الشعر

رسالة إلى نخل العراق

اسْقِ ثَغْرَ الغَدِ مِنْ دَمْعِ المَآقِي = وَابْتَسِمْ لِلشَّمْسِ يَا نَخْلَ العِرَاقِ
وَاسْتَمِدَّ العَزْمَ عَنْقَاءَ العُلَا = مِنْ رَمَادِ الحُزْنِ قَامَتْ بِانْطِلَاقِ
لَا تَلُمْ لَيْلًا عَلَى ظُلْمَتِهِ = كُلُّ لَيْلٍ زَائِلٌ وَالنُّورُ بَاقِ
فَانْبِلَاجُ الفَجْرِ مِنْ عَيْنِ الدُّجَى = وَمَخَاضُ البَدْرِ مِنْ رَحْمِ المُحَاقِ
وَانْعِتَاقُ التِّبْرِ مِنْ إِحْرَاقِهِ = وَابْتِسَامُ الزَّهْرِ مِنْ نَزْفِ السَّوَاقِي
يَا عِرَاقَ المَجْدِ كَمْ طَالَ النَّوَى = وَاكْتَوَى الوِجْدَانُ فِي نَارِ الخَنَاقِ
كَيْفَ يَغْفُو نَابِضٌ فِي أَضْلُعِي = وَغَدٌ يَبْكِي عَلَى طَيْفِ الرِّفَاقِ
قَدْ نَزَفْنَا مِنْ جِرَاحٍ لَمْ تَزَلْ = تَسْكُبُ الآهَاتِ مِنْ كَأْسٍ دِهَاقِ
هَلْ يَعُودُ المَجْدُ يَوْمًا بَاسِمًا = وَيُغَنِّي الشِّعْرُ فِي زَهْوِ العِتَاقِ
يَا عِرَاقَ القَلْبِ يَا لَحْنَ الأَسَى = حُزْنُكَ المَبْثُوثُ كَأْسَ المُرِّ سَاقِ
أَيْنَ مِنَّا دَارُ مَجْدٍ حَلَّقَتْ = بِجَنَاحِ العِزِّ تَعْلُو كُلَّ رَاقِ
غَرَّدَتْ فِيهَا عَصَافِيرُ المُنَى = مِنْ تَرَانِيمِ ائْتِلَافٍ وَائْتِلَاقِ
وَفُرَاتُ الحُبِّ يَلْقَى دِجْلَةً = عِنْدَ ذَاكِ الشَّطِّ فِي ذَاتِ العِنَاقِ
أَيْنَ مِنَّا مَوْطِنٌ فِي دَمِهِ = نَكْهَةُ التَّارِيخِ تَسْرِي بِاعْتِبَاقِ
وَرَشِيدُ المَجْدِ فِي مَجْلِسِهِ = يَجْتَبِي العِلْمَ وَيَقْضِي بِخَلَاقِ
وَازْدَهَتْ بِالحَزْمِ فِيهِ دَوْلَةٌ = زَانَهَا الفَخْرُ وَأَعْلَاهَا التَّلَاقِي
ذُلَّ لَيْثُ الشَّرْقِ فِي صَوْلَتِهِ = يَوْمَ رَامَ العِزَّ مِنْ ذِئْبِ الشِّقَاقِ
مَنْ سَقَى الأَيَّامَ مِنْ أَتْرَاحِهَا = غَيْرُ مُرِّ الغَدْرِ مِنْ كَأْسِ النِّفَاقِ
وَانْتِهَازِيٍّ وَغِرٍّ تَمْتَمَا = إِنْ يَفُتْنَا السَّبْقُ أَدْرَكْنَا البَوَاقِي
وَيْحَ قَوْمٍ كَيْفَ يَوْمًا صَدَّقُوا = أَنَّ عِزَّ الحُرِّ فِي ذُلِّ الوَثَاقِ
وَعَلَامَ المَوْتُ أَضْحَى زَائِرًا = لِلزَّوَايَا كُلَّ يَوْمٍ فِي اشْتِيَاقِ
كُلُّ طِفْلٍ سَابِحٍ فِي دَمِهِ = كُلُّ شَيْخٍ عَظْمُهُ وَقْدُ احْتِرَاقِ
وَإِذَا الأَحْقَادُ رَانَتْ أَخْبَثَتْ = وَسَقَتْنَا مِنْ كَرِيهَاتِ المَذَاقِ
يَا عِرَاقَ الجُرْحِ فِي خَاصِرَتِي = وَدَمًا يَنْثَالُ مِنْ جُرْحِ البُرَاقِ
طَالَ شَوْقُ القَلْبِ هَلْ مِنْ عَوْدَةٍ؟ = إِنَّ حَرْقَ الشَّوْقِ مِنْ حَرِّ الفِرَاقِ
نَحْنُ قَوْمٌ نَأْلَفُ المَوْتَ إِذَا = صَاحَتِ الهَيْجَاءُ هَلْ مِنْ ذِي لِحَاقِ
مَا خَضَعْنَا لِصُرُوفٍ بَغْتَةً = بَلْ صَمَدْنَا كَالرَّوَاسِي فِي الطِّبَاقِ
يَا بِلَادًا مَجْدُهَا تَاجُ الدُّنَا = لَمْ تَضِقْ ذَرْعًا بِتَزْوِيرِ السِّيَاقِ
شَامِخَاتٌ كَالنَّخِيلِ المُرْتَجَى = سِرُّهَا يَسْرِي إِلَى أَعْلَى المَرَاقِي
مِنْ دِمَاءِ الصِّيدِ سَطَّرْنَا الهُدَى = وَقَهَرْنَا المَوْتَ فِي سُوحِ المَسَاقِ
سَوْفَ تَبْقَى غُرَّةً فِي زَمَنِي = وَشُعَاعًا لَيْسَ يُطْوَى بِالرِّبَاقِ
مِنْ إِبَاءِ الصَّخْرِ تَنْمُو زَهْرَةٌ = بِلِحَاءِ الصَّبْرِ فِي جَذْرٍ وَسَاقِ
وَمِنِ الضِّيقِ المُسَجَّى نَزْعَةٌ = لِانْعِتَاقِ الرُّوحِ فِي رَحْبِ الوِفَاقِ
فَانْتَصِبْ فَوْقَ احْتِدَامَاتِ الأَذَى = أَنْتَ أَعْلَى هِمَّةً مِمَّا تُلَاقِي
سَوْفَ يَخْبُو كُلُّ بَرْقٍ طَارِئٍ = وَبَرِيقُ المَجْدِ فِي عَيْنَيْكَ بَاقِ
وَالمَعَالِي تَجْتَلِي أَسْبَابَهَا = وَاللَّيَالِي تَبْتَلِي وَاللَّهُ وَاقِ
اسق ثغر الغد من دمع المآقي = وابتسم للشمس يا نخل العراق
واستمد العزم عنقاء العلا = من رماد الحزن قامت بانطلاق
لا تلم ليلا على ظلمته = كل ليل زائل والنور باق
فانبلاج الفجر من عين الدجى = ومخاض البدر من رحم المحاق
وانعتاق التبر من إحراقه = وابتسام الزهر من نزف السواقي
يا عراق المجد كم طال النوى = واكتوى الوجدان في نار الخناق
كيف يغفو نابض في أضلعي = وغد يبكي على طيف الرفاق
قد نزفنا من جراح لم تزل = تسكب الآهات من كأس دهاق
هل يعود المجد يوما باسما = ويغني الشعر في زهو العتاق
يا عراق القلب يا لحن الأسى = حزنك المبثوث كأس المر ساق
أين منا دار مجد حلقت = بجناح العز تعلو كل راق
غردت فيها عصافير المنى = من ترانيم ائتلاف وائتلاق
وفرات الحب يلقى دجلة = عند ذاك الشط في ذات العناق
أين منا موطن في دمه = نكهة التاريخ تسري باعتباق
ورشيد المجد في مجلسه = يجتبي العلم ويقضي بخلاق
وازدهت بالحزم فيه دولة = زانها الفخر وأعلاها التلاقي
ذل ليث الشرق في صولته = يوم رام العز من ذئب الشقاق
من سقى الأيام من أتراحها = غير مر الغدر من كأس النفاق
وانتهازي وغر تمتما = إن يفتنا السبق أدركنا البواقي
ويح قوم كيف يوما صدقوا = أن عز الحر في ذل الوثاق
وعلام الموت أضحى زائرا = للزوايا كل يوم في اشتياق
كل طفل سابح في دمه = كل شيخ عظمه وقد احتراق
وإذا الأحقاد رانت أخبثت = وسقتنا من كريهات المذاق
يا عراق الجرح في خاصرتي = ودما ينثال من جرح البراق
طال شوق القلب هل من عودة؟ = إن حرق الشوق من حر الفراق
نحن قوم نألف الموت إذا = صاحت الهيجاء هل من ذي لحاق
ما خضعنا لصروف بغتة = بل صمدنا كالرواسي في الطباق
يا بلادا مجدها تاج الدنا = لم تضق ذرعا بتزوير السياق
شامخات كالنخيل المرتجى = سرها يسري إلى أعلى المراقي
من دماء الصيد سطرنا الهدى = وقهرنا الموت في سوح المساق
سوف تبقى غرة في زمني = وشعاعا ليس يطوى بالرباق
من إباء الصخر تنمو زهرة = بلحاء الصبر في جذر وساق
ومن الضيق المسجى نزعة = لانعتاق الروح في رحب الوفاق
فانتصب فوق احتدامات الأذى = أنت أعلى همة مما تلاقي
سوف يخبو كل برق طارئ = وبريق المجد في عينيك باق
والمعالي تجتلي أسبابها = والليالي تبتلي والله واق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى