ شُعُورًا فَحَسْبُ، بَلْ نَخْلُقُ مَعْنًى، وَالمَعْنَى الَّذِي وُلِدَ مِنْ دَمِ الرُّوحِ لا يَجُوزُ أَنْ يُسَلَّمَ إِلَى مَقَاصِلِ النِّسْيَانِ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ. فَلَا يَصِحُّ أَنْ تَخُونَ الأَرْضُ غَرْسَهَا بَعْدَ أَنْ أَسْمَعَتْهُ مَوَّالَ الرَّبِيعِ، وَلا أَنْ يَتَنَكَّرَ القَلْبُ لِمَا أَنْبَتَ فِيهِ مِنْ وَرْدٍ لِأَنَّ يَدًا عَابِرَةً لَمْ تُحْسِنْ قِطَافَهُ.
وَمِنْ بَطْنِ هَذَا التَّبَتُّلِ الوِجْدَانِيِّ العَمِيقِ، يَتَوَلَّدُ الوَفَاءُ لِلأَشْخَاصِ، لا عَنْ عِوَزٍ يَسْتَجْدِي الوِصَالَ، وَلا عَنْ ضَعْفٍ يَرْتَجِي الإِسْنَادَ، وَلا عَنْ عَبُودِيَّةٍ لِصُورَةٍ خَارِجَةٍ تُصَادِرُ سِيَادَةَ الذَّاتِ، بَلْ عَنْ كِبْرِيَاءَ يَفِيضُ بِنَمِيرِ المَكْرُمَاتِ. فَإِنَّنَا حِينَ نُخْلِصُ لِمَنْ سَكَنُوا جَوَانِحَنَا، لا نَفْعَلُ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ مَحَاوِرُ الكَوْنِ الأَوْحَدُ، بَلْ لِأَنَّ وُجُودَهُمْ قَدْ تَعَمَّدَ بِمَاءِ خِيَارِنَا الحُرِّ، وَلِأَنَّ اصْطِبَاغَهُمْ بِلَوْنِ حُبِّنَا شَرَفٌ قَلَّدْنَاهُمْ إِيَّاهُ، لا قَيْدٌ قَيَّدْنَا بِهِ أَعْنَاقَنَا.
حِينَ نَمْنَحُ العَهْدَ، فَإِنَّنَا لا نَكْتُبُهُ عَلَى رَمْلٍ تَمْحُوهُ مَوْجَةُ غَضَبٍ، وَلا نُعَلِّقُهُ عَلَى بَابِ مَوْسِمٍ يُفْتَحُ وَيُغْلَقُ بِحَسَبِ المِزَاجِ، بَلْ نَنْقُشُهُ عَلَى صُفُوحِ أَرْوَاحِنَا بِمِدَادٍ مِنْ نُورٍ لا يَمْحُوهُ عُبُوسُ المَسَافَاتِ، وَلا تَطْمِسُهُ شَرَاهَةُ الأَيَّامِ. نَرَى فِيهِمْ رُفَقَاءَ المِعْرَاجِ إِلَى عَالَمِ الصَّفَاءِ، وَنُحِيطُهُمْ بِهَالَةٍ مِنْ حِمَايَةٍ ذَاتِيَّةٍ تَفْتَرِسُ كُلَّ شَكٍّ بَائِسٍ قَدْ يَتَسَلَّلُ لِيُدَنِّسَ طَهَارَةَ الانْتِمَاءِ.
غَيْرَ أَنَّ الوَفَاءَ، فِي أَرْفَعِ مَقَامَاتِهِ، لا يَعْنِي أَنْ نُسَلِّمَ أَعْنَاقَنَا لِمَنْ يَجْهَلُونَ قَدْرَ المِيثَاقِ، وَلا أَنْ نُبْقِي أَبْوَابَ الرُّوحِ مُشْرَعَةً لِكُلِّ مَنْ يُحْسِنُ الدُّخُولَ وَيُسِيءُ المُقَامَ. فَالوَفَاءُ لِلشَّخْصِ لا يَلْغِي الوَفَاءَ لِلكَرَامَةِ، وَحِفْظُ الوُدِّ لا يَعْنِي تَعْطِيلَ البَصِيرَةِ، وَصَوْنُ العَهْدِ لا يَجْعَلُ الكَرِيمَ حَارِسًا أَبَدِيًّا لِمَنْ خَانُوا مَعْنَى الحِرَاسَةِ. إِنَّمَا الوَفَاءُ أَنْ نَحْفَظَ لِلْغَائِبِ حُرْمَتَهُ كَمَا نَحْفَظُ لِلشَّاهِدِ هَيْبَتَهُ، وَأَنْ لا نُنْكِرَ مَا كَانَ نَبِيلًا لِأَنَّ مَا بَعْدَهُ تَعَثَّرَ، وَأَنْ نُبْقِي المَعْنَى طَاهِرًا فِي دَاخِلِنَا دُونَ أَنْ نَسْمَحَ لَهُ أَنْ يَصِيرَ سِلْسِلَةً فِي أَعْنَاقِنَا.
هُوَ وَفَاءٌ يَتَرَفَّعُ عَنْ حِسَابَاتِ الرِّبْحِ وَالخَسَارَةِ فِي أَسْوَاقِ البَشَرِ الرَّخِيصَةِ، لِيَسْتَقِرَّ فِي بُرُوجِ التَّعَفُّفِ العَالِيَةِ. نَصُونُ الوِدَادَ حَتَّى فِي أَحْلَكِ لَحَظَاتِ الجَفَاءِ، لا بِمَعْنَى أَنْ نَظَلَّ أَسْرَى لِمَنْ أَدْبَرُوا، بَلْ بِمَعْنَى أَنْ لا نَسْمَحَ لِإِدْبَارِهِمْ أَنْ يُحَوِّلَنَا إِلَى أَرْوَاحٍ صَغِيرَةٍ تَنْكُرُ النُّورَ الَّذِي رَأَتْهُ يَوْمًا. فَالكَرِيمُ إِنْ مَالَ عَنْهُ هَوَى مَنْ أَحَبَّ، لَمْ يَمِلْ هُوَ عَنْ شَرَفِ حِفْظِ الوُدِّ، بَلْ يَبْقَى عِمَادًا ثَابِتًا يَشْهَدُ عَلَى أَنَّ قَلْبَهُ خَزْنَةٌ لا تُفْتَحُ أَبْوَابُهَا لِلُّصُوصِ، مَهْمَا كَثُرَ الطَّارِقُونَ.
عَلَى أَنَّ كُلَّ هَذَا البُنْيَانِ الشَّامِخِ مِنْ وَفَاءٍ لِلشُّعُورِ وَلِلإِنْسَانِ، يَظَلُّ مُهَدَّدًا بِالسُّقُوطِ فِي لُجَّةِ العَدَمِ مَا لَمْ يَرْتَكِزْ عَلَى قَوَاعِدَ مَتِينَةٍ مِنَ الوَفَاءِ لِلْمَبَادِئِ. فَالمَبَادِئُ لَيْسَتْ لَافِتَاتٍ بَرَّاقَةً نُعَلِّقُهَا لِنُزَيِّنَ بِهَا جُدْرَانَ مَجَالِسِنَا، وَلا شِعَارَاتٍ تُرْفَعُ حِينَ يَسْهُلُ الرَّفْعُ وَتُطْوَى حِينَ يَشْتَدُّ البَلَاءُ، بَلْ هِيَ النَّامُوسُ الدَّاخِلِيُّ الَّذِي يَضْبِطُ إِيقَاعَ الشَّهِيقِ وَالزَّفِيرِ، وَالشَّرَايِينُ الخَفِيَّةُ الَّتِي تَضُخُّ مَاءَ العِزَّةِ فِي نَبْضِ المَوَاقِفِ الصَّلْبَةِ.
النَّفْسُ العَالِيَةُ لا تَتَلَوَّنُ مَعَ تَبَدُّلِ الفُصُولِ، وَلا تَنْخَلِعُ مِنْ جِلْدِ يَقِينِهَا إِذَا تَكَدَّرَتْ مَنَاهِلُ الآخَرِينَ، وَلا تَجْعَلُ مِنْ رَضَا النَّاسِ قِبْلَةً تَحْرِفُهَا عَنْ قِبْلَةِ الحَقِّ. إِنَّهَا تَعِيشُ لِمَعْنًى رَحِيبٍ يَتَجَاوَزُ ضِيقَ الأَجْسَادِ الفَانِيَةِ، وَتَقِفُ كَالأَشْجَارِ البَاسِقَةِ الَّتِي تَمُدُّ جُذُورَهَا فِي مَاءِ الكِبْرِيَاءِ، فَلا تُسْقِطُ أَوْرَاقَ قِيَمِهَا رَهْبَةً مِنْ زَمْهَرِيرِ الخُطُوبِ.
إِنَّ الوَفَاءَ لِلْمَبْدَأِ هُوَ الخِيمْيَاءُ السِّرِّيَّةُ الَّتِي تَفْصِلُ بَيْنَ سَادَةِ الوُجُودِ وَعَبِيدِ اللَّحْظَةِ العَابِرَةِ. فَمَنْ لا مَبْدَأَ لَهُ، لا وَفَاءَ لَهُ وَإِنْ حَفِظَ أَلْفَ عَهْدٍ، وَمَنْ يَخُونُ قِيمَتَهُ الأُولَى لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَصُونَ عَاطِفَةً أَوْ يَحْفَظَ إِنْسَانًا. نَحْنُ مَنْ يَصْنَعُ أَقْدَارَهُ حِينَ يَقْبِضُ عَلَى جَمْرِ مُثُلِهِ العُلْيَا فِي زَمَنِ التَّنَازُلَاتِ، لا يُسَاوِمُ عَلَى نَقَاءِ سَرِيرَتِهِ، وَلا يُبَدِّلُ سَمْتَهُ الجَلِيلَ، حَتَّى وَلَوْ أُطْبِقَتْ عَلَيْهِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ. فَالنُّورُ الدَّاخِلِيُّ أَبْقَى مِنْ كُلِّ ظَلَامٍ خَارِجِيٍّ، وَالسِّيَادَةُ الحَقِيقِيَّةُ أَنْ تَكُونَ أَنْتَ هُوَ أَنْتَ، نَسِيجًا وَحْدَكَ فِي عَالَمٍ يَعْشَقُ الاسْتِنْسَاخَ وَالرَّدَاءَةَ.
وَفِي خِضَمِّ هَذَا التَّدَفُّقِ الكَوْنِيِّ، حِينَ تَنْحَسِرُ مِيَاهُ اللِّقَاءِ عَنْ شَوَاطِئِ التَّلَاقِي، وَيَهْبِطُ صَمْتُ الغِيَابِ ثَقِيلًا عَلَى صَدْرِ المَسَافَةِ، تَنْبَثِقُ الذِّكْرَيَاتُ كَأَنَّهَا غَابَاتٌ مِنْ أَلَقٍ لا تَطَالُهَا فُؤُوسُ الزَّوَالِ. لَيْسَتِ الذِّكْرَى، فِي عُرْفِ النُّفُوسِ الكَرِيمَةِ، رَمَادًا تَنْثُرُهُ رِيَاحُ التَّنَاسِي فِي العُيُونِ، وَلا أَطْلَالًا دَارِسَةً نَقِفُ عَلَيْهَا وُقُوفَ البَاكِينَ المُنْكَسِرِينَ، بَلْ هِيَ كَائِنَاتٌ مُجَنَّحَةٌ، نَضِيرَةُ المُحَيَّا، تَسْرِي مَعَ الدَّمِ فِي أَعْمَاقِنَا، وَتَفْتَرِشُ أَرِيكَةَ الوَقَارِ خَلْفَ حَنَايَا ضُلُوعِنَا.
الوَفَاءُ لِلذِّكْرَى اسْتِحْضَارٌ سِيَادِيٌّ لِزَمَنِ التَّجَلِّي، لا انْهِزَامٌ أَمَامَ مَا مَضَى، وَلا إِدْمَانٌ لِوَجَعٍ قَدِيمٍ. نَسْكُبُ عَلَيْهَا مِنْ رَحِيقِ الحَاضِرِ وَدِفْءِ الشُّعُورِ مَا يَجْعَلُهَا ثَمَرَةً عَصِيَّةً عَلَى الذُّبُولِ، وَنَحْرُسُ مَشَاهِدَ الأَمْسِ المُشْرِقِ بِأَهْدَابِ اليَقِينِ، نُعِيدُ تَرْتِيبَ لَوْحَاتِ ابْتِسَامَاتِهَا فِي ذَاكِرَةِ الزَّمَانِ، وَنَسْتَنْشِقُ عُطُورَ هَمَسَاتِهَا العَالِقَةِ فِي هَوَاءِ الغُرْفَةِ، لا نَبْكِيهَا عَجْزًا، وَلا نَسْتَجْدِي رُجُوعَهَا ضَعْفًا، بَلْ نَعِيشُهَا وُجُودًا مُوَازِيًا نَقْهَرُ بِهِ شَرَاسَةَ الفَنَاءِ.
كُلُّ نَظْرَةٍ صَادِقَةٍ، وَكُلُّ لَمْسَةٍ طَاهِرَةٍ، وَكُلُّ صَمْتٍ تَوَهَّجَ يَوْمًا بَيْنَ قَلْبَيْنِ، هِيَ وَثِيقَةٌ حَيَّةٌ نَحْتَفِظُ بِهَا فِي مَخَازِنِ الأَبَدِيَّةِ. نَسْتَلُّهَا كَالسَّيْفِ الصَّقِيلِ لِنَذُودَ بِهَا عَنْ مِحْرَابِ الرُّوحِ ضِدَّ زَحْفِ جُيُوشِ العَدَمِ، وَنُشْعِلُهَا كَقِنْدِيلٍ حِينَ تَتَكَاثَفُ بُرُودَةُ الأَيَّامِ المُسْتَهْلَكَةِ. فَمَا الذِّكْرَى النَّبِيلَةُ إِلَّا زَمَنٌ رَفَضَ أَنْ يَمُوتَ، وَمَا الوَفَاءُ لَهَا إِلَّا إِعْلَانٌ عَالٍ بِأَنَّ مَا مَسَّ الرُّوحَ صِدْقًا لا يَخْضَعُ لِقَانُونِ الفَنَاءِ العَادِيِّ.
فَيَا أَيَّتُهَا الأَرْوَاحُ الَّتِي طَوَّفَتْ فِي مَلَكُوتِ الصِّدْقِ، وَشَرِبَتْ مِنْ حِيَاضِ الأَنَفَةِ، إِنَّ الوَفَاءَ لَيْسَ جِلْدًا يُنْتَزَعُ حِينَ يَتَغَيَّرُ المُنَاخُ، بَلْ هُوَ النَّسِيجُ الخَلَوِيُّ لِذَوَاتِنَا العُظْمَى. نَحْنُ شُهُودٌ عَلَى حَرِيقِ العَاطِفَةِ، لَسْنَا حَطَبًا أَعْمَى لَهَا؛ نَصُوغُ مِنْ لَوْعَةِ التَّجْرِبَةِ تِيجَانًا مُرَصَّعَةً بِالفَهْمِ، وَنَبْنِي مِنْ جَلَدِ الصَّبْرِ عُرُوشًا لا تَهْتَزُّ. نَقِفُ عَلَى ذُرْوَةِ هَذَا الوُجُودِ العَاطِفِيِّ، لا لِنَتَفَاخَرَ بِجِرَاحِنَا، بَلْ لِنُثْبِتَ أَنَّ الجُرْحَ إِذَا دَخَلَتْهُ البَصِيرَةُ صَارَ مِصْبَاحًا، وَأَنَّ الخَيْبَةَ إِذَا مَرَّتْ عَلَى نَارِ الكَرَامَةِ تَحَوَّلَتْ إِلَى مَعْدِنٍ أَصْلَبَ وَأَصْفَى.
فَمَنْ وَفَى لِمَشَاعِرِهِ قَدْ مَلَكَ زِمَامَ نَفْسِهِ فَلَمْ تُسْتَعْبَدْ، وَمَنْ صَانَ عَهْدَ الأَشْخَاصِ قَدْ أَثْبَتَ شَرَفَ طِينَتِهِ فَلَمْ تَتَلَوَّثْ، وَمَنْ عَضَّ عَلَى المَبْدَأِ بِنَوَاجِذِ رُوحِهِ قَدْ قَهَرَ الزَّمَانَ فَلَمْ يَشِخْ، وَمَنْ حَرَسَ ذِكْرَيَاتِهِ النَّبِيلَةَ قَدْ جَاوَزَ حُدُودَ المَكَانِ فَلَمْ يُحْبَسْ. هَكَذَا هُوَ الفَيْضُ العُمَرِيُّ حِينَ يَتَجَلَّى جَبَرُوتًا أَنِيقًا؛ نَتَأَمَّلُ حَالَاتِ النُّفُوسِ كَمَا يَتَأَمَّلُ النَّسْرُ السَّحَابَ مِنْ مَقَامِهِ الأَعْلَى، وَنُدْرِكُ أَنَّ لِلْوَفَاءِ هَيْبَةً تُخْجِلُ هَامَاتِ الجَاحِدِينَ، وَأَنَّ لِلثَّبَاتِ بَيَانًا أَبْلَغَ مِنْ كُلِّ خُطْبَةٍ تَعْتَذِرُ عَنْ نَقْضِ المَوَاثِيقِ.
وَهَكَذَا نَبْقَى، لا أَسْرَى لِمَا مَضَى، وَلا مُسْتَجْدِينَ لِمَا انْصَرَفَ، وَلا مُنْكَسِرِينَ عَلَى عَتَبَةِ مَنْ لَمْ يَحْفَظُوا العَهْدَ، بَلْ سَادَةَ مَا شَعَرْنَا بِهِ، وَحُرَّاسَ مَا آمَنَّا بِهِ، وَأُمَنَاءَ عَلَى مَا صَدَقَ فِينَا. نَحْمِلُ الوَفَاءَ كَتَاجٍ لا كَقَيْدٍ، وَكَمِشْكَاةٍ لا كَرَمَادٍ، وَكَمِيثَاقِ سِيَادَةٍ لا كَوَثِيقَةِ خُضُوعٍ. فَمَنْ ظَنَّ الوَفَاءَ ضَعْفًا، فَقَدْ جَهِلَ أَنَّ الثَّبَاتَ أَشَقُّ مِنَ التَّقَلُّبِ، وَمَنْ حَسِبَ حِفْظَ الوُدِّ انْكِسَارًا، فَقَدْ عَمِيَ عَنْ سُلْطَانِ الرُّوحِ حِينَ تَصُونُ مَا صَدَّقَتْهُ دُونَ أَنْ تَفْقِدَ عَرْشَهَا.
إِنَّ الوَفَاءَ، فِي آخِرِ مَعْنَاهُ وَأَوَّلِهِ، أَنْ تَبْقَى نَاصِعًا حِينَ يَتَّسِخُ الطَّرِيقُ، وَأَنْ تَبْقَى ثَابِتًا حِينَ يَتَدَافَعُ العَابِرُونَ إِلَى أَبْوَابِ التَّبَدُّلِ، وَأَنْ تَبْقَى أَنْتَ أَنْتَ، لا تَزِيدُكَ الخَيْبَةُ إِلَّا فَهْمًا، وَلا يَزِيدُكَ الغِيَابُ إِلَّا اتِّسَاعًا، وَلا يَزِيدُكَ الجُحُودُ إِلَّا يَقِينًا بِأَنَّ الرُّوحَ الكَبِيرَةَ لا تَقِيسُ شَرَفَهَا بِوَفَاءِ غَيْرِهَا لَهَا، بَلْ بِقُدْرَتِهَا عَلَى أَنْ تَظَلَّ وَفِيَّةً لِمَعْدِنِهَا، مُتَوَّجَةً بِعِزَّتِهَا، مُضِيئَةً بِسِرِّهَا، وَشَاهِدَةً أَبَدِيَّةً عَلَى أَنَّ أَرْفَعَ مَا فِي الإِنْسَانِ لَيْسَ أَنْ يُحَبَّ فَحَسْبُ، بَلْ أَنْ يَظَلَّ جَدِيرًا بِالمَحَبَّةِ حَتَّى حِينَ لا يَرَاهُ أَحَدٌ.
