التربية بين صناعة الامتثال وتكوين الاستقلال
أزمة التعليم المعاصر: كيف ننتقل من التلقين والامتثال إلى بناء العقل المستقل؟
التربية بين صناعة الامتثال وتكوين الاستقلال
إنَّ النَّفسَ الإنسانيَّةَ في مبتدأِ تكوينِها ليستْ لوحًا صقيلًا ينتظرُ مَن يخطُّ عليهِ أساطيرَهُ فحسب، بل هي بذورُ احتمالاتٍ كونيَّةٍ لا حصرَ لها، تتوقُ إلى الانبثاقِ نحو النُّورِ لتُحققَ كينونتَها المتفردة؛ وجوهرُ هذه الكينونةِ لا يتحققُ بمحضِ الوجودِ البيولوجيِّ، بل بالقدرةِ على الانفصالِ عن “الكلِّ” لتشكيلِ “ذاتٍ” واعيةٍ قادرةٍ على المساءلةِ والاختيار. وإنَّ أولى المعاركِ التي يخوضُها الإنسانُ في محرابِ الوجودِ هي معركةُ “الولادةِ الثانيةِ”، تلكَ التي لا تمنحُها الطبيعةُ بل تصنعُها التربيةُ؛ فإمَّا أن تكونَ هذه التربيةُ معراجًا يرتقي بالرُّوحِ إلى ذُرى الاستقلالِ، وإمَّا أن تكونَ قيدًا حريريًا يلتفُّ حولَ العنقِ ليُدجِّنَ الإرادةَ في حظيرةِ الامتثال.
غيرَ أنَّ المأساةَ الكبرى التي تُخيِّمُ على تاريخِ العقلِ البشريِّ تكمنُ في تلكَ اللَّحظةِ التي تتحولُ فيها التربيةُ من كونِها فعلَ تحريرٍ ومحرابَ تنويرٍ إلى “آلةِ قمعٍ” ناعمةٍ تهدفُ إلى تدجينِ الأرواحِ وصناعةِ نسخٍ مكررةٍ لا تملكُ من أمرِ فكرِها شيئًا. إنَّنا أمامَ إشكاليةٍ وجوديةٍ كبرى تكمنُ في تحوُّلِ المؤسساتِ التربويَّةِ من محاضنَ لتنميةِ “القوةِ العاقلةِ” إلى مصانعَ لإنتاجِ “النُّسَخِ المتطابقةِ”، حيثُ يُحتفى بالتبعيَّةِ تحتَ مسمياتِ الانضباط، ويُغتالُ التفرُّدُ بذريعةِ الاندماجِ الاجتماعيِّ. إنَّ الفارقَ بينَ صناعةِ الامتثالِ وتكوينِ الاستقلالِ هو الفارقُ الجوهريُّ بينَ بناءِ جسدٍ مُطيعٍ وبناءِ إنسانٍ حُرٍّ، وهو الصراعُ الذي يحددُ مصيرَ الأممِ بينَ الانبعاثِ الحضاريِّ أو الذوبانِ في غياهبِ التبعيَّةِ والركود.
“إنَّ الفارقَ بينَ صناعةِ الامتثالِ وتكوينِ الاستقلالِ هو الفارقُ الجوهريُّ بينَ بناءِ جسدٍ مُطيعٍ وبناءِ إنسانٍ حُرٍّ، وهو الصراعُ الذي يحددُ مصيرَ الأممِ بينَ الانبعاثِ الحضاريِّ أو الذوبانِ في غياهبِ التبعيَّةِ والركود.”
تبدأُ معضلةُ الأنظمةِ التربويَّةِ المعاصرةِ حينَ تتوهمُ أنَّ غايتَها القصوى هي الحفاظُ على الاستقرارِ المعرفيِّ والاجتماعيِّ, فتضعُ قوالبَ جاهزةً للتفكيرِ والسلوكِ وتفرضُها بصفتِها الحقائقَ المطلقةَ التي لا يأتِيها الباطلُ من بينِ يديها ولا من خلفِها. حينَ تخلطُ هذه الأنظمةُ، بوعيٍ أو بغيرِ وعي، بينَ الانضباطِ السلوكيِّ وبينَ الغيابِ الفكريِّ، فهي تنظرُ إلى “الطالبِ المثاليِّ” بصفتهِ الكائنَ الأكثرَ صمتًا والأكثرَ قبولًا للحقائقِ الجاهزةِ والأقلَّ إثارةً للأسئلةِ القلقة؛ فيُفرَّغُ الإنسانُ من محتواهُ الأقدس، وهو “القلقُ المعرفيُّ” الذي يولدُ الإبداعَ، ويتحولُ العقلُ إلى مجردِ وعاءٍ للاستقبالِ لا مَعملٍ للمعالجة، مما يُنتجُ أجيالًا تمتلكُ مهارةَ الحفظِ وتفتقرُ إلى ملَكةِ الحُكمِ، وأفرادًا يتقنونَ فنَّ السيرِ داخلَ القطيعِ ويجيدونَ ترديدَ ما لا يفقهون. وعندما يصبحُ الامتثالُ هو القيمةَ العليا، يغدو الإبداعُ نوعًا من المروق، وتتحولُ الاستقلاليَّةُ إلى تهمةٍ توجبُ الإقصاء، فتخسرُ الأمةُ أثمنَ ما تملك؛ عقولَ أبنائِها الذينَ كانَ يمكنُ أن يكونوا مناراتٍ للتغيير، فإذا بهم يتحولونَ إلى قطع غيارٍ في ماكينةٍ لا يعرفونَ وُجهتَها ولا الغايةَ من دورانِها. والشعوبُ التي تقتاتُ على الامتثالِ لا تستطيعُ مواجهةَ العواصفِ الحضاريةِ، لأنها تفتقرُ إلى العقولِ القادرةِ على الابتكارِ خارجَ الصندوقِ الموصدِ الذي وُضعت فيه منذُ الطفولة.
إنَّ تزييفَ الوعيِ يبدأُ من الخديعةِ الكبرى في النُّظمِ التقليديَّةِ وذلك من خلال الخلطِ المتعمَّدِ بينَ السلوكِ المهذبِ والعقلِ المستقلِّ؛ فالمدرسةُ والمجتمعُ يُباركانِ ذلكَ الطفلَ الهادئَ الذي لا يقطعُ لغوًا ولا يثيرُ تساؤلًا، ويعدَّانِ ذلكَ قمةَ الأدبِ والتربيةِ، حيثُ يُكرَّسُ مفهومٌ قاصرٌ للتهذيبِ يتمثلُ في خفضِ الجناحِ للسلطةِ المعرفيَّةِ القائمةِ دونَ مراجعةٍ أو تمحيص. غيرَ أنَّ نظرةً فاحصةً في عمقِ هذه الظاهرةِ تكشفُ عن أنَّ هذا الانضباطَ السطحيَّ ليسَ سوى قناعٍ لتعطيلِ الإرادة. إنَّ التهذيبَ الحقَّ هو ثمرةُ وعيٍ قيميٍّ وكرامةٍ حُرَّةٍ لا نتاجُ خوفٍ مستترٍ أو انسحاق، بينما الانضباطُ القسريُّ الذي تفرضهُ المؤسساتُ هو في جوهرهِ قيدٌ يلتفُّ حولَ رقبةِ الموهبة. حينَ يُحصرُ النجاحُ في القدرةِ على الحفظِ والاستذكارِ وإعادةِ تدويرِ المعلوماتِ، فإننا نقتلُ في الناشئةِ غريزةَ “الشكِّ المنهجيِّ” التي هي أساسُ كلِّ كشفٍ علميٍّ أو إشراقٍ فلسفيٍّ. وحينَ يُقمعُ العقلُ المستقلُّ باسمِ الأدبِ نُؤسِّسُ لشخصيةٍ ازدواجيةٍ تمثلُ الامتثالَ في الظاهرِ وتخفي التمردَ أو الضياعَ في الباطن. هكذا يتحولُ الوعيُجمعُ وعيٌ جمعيٌّ إلى ذاكرةٍ ميتةٍ تسكنُها أشباحُ الماضي، وتخشى مواجهةَ تحدياتِ الحاضرِ بأدواتٍ جديدة، فيسودُ الركودُ وتتوقفُ عجلةُ الزمنِ عن الدورانِ في فلكِ التجديد.
“إنَّ الرهابَ من ملامةِ المجتمعِ أو نظرةِ الاستنكارِ يُلجمُ الألسنةَ ويُكبِّلُ العقولَ، فينشأُ الفردُ وهو يرقبُ ظلَّهُ قبلَ أن ينطقَ بكلمةٍ، ويقيسُ فكرَهُ بمسطرةِ العوامِ قبلَ أن يجرؤَ على الحلم.”
ولا يمكنُ فهمُ نجاحِ هذه الأنظمةِ في قمعِ التفرُّدِ دونَ النظرِ إلى بنيةِ الخوفِ التي تشيدُها في الوجدانِ البشريِّ، فالخوفُ الاجتماعيُّ أخطرُ الأدواتِ التي يستخدمُها الوعيُ الجمعيُّ يمثلُ أقوى الروادعِ التي تمنعُ الفردَ من ممارسةِ حقِّهِ في التفكيرِ الحرِّ. إنَّ الإنسانَ بطبعِهِ كائنٌ يأنسُ بالجماعةِ ويخشى العزلةَ وينزعُ إلى القبول، وإنَّ الأنظمةُ تستغلُّ هذا الوازعَ النفسيَّ لتجعلَ من الاختلافِ وصمةً ومن التفرُّدِ عيبًا، فإذا ما ارتبطَ القبولُ بالامتثالِ ضحَّى الفردُ بخصوصيتهِ الفكريَّةِ مقابلَ الأمانِ الوهميِّ الذي يمنحهُ القطيع. إنَّ الرهابَ من ملامةِ المجتمعِ أو نظرةِ الاستنكارِ يُلجمُ الألسنةَ ويُكبِّلُ العقولَ، فينشأُ الفردُ وهو يرقبُ ظلَّهُ قبلَ أن ينطقَ بكلمةٍ، ويقيسُ فكرَهُ بمسطرةِ العوامِ قبلَ أن يجرؤَ على الحلم. هذا القمعُ الممنهجُ للمبادرةِ ليسَ فعلًا ميكانيكيًا، بل هو استنزافٌ روحيٌّ يجعلُ من الشخصيَّةِ الإنسانيَّةِ كائنًا هشًا يبحثُ دومًا عن وصيٍّ يُفكرُ نيابةً عنهُ ويقررُ لهُ مساراتِ حياتهِ، وتنصهرُ فيه الملامحُ الخاصةُ في بوتقةِ الوعيِ الجمعيِّ الموجَّه، مما يُفضي إلى حالةٍ من الاغترابِ عن الذاتِ تسبقُ الاغترابَ عن المجتمعِ والوطن. وهذا المناخُ الخانقُ يقتلُ في المهدِ كلَّ رُوحٍ ريادية، ويحولُ المجتمعاتِ إلى كتلٍ صماءَ تتحركُ بالقصورِ الذاتيِّ وتُكررُ أخطاءَ أسلافِها بقداسةٍ عمياء، ظنًا منها أنَّ في الاتباعِ نجاة، بينما الحقيقةُ أنَّ في الاتباعِ الأعمى هلاكَ الهويةِ وانتحارَ المستقبل.
وهنا تبرزُ المسؤوليَّةُ الأخلاقيَّةُ الكبرى لمن يتصدى لعمليةِ البناءِ البشريِّ. التربيةُ كأداةِ ضبطٍ هي فعلُ سلطةٍ يهدفُ إلى تخليدِ الوضعِ القائمِ وحمايةِ مصالحِ القوى المهيمنةِ فكريًا، وهي تسعى في الوقتِ ذاتِهِ إلى السيطرةِ على الجسدِ وحصارِ الخيالِ وتزييفِ الوعي. أما التربيةُ كأداةِ بناءٍ فهي فعلُ تحريرٍ يهدفُ إلى تمليكِ الفردِ مفاتيحَ القوةِ الذاتيَّةِ والوعيِ الناقدِ وتزويدِهِ بالأدواتِ التي تجعلُهُ سيدًا على نفسِهِ، بصيرًا بواقعهِ، قادرًا على المساهمةِ في بناءِ كونهِ الخاص. إنَّ المعلمَ ليسَ مجردَ ناقلٍ للمعلومة، بل هو “مهندسُ أرواحٍ” ومُحرِّرُ عقولٍ، وهو مَن يوقدُ في تلميذهِ شعلةَ التساؤلِ لا مَن يطفئُها ببردِ الإجاباتِ النهائية. والمثقفُ الأصيلُ والمربيُّ الحكيمُ هو مَن يدركُ أنَّ مِشرطَ الجرَّاحِ في إصلاحِ العيوبِ التربويَّةِ يجبُ أن يكونَ رفيقًا بالأرواحِ حازمًا مع الأوهام. إنَّ السياساتِ التربويَّةَ التي تغفلُ عن دورِ الكرامةِ الإنسانيَّةِ في تكوينِ الشخصيَّةِ إنما هي سياساتٌ تزرعُ بذورَ الفشلِ القوميِّ وتُعيدُ إنتاجَ التخلفِ بأساليبَ حديثة. إنَّ الانتقالَ من منطقِ التلقينِ إلى منطقِ التمكينِ، ومن الوصايةِ إلى المصاحبةِ في العمليةِ التربوية، هو الجسرُ الوحيدُ نحو تشكيلِ أفرادٍ يمتلكونَ الشجاعةَ الأخلاقيةَ للوقوفِ مع الحقِّ حتى لو كانَ العالمُ أجمعُ في الضفةِ المقابلة. فالمجتمعُ القويُّ لا يُبنى بالرعايا الذينَ يتقنونَ الطاعةَ العمياء، بل بالمواطنينَ الأحرارِ الذينَ يتحملونَ مسؤوليَّةَ قراراتِهم ويشاركونَ في صياغةِ مستقبلِهم بوعيٍ واقتدار. وإنَّنا بحاجةٍ إلى ثورةٍ مفاهيميَّةٍ تعيدُ الاعتبارَ للفردِ بصفتهِ مِحورَ التغييرِ، وللعقلِ بصفتهِ مِعيارَ الحكمِ ومنارةَ المصير.
وفي ظلالِ القيمِ الإسلاميَّةِ والإنسانيَّةِ الرفيعةِ, نجدُ أنَّ الحريَّةَ ليستْ ترفًا بل هي ضرورةٌ وجوديَّةٌ. إنَّ الخطابَ الإلهيَّ قد كرَّمَ الإنسانَ بالعقلِ وجعلهُ مناطَ التكليف، ومقتضى العبوديةِ للهِ هو التحررُ من كلِّ عبوديةٍ بشريةٍ أو فكريةٍ ضيقة؛ فالتكليفُ الإلهيُّ قائمٌ في أصلهِ على العقلِ والاختيار، ولا معنى للمسؤوليَّةِ دونَ حريَّةٍ، والإنسانُ الذي لا يملكُ أمرَ عقلهِ لا يملكُ كمالَ دينِهِ ولا نُبلَ إنسانيته. إنَّ الحريةَ في المنظورِ التربويِّ الأصيلِ ليست فوضى الغرائزِ، بل هي سيادةُ المبادئِ وقدرةُ الفردِ على التمييزِ بينَ الغثِّ والسمين، والانتصارِ للقيمِ العليا من حقٍّ وخيرٍ وجمالٍ انطلاقًا من إدراكٍ ذاتيٍّ عميقٍ لا قسرًا ولا إكراهًا. وإعادةُ صياغةِ المفاهيمِ التربويَّةِ يجبُ أن تنطلقَ من هذا الجذرِ العميق أنَّ الغايةَ من الوجودِ هي العبادةُ الحُرَّةُ والعمارةُ الواعيةُ للأرض، وكلاهما يتطلبُ استقلالًا فكريًا وأنفةً نفسيَّةً ترفضُ الابتذالَ والتبعيَّة. إنَّ التربيةَ الحقَّةَ هي تلكَ التي تُعلِّمُ الطفلَ كيفَ يقولُ “لا” حينما ينبغي، وكيفَ يبحثُ عن “لماذا” قبلَ أن يقبلَ بـ”نعم”، ليكونَ فردًا فعالًا لا رقمًا زائدًا في إحصائياتِ الوجود.
“إنَّ التربيةَ الحقَّةَ هي تلكَ التي تُعلِّمُ الطفلَ كيفَ يقولُ “لا” حينما ينبغي، وكيفَ يبحثُ عن “لماذا” قبلَ أن يقبلَ بـ”نعم”، ليكونَ فردًا فعالًا لا رقمًا زائدًا في إحصائياتِ الوجود.”
وعندما نُعيدُ قراءةَ هذه المفاهيمِ، نجدُ أنَّ الكرامةَ هي المحركُ الأساسُ لكلِّ بناءٍ سويٍّ، وأنَّ البناءَ النفسيَّ القويمَ يتطلبُ ترميمًا للمفاهيمِ المشوهةِ التي استقرت في الوجدانِ الجمعيِّ حولَ الطاعةِ والانتماء، فالانتماءُ الحقيقيُّ للوطنِ أو للأمةِ لا يتجلى in الصمتِ المطبقِ أمامَ الانحرافات، بل في النقدِ البانيِ والمبادرةِ المصلحة. إنَّ التربيةَ التي تنشدُ النهوضَ هي التي تزرعُ في النفسِ الأنفةَ والاعتزازَ بالذاتِ دونَ كِبر، والتواضعَ للحقِّ دونَ ذلة. ونحنُ بحاجةٍ إلى معمارٍ منطقيٍّ جديدٍ يُقدِّسُ “المثالَ الحيَّ” الذي يُجسِّدُ الاستقلالَ الفكريَّ في سلوكهِ اليوميِّ، فيكونُ قدوةً للناشئةِ في الثباتِ على المبدأِ والقدرةِ على المحاجةِ بالبرهانِ الأنيقِ والبيانِ الرصين.
إنَّ الصراعَ بينَ الطينِ الذي يشدُّنا إلى الدعةِ والسكينةِ والامتثالِ، وبينَ النُّورِ الذي يدفعُنا نحو المغامرةِ والاستقلالِ والبحثِ عن الحقيقةِ، هو صراعٌ أبديٌّ يتجلى في كلِّ فصلٍ درسيٍّ وفي كلِّ بيت. واستقراءُ المساراتِ التاريخيةِ يثبتُ بما لا يدعُ مجالًا للشكِّ أنَّ الأممَ التي سادت هي تلكَ التي استثمرت في عقلِ الفردِ وحررت طاقاته الكامنة، بينما تلاشت الأممُ التي حوَّلت شعوبَها إلى قطعانٍ ممتثلةٍ لا تجيدُ إلا التصفيقَ للسراب. إنَّ الفكرَ التربويَّ الذي ننشدهُ هو ذلكَ الذي يشتبكُ مع الواقعِ ليغيرَه لا ليتكيفَ مع رداءتهِ، هو الفكرُ الذي يجعلُ من كلِّ فصلٍ درسيٍّ برلمانًا صغيرًا للبحثِ عن الحقيقة، ومن كلِّ كتابٍ نافذةً تطلُّ على آفاقِ الكونيةِ الرحبة. إنَّنا ندعو إلى سيادةٍ ذهنيةٍ ترفضُ التبعيةَ للمناهجِ المعلبة، وتستنبطُ من قيمِها الذاتيةِ وروحِ عصرِها ما يحققُ لها الوجودَ الفاعلَ والمؤثر، إذ إنَّ المجتمعاتِ التي تقتلُ في أبنائِها رُوحَ التساؤلِ إنما تحفرُ قبرَها بيديها، بينما المجتمعاتُ التي تحتفي بالاختلافِ وتُعلي من شأنِ الاستقلالِ هي التي تملكُ مفاتيحَ الغدِ وتسطرُ تاريخًا يليقُ بجلالِ الإنسان.
ختامًا، فإنَّ بناءَ صرحِ الريادة الفكريَّةِ والسيادةِ الأخلاقية يبدأُ من اللحظةِ التي نقررُ فيها أنَّ التربيةَ هي صناعةُ إنسانٍ لا إنتاجُ أداةٍ، وأنَّ المعركةَ بينَ صناعةِ الامتثالِ وتكوينِ الاستقلالِ هي معركةُ مصيرٍ إنسانيٍّ بامتياز. إنَّ الطريقَ نحو النهوضِ والتحررِ ليسَ مفروشًا بالوردِ، بل هو معراجٌ شاقٌّ يتطلبُ تضحياتٍ جسامًا، أولُها التخلي عن ثقافةِ الخوفِ والامتثالِ، وآخرُها الوصولُ إلى مقاماتِ الوعيِ الكليِّ حيثُ تلتقي الحريَّةُ بالمسؤوليَّة، والكرامةُ بالعطاء. لن ينهضَ الشرقُ، ولن يتحرر العرب، ولن تستعيدَ الإنسانيةُ توازنَها، ما لم تُعَدْ صياغةُ العقلِ البشريِّ على أسسِ الحريةِ والكرامةِ والمسؤولية. إنَّ فجرَ الاستقلالِ الفكريِّ لن يبزغَ إلا حينَ نؤمنُ بأنَّ كلَّ طفلٍ هو مشروعُ مصلحٍ، وكلَّ عقلٍ هو أمانةٌ إلهيةٌ يجبُ تحريرُها من أغلالِ الوهمِ وظلماتِ التقليد، وحينَ يكونُ هدفُنا الأسمى هو تكوينُ ذلكَ الإنسانِ الذي إذا نطقَ أبانَ، وإذا فكرَ استنارَ، وإذا عملَ أجادَ؛ الإنسانُ الذي لا يرضى بأن يكونَ صدىً لصوتِ غيرِهِ بل يكونُ هو الصوتَ والحقَّ والجمال، ليرتقيَ إلى مقامِهِ الذي استحقَّ بهِ أن يكونَ خليفةَ اللهِ في أرضهِ، حاملًا لواءَ الحقِّ، وناشرًا لضياءِ الجمالِ في كلِّ ركنٍ من أركانِ الوجود، في ملحمةِ الوجودِ الكبرى التي لا تعترفُ إلا بالأقوياءِ في فكرِهم، الأحرارِ في أرواحِهم، الصادقينَ في انتمائِهم لنورِ الحقيقةِ المطلق.
