مَتَى مَا اِسْتَأْذَنَتْ ذِكْرَاكِ أَرْوِقَةَ الخَاطِرِ، وَمَا لَهَا عَنْ حِمَى الرُّوحِ نُزُوعٌ أَوْ مَغِيبٌ، اِسْتَشْعَرْتُ فِي جَنَبَاتِ مُهْجَتِي وَقَارًا تَنُوءُ بِهَا كَوَاهِلُ المُلُوكِ العِظَامِ، وَتَرْتَجِفُ لَهَا أَفْئِدَةُ العُشَّاقِ المُتَيَّمِينَ؛ ذَلِكَ أَنَّني كُلَّمَا نَاجَيْتُ طَيْفَكِ، تَعَالَتْ فِي أَعْمَاقِي رَعْشَةٌ قُدُسِيَّةٌ، لَا يَمْلِكُ مَقَالِيدَهَا إِلَّا يَدٌ بَصِيرَةٌ بِمَوَاضِعِ النَّبْضِ، تَعْرِفُ كَيْفَ تَرُجُّ القَلْبَ لِيَسْتَفِيقَ عَلَى ذَاتِهِ. إِنَّ ذِكْرَاكِ وَحْدَهَا هِيَ القَبَسُ الَّذِي يَبْعَثُ فِي رَمَادِ النَّفْسِ جَذْوَةَ الحَيَاةِ الأُولَى، وَتَسْكُبُ فِي شَرَايِينِي دِفْئًا يَنْسَلُّ كَوَمِيضٍ سَمَاوِيٍّ يَخْتَرِقُ حُجُبَ الظَّلَامِ، لِيُضِيءَ أَقْصَى مَعَالِمِ الجَمَالِ فِي حَضْرَةِ الصَّمْتِ الهَائِمِ، أَمَامَ صُرُوحِ الأَمَلِ الوَاجِمِ المُرْتَحِلِ بَيْنَ مَرَافِئِ الحَقِيقَةِ وَمَتَاهَاتِ الخَيَالِ.
وَمَا النَّوَى وَالغِيَابُ إِلَّا وَجَعٌ صَامِتُ الزَّفَرَاتِ، نَافِذٌ فِي الصَّمِيمِ؛ يَلِجُ صَدْرِي كَمَا يَتَسَلَّلُ اللَّيْلُ البَهِيمُ مِنْ شُقُوقِ نَافِذَةٍ عَتِيقَةٍ أَعْيَاهَا الاِنتِظَارُ فَلَمْ تُوصَدْ. هُنَاكَ، لَا يَجِدُ القَلْبُ مَلَاذًا لِلشَّكْوَى وَلَا دِرْعًا لِلتَّقْوَى، بَلْ يَسْتَفِزُّ فِي كَيَانِي كُلَّ جُمُوحٍ لِلدُّنُوِّ مِنْكِ. إِنَّكِ حِينَ تَنْأَيْنَ، يَرْتَدِي الكَوْنُ مِنْ حَوْلِي حِدَادَ السُّكُونِ الصَّاخِبِ، وَتَفْقِدُ المَعَانِي بَهَاءَهَا الفِطْرِيَّ؛ فَيَبْدُو الضَّوْءُ كَلِيلًا بَاهِتًا، وَيَغْدُو الهَوَاءُ عِبْئًا ثَقِيلًا يُحَاصِرُ الأَنْفَاسَ. غِيَابُكِ وَجَعٌ ذُو نَبْضٍ مُتَفَرِّدٍ مُتَمَرِّدٍ، يَمُرُّ فِي حَنَايَا صَدْرِي كَمَا تَمُرُّ الرِّيحُ فِي مَسَامِ بَيْتٍ أَعْيَاهُ اِنتِظَارُ أَهْلِهِ؛ لَا تَهْدِمُ جُدْرَانَهُ، لَكِنَّهَا تَبُثُّ فِيهِ قَشْعَرِيرَةً لَا تَعْرِفُ الدِّفْءَ، وَصَرِيرًا لَا يَأْنَسُ بِالهُدُوءِ. تَصِيرُ اللَّحَظَاتُ بَعْدَكِ وِئِيدَةَ الخُطَى، مُثْقَلَةً بِأَصْفَادِ التَّمَلُّلِ، كَأَنَّ الزَّمَانَ نَفْسَهُ قَدْ دَبَّ فِيهِ الذُّعْرُ فَمَا عَادَ يَقْدِرُ عَلَى المَسِيرِ، وَتَغْدُو كُلُّ دَقِيقَةٍ دُونَكِ كَقَطْرَةِ نَدًى تَدَلَّتْ عَلَى شَفِيرِ التَّلَاشِي؛ مُعَلَّقَةً بَيْنَ وُجُودٍ وَعَدَمٍ، لَا هِيَ تَهْوِي فَتَسْتَرِيحَ، وَلَا هِيَ تَقَرُّ فَتَسْتَقِيمَ، إِنَّمَا تُؤِزُّ الرُّوحَ أَزًّا وَهِيَ تَرْقُبُ المُنْتَهَى. وَإِنِّي، وَرَبِّ الصَّبَابَةِ، لَا أَدْفَعُ هَذَا الضَّنَى النَّبِيلَ، بَلْ أَضُمُّهُ إِلَيَّ كَمَا يَحْتَضِنُ الغَرِيقُ طَيْفَ النَّجَاةِ؛ فَهُوَ الشَّاهِدُ العَدْلُ عَلَى سَحِيقِ الشَّوْقِ، وَالبُرْهَانُ الأَسْمَى عَلَى أَنَّ حُضُورَكِ لَيْسَ عَرَضًا زَائِلًا، بَلْ هُوَ ضَرُورَةٌ وُجُودِيَّةٌ كَأَنْفَاسِ البَقَاءِ.
وَمَا الشَّوْقُ إِلَيْكِ مُجَرَّدُ خَاطِرٍ يَمُرُّ كَمَا يَمُرُّ السَّحَابُ، بَلْ هُوَ جُرْحٌ سَمَاوِيٌّ يَتَفَتَّقُ كُلَّمَا نَأَتْ بِكِ المَسَافَاتُ، حَتَّى لَتَغْدُو تِلْكَ المَسَافَاتُ نَفْسُهَا مِشْرَطًا خَفِيًّا يُمَزِّقُ نِيَاطَ الفُؤَادِ، وَيَمُدُّ أَطْيَافَ الصَّبَابَةِ بِمَا يَلِيقُ بِجَلَالِ هَذَا العِشْقِ. فَيَا لَشِدَّةِ هَذَا الشَّوْقِ الَّذِي اِسْتَبَدَّ بِي! حَتَّى لَيُخَيَّلُ إِلَيَّ أَنَّ كُلَّ خَفْقَةٍ فِي صَدْرِي هِيَ نِدَاءٌ بِاسْمِكِ، وَكُلَّ نَبْضَةٍ هِيَ ذِكْرٌ لَكِ. وَإِذَا مَا هَجَمَ عَلَيَّ كَمَوْجَةٍ طَاغِيَةٍ تَرْتَقِي بِلَا نَذِيرٍ، حَمَلَنِي إِلَى مَرَافِئِ ذِكْرَاكِ؛ حَيْثُ خَطَتْ قَدَمَاكِ، وَحَيْثُ ضَحِكَتْ لِي عَيْنَاكِ، فَتَتَّسِعُ فِي دَاخِلِي مَسَاحَاتٌ بَيْضَاءُ شَاسِعَةٌ، لَا يَمْلَؤُهَا إِلَّا طَيْفُكِ المَلَائِكِيُّ. أَشْتَاقُ إِلَيْكِ شَوْقًا لَاهِبًا يَقْتَاتُ عَلَى المَسَافَاتِ كَمَا تَقْتَاتُ النَّارُ عَلَى الهَشِيمِ، حَتَّى كَادَ الشَّوْقُ يَسْتَحِيلُ لُغَةً قَائِمَةً بِذَاتِهَا؛ لُغَةً لَا تُنْطَقُ بَلْ تُحَسُّ، وَلَا تُخَطُّ بَلْ تُنْزَفُ. أَشْتَاقُ إِلَيْكِ لِأَنَّكِ الزَّمَنُ الَّذِي أَبْتَهِلُ لِكَيْ لَا يَمْضِيَ، وَالحُضُورُ الَّذِي يَرُدُّ لِي نَفْسِي المَغْتَرِبَةَ، فَبِدُونِكِ يَبْدُو العَالَمُ مَسْخًا نَاقِصًا، بَاهِتَ الأَلْوَانِ، يَمِيلُ إِلَى الوَحْشَةِ وَالجُمُودِ. أَشْتَاقُ إِلَيْكِ شَوْقَ اللَّيْلِ لِانْبِلَاجِ الفَجْرِ بَعْدَ سَرْمَدٍ مُظْلِمٍ، وَشَوْقَ غَرِيبٍ يَعْرِفُ أَنَّ رُوحَهُ لَا يَكْتَمِلُ نِصَابُهَا إِلَّا بِالدُّنُوِّ مِنْكِ. أُرِيدُكِ قَرِيبَةً، لَا لِتَسُدِّي فَرَاغًا مَكَانِيًّا، بَل *لِتُعِيدِي لِي كَيَانِي؛ فَصَوْتُكِ يَمُدُّ جُسُورَ السَّكِينَةِ فَوْقَ ضَجِيجِي، وَلَمْسَتُكِ تُصَيِّرُ الوُجُودَ أَكْثَرَ اِحْتِمَالًا وَاكْتِمَالًا. أَنْتِ الجَوْهَرُ لَا الزِّينَةُ، وَالمِحْوَرُ لَا الهَامِشُ، وَالحُلْمُ الَّذِي تَدُورُ حَوْلَ فَلَكِهِ المَجَرَّاتُ.
أُحِبُّكِ حُبًّا يَتَجَدَّدُ مَعَ كُلِّ ذَرَّةِ ضَوْءٍ، وَيَتَمَدَّدُ بِلَا اِنتِهَاءٍ، كَأَنَّهُ نُورٌ يَنْسَلُّ مِنْ نَجْمٍ مُتَيَّمٍ فِي فَلَكٍ سَحِيقٍ. أُحِبُّكِ كَأَنَّ العَالَمَ قَدْ نُفِثَتْ فِيهِ الرُّوحُ لِتَوِّهِ، وَكَأَنَّكِ أَوَّلُ أُنْثَى يَكْتَشِفُهَا نَبْضُ بَشَرٍ. أُحِبُّكِ لِأَنَّكِ وَحْدَكِ مَنْ تَفتَحِينَ فِي مَلَكُوتِ رُوحِي بَابًا لَمْ يَطْرُقْهُ أَحَدٌ سِوَاكِ؛ بَابًا تَنْهَمِرُ مِنْهُ شَلَّالَاتُ الأَمَلِ وَيَفِيضُ مِنْهُ السَّلَامُ. حُبِّي لَكِ لَا تَحُدُّهُ تَضَارِيسُ الأَرْضِ، وَلَا تَحْكُمُهُ نَوَامِيسُ البَشَرِ. وَإِنْ ظَنَنْتِ أَنَّكِ بَلَغْتِ ذُرْوَةَ وَجْدِكِ بِي، فَاعْلَمِي أَنَّ ذُرْوَتَكِ لَيْسَتْ إِلَّا عَتَبَةً أُولَى فِي مَدَى مَا أَجِدُ؛ فَإِنَّ قَلْبِي يَتَّسِعُ حَتَّى صَارَ بِمَدَى المَجَرَّاتِ، فَضَاءً خَالِصًا لَا شَمْسَ فِيهِ تُشْرِقُ إِلَّا مِنْ وَجْهِكِ، وَلَا مَدَارَ تَدُورُ فِيهِ الرُّوحُ إِلَّا حِيَالُكِ. أُحِبُّكِ كُلَّ يَوْمٍ كَأَنَّهُ المِيثَاقُ الأَوَّلُ، وَكَأَنَّكِ تَشَكَّلْتِ مِنْ جَوْهَرِ نِسَاءِ الكَوْنِ جَمِيعًا، وَمِنْ نُورٍ لَا يَبْصُرُهُ إِلَّا مَنْ كُتِبَ لَهُ العِشْقُ الأَزَلِيُّ. وَإِنَّهُ لَيَعِزُّ عَلَيَّ أَنْ تَسْمَحِي لِغَيَاهِبِ الظُّنُونِ أَنْ تُلْقِيَ بِظِلَالِهَا عَلَى مِرْآةِ قَلْبِكِ، وَيَشْتَدُّ بِيَ الإِيلَامُ حِينَ تَرْكَنِينَ لِهَوَاجِسِ النَّفْسِ قَبْلَ أَنْ تَمْنَحِينِي حَقَّ البَيَانِ، وَقَبْلَ أَنْ أُزِيحَ عَنْ صَفْوِكِ مَا كَدَّرَتْهُ الأَوْهَامُ.
جَمَالُكِ لَيْسَ صُدْفَةً عَرَضِيَّةً، بَل *هُوَ حَدَثٌ كَوْنِيٌّ جَلَلٌ؛ فِيهِ سَكِينَةُ الفَجْرِ الغَابِرِ، وَهَيْبَةُ النُّورِ البِكْرِ. لَمَسَاتُكِ تَمْلِكُ رِقَّةَ الغَمَامِ حِينَ يَلْثِمُ الصَّخْرَ الصَّقِيلَ، وَنَسِيمًا يُعِيدُ صِيَاغَةَ العُمْرِ، وَيُطْفِئُ لَهِيبَ التَّعَبِ العَتِيقِ؛ رِقَّةَ حُلُمٍ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى إِخْمَادِ عَوَاصِفِ الرُّوحِ. فِي طَبِيعَتِكِ الصَّافِيَةِ، حِينَ تَتَجَلَّيْنَ بِذَاتِكِ دُونَ تَكَلُّفٍ أَوْ تَصَنُّعٍ، تَبْلُغِينَ مَقَامًا تَعْجِزُ عَنْهُ حِسَانُ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، وَأَرْتَقِي أَنَا بِجِوَارِكِ كَأَنَّنِي الرَّجُلُ الَّذِي اِصْطَفَاهُ القَدَرُ لِيَشْهَدَ مَرَاسِمَ اِكْتِمَالِ الوُجُودِ.
أُحِبُّ فِيكِ تِلْكَ الأُنُوثَةَ الضَّارِبَةَ فِي عُمْقِكِ، لَا تِلْكَ الَّتِي تُسْتَعَارُ مِنْ زِينَةٍ أَوْ تُرْتَهَنُ لِمَظْهَرٍ؛ بَل *هِيَ إِشْرَاقٌ لَدُنِيٌّ يَنْسَكِبُ عَلَى الوُجُودِ، فَيَجْعَلُ العَالَمَ أَخَفَّ، وَالزَّمَانَ أَلْيَنَ، وَالنَّفْسَ أَقْدَرَ عَلَى الاِحْتِمَالِ. أُنُوثَتُكِ عِيدٌ لِلحَيَاةِ، تَجْعَلُ الوُجُودَ أَكْثَرَ بَهَاءً، وَتَصِيرُ بِي فِي حَضْرَةِ جَمَالِكِ رَجُلًا أَقْرَبَ إِلَى نَقَاءِ الأُسْطُورَةِ مِنْهُ إِلَى كَدَرِ الوَاقِعِ. بِكِ وَمَعَكِ، أَدْرَكْتُ أَنَّ السَّعَادَةَ لَيْسَتْ لَحْظَةً تُرْتَهَنُ، بَل *هِيَ وَطَنٌ يَسْتَقِرُّ فِي الحَنَايَا وَيَمْتَدُّ فِيهِ الخُلُودُ.
وَحِينَ أَخُطُّ إِلَيْكِ كَلِمَاتِي، أُوقِنُ أَنَّ لُغَاتِ العَالَمِ قَاصِرَةٌ عَنِ اِحْتِوَاءِ مَا أُكِنُّهُ، وَمَعَ ذَلِكَ أَمُدُّ حُرُوفِي كَجِسْرٍ نُورَانِيٍّ فَوْقَ هَاوِيَةٍ لَا قَرَارَ لَهَا. أَكْتُبُ إِلَيْكِ مِنْ قَلْبٍ يَتَلَظَّى وَيَضْطَرِبُ، لَا يَعْرِفُ لِلسَّكِينَةِ طَعْمًا إِلَّا بِرُؤْيَاكِ، وَلَا يَعْرِفُ اللَّيْلَ إِلَّا بِقَدْرِ مَا يُذَكِّرُهُ بِيُمْنِ لِقَاكِ. أَمُدُّ هَذِهِ الكَلِمَاتِ كَمَا تَمُدُّ الرُّوحُ يَدَهَا لِتَلْمِسَ طَيْفًا تَعْرِفُ أَنَّهُ مُسْتَقَرُّهَا، وَإِنْ حَالَ بَيْنَهُمَا الغِيَابُ. لَوْ صَمَتَتْ أَلْسِنَةُ البَشَرِ جَمِيعًا، لَبَقِيَ فِي أَعْمَاقِي صَوْتٌ لَا يَتَرَدَّدُ إِلَّا لَكِ؛ صَوْتٌ هُوَ اِعْتِرَافٌ سِرِّيٌّ مُقَدَّسٌ: إِنَّكِ قَدَرِي الأَجْمَلُ، وَإِنَّنِي مَهْمَا نَأَيْتُ أَوْ طَالَ بِيَ المَسِيرُ، سَأَعُودُ إِلَيْكِ كَمَا يَعُودُ المَوْجُ لِشَاطِئِهِ الأَوَّلِ، لَا يَبْتَغِي عَنْهُ مَصْرِفًا وَلَا يَجِدُ سِوَاهُ مَوْطِنًا.
وَفِي رِحْلَةِ الحَنِينِ المُؤَجَّجِ بِالتَّفَلُّتِ وَالتَّلَفُّتِ، وَبِالتَّقَلُّبِ وَالتَّقَبُّلِ، يَنْبُتُ عَلَى شُرْفَةِ وَحْدَتِي سُؤَالٌ غَارِقٌ فِي تَنَاقُضِ الأَقْوَالِ، وَتَهْمِسُ لِي سُخْرِيَةُ الخَاطِرِ: وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا أَيُّهَا المَسْكُونُ بِالوَجْدِ المُسَافِرِ؟ فَأُجِيبُ بِيَقِينِ المَحْزُونِ: هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ بِهَا عَلَى أَمَلِ القَبُولِ، وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى أَلَمِ الذُّبُولِ، وَلَيْسَ لِي فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى سِوَى أَنْ أَبْقَى بِكِ وَلَكِ. هَاكِ حَقِيقَةً لَا تَقْبَلُ التَّبْدِيلَ: إِنَّكِ وَحْدَكِ نَبْضُ هَذَا الفُؤَادِ الَّذِي بِهِ يَمِيسُ، وَإِنَّ حُبِّي لَكِ مَدًى لَا يَعْرِفُ الاِنْتِهَاءَ، وَشَوْقِي لَيْسَ حَالَةً طَارِئَةً، بَل *هُوَ جِبِلَّةُ الرُّوحِ مُنْذُ عَرَفْتُكِ. اِمْتِنَانِي لِوُجُودِكِ يَمْتَدُّ كَشُعَاعِ أَصِيلٍ دَافِئٍ فِي عَشِيَّةٍ رَبِيعِيَّةٍ، وَفَرَحِي بِكِ يُجَاوِزُ مَدَى الكَلِمِ؛ فَلَوْ جُمِعَتْ قَوَامِيسُ القُرُونِ لَمَا بَلَغَتْ شَطْرَ مَا أَجِدُهُ نَحْوَكِ. وَإِلَى آخِرِ رَمَقٍ فِي هَذَا العُمْرِ، سَأَظَلُّ أُحِبُّكِ، وَأَكْتُبُكِ كَمَا لَوْ أَنَّكِ الحِكَايَةُ الَّتِي اِسْتَفْتَحَ بِهَا الكَوْنُ سِفْرَهُ، وَالَّتِي لَنْ تَنْتَهِيَ وَإِنْ هُوَ قَبْلَ ذَلِكَ اِنْتَهَى.
