الشعر

برزخ الحفظ

إِنَاؤُكَ مِنْ قَمْحِ الفَجِيعَةِ قَدْ أَجْفَى = وَمَاؤُكَ مِنْ قرْحِ الوَجِيعَةِ قَدْ جَفَّا
وَوَجْدُكَ مِنْ رِيحِ الذَّرِيعَةِ جَمْرَةٌ = وَغَيثُكَ مِنْ رُوحِ الشَّرِيعَةِ قَدْ أَطْفَا
أَلا أَيُّهَا السَّارِي عَلَى دَرْبِ هِمَّةٍ = تَعزُّ عَلَى الشَّكْوَى وَتَفْخَرُ بِالأَكْفَا
هُوَ العَهْدُ فَانْزَعْ نَزْغَةَ السُّخْطِ بِالرِّضَا = وَرُدَّ اللَيَالِي بِالمَحَبَّةِ وَالزُّلْفَى
فَحِلْيَةُ مَنْ يَسْمُو عَلَى الغَيظِ حِلْمُهُ = وَلَيسَ شَدِيدًا مَنْ يُنَازِعُهَا العُنْفَا
وَكُلُّ إِنَاءٍ مِنْ هَوَى النَّفْسِ نَاضِحٌ = فُصُبَّ مِنَ الإِبْرِيقِ أَعْذَبَهُ رَشْفَا
عَجِبتُ مِن الأَيَّامِ مَا انْفَكَّ دَأْبُهَا = يَدُورُ عَلَى ذَاتِ الوَتِيرَةِ لا يَغْفَى
أَفِي اليَومِ مَا فِي الأَمْسِ وَالأَمْسِ فِي غَدٍ = وَمَا عَرِفَتْ إِلا الغَيَاهِبَ وَالعَصْفَا
تَدُورُ بِذَاتِ الكَأْسِ مَا بَينَ نَاقِمٍ = وَبَينَ ظُنُونٍ مَا شَقَقْنَ لَنَا جَوْفَا
كَأَنَّ العُلا لَمَّا تَسَاقَى مُدَامَتِي = سَقَى أَلْفَ نَفْسٍ مِنْ تَمَيُّزِهَا زَعْفَا
وَقَالُوا هَجَاكَ القَومُ مَا أَنْتَ فَاعِلٌ = فَقُلْتُ: سَلامًا لا أَمسُّ لَهُمْ طَرْفَا
هُمُ الصَحْبُ وَالأَحْبَابُ لا مِثْلَ صَاحِبٍ = يُعَبِّقُ أَنْفَ العَيشِ مِنْ نُصْحِهِ عَرْفَا
وَكَمْ طَائِرٍ أَقْلَى مِنَ النَّقْرِ إِلْفَهُ = فَذَابَ حَنِينًا لَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ إِلْفَا
فَإِنْ مَدَّتِ الكَفَّينِ مِنْهُمْ جِنَايَةٌ = فَمَا الفَضْلُ إِلا أَنْ أَمُدَّ لَهُمْ كَفَّا
وَإِنْ قَدَحُوا بِالصَّدِّ فِي القَدْرِ مَرَّةً = فَقَدْ مَدَحُوا بِالوُدِّ فِي قَدْرِنَا أَلْفَا
وَلِي قَلْبُ عِرْفَانٍ عَصَرْتُ شَغَافَهُ = سُلافَ وَفَاءٍ مِنْ عَلائِقِهِ صِرْفَا
تُرَاودُهُ الأَحْدَاثُ مِنْ كُلِّ مِرْيَةٍ = فَمَا مَالَ عَنْ نَهْجِ الوَقَارِ وَلا خَفَّا
إِذَا غَرِمُوا أَعْفَى وَإِنْ ظَلَمُوا عَفَا = وَإِنْ سَقِمُوا عَافَى وَإِنْ شَتَمُوا عَفَّا
وَإِنْ نَكَثُوا وَافَى وَإِنْ غَدَرُوا وَفَى = وَإنْ طَلَبُوا أَوْفَى وَإِنْ بَخَسُوا وَفَّى
مُحِيطٌ أَنَا لِلشِّعْرِ قَاعِي مُمَرَّدٌ = وَمَائِيَ مِنْ عِطْرِ الزَنابِقِ أَو أَصْفَى
وَصَيدُ مَجَالِي جَاوَزَ المَدَّ وَالمَدَى = وَبِنْتُ خَيَالِي لا يُحَاطُ بِهَا وَصْفَا
وَمَا كُنْتُ أَرْضَى الحَرْفَ إِلا نَسِيجُهُ = حَرِيرٌ بِأَحْدَاقِ الجَوَاهِرِ قَدْ حُفَّا
أُغَنِّي؛ وَمَا فِي النَّايِ إِلا حُشَاشَتِي = تَرَانِيمَ قَلْبٍ لا أَكِلُّ بِهِ عَزْفَا
بِشِعْرٍ سَرَى فِي الصَّدْرِ كَالبَدْرِ فِي الدُّجَى = يُلامِسُ فِي الوجْدَانِ بِالنُّورِ مَا اسْتَخْفَى
وَفِكْرٍ جَرَى فِي الدَّهْرِ كَالنَّهْرِ فِي الحِجَا = يُطِيبُ لأَهْلِ الرَّأْيِ مِنْ نَبْعِهِ الغَرْفَا
فَكَيفَ يُنِيبُ العَبْدَ مَنْ كَانَ سَيِّدًا = وَكَيفَ يَسُومُ النِّصْفَ مَنْ يَمْلكُ الضِّعْفَا
وَلَو كُنْتُ مَخْبُولا لَمَا كُنْتُ جِئْتُهَا = فَكَيفَ وَقَدْ كُنْتُ الحَكِيمَ الذِي يُقْفَى
وَلَكِنْ دَهَانِي بَرْزَخُ الحِفْظِ للِأُلَى = وَإِبْدَاعِ بَحْرِي الذِّي مَرَجَ الرَّصْفَا
أَمَا اخْتَلَطَتْ بِيضُ اللآلِي وَسُودُهَا؟ = فَكَيفَ جَرَتْ فِي السِّلْكِ وَانْتَظَمَتْ صَفًّا؟
إِذَا دَارَ قَصْدُ المَرْءِ دَارَى رَشَادهُ = وَسَاقَ دَلِيلَ العَقْلِ فِي الحُكْمِ وَاسْتَكْفَى
وَمَا كُلُّ مَا يَبْدُو مِن الأَمْرِ ظَاهِرًا = كَفِيلٌ بَأَنْ يُجْلَى الصَّوَابُ بِهِ كَشْفَا
فَمَنْ كَانَ عَفَّ القَصْدِ صَدَّقَ وَاتَّقَى = وَأَدْرَكَ أَنَّ السَّهْوَ لا يُوجِبُ القَذْفَا
وَمَنْ كَانَ ذَا حِقْدٍ عَلَى الشَّأْنِ وَالسَّنَا = تَحَرَّى الثُّرَيَّا أَنْ يُسَاوِمَهَا الخَسْفَا
يَظُنُّ بِرَجْمِ النَّجْمِ بِالوَجْمِ شُهْرَةً = وَيَحْسَبُ أَنَّ الشَّأْفَ فِي صَدْرِهِ يَشْفَى
عَلَى ذِرْوَةِ العَلْيَاءِ شَيَّدْتُ مَعْقِلًا = يُفِيضُ عَلَى أَهْلِ الحَقِيقَةِ مَا أَضْفَى
نَسَجْتُ لِدِيبَاجَ القَوَافِي فَخَامَةً = لِيَبْقَى عَلَى الآمَادِ يَسْتَأْثِرُ الحَرْفَا
وَصُنْتُ ذِمَامَ الحَرْفِ عَنْ كُلِّ مَارِقٍ = وَأَقْضِي بِحُكْمِ اللَّهِ وَالمَنْطِقِ العُرْفَا
تَرَى الخَائِنَ المَجْفُوَّ يَحْسَبُ أَنَّهُ = يَنَالُ مَقَامَ الصِّيدِ أَوْ يَرْفَعُ الأَنْفَا
يَظُنُّ وَضِيعُ النَّفْسِ أَنَّ مَقَامَهُ = يَنَالُ الثُّرَيَّا حِينَ يَسْتَمْرِئُ السُّخْفَا
إِذَا صَدَقَتْ نَفْسُ الأَبِيِّ لِصَاحِبٍ = فَلَا يَرْتَجِي مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ الخَلْفَا
وَمَنْ جَعَلَ الإِنْصَافَ فِي الغَيْبِ دِينَهُ = فَقَدْ بَلَغَ المَعْنَى الأَجَلَّ وَقَدْ أَوْفَى
وَيَجْنِي أَبِيُّ النَّفْسِ شَهْدَ عَقِيدَةٍ = وَيَبْقَى جَهُولُ القَوْمِ لَا يَعْرِفُ القَطْفَا
أَرَانِي كَأَنَّ اللهَ بِالخَيرِ خَصَّنِي = فَقَيَّضَ لِي الحُسَّادَ تَخْدِمُنِي عَكْفَا
كَسَونِي كِرَامَ القَومِ تَسْخُو بِفَضْلِهَا = وَعَرَّوا لَئِيمَ النَّفْسِ يُبْدِي الذِي أَخْفَى
فَمَا نَصَرُوا شَخْصًا وَلَكِنْ مَبَادِئًا = وَمَا بَصَرُوا نَصَّا وَلَكِنْ رَأَوْا نَزْفَا
وَلِلْحَقِّ أَقْوَامٌ إِذَا الصِّدْقُ أَظْلَمَتْ = مَسَالِكُهُ كَانُوا لِمِشْكَاتِهِ السَّقْفَا
وَإِنِّي أَمُدُّ الكَفَّ للهِ سَاجِدًا = بِشُكْرٍ وَقَدْ أَهْدَى الكِرَامَ لَنَا رَدْفَا
فَإِنْ نَفَحَتْ رِيحُ الحَسُودِ بِغِلِّهَا = فَقَدْ جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ بِالحَقِّ إِذْ كَفَّى
وَإِنْ سَكَبَتْ سُحْبُ الزَّمَانِ هُمُومَهَا = فَإِنَّ يَقِينَ الحُرِّ يَسْتَمْطِرُ الوَطْفَا
سَتَعْلُو شُمُوسُ النُّورِ فِي وَاحَةِ العُلا = وَيَسْرِي دُعَاةُ الخَيرِ فِي ظِلِّهَا حِلْفَا
وَمَا ضَرَّ نُوحًا أَنْ تَمُوجَ سَفِينَةٌ = إِذَا كَانَ فِي الجُودِيِّ بِالحَقِّ مَا يَلْفَى
وَمَنْ كَانَ رَبُّ النَّاسِ فِيهِمْ حَسِيبَهُ = فَلَنْ يُزْدَرَى فِي القَدْرِ يَومًا وَلَنْ يُنْفَى
إناؤك من قمح الفجيعة قد أجفى = وماؤك من قرح الوجيعة قد جفا
ووجدك من ريح الذريعة جمرة = وغيثك من روح الشريعة قد أطفا
ألا أيها الساري على درب همة = تعز على الشكوى وتفخر بالأكفا
هو العهد فانزع نزغة السخط بالرضا = ورد الليالي بالمحبة والزلفى
فحلية من يسمو على الغيظ حلمه = وليس شديدا من ينازعها العنفا
وكل إناء من هوى النفس ناضح = فصب من الإبريق أعذبه رشفا
عجبت من الأيام ما انفك دأبها = يدور على ذات الوتيرة لا يغفى
أفي اليوم ما في الأمس والأمس في غد = وما عرفت إلا الغياهب والعصفا
تدور بذات الكأس ما بين ناقم = وبين ظنون ما شققن لنا جوفا
كأن العلا لما تساقى مدامتي = سقى ألف نفس من تميزها زعفا
وقالوا هجاك القوم ما أنت فاعل = فقلت: سلاما لا أمس لهم طرفا
هم الصحب والأحباب لا مثل صاحب = يعبق أنف العيش من نصحه عرفا
وكم طائر أقلى من النقر إلفه = فذاب حنينا لم يجد عنده إلفا
فإن مدت الكفين منهم جناية = فما الفضل إلا أن أمد لهم كفا
وإن قدحوا بالصد في القدر مرة = فقد مدحوا بالود في قدرنا ألفا
ولي قلب عرفان عصرت شغافه = سلاف وفاء من علائقه صرفا
تراوده الأحداث من كل مرية = فما مال عن نهج الوقار ولا خفا
إذا غرموا أعفى وإن ظلموا عفا = وإن سقموا عافى وإن شتموا عفا
وإن نكثوا وافى وإن غدروا وفى = وإن طلبوا أوفى وإن بخسوا وفى
محيط أنا للشعر قاعي ممرد = ومائي من عطر الزنابق أو أصفى
وصيد مجالي جاوز المد والمدى = وبنت خيالي لا يحاط بها وصفا
وما كنت أرضى الحرف إلا نسيجه = حرير بأحداق الجواهر قد حفا
أغني؛ وما في الناي إلا حشاشتي = ترانيم قلب لا أكل به عزفا
بشعر سرى في الصدر كالبدر في الدجى = يلامس في الوجدان بالنور ما استخفى
وفكر جرى في الدهر كالنهر في الحجا = يطيب لأهل الرأي من نبعه الغرفا
فكيف ينيب العبد من كان سيدا = وكيف يسوم النصف من يملك الضعفا
ولو كنت مخبولا لما كنت جئتها = فكيف وقد كنت الحكيم الذي يقفى
ولكن دهاني برزخ الحفظ للألى = وإبداع بحري الذي مرج الرصفا
أما اختلطت بيض اللآلي وسودها؟ = فكيف جرت في السلك وانتظمت صفا؟
إذا دار قصد المرء دارى رشاده = وساق دليل العقل في الحكم واستكفى
وما كل ما يبدو من الأمر ظاهرا = كفيل بأن يجلى الصواب به كشفا
فمن كان عف القصد صدق واتقى = وأدرك أن السهو لا يوجب القذفا
ومن كان ذا حقد على الشأن والسنا = تحرى الثريا أن يساومها الخسفا
يظن برجم النجم بالوجم شهرة = ويحسب أن الشأف في صدره يشفى
على ذروة العلياء شيدت معقلا = يفيض على أهل الحقيقة ما أضفى
نسجت لديباج القوافي فخامة = ليبقى على الآماد يستأثر الحرفا
وصنت ذمام الحرف عن كل مارق = وأقضي بحكم الله والمنطق العرفا
ترى الخائن المجفو يحسب أنه = ينال مقام الصيد أو يرفع الأنفا
يظن وضيع النفس أن مقامه = ينال الثريا حين يستمرئ السخفا
إذا صدقت نفس الأبي لصاحب = فلا يرتجي من بعد ميثاقه الخلفا
ومن جعل الإنصاف في الغيب دينه = فقد بلغ المعنى الأجل وقد أوفى
ويجني أبي النفس شهد عقيدة = ويبقى جهول القوم لا يعرف القطفا
أراني كأن الله بالخير خصني = فقيض لي الحساد تخدمني عكفا
كسوني كرام القوم تسخو بفضلها = وعروا لئيم النفس يبدي الذي أخفى
فما نصروا شخصا ولكن مبادئا = وما بصروا نصا ولكن رأوا نزفا
وللحق أقوام إذا الصدق أظلمت = مسالكه كانوا لمشكاته السقفا
وإني أمد الكف لله ساجدا = بشكر وقد أهدى الكرام لنا ردفا
فإن نفحت ريح الحسود بغلها = فقد جاء نصر الله بالحق إذ كفى
وإن سكبت سحب الزمان همومها = فإن يقين الحر يستمطر الوطفا
ستعلو شموس النور في واحة العلا = ويسري دعاة الخير في ظلها حلفا
وما ضر نوحا أن تموج سفينة = إذا كان في الجودي بالحق ما يلفى
ومن كان رب الناس فيهم حسيبه = فلن يزدرى في القدر يوما ولن ينفى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى