المتاجرة بالوطنية والخداع السياسي
حين تصبح الوطنية سلعة المتاجرة بالعاطفة الجماعية وتزييف الولاء
الوطنيةُ، في معناها النبيلِ، ليستْ صرخةً موسميةً تُطلَقُ في مواسمِ الحماسةِ، ولا زينةً لفظيةً تُعلَّقُ على صدورِ الخطباءِ، ولا رايةً يلوّحُ بها من يريدُ أن يسبقَ غيرَهُ إلى منصةِ الادعاءِ. إنها، قبلَ كلِّ شيءٍ، علاقةٌ أخلاقيةٌ عميقةٌ بينَ الإنسانِ والجماعةِ التي ينتمي إليها، وبينَ الفردِ والذاكرةِ التي تشكلُهُ، وبينَ المواطنِ والمجالِ العامِّ الذي يعيشُ فيهِ ويأمنُ بهِ وعليهِ. ليستِ الوطنيةُ الحقةُ انفعالًا عابرًا ولا استعراضًا صاخبًا، بلْ شعورٌ بالمسؤوليةِ، وحرصٌ على المجتمعِ، ووفاءٌ للناسِ قبلَ الأرضِ، وللعدلِ قبلَ الشعارِ، وللكرامةِ قبلَ الهتافِ. ومنْ هنا فإنَّ نقدَ المتاجرةِ بالوطنيةِ ليسَ نقدًا للوطنيةِ نفسِها، بلْ دفاعٌ عنها منَ الابتذالِ؛ لأنَّ أشدَّ ما يهددُ المعانيَ النبيلةَ ليسَ عدوُّها الصريحُ دائمًا، بلْ منْ يستعملُها باسمِها حتى يُفرِغَها منْ روحِها.
إنَّ الوطنيةَ الحقيقيةَ لا تُقَاسُ بارتفاعِ الصوتِ، ولا بكثرةِ الشعاراتِ، ولا بحدةِ Mزايداتِ، بلْ بصدقِ العملِ، ونظافةِ اليدِ، واستقامةِ السلوكِ، واحترامِ القانونِ، وصيانةِ المالِ العامِّ، والحرصِ على كرامةِ الناسِ، والدفاعِ عنْ حقِّ الضعيفِ، والإسهامِ في بناءِ المجتمعِ لا في نهبِ مشاعرِهِ. قدْ يكونُ الإنسانُ وطنيًا وهوَ صامتٌ يعملُ بإخلاصٍ في مستشفى أو مدرسةٍ أو ورشةٍ أو مزرعةٍ، وقدْ يكونُ خائنًا لمعنى الوطنِ وهوَ يملأُ الفضاءَ خطبًا حماسيةً ثمَّ يسرقُ، أو يفسدُ، أو يبررُ الظلمَ، أو يتاجرTarget بآلامِ الناسِ. الوطنيةُ ليستْ ما نقولُهُ عنِ الوطنِ، بلْ ما نصنعُهُ في حياةِ أهلِهِ. ومنْ لمْ يكنْ أمينًا على الإنسانِ، فلا يحقُّ لهُ أن يزعمَ الأمانةَ على الوطنِ؛ لأنَّ الوطنَ ليسَ حجرًا مجردًا ولا خريطةً معلقةً، بلْ بشرٌ لهمْ وجوهٌ وأسماءٌ وحاجاتٌ وكرامةٌ.
“الوطنيةُ ليستْ ما نقولُهُ عنِ الوطنِ، بلْ ما نصنعُهُ في حياةِ أهلِهِ. ومنْ لمْ يكنْ أمينًا على الإنسانِ، فلا يحقُّ لهُ أن يزعمَ الأمانةَ على الوطنِ؛ لأنَّ الوطنَ ليسَ حجرًا مجردًا، بلْ بشرٌ لهمْ وجوهٌ وأسماءٌ وحاجاتٌ وكرامةٌ.”
ومنْ هنا تبدأُ المأساةُ حينَ تتحولُ هذهِ العاطفةُ النبيلةُ إلى سلعةٍ. حينَ تُنتزَعُ الوطنيةُ منْ مقامِها الأخلاقيِّ وتُلقَى في سوقِ السياسةِ والإعلامِ والمزايدةِ، تصبحُ قابلةً للبيعِ والشراءِ والتوظيفِ والتغليفِ. لا تعودُ معيارًا للصدقِ والمسؤوليةِ، بلْ رأسمالًا رمزيًا يُستثمَرُ كما تُستثمَرُ الأموالُ والأسهمُ. هناكَ منْ يربحُ منَ الوطنيةِ دونَ أن يخدمَ الوطنَ، ومنْ يرفعُ الشعارَ ليحجبَ بهِ التقصيرَ، ومنْ يتحدثُ عنِ التضحيةِ ليطلبَها منَ الفقراءِ وحدَهُمْ، ومنْ يزايدُ في الولاءِ ليحصلَ على منصبٍ أو امتيازٍ أو حمايةٍ أو حضورٍ. هكذا تصبحُ الوطنيةُ في أيدي تجارِها بضاعةً مربحةً؛ قليلةَ الكلفةِ، عاليةَ التأثيرِ، سريعةَ الاشتعالِ، قادرةً على حشدِ الناسِ قبلَ أن يسألوا، وإسكاتِهِمْ قبلَ أن يفكروا.
إنَّ السوقَ السياسيةَ للمشاعرِ لا تحتاجُ إلى حقائقَ كثيرةٍ؛ يكفيها أن تعرفَ كيفَ تضغطُ على العصبِ الصحيحِ. الإنسانُ بطبيعتِهِ يبحثُ عنِ الانتماءِ، ويخافُ العزلةَ، ويحتاجُ إلى معنًى أكبرَ منْ ذاتِهِ، ويجدُ في الجماعةِ حمايةً رمزيةً منْ هشاشةِ الفردِ ووحدتِهِ. لذلكَ تنجحُ المتاجرةُ بالعاطفةِ الوطنيةِ لأنَّها لا تخاطبُ العقلَ أولًا، بلْ تخاطبُ الحاجةَ العميقةَ إلى أن يكونَ الإنسانُ جزءًا منْ “نحنُ” واسعةٍ. وحينَ تهتزُّ المجتمعاتُ بالأزماتِ الاقتصاديةِ أو السياسيةِ أو الثقافيةِ، يشتدُّ جوعُ الناسِ إلى اليقينِ، ويصيرُ الشعارُ الجاهزُ أكثرَ إغراءً منَ السؤالِ الصعبِ، ويصبحُ الانضمامُ إلى الحشدِ أهونَ منَ الوقوفِ منفردًا أمامَ الحقيقةِ.
تجارُ الوطنيةِ يعرفونَ هذا جيدًا. يعرفونَ أنَّ الإنسانَ الخائفَ يسهلُ اقتيادُهُ، وأنَّ الجماعةَ القلقةَ تبحثُ عمنْ يطمئنُها ولوْ بالوهمِ، وأنَّ الحشودَ حينَ تُغذَّى بخطابٍ حماسيٍّ متكررٍ قدْ تستغني عنِ البرهانِ بالهتافِ. لذلكَ لا تُعرَضُ الوطنيةُ المسلَّعةُ بوصفِها مسؤوليةً شاقةً، بلْ بوصفِها هويةً جاهزةً؛ يكفي أن ترددَ العبارةَ، وأن تغضبَ في الاتجاهِ المطلوبِ، وأن تصفقَ حينَ يُطلَبُ منكَ التصفيقُ، وأن تشتمَ منْ يُشَارُ إليهِ بوصفِهِ عدوًا، حتى تصبحَ في عدادِ الوطنيينَ. أما أن تعملَ, وتنتجَ، وتراقبَ، وتسألَ، وتدافعَ عنِ الحقوقِ، وتحاسبَ المفسدينَ، وتصونَ المالَ العامَّ، فذلكَ كلُّهُ يصبحُ في مرتبةٍ أدنى منَ الطقسِ العاطفيِّ السريعِ.
“تنجحُ المتاجرةُ بالعاطفةِ الوطنيةِ لأنَّها تمنحُ الإنسانَ شعورًا رخيصًا بالفضيلةِ دونَ أن تطلبَ منهُ كلفةَ الفضيلةِ الحقيقيةِ. إنَّها تستبدلُ العملَ بالصوتِ، والوفاءَ بالمشهدِ، والمسؤوليةَ بالانفعالِ.”
وهنا تظهرُ عبقريةُ الخداعِ في هذهِ التجارةِ؛ فهيَ تمنحُ الإنسانَ شعورًا رخيصًا بالفضيلةِ دونَ أن تطلبَ منهُ كلفةَ الفضيلةِ الحقيقيةِ. يستطيعُ المرءُ أن ينامَ مطمئنًا إلى وطنيتِهِ لأنَّهُ كتبَ عبارةً حماسيةً، أو شاركَ في موجةِ غضبٍ جماعيٍّ، أو اتهمَ غيرَهُ بالخيانةِ، بينما هوَ في حياتِهِ اليوميةِ يتهربُ منْ واجبِهِ، أو يعتدي على حقِّ غيرِهِ، أو يفسدُ في عملِهِ، أو يصمتُ عنِ الظلمِ، أو يبررُ نهبَ المالِ العامِّ. الوطنيةُ المسلَّعةُ تغني صاحبَها عنِ امتحانِ السلوكِ؛ لأنَّها تستبدلُ العملَ بالصوتِ، والوفاءَ بالمشهدِ، والمسؤوليةَ بالانفعالِ.
والسياسةُ حينَ تكتشفُ هذا المنجمَ العاطفيَّ لا تتركهُ خامًا. تصنعُ لهُ مفرداتِهِ، وألوانَهُ، وطقوسَهُ، وأعداءَهُ، ومواعيدَهُ. تتحولُ الوطنيةُ إلى صناعةٍ كاملةٍ؛ إعلامٌ يكررُ، ومنصاتٌ تضخمُ، وخطباءُ يهيجونَ، ومؤثرونَ يتكاثرونَ حولَ اللحظةِ، وأغانٍ وشعاراتٌ وصورٌ ومواسمُ ومناسباتٌ تُستعمَلُ أحيانًا لترميمِ صورةِ السلطةِ أو لصرفِ الانتباهِ عنِ الأسئلةِ الأكثرِ إزعاجًا. وإذا كانَ السوقُ الاقتصاديُّ يبيعُ الناسَ ما يشتهونَ، فإنَّ السوقَ السياسيةَ للمشاعرِ تبيعُهُمْ ما يخافونَ فقدانَهُ؛ الانتماءَ، الاعترافَ، الأمانَ، المعنى، والنجاةَ منْ تهمةِ الخيانةِ.
ولا تستقيمُ هذهِ السوقُ إلا بصناعةِ عدوٍّ. فالخطابُ الذي يتاجرُ بالعاطفةِ الجماعيةِ يحتاجُ دائمًا إلى خصمٍ يوجَّهُ إليهِ الغضبُ، وإلا عادَ الغضبُ إلى الداخلِ يسألُ عنْ سوءِ الإدارةِ والفسادِ والبطالةِ والفشلِ والتفاوتِ والظلمِ. لذلكَ لا بدَّ منْ عدوٍّ خارجيٍّ تُضخَّمُ صورتُهُ عندَ الحاجةِ، أو عدوٍّ داخليٍّ يُصنَعُ منَ المعارضِ أو الناقدِ أو المختلفِ أو المستقلِّ في رأيِهِ. العدوُّ الخارجيُّ يمنحُ الحشدَ سببًا للالتفافِ دونَ تفكيرٍ، والعدوُّ الداخليُّ يمنحُ السلطةَ أو التيارَ الشعبويَّ فرصةً لتطهيرِ المجالِ العامِّ منَ الأصواتِ المزعجةِ. وكلَّما تعقدتِ الأزمةُ، زادتِ الحاجةُ إلى عدوٍّ أبسطَ منَ الواقعِ؛ لأنَّ الحشدَ لا يحبُّ التحليلَ الطويلَ، بلْ يحبُّ وجهًا يعلّقُ عليهِ خوفَهُ.
“الأوطانُ الحقيقيةُ لا تُحمَى بإنكارِ الأخطاءِ، بلْ بإصلاحِها. ولا تقوى بملاحقةِ الناقدِ، بلْ بسماعِ ما يكشفُهُ منْ خللٍ. وحينَ يتحولُ كلُّ اختلافٍ إلى خيانةٍ، يصبحُ المجتمعُ كمنْ يكسرُ مصابيحَهُ لأنَّهُ يخافُ أن يرى الغبارَ في بيتِهِ.”
وقدْ يكونُ الخطرُ الخارجيُّ حقيقيًا في بعضِ الأحيانِ، وقدْ تكونُ هناكَ تهديداتٌ فعليةٌ تستوجبُ اليقظةَ والوحدةَ. لكنَّ الفرقَ كبيرٌ بينَ الوعيِ بالخطرِ واستثمارِهِ، بينَ حمايةِ المجتمعِ وتخديرِهِ بالخوفِ، بينَ تحصينِ الجبهةِ الداخليةِ وإسكاتِها، بينَ الدفاعِ عنِ الوطنِ واستعمالِ الوطنِ درعًا لحمايةِ الفشلِ. فالأوطانُ الحقيقيةُ لا تُحمَى بإنكارِ الأخطاءِ، بلْ بإصلاحِها. ولا تقوى بملاحقةِ الناقدِ، بلْ بسماعِ ما يكشفُهُ منْ خللٍ. وحينَ يتحولُ كلُّ اختلافٍ إلى خيانةٍ، يصبحُ المجتمعُ كمنْ يكسرُ مصابيحَهُ لأنَّهُ يخافُ أن يرى الغبارَ في بيتِهِ.
أما العدوُّ الداخليُّ فهو أخطرُ أدواتِ هذهِ التجارةِ؛ لأنَّهُ يفتتُ المجتمعَ منْ داخلِهِ باسمِما حمايتِهِ. يبدأُ الأمرُ غالبًا باتهامِ الناقدِ بأنَّهُ سلبيٌّ، ثمَّ بأنَّهُ يسيءُ للصورةِ العامةِ، ثمَّ بأنَّهُ يضعفُ المعنوياتَ، ثمَّ بأنَّهُ يخدمُ أجنداتٍ مشبوهةً، ثمَّ يُدْفَعُ خارجَ دائرةِ الانتماءِ. وهكذا لا يعودُ النقاشُ حولَ صحةِ الفكرةِ أو خطأِ السياسةِ، بلْ حولَ نيةِ المتكلمِ وولائِهِ. فإذا قالَ مواطنٌ: إنَّ المدارسَ تحتاجُ إصلاحًا، قيلَ لهُ: لماذا لا ترى الإنجازاتِ؟ وإذا سألَ عنْ سوءِ الخدماتِ، قيلَ لهُ: لا تنشرِ الإحباطَ. وإذا طالبَ بالشفافيةِ في الإنفاقِ، قيلَ لهُ: لا تشكك| في المؤسساتِ. وإذا اعترضَ على امتيازاتِ فئةٍ أو فسادِ إدارةٍ، قيلَ لهُ: أنتَ لا تفهمُ مقتضياتِ المرحلةِ. وبذلكَ تُقتَلُ الأسئلةُ في مهدِها لا بالحجةِ، بلْ بسيفِ العاطفةِ الجماعيةِ.
إنَّ منطقَ التخوينِ لا يحتاجُ إلى إثباتٍ؛ بلْ يعيشُ على الظنِّ. يكفي أن تُلتصَقَ التهمةُ كي يضطرَّ الإنسانُ إلى الدفاعِ عنْ نفسِهِ بدلَ أن يدافعَ عنْ فكرتِهِ. وهذا منْ أشدِّ أشكالِ العنفِ الرمزيِّ؛ لأنَّ الإنسانَ حينَ يُتَّهمُ في ولائِهِ يُسحَبُ منْ ساحةِ النقاشِ إلى قفصِ الاشتباهِ. وهنا تفقدُ الحياةُ العامةُ عقلَها. لا يعودُ السؤالُ؛ هلِ السياسةُ عادلةٌ؟ هلِ القرارُ صحيحٌ؟ هلِ المالُ العامُّ يُدَارُ بكفاءةٍ؟ هلِ الناسُ يحصلونَ على حقوقِهِمْ؟ بلْ يصبحُ السؤالُ؛ هلِ المتكلمُ معنا أمْ ضدنا؟ وهذهِ الثنائيةُ البدائيةُ هيَ القبرُ الذي تُدفَنُ فيهِ المجتمعاتُ الحيةُ.
وتنجحُ هذهِ التجارةُ كذلكَ لأنَّها تمنحُ الحشودَ شعورًا بالتفوقِ الأخلاقيِّ. فحينَ يقتنعُ الإنسانُ أنَّهُ جزءٌ منْ جماعةٍ وطنيةٍ نقيةٍ تواجهُ خونةً ومتآمرينَ، فإنَّهُ لا يعودُ محتاجًا إلى فحصِ ذاتِهِ. يشعرُ أنَّ مجردَ انتمائِهِ إلى الحشدِ يكفي لمنحِهِ براءةً مسبقةً. وهنا يصبحُ الغضبُ لذيذًا، والتخوينُ ممتعًا، والإقصاءُ بطولةً رمزيةً. لا يشعرُ الفردُ أنَّهُ يعتدي على مواطنٍ مثلِهِ، بلْ يظنُّ أنَّهُ يطهرُ الوطنَ منْ خطرٍ. وهذهِ هيَ اللَّحْظَةُ التي تتحولُ فيها الوطنيةُ منْ رابطةٍ جامعةٍ إلى أداةِ فرزٍ، ومنْ شعورٍ بالمسؤوليةٍ إلى ترخيصٍ نفسيٍّ للقسوةِ.
وكلُّ خطابٍ شعبويٍّ يحتاجُ إلى تبسيطٍ مخلٍّ للعالمِ. فبدلَ أن يشرحَ للناسَ أنَّ المشكلاتِ الاقتصاديةَ مثلًا قدْ تكونُ نتيجةَ سوءِ تخطيطٍ، أو فسادٍ، أو ضعفِ إنتاجيةٍ، أو خللٍ إداريٍّ، أو سياساتٍ غيرِ رشيدةٍ، أو اختلالٍ في توزيعِ الأعباءِ، يختصرُ الأمرَ في “أعداءِ النجاحِ” أو “المتربصينَ” أو “الناكرينَ للجميلِ”. وبدلَ أن يفتحَ نقاشًا حولَ جودةِ الإنفاقِ العامِّ، أو أولوياتِ الميزانيةِ، أو عدالةِ الضرائبِ، أو جدوى المشاريعِ، يحولُ السؤالَ إلى امتحانِ ولاءٍ. وهكذا يُدْفَعُ المواطنُ إلى الاختيارِ بينَ أن يكونَ وطنيًا صامتًا أو ناقدًا مشبوهًا، معَ أنَّ الوطنيةَ الراشدةَ تقتضي أن يكونَ ناقدًا حينَ يرى الخللَ، لا أن يكونَ مصفقًا مهما رأى.
والأخطرُ أنَّ الوطنيةَ المسلَّعةَ لا تُستعمَلُ في السياسةِ وحدَها، بلْ تُستعمَلُ اقتصاديًا بمهارةٍ بالغةٍ. تحتَ عنوانِ الواجبِ الوطنيِّ يمكنُ تمريرُ ضرائبَ ورسومٍ وأعباءَ لا تُنَاقَشُ بعدالةٍ كافيةٍ. يُقَالُ للمواطنِ إنَّ عليهِ أن يتحملَ، وأن يصبرَ، وأن يضحيَ، وأنَّ المرحلةَ تحتاجُ إلى شدِّ الأحزمةِ، لكنَّ السؤالَ الذي يُمنَعُ غالبًا هوَ؛ مَنْ الذي يشدُّ الحزامَ فعلًا؟ وهلْ توزعتِ الأعباءُ بعدلٍ؟ وهلْ طالتِ التضحيةُ أصحابَ الامتيازاتِ كما طالتْ أصحابَ الدخلِ المحدودِ؟ وهلْ جرى تقليلُ الهدرِ قبلَ مطالبةِ الناسِ بمزيدٍ منَ الدفعِ؟ وهلْ تُدَارُ المواردُ العامةُ بشفافيةٍ؟ وهلْ تُحَاسَبُ الجهاتُ المقصرةُ؟ أمْ أنَّ الوطنيةَ هنا صارتْ وسيلةً لنقلِ كلفةِ الفشلِ إلى المواطنِ العاديِّ، بينما تبقى شبكاتُ الامتيازِ محميةً خلفَ خطابِ المصلحةِ العليا؟
في الحياةِ الواقعيةِ تتجلى هذهِ المفارقةُ بوضوحٍ. قدْ يُطْلَبُ منَ المواطنِ أن يقبلَ ارتفاعَ الضرائبِ أو الرسومِ “دعمًا للوطنِ”، لكنَّهُ لا يجدُ شفافيةً كافيةً في كيفيةِ إنفاقِها. قدْ يُطْلَبُ منهُ أن يتحملَ تراجعَ الخدمةِ في المستشفى أو المدرسةِ أو النقلِ العامِّ لأنَّ “الظروفَ صعبةٌ”، لكنَّهُ يرى في المقابلِ إنفاقًا استعراضيًا على مشاريعَ لا تمسُّ حاجاتِهِ الأساسيةَ. قدْ يُطْلَبُ منهُ أن يصبرَ على Tضخمِ والغلاءِ لأنَّهُ “جزءٌ منَ المعركةِ الاقتصاديةِ”، لكنَّهُ لا يرى مساءلةً جديةً لمنْ تسببوا في سوءِ التخطيطِ أو الهدرِ. قدْ يُقَالُ لهُ إنَّ الاعتراضَ يضعفُ الروحَ العامةَ، بينما روحُهُ هوَ تُستنزَفُ يوميًا في طوابيرِ الخدماتِ، وفواتيرِ المعيشةِ، وقلقِ المستقبلِ. هنا تتحولُ الوطنيةُ إلى غطاءٍ اقتصاديٍّ؛ يدفعُ المواطنُ الفاتورةَ باسمِ الحبِّ، ويُمنَعُ منَ السؤالِ باسمِ الولاءِ.
“إنَّ أخطرَ فسادٍ هو الفسادُ الذي يتخفى في ثيابِ الفضيلةِ؛ لأنَّهُ لا يسرقُ المالَ فقط، بلْ يسرقُ اللغةَ التي نحتاجُها لمحاربتِهِ. فإذا صارَ الفاسدُ يتكلمُ باسمِ الوطنِ، صارَ كشفُهُ في نظرِ البسطاءِ طعنًا في الوطنِ.”
ولا تقفُ المتاجرةُ عندَ الدولةِ ومؤسساتِها؛ فقدْ تتحولُ الوطنيةُ إلى علامةٍ تجاريةٍ في السوقِ نفسِهِ. يرفعُ بعضُ التجارِ شعارَ “اشترِ المنتجَ الوطنيَّ” لا بوصفِهِ دعوةً صادقةً لدعمِ الصناعةِ الجادةِ، بلْ ستارًا لبيعِ منتجٍ رديءٍ بسعرٍ أعلى. وقدْ تُغَلِّفُ شركاتٌ كبرى حملاتِها بلغةٍ وطنيةٍ بينما تهضمُ حقوقَ العمالِ، أو تحتكرُ السوقَ، أو تحصلُ على امتيازاتٍ لا ينالُها غيرُها, أو تستفيدُ منَ الدعمِ العامِّ دونَ أن تقدمَ جودةً تليقُ بالمجتمعِ. والفرقَ كبيرٌ بينَ دعمِ الاقتصادِ الوطنيِّ بحقٍّ، وبينَ ابتزازِ المستهلكِ بعاطفتِهِ. دعمُ المنتجِ الوطنيِّ فضيلةٌ حينَ يكونُ المنتجُ صادقَ الجودةِ، عادلَ السعرِ، محترمًا للعاملِ والمستهلكِ. أما أن يُطْلَبَ منَ الناسِ شراءُ الرداءةِ باسمِ الوطنِ، فهذهِ ليستْ وطنيةً بلْ تجارةً بالعاطفةِ.
وكذلكَ قدْ تُستعمَلُ الوطنيةُ لتبريرِ الامتيازاتِ. تُمنَحُ فئاتٌ معينةٌ تسهيلاتٍ أو حصاناتٍ أو عقودًا أو مواقعَ باسمِ الخدمةِ الوطنيةِ، ثمَّ يصبحُ السؤالُ عنِ العدالةِ في توزيعِ الفرصِ نوعًا منْ سوءِ الأدبِ. وكأنَّ الوطنيةَ تمنحُ بعضَ الناسِ حقًا دائمًا في الأخذِ، وتفرضُ على آخرينَ واجبًا دائمًا في الدفعِ. إنَّ أخطرَ فسادٍ هو الفسادُ الذي يتخفى في ثيابِ الفضيلةِ؛ لأنَّهُ لا يسرقُ المالَ فقط، بلْ يسرقُ اللغةَ التي نحتاجُها لمحاربتِهِ. فإذا صارَ الفاسدُ يتكلمُ باسمِ الوطنِ، صارَ كشفُهُ في نظرِ البسطاءِ طعنًا في الوطنِ، لا دفاعًا عنهُ.
وهنا نصلُ إلى المفارقةِ الكبرى؛ كلَّما زادَ الحديثُ عنِ الوطنيةِ بصورتِها الاستعراضيةِ، قدْ يقلُّ حضورُها الحقيقيُّ في الواقعِ. لأنَّ كثافةَ الشعاراتِ كثيرًا ما تكونُ تعويضًا عنْ ضعفِ الممارسةِ. المجتمعُ الذي يحتاجُ كلَّ يومٍ إلى إثباتِ ولائِهِ بالصوتِ قدْ يكونُ فاقدًا للثقةِ في معنى الولاءِ نفسِهِ. والسلطةُ أو النخبةُ أو السوقُ التي تُكْثِرُ منْ مطالبةِ الناسِ بإظهارِ الوطنيةِ قدْ تكونُ أحيانًا في حاجةٍ إلى إخفاءِ عجزِها عنْ تحقيقِ شروطِ المواطنةِ الكريمةِ. فالوطنيةُ الحقيقيةُ لا تحتاجُ إلى ضجيجٍ دائمٍ؛ تظهرُ في احترامِ القانونِ، وفي نظافةِ الإدارةِ، وفي عدالةِ القضاءِ، وفي جودةِ التعليمِ، وفي أمانِ الشوارعِ، وفي صيانةِ المالِ العامِّ، وفي قدرةِ المواطنِ على أن يقولَ رأيَهُ دونَ خوفٍ، وفي أن يشعرَ الفقيرُ أنَّهُ ليسَ خارجَ الحسابِ، والمختلفُ أنَّهُ ليسَ خارجَ الانتماءِ.
إنَّ تضخمَ الخطابِ الوطنيِّ قدْ يتحولُ إلى ستارٍ يحجبُ غيابَ الوطنيةِ العمليةِ. فحينَ يكثرُ الحديثُ عنِ التضحيةِ، ينبغي أن نسألَ عنِ العدالةِ. وحينَ يكثرُ الحديثُ عنِ الوحدةِ، ينبغي أن نسألَ عنِ الكرامةِ. وحينَ يكثرُ الحديثُ عنِ الولاءِ، ينبغي أن نسألَ عنِ الحقوقِ. وحينَ يكثرُ الحديثُ عنِ الأعداءِ، ينبغي أن نسألَ عنِ الأخطاءِ الداخليةِ. وحينَ يكثرُ الحديثُ عنِ الصبرِ، ينبغي أن نسألَ؛ صبرُ منْ؟ وعلى ماذا؟ وإلى متى؟ ولأجلِ منْ؟ فليسَ كلُّ صبرٍ فضيلةً، وليسَ كلُّ تضحيةٍ شرفًا، إذا كانَ الصابرونَ همُ الضعفاءُ وحدَهُمْ، والمستفيدونَ همُ الأقوياءُ وحدَهُمْ.
والوطنيةُ المسلَّعةُ تكرهُ هذهِ الأسئلةَ لأنَّها تكشفُ تجارتَها. إنَّها تريدُ مواطنًا عاطفيًا لا مواطنًا واعيًا؛ مواطنًا يغضبُ حينَ يُطلَبُ منهُ الغضبُ، ويسكتُ حينَ يُطلَبُ منهُ السكوتُ، ويستهلكُ الشعارَ كما يستهلكُ أيَّ منتجٍ سريعٍ. أما الوطنيةُ الراشدةُ فتريدُ مواطنًا يحسنُ الحبَّ والمساءلةَ معًا. يحبُّ وطنَهُ فلا يتركهُ للفاسدينَ، ويحترمُ دولتَهُ فلا يسمحُ لها أن تتحولَ إلى أداةِ ظلمٍ، ويعتزُّ بمجتمعِهِ فلا يغطي أمراضَهُ بالإنكارِ، ويغارُ على سمعتِهِ فلا يزيفُ واقعَهُ. الوطنيةُ الراشدةُ لا ترى النقدَ عداوةً، بلْ تراهُ وسيلةً لمنعِ الخرابِ منْ أن يتراكمَ حتى يصبحَ قدرًا.
إنَّ أخطرَ ما تفعلهُ المتاجرةُ بالعاطفةِ الوطنيةِ أنَّها تعيدُ تعريفَ الفضيلةِ بصورةٍ مقلوبةٍ. يصبحُ الوطنيُّ هو الأكثرَ غضبًا لا الأكثرَ نفعًا، والأكثرَ صراخًا لا الأكثرَ أمانةً، والأكثرَ شراسةً في تخوينِ غيرِهِ لا الأكثرَ التزامًا بالقانونِ، والأكثرَ حضورًا في مناسباتِ الولاءِ لا الأكثرَ خدمةً للناسِ. بينما قدْ يكونُ المواطنُ الصادقُ في عملِهِ، الذي لا يسرقُ دقيقةً منْ وقتِ وظيفتِهِ، ولا يأخذُ رشوةً، ولا يظلمُ عاملًا، ولا يتهربُ منْ واجبٍ، ولا يرمي قمامتهُ في الطريقِ، ولا يعتدي على مرفقٍ عامٍّ، ولا يصمتُ عنْ فسادٍ يراهُ، أشدَّ وطنيةً ممنْ يقضي عُمُرَهُ في رفعِ الشعاراتِ. فالوطنُ لا يحتاجُ فقطْ إلى منْ يتغنى بهِ، بلْ إلى منْ لا يخونهُ في التفاصيلِ الصغيرةِ.
الوطنيةُ في معناها الأخلاقيِّ ليستْ عاطفةً ضدَّ العقلِ، بلْ عاطفةٌ يهذبُها العقلُ. ليستْ ذوبانًا في الحشدِ، بلْ انتماءٌ واعٍ إلى مجتمعٍ يستحقُّ البناءَ. ليست| عداءً للآخرينَ، بلْ حبًا للخيرِ العامِّ يبدأُ منَ الداخلِ ولا يتحولُ إلى كراهيةٍ للخارجِ. وليستْ طاعةً عمياءَ، بلْ مسؤوليةٌ مشتركةٌ تقتضي أن يحرسَ المواطنُ وطنَهُ منْ أعدائِهِ ومنْ أخطائِهِ معًا. فالعدوُّ الخارجيُّ قدْ يهددُ الحدودَ، أما الفسادُ الداخليُّ فينخرُ الجذورَ. والخطابُ العدائيُّ قدْ يرفعُ المعنوياتِ لحظةً، أما العدلُ فيبني الثقةَ أجيالًا. ولا وطنَ يقوى على المدى البعيدِ إذا كانتْ مشاعرُهُ أعلى منْ مؤسساتِهِ، وشعاراتُهُ أضخمَ منْ أخلاقِهِ، وهتافُهُ أعلى منْ عملِهِ.
ومنْ هنا فإنَّ إنقاذَ الوطنيةِ منْ سوقِ المتاجرةِ يبدأُ بإعادتِها إلى معيارِها العمليِّ. لا ينبغي أن يُسْأَلَ المواطنُ أولًا: كمْ هتفتَ؟ بل|: ماذا قدمتَ؟ لا: كمْ غضبتَ؟ بلْ: كمْ أنصفتَ؟ لا: كمِ اتهمتَ غيرَكَ؟ بلْ: كمِ احترمتَ حقَّهُ في الاختلافِ؟ لا: كمْ تحدثتَ عنِ الوطنِ؟ بلْ: كمْ حفظتَ مالَهُ، وصنتَ قانونَهُ، وخدمتَ أهلَهُ، وشاركتَ في إصلاحِهِ؟ إنَّ الوطنيةَ التي لا تنعكسُ في السلوكِ تصبحُ قناعًا، والقناعُ كلَّما لمعَ أكثرَ زادَ خوفُنا مما يخفيهِ.
كما يبدأُ الإنقاذُ بتحريرِ المجالِ العامِّ منْ ابتزازِ التخوينِ. يجبُ أن يصبحَ ممكنًا أن يختلفَ الناسُ دونَ أن يُطرَدوا منَ الوطنِ معنويًا. أن يسألوا عنِ المالِ العامِّ دونَ أن يُتَّهَموا بإضعافِ الجبهةِ الداخليةِ. أن ينتقدوا قرارًا اقتصاديًا دونَ أن يقالَ إنَّهُمْ ضدَّ البلادِ. أن يطالبوا بعدالةِ الضرائبِ دونَ أن يوصفوا بالأنانيةِ. أن يدافعوا عنْ حقوقِ فئةٍ مظلومةٍ دونَ أن يُقَالُ إنَّهُمْ يثيرونَ الانقسامَ. إنَّ المجتمعَ الذي لا يسمحُ بهذهِ الأسئلةِ مجتمعٌ لا يحمي الوطنيةَ بلْ يحمي هشاشةَ الخطابِ المتاجرِ بها.
ويبدأُ الإنقاذُ كذلكَ بفصلِ الوطنيةِ عنِ الامتيازِ. منْ أرادَ أن يتحدثَ باسمِ الوطنِ فليقبلْ أولًا أن يخضعَ للمساءلةِ باسمِ الوطنِ. ومنْ طلبَ منَ الناسِ التضحيةَ فليبدأْ بنفسِهِ وبطبقَتِهِ ومؤسستِهِ. ومنْ رفعَ شعارَ المصلحةِ العامةِ فليكشفْ للناسِ كيفَ تُدَارُ المواردُ، ومنْ يستفيدُ، ومنْ يتحملُ الكلفةَ. ومنْ طالبَ بالصبرِ فليقدمْ خطةً لا خطبةً. ومنِ ادعى الدفاعَ عنِ الوطنِ فليثبتْ ذلكَ بمحاربةِ الفسادِ، لا بمحاربةِ الأسئلةِ. فالوطنيةُ التي تمنحُ الحصانةَ للمسؤولِ والتكلفةَ للمواطنِ ليستْ وطنيةً، بلْ نظامٌ جبائيٌّ ومعنويٌّ مغلفٌ بالأعلامِ.
إنَّ الوطنيةَ الحقيقيةَ لا تخافُ منَ الحقيقةِ؛ لأنَّ الوطنَ الذي لا يتحملُ الحقيقةَ وطنٌ يُتْرَكُ للمرضِ حتى يستفحلَ. ولا تخافُ منَ النقدِ؛ لأنَّ النقدَ المسؤولَ أحدُ أشكالِ الرعايةِ. ولا تخافُ منَ الاختلافِ؛ لأنَّ المجتمعَ الميتَ وحدهُ يتكلمُ بصوتٍ واحدٍ دائمًا. ولا تخافُ منَ المساءلةِ؛ لأنَّ المساءلةَ تمنعُ الخيانةَ العمليةَ التي تختبئُ خلفَ الولاءِ اللفظيِّ. أما الوطنيةُ المزيفةُ فتخافُ منْ كلِّ هذا، لأنَّها ليستْ حبًا للوطنِ، بلِ استثمارٌ في صورتِهِ، وليستْ وفاءً للجماعةِ، بلْ تجارةٌ في وجدانِها.
ولعلَّ منْ أكثرِ الصورِ دلالةً أن ترى منْ يزايدُ في الوطنيةِ وهوَ يتهربُ منْ واجباتِهِ اليوميةِ. موظفٌ يتحدثُ عنِ الوطنِ ثمَّ يعطلُ مصالحَ الناسِ. تاجرٌ يرفعُ شعارَ دعمِ الاقتصادِ ثمَّ يغشُّ في الجودةِ. مسؤولٌ يتحدثُ عنِ التضحيةِ ثمَّ يوسعُ امتيازاتِهِ. إعلاميٌّ يصنعُ أعداءً وهميينَ ليحصلَ على تصفيقٍ. متنفذٌ يدعو الناسَ إلى الصبرِ بينما يعيشُ خارجَ كلفةِ القراراتِ. هذهِ الصورُ ليستْ حوادثَ فرديةً فقط، بلْ علاماتٌ على لحظةٍ تتحولُ فيها الوطنيةُ منْ قيمةٍ إلى مهنةٍ، ومنِ انتماءٍ إلى رخصةٍ، ومنْ واجبٍ إلى وسيلةٍ للربحِ.
وفي مقابلِ ذلكَ، هناكَ وطنيةٌ صامتةٌ لا تجدُ غالبًا منْ يصفقُ لها؛ طبيبٌ يؤدي واجبَهُ في نظامٍ مرهقٍ، معلمٌ يبني عقولًا رغمَ ضعفِ الإمكاناتِ، عاملٌ يتقنُ عملَهُ دونَ كاميرا، قاضٍ يعدلُ ولوْ ضغطتْ عليهِ الريحُ، موظفٌ يرفضُ الرشوةَ، مواطنٌ يحترمُ الطريقَ، شابٌ يبدأُ مشروعًا نافعًا، امرأةٌ تربي أبناءَها على الصدقِ والمسؤوليةِ، كاتبٌ يقولُ الحقيقةَ دونَ أن يحولَها إلى فوضى، ناقدٌ يجرحُ الخطأَ لا ليهدمَ بلْ ليمنعَ الانهيارَ. هؤلاءِ همُ الذينَ يحملونَ الوطنَ على أكتافِهِمْ، لا أولئكَ الذينَ يحملونَهُ على ألسنتِهِمْ فقط.
لذلكَ، حينَ تصبحُ الوطنيةُ سلعةً، لا يكونُ الخطرُ في فسادِ السياسةِ وحدَها، بلْ في فسادِ الوجدانِ العامِّ. لأنَّ الناسَ إذا اعتادوا شراءَ المعاني وبيعَها، فقدوا القدرةَ على تمييزِ الصادقِ منَ المزيفِ. يصبحُ كلُّ شيءٍ قابلًا للتسعيرِ؛ الولاءُ، الغضبُ، الخوفُ، التضحيةُ، الذاكرةُ، حتى دموعُ الجماعةِ. وعندئذٍ لا يعودُ الوطنُ بيتًا معنويًا مشتركًا، بلْ سوقًا مفتوحةً للمزايدينَ. كلُّ فريقٍ يرفعُ صوتَهُ أكثرَ ليحتكرَ المعنى، وكلُّ صاحبِ مصلحةٍ يشتري منَ العاطفةِ ما يغطي بهِ نقصَ الحجةِ. وهكذا يضيعُ الوطنُ لا لأنَّ الناسَ لا يحبونَهُ، بلْ لأنَّ حبَّهُمْ لهُ اختُطِفَ، وسُوِّقَ، واستُعمِلَ ضدَّ وعيِهِمْ.
إنَّ الخروجَ منْ هذهِ المتاهةِ لا يكونُ بتبريدِ العاطفةِ الوطنيةِ أو السخريةِ منَ الانتماءِ، بلْ بتطهيرِ الوطنيةِ منَ التجارةِ. نحتاجُ إلى وطنيةٍ راشدةٍ لا تخجلُ منَ الحبِّ، لكنَّها ترفضُ أن يكونَ الحبُّ بديلًا عنِ العدلِ. وطنيةٌ تعرفُ قيمةَ الرمزِ، لكنَّها لا تسمحُ للرمزِ أن يغطيَ على الإنسانِ. وطنيةٌ تؤمنُ بالتضحيةِ، لكنَّها تسألُ عنْ عدالتِها وجدواها ومنْ يتحملُها. وطنيةٌ تحمي المجتمعَ منْ أعدائِهِ، لكنَّها لا تصنعُ أعداءً منْ أبنائهِ لمجردِ أنَّهُمْ يسألونَ. وطنيةٌ تفهمُ أنَّ الانتماءَ لا يعني إغلاقَ العقلِ، وأنَّ المسؤوليةَ لا تعني إسكاتَ الضميرِ، وأنَّ الوحدةَ لا تعني دفنَ الاختلافِ، وأنَّ الكبرياءَ الوطنيَّ لا يبررُ إنكارَ الأخطاءِ.
بهذهِ الوطنيةِ وحدَها يمكنُ للمجتمعِ أن ينجو منْ تجارِ المشاعرِ. فهيَ تنقلُ الانتماءَ منَ الانفعالِ إلى الوعيِ، ومنَ الهتافِ إلى العملِ، ومنَ الخوفِ إلى الثقةِ، ومنَ التخوينِ إلى الحوارِ، ومنَ السوقِ إلى الأخلاقِ. وتعيدُ للناسِ حقَّهُمْ في أن يحبّوا أوطانَهُمْ بلا أن يُستعمَلَ حبُّهُمْ ضدَّهُمْ، وأن يضحّوا حينَ تستحقُّ التضحيةُ بلا أن تكونَ التضحيةُ غطاءً لامتيازاتِ غيرِهِمْ، وأن يغضبوا للوطنِ لا أن يُدَارَ غضبُهُمْ لمصلحةِ منْ يتقنونَ صناعةَ الأعداءِ.
“الوطنيةُ الحقيقيةُ لا تحتاجُ إلى ضجيجٍ دائمٍ؛ تظهرُ في احترامِ القانونِ، وفي نظافةِ الإدارةِ، وفي عدالةِ القضاءِ، وفي جودةِ التعليمِ، وفي أمانِ الشوارعِ، وفي صيانةِ المالِ العامِّ، وفي ألا يُستخدَمَ حُبُّ الناسِ لأوطانِهم ضدَّ وعيِهم.”
وفي النهايةِ، فإنَّ الوطنيةَ لا تموتُ حينَ تُنتقَدُ، بلْ تموتُ حينَ تُبَاعُ. لا تضعفُ حينَ تُسْأَلُ، بلْ تضعفُ حينَ تُستعمَلُ لمنعِ السؤالِ. لا تُهَانُ حينَ يكشفُ المواطنُ خللًا، بلْ تُهَانُ حينَ يُطْلَبُ منهُ أن يرى الخللَ ويسميَهُ إنجازًا. إنَّ أنبلَ المشاعرِ الإنسانيةِ يمكنُ أن تتحولَ إلى أخطرِ أدواتِ التلاعبِ إذا انتُزِعَتْ منَ الأخلاقِ وأُلْقِيَتْ في سوقِ السياسةِ العاريةِ. ولذلكَ فالدفاعُ الحقيقيُّ عنِ الوطنيةِ يبدأُ منْ تحريرِها منَ المزايدينَ عليها، ورَدِّها إلى أصلِها؛ انتماءٌ مسؤولٌ، وعملٌ صادقٌ، ووفاءٌ للإنسانِ، وحرصٌ على العدلِ، ومشاركةٌ في بناءِ مجتمعٍ يليقُ بأنْ يُحَبَّ.
وحينَ تستردُّ الوطنيةُ هذا المعنى، لا تعودُ سلعةً في يدِ المتاجرينَ، ولا سوطًا في يدِ المخوِّنينَ، ولا قناعًا على وجهِ الفسادِ، بلْ تصبحُ طاقةَ بناءٍ هادئةً وعميقةً؛ لا تحتاجُ إلى صخبٍ كي تثبتَ نفسَها، ولا إلى عدوٍّ دائمٍ كي تشعرَ بوجودِها، ولا إلى شعاراتٍ متضخمةٍ كي تخفيَ فراغَها. تصبحُ الوطنيةُ عندئذٍ كالشجرةِ العريقةِ؛ جذورُها في الذاكرةِ، وظلُّها للناسِ، وثمرُها عملٌ وعدلٌ وكرامةٌ. أما ما عدا ذلكَ منْ صراخِ الأسواقِ، فليسَ وطنيةً بلْ تجارةً بعطرِ الوطنِ في زمنٍ يحتاجُ إلى منْ يزرعُ أرضَهُ لا إلى منْ يبيعُ رائحتَهُ.
