الشعر
الخاسر المحمود
قَدْ نُحْتُ حَتَّى قِيلَ هَلْ ثَكَلا = وَضَحِكْتُ حَتَّى قِيلَ هَلْ خَبَلا مَا هَذِهِ الأَيَّامُ تَفْجَعُنِي = فِي كُلِّ أَمْرٍ كَانَ مِنْ وَإِلى صَبَّتْ كُؤُوسَ الصَّابِ مُتْرَعَةً = فَشَرِبْتُ حَتَّى اعْتَدْتُهُ عَسَلا وَقَنعْتُ أَنْ أَقْتَاتَ مِنْ أَمَلٍ = لَكِنَّهَا لَمْ تُقْنِعِ الأَمَلا قَالَتْ حَمَلْتَ الهَمَّ قُلْتَ لَهَا = هَلْ كَانَ إِلا الهَمُّ مَا حَمَلا؟ مَا حِيلَتِي؟ لا اليَأْسُ جَادَ بِهِ = فَأَكُفُّ عَنْهُ وَلا النَّدَى بَخِلا مَنْ لِي بِعَينٍ غَيرِ مُبْصِرَةٍ = أُعْطِيهِ مِلْءَ العَينِ مَا سَأَلا مَنْ لِي بِنَفْسٍ غَيرِ لائِمَةٍ = أَرْتَاحُ مِنْ هَمِّي الذِي ثَقُلا فَتَّشْتُ عَنْ قَلْبٍ أُعَاتِبُهُ = فَرَأَيْتُهُ قَدْ ذَابَ حِينَ خَلا قَلْبِي الذِي بِاللِينِ أَرْهَقَنِي = يَا لَيتَهُ يَقْسُو وَيَعْرِفُ لا كَمْ صَاحِبٍ آثَرْتُهُ فَغَضَا = حَتَّى إِذَا ذَاقَ الرِّضَا جَفَلا أُهْدِي لَهُ حُبِّي عَلَى طَبَقٍ = فَيَصُبُّ لِي بِالجَوْرِ كَأْسَ قِلَى أَوْ كَاشِحٍ يَجْتَرُّ مِنْ حَسَدٍ = بُغْضًا وَيَلعَقُ بِالهَوَى العِلَلا قَدْ أَنْجَبَتْ كَفَّاهُ قِرْدَ زِنَا = فَيَظُنُّهُ بِالوَهْمِ رِيمَ فَلا يَا غُرْبَةً فِي الرُّوحِ مَا فَتِئَتْ = تَنْأَى وَسَرْجُ الرِّيحِ مَا احْتَمَلا مَا زَالَ طَيرِي فِي مَوَاسِمِهِ = غَضَّ الجَنَاحِ وَشَيْبُهُ اشْتَعَلا مَا زَالَ يَشْدُو دُونَ حَنْجَرَةِ = مِنْ أُغْنِيَاتِ الوَجْدِ مُرْتَجِلا أَنَا أَنْتَ يَا قَلْبِي أَتُنْكِرُنِي = وَأَنَا الذِي لِوَفَائِكَ امْتَثَلا أَوْفَيتُ مَا ظَنِّي قُتِلْتُ بِهِ = وَمِنَ الوَفَاءِ المُرِّ مَا قَتَلا زَيَّنْتَ أَحْلامِي فَعِشْتُ لَهَا = لا أَبْتَغِي عَنْ خَيلِهَا حِوَلا وَطَفَقْتَ تُقْنِعُنِي بِصَفْوِ غَدٍ = حَتَّى نَسِيتُ الذِّئْبَ وَالحَمَلا أَسَفَى عَلَى قَومِي وَقَدْ صَدَفُوا = عَنْ كُلِّ دَرْبٍ جَلَّ وَاعْتَدَلا فِي كُلِّ كُرْسِيٍّ رُوَيْبِضَةٌ = أَحْنَوْا إِلَيهِ الرَّأْسَ فَانْتَعَلا مَأْفُونُ لَكِنْ بَاتَ مُلْهِمَهُمْ = رِعْدِيدُ لَكِنْ أَصْبَحَ البَطَلا إِنْ شَادَ أَهْلُ العَزْمِ مَدْرَسَةً = لِلفِكْرِ شَادَ القَهْرُ مُعْتَقَلا زُمَرًا تَرَاهُمْ فِي مُفَاخَرَةٍ = هَيْهَاتَ تَلْقَى مِنْهُمُ الَّرُجَلا مَا اشْتَاَقُهُمْ عِلْمٌ وَلا عَمَلٌ = إِلا وَأَغْرَوا فِيهِمَا الكَسَلا مِنْ كُلِّ مَسْرُورٍ بِشقْوَتِهِ = مَا رَاقَهُ وِرْدٌ وَطَابَ كَلا لَوْ سَالَ مَاءُ العِلْمِ مِنْ فَمِهِ = مَا كَانَ إِلا الهَزْلَ وَالغَزَلا وَعَلَى نَشِيجٍ مِنْ سَلامَتِهِ = قَالَ الهَوَانُ أَلا فَقَالَ بَلَى حَسْبُ المَنَايَا أَنْ يَكُنَّ لَهُ = سَوْطًا يُزَلْزِلُ قَلْبَهُ وَجَلا أَسَفَى فَإِنِّي لا أَكَادُ أَرَى = سَهْلا يَقِينَا الخَسْفَ أَوْ جَبَلا الفُلْكُ تَجْرِي وَالمُنَى لُجَجٌ = وَالقَوْمُ صَرْعَى وَالهُدَى اعْتَزَلا وَالعَالمُ المَفْتُونُ مُعْتَصِمٍ = بِالعُجْبِ فِيمَا قَالَ أَو فَعَلا ظَنَّ الكَمَالَ فَطَارَ مُبْتَهِجًا = وَمَآلَهُ لِلأَرْضِ أَيْنَ عَلا أَفْتَى فَمَاذَا لِلعُقُولِ جَنَى = أَرَبًا وَمَاذَا لِلعُيُونِ جَلا إِنَّ اكْتِمَالَ العَقْلِ حِينَ يَعِي = أَنِّ الذِي فِي العَقْلِ مَا اكْتَمَلا كَيفَ الشُّعَاعُ يَلُوحُ مُؤْتَلِقًا = نُورًا وَجِرْمُ النَّجْمِ قَدْ أَفَلا يَبِسَ الضِّيَاءُ عَلَى مَحَاجِرِهِ = وَإِلَى المَشَاعِرِ ظِلُّهُ اتَّصَلا إِنِّي لأَعْجَبُ كَيفَ هَانَ عَلَى = حُرٍّ بُلُوغُ عُلا وَكَيفَ سَلا كَيفَ اسْتَطَابَ ظُنُونَ حِصْرِمِهِ = عَصَرَتْهُ بِالنَّجْوَى كُؤُوسَ طِلَى يَا مَنْ يَلُومُ البرَّ مِنْ مَضَضٍ = دَعْ عَنْكَ تَقْرِيعًا لِمَنْ عَذَلَا يَا لَيْتَ قَوْمِي أَدْرَكُوا سَفَهًا = قَدْ جَاءَهُمْ مِنْ جَاهِلٍ نَقَلَا مَا هَمّنَا كَيْدُ الحَسُودِ وَمَا = مِنْ هَمِّهِ فِي عُمْرِنَا شَغَلَا إِنْ كَانَ سَهْمُ الدَّهْرِ يَفْجَعُنَا = فَالْحُرُّ يَسْمُو كُلَّمَا انْخَذَلَا هَذَا القَضَاءُ المُرُّ مِنْ قَدَرٍ = مَا كَانَ إِلَّا بِالْهُدَى نَزَلَا العَدْلُ مُرٌّ عِنْدَ ذِي غُرُمٍ = وَأَمَضُّ مِنْ نُصْحٍ أَمَامَ مَلا وَالفَضْلُ مِيزَانُ الرِّجَالِ عَلَى = قَدْرِ الفَضَائِلِ خَفَّ أَوْ ثَقُلا وَالحَقُّ يَبْقَى فَوْقَ أَنْفُسِنَا = قِسْطَاسُ حُكْمٍ بَيْنَنَا فَصَلَا وَالنُّصْحُ صِدْقٌ لا يُبَرِّرُهُ = إِنْ خَانَ ذُو رَأْيٍ وَإِنْ خَتَلا وَالعَهْدُ مَسْؤُولٌ بِصَاحِبِهِ = سِيَّانِ مَنْ وَفَّي وَمَنْ مَطَلا وَالمَرْءُ مَحْكُومٌ بِظَاهِرِهِ = مَنْ شَقَّ صَدْرًا أَدْرَكَ الزَّلَلا شَبَّتْ حَيَاةُ الغَابِ وَاسْتَعَرَتْ = وَالخَاسِرُ المَحْمُودُ مَنْ عَدَلا
قد نحت حتى قيل هل ثكلا = وضحكت حتى قيل هل خبلا ما هذه الأيام تفجعني = في كل أمر كان من وإلى صبت كؤوس الصاب مترعة = فشربت حتى اعتدته عسلا وقنعت أن أقتات من أمل = لكنها لم تقنع الأملا قالت حملت الهم قلت لها = هل كان إلا الهم ما حملا؟ ما حيلتي؟ لا اليأس جاد به = فأكف عنه ولا الندى بخلا من لي بعين غير مبصرة = أعطيه ملء العين ما سألا من لي بنفس غير لائمة = أرتاح من همي الذي ثقلا فتشت عن قلب أعاتبه = فرأيته قد ذاب حين خلا قلبي الذي باللين أرهقني = يا ليته يقسو ويعرف لا كم صاحب آثرته فغضا = حتى إذا ذاق الرضا جفلا أهدي له حبي على طبق = فيصب لي بالجور كأس قلى أو كاشح يجتر من حسد = بغضا ويلعق بالهوى العللا قد أنجبت كفاه قرد زنا = فيظنه بالوهم ريم فلا يا غربة في الروح ما فتئت = تنأى وسرج الريح ما احتملا ما زال طيري في مواسمه = غض الجناح وشيبه اشتعلا ما زال يشدو دون حنجرة = من أغنيات الوجد مرتجلا أنا أنت يا قلبي أتنكرني = وأنا الذي لوفائك امتثلا أوفيت ما ظني قتلت به = ومن الوفاء المر ما قتلا زينت أحلامي فعشت لها = لا أبتغي عن خيلها حولا وطفقت تقنعني بصفو غد = حتى نسيت الذئب والحملا أسفى على قومي وقد صدفوا = عن كل درب جل واعتدلا في كل كرسي رويبضة = أحنوا إليه الرأس فانتعلا مأفون لكن بات ملهمهم = رعديد لكن أصبح البطلا إن شاد أهل العزم مدرسة = للفكر شاد القهر معتقلا زمرا تراهم في مفاخرة = هيهات تلقى منهم الرجلا ما اشتاقهم علم ولا عمل = إلا وأغروا فيهما الكسلا من كل مسرور بشقوته = ما راقه ورد وطاب كلا لو سال ماء العلم من فمه = ما كان إلا الهزل والغزلا وعلى نشيج من سلامته = قال الهوان ألا فقال بلى حسب المنايا أن يكن له = سوطا يزلزل قلبه وجلا أسفى فإني لا أكاد أرى = سهلا يقينا الخسف أو جبلا الفلك تجري والمنى لجج = والقوم صرعى والهدى اعتزلا والعالم المفتون معتصم = بالعجب فيما قال أو فعلا ظن الكمال فطار مبتهجا = ومآله للأرض أين علا أفتى فماذا للعقول جنى = أربا وماذا للعيون جلا إن اكتمال العقل حين يعي = أن الذي في العقل ما اكتملا كيف الشعاع يلوح مؤتلقا = نورا وجرم النجم قد أفلا يبس الضياء على محاجره = وإلى المشاعر ظله اتصلا إني لأعجب كيف هان على = حر بلوغ علا وكيف سلا كيف استطاب ظنون حصرمه = عصرته بالنجوى كؤوس طلى يا من يلوم البر من مضض = دع عنك تقريعا لمن عذلا يا ليت قومي أدركوا سفها = قد جاءهم من جاهل نقلا ما همنا كيد الحسود وما = من همه في عمرنا شغلا إن كان سهم الدهر يفجعنا = فالحر يسمو كلما انخذلا هذا القضاء المر من قدر = ما كان إلا بالهدى نزلا العدل مر عند ذي غرم = وأمض من نصح أمام ملا والفضل ميزان الرجال على = قدر الفضائل خف أو ثقلا والحق يبقى فوق أنفسنا = قسطاس حكم بيننا فصلا والنصح صدق لا يبرره = إن خان ذو رأي وإن ختلا والعهد مسؤول بصاحبه = سيان من وفي ومن مطلا والمرء محكوم بظاهره = من شق صدرا أدرك الزللا شبت حياة الغاب واستعرت = والخاسر المحمود من عدلا
