بين المواطنة والوطنية
هل تملك الدولة حق إدارة المشاعر وفرض الولاء الشعائري
تبدأُ المعضلةُ من سؤالٍ يبدو في ظاهرِهِ بسيطًا، لكنَّهُ في عمقِهِ يفتحُ بابًا واسعًا على واحدةٍ من أدقِّ قضايا الفلسفةِ السياسيةِ والأخلاقيةِ: هل يحقُّ للدولةِ أن تطلبَ من المواطنِ الطاعةَ، أمِ الانتماءَ، أمِ الحبَّ؟ وليسَ هذا السؤالُ ترفًا نظريًا ولا تمرينًا ذهنيًا معزولًا عن الواقعِ، بل هو سؤالٌ يمسُّ صميمَ العلاقةِ بينَ الإنسانِ والكيانِ السياسيِّ الذي يعيشُ في ظلِّهِ؛ لأنَّ الخلطَ بينَ هذه المراتبِ الثلاثِ يفتحُ البابَ لتحويلِ الدولةِ من إطارٍ قانونيٍّ ينظمُ الأفعالَ إلى سلطةٍ وجدانيةٍ تريدُ أن تديرَ القلوبَ، وتفتشَ الضمائرَ، وتقيسَ حرارةَ العاطفةِ الوطنيةِ كما تقيسُ الالتزامَ الضريبيَّ أو المخالفةَ المروريةَ.
إنَّ الدولةَ، في أصلِ وظيفتِها، وُجِدتْ لتنظيمِ المجالِ العامِّ لا لاحتلالِ المجالِ الداخليِّ للإنسانِ. وُجِدتْ لتمنعَ العدوانَ، وتحميَ الحقوقَ، وتفصلَ في النزاعاتِ، وتنظمَ المصالحَ، وتؤمنَ الحدَّ الأدنى من السلمِ المدنيِّ الذي يسمحُ للناسِ أن يعيشوا دونَ أن يأكلَ بعضُهُمْ بعضًا. وهذه كلُّها وظائفُ تتعلقُ بالأفعالِ والسلوكياتِ والوقائعِ القابلةِ للملاحظةِ والقياسِ والمحاسبةِ. فالقانونُ يستطيعُ أن يقولَ للمواطنِ: لا تعتدِ، لا تسرقْ، لا تزوّرْ، لا تهددْ، لا تتهربْ مما عليكَ من التزاماتٍ، لا تعرضْ حياةَ الآخرينَ للخطرِ، لا تخالفِ العقدَ العامَّ الذي يحميكَ ويحمي غيرَكَ. لكنَّهُ حين يتجاوزُ هذا المجالَ ليقولَ لهُ: أحبَّ، تحمسْ، اهتفْ، انبهرْ، ابتهجْ، اخشعْ أمامَ الرمزِ، اشعرْ بما نطلبُ منكَ أن تشعرَ بهِ، فإنهُ يخرجُ من دائرةِ القانونِ إلى دائرةِ التدجينِ الوجدانيِّ، ومن تنظيمِ السلوكِ إلى محاولةِ مصادرةِ الروحِ.
“إنَّ الدولةَ، في أصلِ وظيفتِها، وُجِدتْ لتنظيمِ المجالِ العامِّ لا لاحتلالِ المجالِ الداخليِّ للإنسانِ؛ فالقانونُ يضبطُ الأفعالَ والسلوكياتِ، أما الشعورُ فليسَ مادةً تشريعيةً.”
الفارقُ بينَ القانونِ والعاطفةِ هنا جوهريٌّ لا شكليٌّ. القانونُ ينظمُ ما يظهرُ من الإنسانِ في المجالِ العامِّ؛ أما العاطفة_ فتتكونُ في منطقةٍ أكثرَ عمقًا والتباسًا وحريةً. يمكنُ أن تُلزمَ إنسانًا بالوقوفِ عندَ الإشارةِ الحمراءِ، لكن لا يمكنكَ أن تلزمَهُ بمحبةِ اللونِ الأحمرِ. يمكنُ أن تلزمَهُ بدفعِ الضريبةِ العادلةِ، لكن لا يمكنكَ أن تلزمَهُ بأن يشعرَ بالابتهاجِ وهو يدفعُها. يمكنُ أن تُلزمَهُ باحترامِ النظامِ العامِّ، لكن لا يمكنكَ أن تلزمَهُ بأن يحبَّ كلَّ طقسٍ رسميٍّ أو نشيدٍ أو احتفالٍ أو خطابٍ. إنَّ الفعلَ قابلٌ للضبطِ، أما الشعورُ فليسَ مادةً تشريعيةً. وكلُّ سلطةٍ تحاولُ أن تحوّلَ الشعورَ إلى واجبٍ قانونيٍّ ترتكبُ خطأً مزدوجًا: فهي تفشلُ في إنتاجِ الشعورِ الصادقِ، وتفسدُ في الوقتِ نفسِهِ معنى القانونِ.
والأشدُّ خطرًا أنَّ الدولةَ حين تطلبُ الحبَّ لا تطلبُهُ غالبًا بوصفِهِ ثمرةً طبيعيةً للعدلِ، بل بوصفِهِ شهادةَ ولاءٍ. هنا لا يعودُ الحبُّ انفعالًا حرًا ينشأُ من شعورِ المواطنِ بأنَّ كرامتَهُ مصونةٌ، وحقوقَهُ محفوظةٌ، ومؤسساتِهِ عادلةٌ، ومستقبلَهُ غيرُ مرتهنٍ للمزاجِ والامتيازِ؛ بل يتحولُ إلى طقسِ إثباتٍ، واختبارٍ دائمٍ، وبطاقةِ عبورٍ إلى دائرةِ المقبولينَ. يصبحُ السؤالُ غيرُ المعلنِ: هل تحبُّ بما يكفي؟ هل تُظهرُ الحماسةَ كما ينبغي؟ هل تشاركُ في الاحتفالِ؟ هل ترددُ الشعارَ بالحرارةِ المطلوبةِ؟ هل تبدو على وجهِكَ علاماتُ الرضا؟ وحين تصلُ الدولةُ أو المجتمعُ إلى هذه الدرجةِ من تفتيشِ التعبيرِ، لا تعودُ المواطنةُ عقدًا قانونيًا وأخلاقيًا، بل مسرحًا كبيرًا يؤدي فيهِ الناسُ أدوارَهُمْ خوفًا من الاشتباهِ.
إنَّ المواطنَ الصالحَ ليسَ بالضرورةِ المواطنَ الأكثرَ تصفيقًا، ولا الأعلى صوتًا في الهتافِ، ولا الأسرعَ إلى ترديدِ العباراتِ الرسميةِ. المواطنُ الصالحُ هو من يحترمُ القانونَ العادلَ، ويؤدي واجباتِهِ، ويصونُ المالَ العامَّ، ويحترمُ حقوقَ غيرِهِ، ويعملُ بصدقٍ، وينصحُ حين يرى خللًا، ويقاومُ الفسادَ، ولا يحولُ حبَّهُ لوطنِهِ إلى ستارٍ لتبريرِ الظلمِ. أما المواطنُ المطيعُ بالمعنى الآليِّ فقدْ يكونُ أكثرَ خطرًا على الدولةِ نفسِها من المواطنِ الناقدِ؛ لأنَّهُ يعتادُ تنفيذَ الأوامرِ دونَ سؤالٍ، ويخلطُ بينَ الطاعةِ والفضيلةِ، ويظنُّ أنَّ السلامةَ في تعطيلِ الضميرِ. والمجتمعاتُ التي تُكثرُ من صناعةِ المواطنينَ المطيعينَ قد تبدو مستقرةً في ظاهرِها، لكنَّها تكونُ هشةً في العمقِ؛ لأنَّ الطاعةَ التي لا تقومُ على وعيٍ لا تصمدُ عندَ أولِ اهتزازٍ، والولاءَ الذي لا يستندُ إلى اقتناعٍ لا يبقى حين تغيبُ عينُ الرقيبِ.
“الفارقُ بينَ المواطنِ المسؤولِ والمواطنِ المطيعِ فارقٌ حضاريٌّ هائلٌ؛ فالأولُ يبني الدولةَ من داخلِها، والثاني يحمي صورتَها حتى وهي تتآكلُ.”
الفارقُ بينَ المواطنِ المسؤولِ والمواطنِ المطيعِ فارقٌ حضاريٌّ هائلٌ. المواطنُ المسؤولُ يرى نفسَهُ شريكًا في المجالِ العامِّ؛ يلتزمُ بالقانونِ لأنَّهُ يدركُ ضرورتَهُ، لا لأنَّهُ يخافُ فقط من العقوبةِ. يدفعُ ما عليهِ لأنَّهُ يعرفُ أنَّ المجتمعَ لا يقومُ بلا التزاماتٍ متبادلةٍ، ويطالبُ بما لهُ لأنَّهُ يعرفُ أنَّ الحقوقَ ليستْ منّةً. يعارضُ حين يرى الخطأَ لا لأنَّهُ يكرهُ الوطنَ، بل لأنَّهُ يرفضُ أن يتركهُ للخللِ. أما المواطنُ المطيعُ فيعيشُ بعقليةِ المتلقي; ينتظرُ الأمرَ، يخافُ السؤالَ، ينجو بالصمتِ، ويفضلُ أن يكونَ بلا موقفٍ ما دامَ ذلكَ أكثرَ أمانًا. الأولُ يبني الدولةَ من داخلِها، والثاني يحمي صورتَها حتى وهي تتآكلُ.
ومنْ هنا فإنَّ الدولةَ التي تبحثُ عن مواطنينَ مسؤولينَ تبني العدالةَ والثقةَ والمؤسساتِ، أما الدولة_ التي تبحثُ عن مواطنينَ مطيعينَ فتبني الخوفَ والتمثيلَ والامتثالَ. الأولى تقبلُ النقدَ لأنَّهُ يمدُّها بأسبابِ البقاءِ، والثانيةُ تخافُ من النقدِ لأنَّهُ يكشفُ هشاشَتها. الأولى تريدُ مواطنًا يرى ويسألُ ويشاركُ ويصححُ، والثانيةُ تريدُ مواطنًا يصفقُ ويرددُ ويصمتُ. الأولى تعرفُ أنَّ الانتماءَ لا ينضجُ إلا في فضاءِ الحريةِ، والثانيةُ تظنُّ أنَّ الانتماءَ يُصنَعُ بضغطِ الطقوسِ وتكثيفِ الشعاراتِ. وما أكثرَ ما تنخدعُ الدولُ بالصورةِ، فتظنُّ أنَّ كثرةَ الأعلامِ دليلُ رسوخٍ، وأنَّ ضخامةَ الاحتفالاتِ دليلُ حبٍّ، وأنَّ ترديدَ النشيدِ في كلِّ مكانٍ دليلُ وحدةٍ، بينما قد يكونُ كلُّ ذلكَ أحيانًا قشرةً لفراغٍ عميقٍ، أو ستارًا يخفي خوفَ الناسِ من أن يظهروا أقلَّ حماسةً مما يُطلبُ منهُمْ.
ولا يعني هذا أنَّ الرموزَ الوطنيةَ لا قيمةَ لها. فالإنسانُ كائنٌ رمزيٌّ، والجماعاتُ لا تعيشُ بالمصالحِ وحدَها، بل تحتاجُ إلى علاماتٍ مشتركةٍ تختصرُ الذاكرةَ والمعنى والانتماءَ. العلمُ، والنشيدُ، والمراسمُ العامةُ، والاحتفالاتُ الجامعةُ، يمكنُ أن تكونَ وسائلَ نبيلةً لتقويةِ الشعورِ بالمصيرِ المشتركِ، وتذكيرِ الناسِ بأنَّهُمْ ليسوا جزرًا منفصلةً. لكنَّ الرمزَ يظلُّ رمزًا، وقيمتُهُ في أنَّهُ يشيرُ إلى معنًى أكبرَ منهُ، لا في أن يتحولَ هو نفسُهُ إلى معبودٍ مدنيٍّ. الاحترامُ شيءٌ، والتقديسُ شيءٌ آخرَ. الاحترامُ فعلٌ مدنيٌّ يتصلُ باللياقةِ العامةِ وحفظِ النظامِ المشتركِ، أما التقديسُ فهو انفعالٌ داخليٌّ لا يُفرضُ ولا يُستخرجُ بالقوةِ. وحين تطلبُ الدولةُ من المواطنِ أن ينتقلَ من احترامِ الرمزِ إلى تقديسِهِ، فإنَّها تحوّلُ الرمزَ من جسرٍ جامعٍ إلى أداةِ فرزٍ واختبارٍ.
“الوطنيةُ الشعائريةُ من أخطرِ أمراضِ المجالِ العامِّ؛ لأنَّها تختزلُ الانتماءَ في مظاهرَ قابلةٍ للبيعِ السياسيِّ، وتتحولُ إلى بديلٍ عن القيمِ التي ينبغي أن تمثلَها.”
يمكنُ للدولةِ أن تطلبَ من المواطنِ ألا يهينَ رمزًا عامًا في فضاءٍ مشتركٍ بطريقةٍ عدوانيةٍ تستفزُّ السلمَ المدنيَّ أو تنتهكُ القانونَ. لكنَّها لا تملكُ أن تطلبَ منهُ أن يشعرَ بالخشوعِ أمامَهُ. يمكنُها أن تنظمَ مراسمَ رسميةً، لكنَّها لا تملكُ أن تفتشَ قلبَ من لا يجدُ في نفسِهِ حماسةً للمشاركةِ. يمكنُها أن تدرّسَ تاريخَ البلادِ، لكنَّها لا تملكُ أن تحولَ التاريخَ إلى عقيدةٍ إجباريةٍ لا تقبلُ المراجعةَ. الرمزُ حين يكونُ واثقًا من معناهُ لا يحتاجُ إلى شرطةٍ وجدانيةٍ تحرسُهُ؛ لأنَّ الرموزَ العظيمةَ تستمدُّ قوتَها من عدالةِ الواقعِ الذي تمثلُهُ. أما حين يضعفُ الواقعُ، يكثرُ الضغطُ على الرمزِ، كأنَّ السلطةَ تريدُ من العلمِ أن يغطيَ ما عجزتِ العدالةُ عن سترِهِ، ومن النشيدِ أن يعلوَ فوقَ أنينِ الناسِ، ومن الاحتفالِ أن يعطلَ الذاكرةَ النقديةَ.
وفي منطقةِ حريةِ الضميرِ يتجلى الامتحانُ الحقيقيُّ. هل يحقُّ للإنسانِ أن يكونَ مواطنًا صالحًا دونَ أن يحبَّ النشيدَ؟ هل يحقُّ لهُ ألا يشاركَ في احتفالٍ وطنيٍّ لأنَّهُ لا يجدُ في نفسِهِ رغبةً أو لأنَّهُ يرى فيهِ توظيفًا سياسيًا أو لأنَّهُ ببساطةٍ لا يحبُّ الطقوسَ الجماعيةَ؟ هل يحقُّ لهُ ألا يشعرَ بالحماسةِ الوطنيةِ الصاخبةِ، مع أنَّهُ يدفعُ ما عليهِ، ويحترمُ القانونَ، ولا يعتدي على أحدٍ، ويؤدي عملَهُ بأمانةٍ، ويخدمُ مجتمعَهُ بسلوكٍ عمليٍّ صادقٍ؟ الجوابُ الذي يحفظُ كرامةَ الإنسانِ والعقلِ والقانونِ هو نعمْ. للإنسانِ حقٌّ في الحيادِ العاطفيِّ ما دامَ ملتزمًا بالسلوكِ المدنيِّ. ليسَ مطلوبًا من الدولةِ أن تحبَّ ما في قلبِهِ، ولا أن تحاسبَهُ على برودةِ شعورِهِ، بل أن تنظرَ إلى فعلِهِ وأثرِهِ وعدلِهِ والتزامِهِ.
قد يكونُ في المجتمعِ إنسانٌ لا يطربُ للنشيدِ، لكنَّهُ لا يسرقُ المالَ العامَّ. وآخرُ لا يرفعُ العلمَ في كلِّ مناسبةٍ، لكنَّهُ يحترمُ حقوقَ جيرانِهِ ويؤدي عملَهُ بإخلاصٍ. وثالثٌ لا يشاركُ في الاحتفالاتِ الرسميةِ، لكنَّهُ يدفعُ ضرائبَهُ، ويحفظُ القانونَ، ويرفضُ الرشوةَ، ويدافعُ عن المظلومِ. وفي المقابلِ قد تجدُ من يملأُ الفضاءَ شعاراتٍ، ويضعُ الرموزَ على صدرِهِ وحسابِهِ وسيارتِهِ، ثمَّ يغشُّ، ويظلمُ، ويتهربُ، وينافقُ، ويستغلُّ منصبَهُ، ويأكلُ من حقِّ الناسِ. فأيهما أقربُ إلى معنى المواطنةِ؟ الذي لم يُتقنِ الطقسَ لكنَّهُ أتقنَ الواجبَ، أمِ الذي أتقنَ الطقسَ وخانَ الواجبَ؟ إنَّ الوطنيةَ الشعائريةَ تريدُنا أن نختارَ الثاني، أما المواطنةُ الراشدةُ فتقولُ إنَّ قيمةَ الإنسانِ في صدقِ سلوكِهِ لا في ارتفاعِ صوتِهِ.
الوطنيةُ الشعائريةُ من أخطرِ أمراضِ المجالِ العامِّ؛ لأنَّها تختزلُ الانتماءَ في مظاهرَ قابلةٍ للتصويرِ والتكرارِ والبيعِ السياسيِّ: التصفيقُ، الأعلامُ، الشعاراتُ، الأناشيدُ، الاحتفالاتُ، الصورُ، المناسباتُ، العباراتُ الجاهزةُ. وهذه المظاهرُ ليستْ سيئةً في ذاتِها إذا بقيتْ تعبيرًا حرًا عن شعورٍ صادقٍ، لكنَّها تصبحُ خطيرةً حين تتحولُ إلى بديلٍ عن القيمِ التي ينبغي أن تمثلَها. حين يصبحُ رفعُ العلمِ أهمَّ من حمايةِ كرامةِ المواطنِ، وحين يصبحُ ترديدُ النشيدِ أعلى مقامًا من إقامةِ العدلِ، وحين يصبحُ التصفيقُ للمسؤولِ أيسرَ من محاسبتِهِ، وحين يصبحُ حضورُ الاحتفالِ معيارًا للوطنيةِ أكثرَ من النزاهةِ في العملِ، نكونُ أمامَ وطنيةٍ منزوعةِ الروحِ، وطنيةٍ تُشبعُ العينَ وتخدعُ الضميرَ.
“الحبُّ المفروضُ لا ينتجُ ولاءً، بل ينتجُ نفاقًا وانفصامًا يمنعُ الدولةَ من رؤيةِ مرآتِها الصادقةِ، ويحجبُ الإنذارَ المبكرَ قبلَ وقوعِ الانهيارِ.”
في هذا المناخِ، يغدو الفاسدُ قادرًا على غسلِ فسادِهِ بالشعارِ، والعاجزُ قادرًا على سترِ عجزِهِ بالاحتفالِ، والمتملقُ قادرًا على تقديمِ نفسِهِ حارسًا للانتماءِ، بينما يُحاصرُ الناصحُ الصادقُ لأنَّهُ لا يجيدُ لغةَ المديحِ. يصبحُ المعيارُ مقلوبًا: من يصفقُ أكثرَ يُحسبُ أكثرَ ولاءً، ومن يسألُ أكثرَ يُحسبُ أقلَّ انتماءً. ومن يبالغُ في إظهارِ الحماسةِ يُمنحُ شهادةَ الوطنيةِ، ومن يحتفظُ بمسافةٍ نقديةٍ يُدفعُ إلى خانةِ الشكِّ. وهنا لا تخسرُ الدولةُ الناقدينَ فحسبُ، بل تخسرُ الحقيقةَ نفسَها؛ لأنَّ الحقيقةَ لا تزدهرُ في قاعةٍ كلُّ من فيها مأمورٌ بالتصفيقِ.
ولعلَّ من أكثرِ صورِ هذا الخللِ شيوعًا في الحياةِ العمليةِ أن تُستخدمَ المناسباتُ الوطنيةُ بوصفِها اختباراتِ ولاءٍ لا فضاءاتِ مشاركةٍ. يُنظرُ إلى من غابَ عن الاحتفالِ كأنَّهُ ناقصُ الشعورِ, وإلى من لم يرددِ الشعارَ كأنَّهُ مترددٌ في الانتماءِ، وإلى من رفضَ تحويلَ حسابِهِ أو لباسِهِ أو مكتبِهِ إلى لوحةٍ دعائيةٍ كأنَّهُ منفصلٌ عن الجماعةِ. وفي المدارسِ قد يُربَّى الأطفالُ أحيانًا على أنَّ الوطنيةَ حماسةٌ جماعيةٌ أكثرَ مما هي صدقٌ وعدلٌ وإتقانٌ ومسؤوليةٌ. وفي أماكنِ العملِ قد يتحولُ الطقسُ الرمزيُّ إلى وسيلةٍ لقياسِ القربِ من الإدارةِ لا القربِ من الوطنِ. وفي الإعلامِ قد يصيرُ الحديثُ عن الوطنيةِ نوعًا من المسرحةِ الدائمةِ التي لا تتركُ مساحةً للهدوءِ أو التفكيرِ أو النقدِ.
إنَّ الدولةَ التي تطلبُ الحبَّ تقعُ في مفارقةٍ قاتلةٍ: فهي تخسرُ بالطلبِ ما كانتْ تريدُ تحصيلَهُ. الحبُّ لا يُنتجُ بالأمرِ. والانتماءُ لا يُصنَعُ بالضغطِ. والحماسةُ لا تولدُ من المراسيمِ. قد تستطيعُ السلطةُ أن تنتزعَ من الناسِ فعلًا خارجيًا، لكنَّها لا تستطيعُ أن تنتزعَ حبًا صادقًا. تستطيعُ أن جعلَهُمْ يصفقونَ، لكنَّها لا تستطيعُ أن تجعلَ التصفيقَ نابعًا من القلبِ. تستطيعُ أن تجعلَهُمْ يبتسمونَ أمامَ الكاميرا، لكنَّها لا تستطيعُ أن تجعلَ الابتسامةَ دليلَ طمأنينةٍ. تستطيعُ أن تفرضَ حضورَ الاحتفالِ، لكنَّها لا تستطيعُ أن تفرضَ حضورَ المعنى. وكلَّما زادَ الضغطُ على التعبيرِ، ازدادَ الداخلُ انكماشًا ونفورًا.
الحبُّ المفروضُ لا ينتجُ ولاءً، بل ينتجُ نفاقًا. ينتجُ مجتمعًا يتعلمُ أفرادُهُ التمثيلَ: يقولونَ ما لا يعتقدونَ، ويظهرونَ ما لا يشعرونَ، ويخفونَ ما يفكرونَ، ويعيشونَ بشخصيتينِ؛ شخصيةٍ رسميةٍ آمنةٍ تتقنُ لغةَ الولاءِ، وشخصيةٍ داخليةٍ صامتةٍ لا تثقُ بما تقولُ. وهذا الانفصامُ لا يؤذي الأفرادَ وحدَهُمْ، بل يؤذي الدولةَ نفسَها؛ لأنَّهُ يحرمُها من المرآةِ الصادقةِ. حين يحيطُ بالدولةِ قومٌ لا يقولونَ لها إلا ما تحبُّ سماعَهُ، تفقدُ القدرةَ على معرفةِ نفسِها. وحين تصيرُ الحماسة_ مطلوبةً دائمًا، يختفي الإنذارُ المبكرُ. وحين يتعلمُ الناسُ أنَّ النجاةَ في المدحِ، يصبحُ الخطأُ أكبرَ من أن يُرى حتى يقعَ الانهيارُ.
إنَّ الولاءَ الحقيقيَّ لا يولدُ من الخوفِ، بل من الثقةِ. والثقةُ لا تُصْنَعُ بالأناشيدِ وحدَها، بل بالعدلِ. المواطنُ يحبُّ المكانَ الذي يشعرُ فيهِ أنَّ كرامتَهُ مصونةٌ، وأنَّ القانونَ لا يميّزُ بينَ قويٍّ وضعيفٍ، وأنَّ المالَ العامَّ ليس غنيمةً، وأنَّ صوتَهُ لا يجعلهُ عدوًا، وأنَّ مستقبلَهُ غيرُ مُدَارٍ بالاستهانةِ. حين يرى المواطنُ أنَّ الدولةَ تحميهِ لا تستعملُهُ، وتسمعُهُ لا تروضُهُ، وتنصفُهُ لا تمنُّ عليهِ، تنمو في داخلِهِ عاطفةُ انتماءٍ لا تحتاجُ إلى مراقبٍ. أما حين يشعرُ أنَّها تطلبُ قلبَهُ بينما تثقلُ ظهرَهُ، وتطالبُهُ بالحماسةِ بينما تمنعُهُ من السؤالِ، وتريدُهُ محبًا لا شريكًا، فإنَّها تدفعهُ إلى واحدٍ من طريقينِ: إما النفاقُ العلنيُّ، وإما الانسحابُ الداخليُّ.
“الدولةُ التي تريدُ حبًّا حقيقيًّا لا تطلبهُ، بل تستحقُّهُ؛ تستحقُّهُ حين تجعلُ القضاءَ ملاذًا للضعيفِ، والرمزَ الوطنيَّ علامةً على عدالةٍ حيةٍ لا ستارًا على قبحٍ مخفيٍّ.”
وهنا يجبُ أن نفرقَ بينَ الطاعةِ القانونيةِ والطاعةِ الوجدانيةِ. الطاعةُ القانونيةُ، حين تكونُ للقانونِ العادلِ، ضرورةٌ لحفظِ المجتمعِ. لا يمكنُ أن يعيشَ الناسُ بلا حدٍّ مشتركٍ ينظمُ السلوكَ. أما الطاعةُ الوجدانيةُ فهي شيءٌ آخرَ؛ إنَّها مطالبةُ الإنسانِ بأن يسلّمَ عاطفتَهُ وضميرَهُ للسلطةِ أو للجماعةِ، وأن يشعرَ كما تريدُ لهُ أن يشعرَ. الأولى تتعلقُ بالفعلِ، والثانيةُ تتعلقُ بالروحِ. الأولى يمكنُ أن تكونَ جزءًا من العقدِ الاجتماعيِّ، والثانيةُ عدوانٌ على حريةِ الضميرِ. الدولةُ الراشدةُ تكتفي من المواطنِ بأن يلتزمَ القانونَ ويؤديَ الواجبَ ويحترمَ حقوقَ غيرِهِ، ثمَّ تتركُ قلبَهُ حرًا؛ لأنَّها تعرفُ أنَّ القلبَ إذا أُجبرَ لم يحبَّ، وإذا فُتّشَ لم يطمئنَّ، وإذا أُهينَ لم ينتمِ.
وليسَ في هذا دعوةٌ إلى البرودِ تجاهَ الوطنِ، ولا إلى اللامبالاةِ، ولا إلى تحويلِ المواطنةِ إلى علاقةٍ جافةٍ بينَ الفردِ والقانونِ. بلْ على العكسِ، إنَّ تحريرَ الحبِّ من الإكراهِ هو الشرطُ الأولُ لولادةِ حبٍّ صادقٍ. فالوطنيةُ التي تنمو في ظلِّ الحريةِ أعمقُ من الوطنيةِ التي تُساقُ بالعصا. والانتماءُ الذي يتشكلُ عبرَ العدالةِ والخبرةِ اليوميةِ والثقةِ المتراكمةِ أصدقُ من الانتماءِ الذي يُستخرجُ بالضغطِ. الدولة_ لا تحتاجُ إلى أن تطلبَ الحبَّ إذا كانتْ تبني أسبابَهُ. من يقيمُ العدلَ لا يحتاجُ إلى استجداءِ التصفيقِ. ومن يحترمِ الإنسانَ لا يحتاجُ إلى التفتيشِ عن ولائِهِ في عينيهِ. ومن يصنعْ حياةً كريمةً يزرعِ الانتماءَ في الصمتِ، بلا إعلانٍ ولا تهديدٍ.
إنَّ السؤالَ ليسَ: كيفَ نجعلُ الناسَ يحبونَ الدولةَ؟ بلْ: كيفَ نجعلُ الدولةَ جديرةً باحترامِ الناسِ وثقتِهِم|؟ وهذا السؤالُ يقلبُ المعادلةَ من طلبِ العاطفةِ إلى بناءِ شروطِها. الدولة_ التي تريدُ حبًا حقيقيًا لا تطلبُهُ، بلْ تستحقُّهُ. تستحقُّهُ حين تجعلُ القضاءَ ملاذًا للضعيفِ، والتعليمَ طريقًا للترقيِّ، والصحةَ حقًا لا امتيازًا، والوظيفةَ العامةَ أمانةً لا غنيمةً، والرمزَ الوطنيَّ علامةً على عدالةٍ حيةٍ لا ستارًا على قبحٍ مخفيٍّ. تستحقُّهُ حين يستطيعُ المواطنُ أن ينتقدَ دونَ أن يُتهمَ، وأن يسألَ دونَ أن يُعاقبَ، وأن يختلفَ دونَ أن يُطردَ من دائرةِ الانتماءِ. تستحقُّهُ حين لا يكونُ حبُّ الوطنِ طريقًا للامتيازِ، ولا نقدُ السلطةِ طريقًا للعزلِ المعنويِّ.
أما حين تطلبُ الدولةُ الحبَّ قبلَ العدلِ، والحماسة_ قبلَ الثقةِ، والتبجيلَ قبلَ الكرامةِ, فإنَّها تبني فوقَ الرملِ. قدْ تحصلُ على مشاهدَ ضخمةٍ، ومواكبَ ممتلئةٍ، وشاشاتٍ مبهرةٍ، وخطاباتٍ مفعمةٍ بالتصفيقِ، لكنَّها لا تحصلُ بالضرورةِ على انتماءٍ راسخٍ. فالعلاقةُ بينَ المواطنِ والدولةِ ليستْ علاقةَ مسرحٍ بجمهورٍ، بلْ علاقةَ عقدٍ ومعنًى ومسؤوليةٍ. وإذا تحولتِ الدولةُ إلى مخرجٍ كبيرٍ يوزعُ الأدوارَ الوطنيةَ على الناسِ، فإنَّها ستجدُ ممثلينَ كثيرينَ، لكنَّها قدْ تفقدُ المواطنينَ الحقيقيينَ.
إنَّ المواطنةَ أسمى من الولاءِ الشعائريِّ؛ لأنَّها تقومُ على الحقوقِ والواجباتِ، لا على حرارةِ الانفعالِ. والولاءَ الراشدَ أسمى من الطاعةِ العمياءِ؛ لأنَّهُ ينشأُ من وعيٍ بأنَّ مصلحةَ المجتمعِ جزءٌ من مصلحةِ الفردِ، وأنَّ القانونَ العادلَ ليسَ عدوَّ الحريةِ بلْ حارسُها. والانتماءَ الصادقَ أسمى من الحماسةِ المصطنعةِ؛ لأنَّهُ لا يحتاجُ إلى جمهورٍ يشاهدُهُ كي يثبتَ نفسَهُ. قد يكونُ أصدقُ المواطنينَ أقلَّهُمْ ضجيجًا، وقد يكونُ أكثرُهُمْ نفعًا أبعدَّهُمْ عن منصاتِ التبجيلِ. فالذي يبني الوطنَ في صمتٍ أصدقُ ممن يستهلكُهُ في الكلامِ، والذي يحمي القانونَ بسلوكِهِ أصدقُ ممن يرفعُهُ شعارًا ثمَّ يخرقُهُ، والذي يرفضُ الظلمَ باسمِ الوطنِ أصدقُ ممن يبررُ الظلمَ باسمِ الوطنيةِ.
ومنْ هنا ينبغي ردُّ الرموزِ إلى مقامِها، والقانونِ إلى حدودِهِ، والضميرِ إلى حريتِهِ. تُحترمُ الرموزُ لأنَّها تمثلُ معنًى مشتركًا، ولا تُقدسُ لأنَّها ليستْ فوقَ الإنسانِ. يُطاعُ القانونُ في حدودِ عدلِهِ ووظيفتِهِ، ولا يُمدُّ إلى أعماقِ القلبِ. يُطلبُ من المواطنِ أن يحسنَ فعلَهُ، لا أن يزوّرَ شعورَهُ. يُحاسبُ على العدوانِ والفسادِ والإخلالِ بالعقدِ العامِّ، لا على برودةِ حماستِهِ أو صمتِهِ أو عدمِ رغبتِهِ في المشاركةِ الشعائريةِ. عندها فقطْ يصبحُ المجالُ العامُّ أكثرَ صدقًا، لأنَّ الناسَ لا يضطرونَ إلى تمثيلِ ما لا يشعرونَ بهِ، والدولةَ لا تخدعُ نفسَها بحشدٍ قد يكونُ جسدُهُ حاضرًا وقلبُهُ غائبًا.
إنَّ ما تخسرهُ الدولةُ حين تطلبُ الحبَّ أكبرُ مما تظنُّ. تخسرُ الصدقَ، لأنَّ الناسَ يتعلمونَ الكذبَ العاطفيَّ. وتخسرُ النقدَ، لأنَّ الناقدَ يصيرُ متهمًا في وجدانِهِ. وتخسرُ الثقةَ، لأنَّ الثقةَ لا تنمو تحتَ التفتيشِ. وتخسرُ المواطنَ المسؤولَ، لأنَّها تفضلُ عليهِ المواطنَ المؤديَ للطقسِ. وتخسرُ نفسَها في النهايةِ، لأنَّها تحيطُ ذاتَها بصورةٍ مصنوعةٍ من المديحِ لا تعكسُ الواقعَ. أما الدولةُ التي لا تطلبُ الحبَّ، بلْ تقيمُ العدلَ، ولا تفتشُ المشاعرَ، بلْ تحمي الحقوقَ، ولا تقيسُ الانتماءَ بالتصفيقِ، بلْ بالسلوكِ، فإنَّها تكسبُ ما هوَ أعمقُ من الحبِّ المعلنِ: تكسبُ احترامًا مستقرًا، وثقةً قابلةً للبناءِ، انتمًاء لا يحتاجُ إلى حراسةٍ.
وخلاصةُ الأمرِ أنَّ الدولةَ تملكُ حقَّ تنظيمِ الأفعالِ لا إدارةَ المشاعرِ، وتملكُ حقَّ طلبِ احترامِ القانونِ لا طلبَّ العشقِ، وتملكُ حقَّ حمايةِ الرموزِ من العدوانِ لا فرضَّ الخشوعِ أمامَها، وتملكُ حقَّ محاسبةِ من يضرُّ بالمجتمعِ لا من لا يتحمسُ بالقدرِ المطلوبِ. أما الضميرُ فليسَ دائرةً حكوميةً، والقلبُ ليسَ مؤسسةً قابلةً للتأميمِ، والحبُّ ليسَ بندًا في قانونِ العقوباتِ. فمنْ أرادتْ دولةٌ أن يحبَّها الناسُ، فلتكفَّ أولًا عنْ مطالبتِهِمْ بالحبِّ، ولتنشغلْ بما هوَ أشرفُ وأصعبُ: أن تكونَ عادلةً بما يكفي ليولدَ الحبُّ من تلقاءِ نفسِهِ، وأن تكونَ كريمةً بما يكفي ليصيرَ الانتماءُ فعلًا حرًا، لا قناعًا يرتديهِ الخائفونَ في مواسمِ الولاءِ.
