الشعر
على أعتاب ذاكرة
دَنَا مِنَ الْعَيْنِ قَابَ اثْنَيْنِ ثُمَّ نَأَى = وَدَانَ بِالعَوْنِ فِي الْحَالَيْنِ ثُمَّ لَأَى وَدَّعْتُهُ كَرْبَلَائِيَّ الْأَنِينِ إِلَى = غَدٍ شَهِيدٍ عَلَى أَحْزَانِهِ انْكَفَأَ تَلَعْثَمَ الدَّرْبُ بِالْعُنْوَانِ وَارْتَبَكَتْ = مَلَامحُ اللَّهْفَةِ الْثَّكْلَى بِمَا رَزَأَ مَضَى وَفِيَّ الْمَدَى الْمَنْفِيُّ شَاخَ وَلَمْ = يُجْدِ الْإِبَاءَ لِصُلْبِ الْعُمْرِ مُتَّكَأَ مُسَافِرٌ يُبْحِرُ الْمِينَاءُ فِي دَمِهِ = وَزَوْرَقُ الْهَمِّ فِي أَضْلَاعِهِ رَفَأَ وَحَائِرٌ نَادَمَتْهُ البِيدُ غُرْبَتَهُ = فَلَمْ يَجِدْ غَيْرَ رَحْمِ الْغَيْبِ مُلْتَجَأَ لَمَّا وَقَفْتُ عَلَى أَعْتَابِ ذَاكِرَتِي = تَوَضَّأَ الْحُزْنُ فِي عَيْنَيَّ وَادَّرَأَ نَفَضْتُ عَنْهَا غُبَارَ الْوَقْتِ فَافْتَرَشَتْ = سَجَّادَةَ الصَّمْتِ تَتْلُو بِالْجَوَى النَّبَأَ لَمْ أَدْرِ كَيْفَ تَعَرَّى وَجْهُ دَمْعَتِهَا = وَكَيْفَ إِقْدَامُهَا فِي خَوْفِهَا اخْتَبَأَ مَا رَفْرَفَ الْهُدْهُدُ الْمَشْدُوهُ فِي خَلَدِي = إِلَّا وَحَذَّرَ مِنْ خَمْطِ الْهَوَى سَبَأَ هُنَاكَ فِي شُرْفَةِ الْقَلْبِ اسْتَقَرَّ عَلَى = غُصْنِ التَّوَجُّسِ يَرْوِي الرَّأْيَ مَاءَ نُؤَى لَمْ يَأْتِ بِالْعَرْشِ عِفْرِيتٌ وَلَا أَثِمَتْ = فِي لُجَّةِ الشَّوْقِ يَا بِلْقِيسُ مِنْكِ رُؤَى تِلْكَ الْمَزَامِيرُ لَمْ تُحْشَرْ إِلَيْكِ ضحَى = إِلَّا لِتَسْفَعَ عَنْ مِحْرَابِكِ الْخَطَأَ وَمَا امْتَرَى الظَّنُّ فِي صَحْرَاءَ حِكْمَتِهَا = إِلَّا وَأَسْدَى سُلَيْمَانُ النَّدَى الْكَلَأَ حَطَمْتِ مِنْ أَمَلِي الْمَهْزُومِ سُنْبُلَةً = وَصِبْتِ مِنْ أَلَمِي الْمَكْتُومِ مَا نَكَأَ وَغِبْتِ عَنِّي كَأَنِّي مَحْضُ أُحْجِيَةٍ = تَنْسَلُّ عَدْوًا لِمَا قَدْ خِلْتِهِ رَشَأَ وَإِذْ تَأَذَّنَ شَطْرُ الْبَوْحِ فِي لُغَتِي = أَلَّا يَؤُودَ وَلَكِنَّ الْوَفَاءَ وَأَى مَا انْفَكَّ يَجْلِدُ سَوْطُ اللَّوْمِ صَوْتَ دَمِي = كَأَنَّهُ ارْتَدَّ كُفْرًا عِنْدَمَا اجْتَرَأَ فَهَلْ تَأَبَّطَ شُحْرُورٌ مَنِيَّتَهُ = حِينَ اشْتَهَى الضَّوْءَ نَايًا أَيْقَظَ الحَدَأَ يَلُوكُ طَعْمَ الرَّحِيلِ الْمُرِّ مُنْهَمِكًا = فِي دَهْشَةِ الْنَوحِ مِمَّنْ بِالنُّهَى هَزَأَ لَمْ يَفْقَأِ اللُّبُّ عَيْنَ الحُبِّ حِينَ أَرَى = عَيْنَ الْعِنَادِ وَلَكِنْ عَيْنَهُ فَقَأَ وَالْمَرْءُ حِلْمٌ وَوِجْدَانٌ يُضِيءُ عَلَى = عَتْمِ الْمَعَانِي وَلَيْسَ الْمَرْءُ كَيْفَ رَأَى لَا رَأْيَ يُثْمِرُ فِي نَيْرُوزِ ذِي أَرِبْ = إِنْ دَارَ حَوْلَ سِيَاقِ الزَّهْرِ وَاجْتَزَأَ وَلَا رَحِيقَ لِنَحْلِ الْحُبِّ فِي جَدَلٍ = لَمْ يَفْرِشِ الصَّدْرَ نِسْرِينًا وَإِنْ صَبَأَ مَا النَّفْسُ إِلَّا مِزَاجٌ مِنْ سِرَاجِ هَوًى = فَالنَّارُ وَالنُّورُ كُنْهٌ خَالَطَ الحَمَأَ فِيهَا الْخَيَالَاتُ أَحْلَامٌ مُؤَجَّلَةٌ = فَكَيْفَ يَأْثَمُ مِنْهَا خَاطِرٌ طَرَأَ مَا زَالَ يَنْمُو عَلَى شُبَّاكِ أُمْنِيَتِي = طَيْفٌ يُدَاعِبُ بِالنَّجْوَى الَّذِي ذَرَأَ يَمْتَدُّ فِي نَشْوَتِي ظِلًّا وَيُرْهِفُنِي = طَلَّا وَيُؤْثِرُنِي فِي رحْبِهِ حَبَأَ فَفِيمَ يَحْمِلُنِي المَعْنَى إِلَيْكِ هُدَى = وَيَجْتَبِيكِ عَلَى مَنْ أُزْلِفُوا مَلَأَ وَفِيمَ مَاؤُكِ مَهْمَا شَحَّ مِنْكِ رَوَى = وَمَاءُ غَيْرِكِ رَغْدًا عُفْتُهُ ظَمَأَ وَإِنَّ فِي لَوْعَةِ الْحِرْمَانِ مِنْكِ أَسًى = لَوْ صبَّ فِي مُلْتَقَى الْبَحْرَيْنِ لَامْتَلَآ يُلِحُّ بِالرَّيْبِ لَهْفًا كُلَّمَا أَمِنَتْ = وَيُشْعِلُ الْقَلْبَ عَطْفًا كُلَّمَا انْطَفَأَ مَهْمَا جَفَوْتِ فَمَا إِلَّاكِ فِي فَلَكِي = يُثِيرُ دِفْءَ فَوَادِي كُلَّمَا هَدَأَ بِهِ كَتَبْتُ الْهَوَى الْعُذْرِيَّ فَلْسَفَةً = فَكَيْفَ يَقْسُو عَلَى الأَسْفَارِ مَنْ قَرَأَ أَفْدِيكِ قَلْبِي الَّذِي ضَحَّى بِبَسْمَتِهِ = كَيْ يَخْتِمَ الْعَهْدَ نُبْلًا مِثْلَمَا ابْتَدَأَ
دنا من العين قاب اثنين ثم نأى = ودان بالعون في الحالين ثم لأى ودعته كربلائي الأنين إلى = غد شهيد على أحزانه انكفأ تلعثم الدرب بالعنوان وارتبكت = ملامح اللهفة الثكلى بما رزأ مضى وفي المدى المنفي شاخ ولم = يجد الإباء لصلب العمر متكأ مسافر يبحر الميناء في دمه = وزورق الهم في أضلاعه رفأ وحائر نادمته البيد غربته = فلم يجد غير رحم الغيب ملتجأ لما وقفت على أعتاب ذاكرتي = توضأ الحزن في عيني وادرأ نفضت عنها غبار الوقت فافترشت = سجادة الصمت تتلو بالجوى النبأ لم أدر كيف تعرى وجه دمعتها = وكيف إقدامها في خوفها اختبأ ما رفرف الهدهد المشدوه في خلدي = إلا وحذر من خمط الهوى سبأ هناك في شرفة القلب استقر على = غصن التوجس يروي الرأي ماء نؤى لم يأت بالعرش عفريت ولا أثمت = في لجة الشوق يا بلقيس منك رؤى تلك المزامير لم تحشر إليك ضحى = إلا لتسفع عن محرابك الخطأ وما امترى الظن في صحراء حكمتها = إلا وأسدى سليمان الندى الكلأ حطمت من أملي المهزوم سنبلة = وصبت من ألمي المكتوم ما نكأ وغبت عني كأني محض أحجية = تنسل عدوا لما قد خلته رشأ وإذ تأذن شطر البوح في لغتي = ألا يؤود ولكن الوفاء وأى ما انفك يجلد سوط اللوم صوت دمي = كأنه ارتد كفرا عندما اجترأ فهل تأبط شحرور منيته = حين اشتهى الضوء نايا أيقظ الحدأ يلوك طعم الرحيل المر منهمكا = في دهشة النوح ممن بالنهى هزأ لم يفقأ اللب عين الحب حين أرى = عين العناد ولكن عينه فقأ والمرء حلم ووجدان يضيء على = عتم المعاني وليس المرء كيف رأى لا رأي يثمر في نيروز ذي أرب = إن دار حول سياق الزهر واجتزأ ولا رحيق لنحل الحب في جدل = لم يفرش الصدر نسرينا وإن صبأ ما النفس إلا مزاج من سراج هوى = فالنار والنور كنه خالط الحمأ فيها الخيالات أحلام مؤجلة = فكيف يأثم منها خاطر طرأ ما زال ينمو على شباك أمنيتي = طيف يداعب بالنجوى الذي ذرأ يمتد في نشوتي ظلا ويرهفني = طلا ويؤثرني في رحبه حبأ ففيم يحملني المعنى إليك هدى = ويجتبيك على من أزلفوا ملأ وفيم ماؤك مهما شح منك روى = وماء غيرك رغدا عفته ظمأ وإن في لوعة الحرمان منك أسى = لو صب في ملتقى البحرين لامتلآ يلح بالريب لهفا كلما أمنت = ويشعل القلب عطفا كلما انطفأ مهما جفوت فما إلاك في فلكي = يثير دفء فوادي كلما هدأ به كتبت الهوى العذري فلسفة = فكيف يقسو على الأسفار من قرأ أفديك قلبي الذي ضحى ببسمته = كي يختم العهد نبلا مثلما ابتدأ
