الفكرمناهج وعقائدمنطق وتأصيل

ثقافة المصطلحات وأثرها في تشكيل المفاهيم

نحو وعي نقدي باللغة والهوية وتحذير من مآلات الاستهانة بسلطة المصطلح

ليست الكلمة في بدء تخلقها مجرد نبرة صوتية تعبر الفضاء، ولا هي ظل عابر لمعنى سابق عليها، بل هي نفخة من روح المعنى في جسد المادة، وجسر خفي بين الذات الرائية والعالم المرئي. فالإنسان حين يسمي الأشياء لا يضع لها علامَةً خارجية فحسب، بل يمنحها وجودها الذهني، ويحدد موقعها من خارطة وجدانه، ويرسم لها منزلة في سلم القبول والرفض، والمهابة والاستخفاف، والقداسة والابتذال. ومن هنا لم تكن اللغة يومًا أداة محايدة تمامًا، ولم يكن المصطلح مجرد خادم صغير في بلاط الفكرة، بل كان في أحيان كثيرة سيِّدًا متخفِّيًا يوجّه الفكر من وراء ستار، ويصوغ المفهوم قبل أن يظن العقل أنه اختاره.

وما من أمة خسرت قدرتها على تسمية ذاتها وأشيائها وقيمها وآلامها تسمية صادقَةً إلا خسرت وعيها قبل أن تخسر أرضها، لأن الهزيمة الأولى لا تقع دائمًا في الميدان، بل تقع حين ينتزع من الإنسان حق تسمية ما يحب وما يكره، وما يقدس وما يرفض، وما يراه حقًّا أو باطِلًا.

ولذلك فإن ثقافة المصطلحات ليست علمًا لغويًا محْضًا، ولا تمرينًا أكاديميًا باردًا، بل هي بنية سيادية ناعمة، تمارس سلطانها دون أن تعلن نفسها سلطانًا. فالمصطلح لا يفرض رأيًا مباشرًا، ولكنه يفرض الإطار الذي تُصاغ داخله الآراء. لا يمنع السؤال صراحَةً، ولكنه يحدد الأسئلة الممكنة. لا يملي الإجابة بوضوح، ولكنه يقصي بعض الإجابات قبل أن تولد، ويفتح الباب لبعضها الآخر حتى تبدو كأنها وحدها ابنة العقل والضرورة. وهنا يتجلى الاستلاب في أخطر صوره، حين لا يمنع الإنسان من الكلام، بل يمنع من امتلاك اللغة التي تمكنه من قول ما ينبغي قوله.

إن المصطلحات ليست ألفاظًا عابرة تستعمل لتسهيل التخاطب، ولا أوعية جوفاء نملؤها بما نشاء ثم نلقيها في التداول مطمئنين إلى براءتها، بل هي كائنات ثقافية مكتملة، تولد في رحم التاريخ، وتتغذى من صراع الأفكار والمصالح، ثم تكبر داخل الوعي الجمعي حتى تصير مرجعيات خفية للفهم والحكم والتقويم.

وذلك حين يستحيل المصطلح إلى قالب أخلاقي جاهِزًا يجبر الوعي على الانصباب فيه، حتى غدا “المصطلح” في يد القوى المهيمنة بمثابة الشرك اللغوي الذي يصاد به الوعي الجمعي، ويعاد من خلاله صياغة المفاهيم الكبرى بما يخدم مصالح ضيقة وتوجهات منهجية تروم السيطرة والاستلاب.

وليس كل لفظ مصطلحًا، وليس كل مصطلح مفهومًا ناضِجًا. اللفظ إشارة، أما المصطلح فهو إشارة مثقلة بتاريخ وسياق ووظيفة. واللفظ قد يدل على شيء مفرَدًا، أما المصطلح فينشئ شبكة من العلاقات، ويستدعي مرجعية، ويهرّب حكمًا، ويصنع حساسية نفسية تجاه ما يسميه. أما المفهوم فهو أعمق من المصطلح، لأنه البناء الفكري الكامن خلف اللفظ، والهيئة التي يستقر بها المعنى في العقل. وقد يستعمل الناس المصطلح نفسه وهم يتحدثون عن مفاهيم متعارضة؛ يتكلمون عن الحرية، فيقصد أحدهم كرامة الإنسان ومسؤوليته، ويقصد آخر انفلات الرغبة من كل قيد، ويتحدثون عن العقل، فيراه أحدهم نورًا للتمييز ومناطًا للتكليف، ويراه آخر خصمًا لكل ما يتجاوز الحس والمختبر، ويتحدثون عن التقدم، فيجعله بعضهم ارتقاء في العمران والخلق، ويجعله آخرون قطيعة مع كل موروث لمجرد أنه موروث.

من هنا تنشأ الفوضى العظمى في التفكير، حين نتوهم الاتفاق لأننا نستعمل الكلمات ذاتها، بينما تتنازع داخل الكلمات خرائط مختلفة للعالم. وكثير من معارك الفكر ليست معارك حقائق خالصة، بل معارك تعريف وحدود. ومن ثم فإن أول شروط التفكير الناضج ليس كثرة المصطلحات، بل تحريرها من الغبش، وردها إلى أصولها، واختبار ما تحمله من افتراضات كامنة. فالمصطلح غير المحدد كالسكين في يد طفل، يلمع ولا يعرف أين يقع.

وللمصطلح سلطة لا تصرخ، لكنها تنفذ. إنه لا يقول للإنسان صراحَةً فكر بهذه الطريقة، ولكنه يضعه في فضاء لغوي يجعل طريقة بعينها تبدو طبيعية، وأخرى تبدو شاذة أو محرجة أو متأخِّرَةً. وفي هذا تكمن براعة الهيمنة الحديثة؛ فهي لا تحتاج دائمًا إلى منع الكلام، بل يكفيها أحيانًا أن تعيد تشكيل القاموس الذي يتكلم به الناس. وما أشد الفارق بين من تصادر كلمته وهو يعلم أنه مقهور، ومن تترك له حرية الكلام داخل مصطلحات صيغت سلَفًا لتقوده إلى المعنى المراد. الأول يرى القيد فيحاول كسره، أما الثاني فقد يحمل قيده في فمه ويحسبه بيانًا.

إن خطورة ثقافة المصطلحات تكمن في أنها تعمل بمنطق التدسيم الخفي، حيث يحشى اللفظ البراق بدلالات مَسْمُومَةً تتسلل إلى روع الفرد ووعيه الباطن دون مقاومة، فيتبنى مفاهيم تنقض غزل قيمه، وتحيل انتماءه إلى هباء منثور.

وهكذا تتحول المصطلحات إلى شباك ناعمة تصاد بها العقول. تسمى التبعية انفتاحًا، فيخجل الثابت من ثباته. ويسمى التفريط واقعية، فيبدو الوفاء ضربًا من العاطفة الساذجة. وتسمى الهزيمة سلامًا، فيستدرج الضمير إلى قبول ما كان يرفضه. وتسمى الفوضى حرية، فيلتبس التحرر بالانفلات. وتسمى القطيعة مع الجذور تحديثًا وتطورًا، فيُطلب من الذاكرة أن تعتذر عن نفسها. وحين يبلغ التزييف مداه، لا يطلب من الإنسان أن يغير أخلاقه دفعة واحدة، بل يقال له أعد تعريفها، لا تتخل عن مبادئك ولكن كيِّفْها مع الواقع، لا تهجر ثوابتك ولكن اقرأها قراءة جديدة، حتى إذا به وقد انتقل من الثبات إلى السيولة، ومن البصيرة إلى التبرير، ومن الوفاء إلى الانتهازية، دون أن يشعر بأنه خان شيئًا، لأنه غير أسماء الأشياء قبل أن يغير مواقفه منها.

ولعل من أجلى أمثلة هذا الأثر ما يقع في تسمية الفضاءات الجغرافية والحضارية. فالأرض لا تدرك بالخرائط وحدها، بل بالأسماء التي تمنحها روحًا ومعنى. ليست الجغرافيا خطوطًا صامتة على الورق، بل ذاكرة وانتماء ومصير وعلاقة وجدانية بين الإنسان والمكان. لذلك فإن تغيير اسم الفضاء ليس دائمًا انتقالًا من لفظ إلى لفظ، بل قد يكون انتقالًا من رؤية إلى رؤية، ومن انتماء إلى انتماء، ومن ذاكرة حية إلى توصيف بارِدًا.

حين يحل مصطلح “الشرق الأوسط” مثلًا محل “الوطن العربي” أو محل أي توصيف يستحضر اللغة والتاريخ والوشيجة الحضارية، فإننا لا ننتقل من اسم إلى اسم فحسب، بل من خريطة وجدانية إلى خريطة وظيفية. “الوطن العربي” يحيل إلى رابطة لسانية وثقافية وتاريخية، وإلى شعور بأن ثمة نسيجًا جامعًا يتجاوز الحدود السياسية، أما “الشرق الأوسط” فيحيل إلى تموضع جغرافي مرسوم من خارج الذات، شرق بالنسبة إلى من، وأوسط بين ماذا وماذا. إنه توصيف يبدو هادئًا في ظاهره، لكنه يضع المنطقة في مرآة نظر الآخر، لا في مرآة وجدانها هي.

وليس المقصون أن كل استعمال لهذا المصطلح مؤامرة أو خيانة، فالمصطلحات قد تستعمل بحكم التداول السياسي والبحثي، ولكن الوعي النقدي لا يجوز أن يغفل عما يفعله المصطلح حين يستقر بديلًا عن أسماء الانتماء. فإذا غاب الاسم الجامع حضرت أسماء التفكيك، وإذا ضعفت الذاكرة الحضارية تقدمت التصنيفات الباردة، مناطق ومكونات وأقليات وتوازنات وملفات. وهكذا يتحول الحي الثقافي إلى رقعة وظيفية، ويتحول الإنسان من وارث لغة ومصير إلى رقم في هندسة سياسية واسعة، ويضيع رباط الانتماء الحميم لصالح تقسيمات ترسمها المصالح الدولية وتعيد تشكيل الضمير الجمعي شيئًا فشيئًا.

فإذا غاب التعريف حضر التلاعب، وإذا ضاعت الحدود تكاثرت الأوهام، وإذا صار المصطلح غائِمًا أمكن لكل صاحب غرض أن يجعله مَطِيَّةً لما يريد.

وبناء عليه فإن هذا التغييب المتدرج للعمق الحضاري لصالح مصطلحات الجهة والمركز يمثل لونًا من الاستعمار الرمزي الذي يسبق الاستعمار المادي ويمهد له. فحين تقتنع الأجيال بأنها تسكن فضاء مجردًا من صلات الرحم واللسان والتاريخ، تفقد شيئًا من حصانتها الوجدانية ضد الاختراق، ويغدو الوفاء لمنظومة القيم المشتركة ضربًا من الماضي، بينما يرتفع الانتهاز المصلحي إلى مرتبة الذكاء السياسي. وهنا لا يغير المصطلح الاسم وحده، بل يغير المسمى في الوعي، ثم يستحوذ على بعض روح الأمة قبل أن يستحوذ على مقدراتها.

وفي سياق آخر من التضليل الدلالي يبرز مثلًا مصطلح “العلمانية” في التداول العربي. والإشكال هنا ليس في مناقشة الفكرة بوصفها موقفًا فلسفيًا أو سياسيًا من علاقة الدين بالمجال العام، فهذا باب واسع يحتاج إلى علم وإنصاف، وإنما الإشكال في الطريقة التي يلتبس بها المصطلح في وعي المتلقي. فكثيرًا ما يربط اللفظ في الأذن العربية بمفردات العلم والعقل والتقدم، حتى يخيل لبعض الناس أن رفضه رفض للعلم نفسه، وأن الاعتراض عليه اعتراض على العقل والمعرفة. وهنا لا تنتصر الفكرة بقوة البرهان، بل بقوة التصنيف، إذ يدفع الفرد إلى قبولها خشية أن يصنف في خانة التخلف أو الظلامية، لا عن اقتناع معرفي ناضِجًا.

والدقة تقتضي أن يقال أن العلمانية ليست هي العلم، ولا رفضها يعني رفض المعرفة، ولا قبولها يعني بالضرورة امتلاك العقل. إنها تصور لطبيعة العلاقة بين المقدس والزمني، وبين الدين والدولة، وبين المرجعية الأخلاقية والمجال العام. يمكن أن تناقش وأن تفحص وأن تقبل بعض صورها أو ترفض، لكن الخلل يبدأ حين تحول من مفهوم قابل للمساءلة إلى ختم جاهز يمنح صاحبه رتبة التقدم ويسلب خصمه حق التفكير قبل أن يتكلم. وحين يساق المصطلح بهذه الطريقة، فإنه لا يهدم الإيمان صراحَةً، لكنه قد يعيد ترتيب مركزه في النفس، فيزحزحه من مقام الهداية إلى زاوية الحرج، ويجعل الإنسان يشعر بأن انتماءه الروحي عبء على عقله، أو أن قيمها العليا لا تصلح إلا للحيز الخاص، أما المجال العام فلا ينبغي أن يحكمه إلا ما ينفصل عن السماء انفصالًا كاملًا.

وهذا هو موضع الخطر في المصطلحات الكبرى حين تستقبل بلا فحص. ليست المشكلة في أن تأتي من خارج بيئتنا، ولا الفضيلة في أن تكون من داخلها. فقد يكون الوافد إضافة نافعة، وقد يكون الموروث بحاجة إلى تجديد وتحرير من الجمود. ولكن الخطر أن نستقبل المصطلح كما يستقبل النائم حلمه، وأن ندخله بيت الوعي دون أن نسأل عن نسبه ومقصده وما يحمله في متاعه. قد يكون ضيفًا نافعًا، وقد يكون عابرًا، وقد يكون فاتحًا بثياب مسافر.

أما مصطلح “الإرهاب” مثلًا فهو من أكثر المصطلحات المعاصرة دلالة على سيولة المعنى حين يفصل عن العدالة. فهو في أصله يفترض الإشارة إلى العنف المروع الذي يستهدف الآمنين أو يفرض الرعب وسيلة لتحقيق غايات، لكن خطورته تبدأ حين يفقد معيار الإنصاف، ويتحول إلى ختم سياسي يتسع ويضيق بحسب القوة التي تستعمله. عندئذ لا يعود المصطلح وصفًا لفعل محدد، بل يصير أداة لإسكات سياق كامل، ووسيلة لنزع الشرعية عن حق قديم بمجرد إلصاق اسم مخيف به. وحين يرتبط هذا اللفظ إعلاميًا وسياسيًا بالعرب والمسلمين على نحو مخصوص، لا يعود توصيفًا لفعل عنيف، بل يتحول إلى هوية اتهامية. وحين توصف مقاومة الاحتلال أو الدفاع عن الأرض بالمصطلح نفسه الذي يوصف به قتل الأبرياء، فإن اللغة تكون قد فقدت ميزانها الأخلاقي. وحين يسمى عنف القوي دفاعًا عن النفس، ويسمى غضب المظلوم تهديدًا للأمن، نكون أمام انقلاب دلالي لا يقل خطرًا عن الانقلاب السياسي، لأن الظلم هنا لا يكتفي بأن يقع، بل يطلب من اللغة أن تمنحه شهادة براءة.

إن هذا التغييب المتدرج للعمق الحضاري لصالح مصطلحات الجهة والمركز يمثل لونًا من الاستعمار الرمزي الذي يسبق الاستعمار المادي ويمهد له.

إن أخطر ما في هذا المصطلح حين يساء استعماله أنه يصنع خوفًا داخل الضحية من تسمية حقها. يصبح الإنسان مترددًا في الدفاع عن عدالة قضيته خشية أن يقع في القفص اللفظي المعد له. وتصبح الأمة حذرة من التعبير عن ألمها لأن اللغة العالمية قد رتبت لها اتهامًا مسبقًا. وهنا تبلغ الهيمنة غايتها الدقيقة، لا أن تمنع المظلوم من الصراخ، بل أن تجعله يخاف من اسم صراخه. والواجب الفكري هنا ليس تبرير العنف ولا تمييع الحدود الأخلاقية، بل رد المصطلح إلى عدالته، فكل عنف ضد البريء مدان أيًا كان فاعله، وكل عدوان على الحق ينبغي أن يسمى باسمه أيًا كان صاحبه. فالالعدالة لا تكون عدالة إذا تغيرت أسماؤها بتغير الرايات، ولا يكون المصطلح أخلاقيًا إذا صار مطية للقوة.

ولا يقف الأمر عند هذه الأمثلة. فمصطلح “العولمة” مثلًا قد يعني تواصل المعرفة واتساع أفق التبادل بين الشعوب، وقد يعني في استعمال آخر ذوبان الخصوصيات تحت ضغط السوق، وتحويل الإنسان إلى مستهلك كوني بلا ذاكرة. ومن الجهل أن يلعن المصطلح بإطلاق أو يقدس بإطلاق، وإنما الواجب أن نسأل أي عولمة نعني، ولصالح من تعمل, وبأي شروط تأتي، وما الذي تمنحه وما الذي تنتزعه. وكذلك “الواقعية” قد تكون حكمة ترى الأشياء كما هي لا كما تشتهي، وقد تصبح اسمًا أنيقًا للرضوخ، وغطاء لغويًا لانطفاء الإرادة، ومدخلًا لتحويل الضعف إلى نضج مزعوم. والفرق بعيد بين حكمة تعرف حدود الممكن، وهزيمة توسع حدود الخضوع ثم تسمي ذلك عقلانية.

أما “التحديث” فهو من المصطلحات التي تحمل إغراء شديدًا، لأن من يعترض عليه يبدو كأنه يدافع عن الصدأ. غير أن التحديث ليس فضيلة بذاته إلا إذا كان انتقالًا إلى الأجود والأعدل والأقدر على حفظ كرامة الإنسان. أما إذا كان مجرد قطيعة مع الجذور، أو استبدالًا للمعنى بالآلة، أو عبادة للأحدث لأنه أحدث، فهو ليس تحديثًا بل تفريغ للزمن من حكمته. فليس كل قديم ميتًا، ولا كل جديد حيًا. قد يكون في القديم روح تصلح للغد، وقد يكون في الجديد خراب جاء في ثياب براقة. إن المصطلحات ليست أعداء ولا أولياء بذاتها، بل هي مفاتيح، والمفتاح قد يفتح باب بيتك، وقد يفتح بابك للغريب. قيمته ليست في لمعانه، بل في الباب الذي يفتحه، واليد التي تحمله، والغاية التي يستعمل لها.

والأفكار لا تسكن العقل وحده، بل تسكن الوجدان أيضًا. ولذلك فإن المصطلح لا يعمل عمل البرهان فحسب، بل يعمل عمل الإيحاء. كلمة واحدة قد تستدعي خوفًا أو فخرًا، طمأنينة أو نفورًا، خجلًا أو اعتزازًا. وكلما تكررت الكلمة في سياق شعوري بعينه التصق بها ذلك الشعور حتى تصبح استجابة نفسية قبل أن تكون مَفْهُومًا عقليًا. ولهذا كان الإعلام الحديث شديد التأثير في صناعة المصطلحات، لأنه لا يعرف دائمًا، بل يكرر، والتكرار حين يقترن بالصورة والخبر والتحليل والتعليق يحول المصطلح إلى منعكس نفسي. يسمع المرء كلمة ما فينقبض قبل أن يفكر، أو يرتاح قبل أن يفحص، وهكذا يتشكل الوعي العام لا عبر التعليم العميق، بل عبر تراكم الانطباعات المصطلحية.

إن المصطلح حين ينحرف لا يدمر العقل وحده، بل يدمر الوجدان. فالإنسان لا يعيش بالأفكار المجردة، بل بالمشاعر التي تغذيها الكلمات. وحين يعاد تشكيل الوجدان الجمعي عبر مصطلحات مشحونة بالخوف أو التهديد أو الإقصاء، يصبح السلام مستحيلًا حتى لو غابت بعض أسباب الصراع الواقعية، لأن الصراع يكون قد انتقل من الأرض إلى اللغة، ومن السياسة إلى النفس. وما أخطر أن يعاد تدريب الضمير لغويًا حتى يبدل مواضع النبل والعار، فيفرح بما كان يجب أن يحزنه، ويخجل مما كان يجب أن يرفعه، ويرى الحق ثقيلًا والباطل ذكيًا، ويحسب الوفاء تخلفًا والمراوغة مرونة.

ومن هنا فإن الخروج من أسر المصطلحات الموجهة لا يكون بالرفض الأعمى لكل جديد، ولا بالتحصن الكسول خلف كل قديم، بل بتأسيس وعي يقظ يمكن أن يسمى السيادة الدلالية. وهي ليست شعارًا آخر يضاف إلى ازدحام الشعارات، بل منهج في التعامل مع الكلمة قبل أن تستوطن العقل. تبدأ هذه السيادة بسؤال بسيط شديد العمق، من أين جاء هذا المصطلح، لا من أي لغة فحسب، بل من أي تجربة، ومن أي صراع، ومن أي حاجة، ومن أي مصلحة. ما الذي يضيئه، وما الذي يتركه في الظل. هل يصف الواقع أم يعيد تشكيله. هل يفتح باب الفهم أم يغلقه باسم البداهة. هل يمنحنا أداة للتفكير أم يطلب منا أن نتبعه كما يتبع الشعار.

ثم يأتي سؤال آخر لا يقل أهمية، هل يتسع هذا المصطلح لمنظومتنا القيمية، أم يطلب منها أن تنكمش لتسعه. فالعقل الحي لا يخاف الحوار، ولكنه لا يدخل الحوار عاريًا من معاييره. يأخذ ولا يستلب، يترجم ولا يذوب، يجدد ولا يبدد، وينفتح دون أن يحول الانفتاح إلى نافذة تهب منها كل ريح. وليس من السيادة الفكرية أن نرفض كل ما لم ننتجه، كما أنه ليس من الوعي أن نقبل كل ما يأتينا في لباس جديد. الحكمة في الفحص، والكرامة في امتلاك حق الاختيار، والنضج في أن تكون اللغة أداة إدراك لا سجنًا من الزجاج.

إن الحرية الأولى هي حرية المعنى، ألَّا يختطف وعينا باسم اللفظ، ولا يعاد تشكيل ضميرنا باسم التحديث، ولا يسلب انتماؤنا باسم الحياد، ولا تطوى حقوقنا تحت أغطية لغوية ناعمة.

وهذه المهمة ليست شأن النخب وحدها، وإن كان على النخب فيها العبء الأكبر. إنها مهمة تربوية وثقافية عامة، تبدأ من تعليم الناشئ أن الكلمة مسؤولية، وأن اللفظ ليس لعبة، وأن السؤال عن المعنى ليس تعقيدًا بل حفظ للعقل من الاستدراج. فالطفل الذي ينشأ على وزن الدلالات بميزان القيم يكون أعصى على التدجين، والشاب الذي يتعلم نقد المصطلح لا تستخفه أول موجة إعلامية ولا أول شعار لامع. إن التربية التي لا تعلم نقد المصطلحات تترك أبناءها في مهب كل قاموس عابر، وكل نداء صاخب، وكل لفظ يلبس ثوب الخلاص وهو يخفي تحته أغلالًا دقيقة.

ولا يكتمل الكلام في المصطلحات دون التنبيه إلى أن البلاغة نفسها قد تكون نورًا وقد تكون حجابًا. فالجمال اللفظي ليس ترفًا يضاف إلى الفكرة بعد نضجها، بل هو جزء من قدرتها على الحياة، ولكنه إذا انفصل عن الصدق صار دخانًا، وإذا طغى على البرهان صار فتنة لغوية. البلاغة الرفيعة لا تزور المعنى، ولا تغطي ضعف الحجة بزينة العبارة، ولا تجعل المجاز بديلًا عن الحقيقة، وإنما تمنح الفكرة هندامها اللائق، فتزيدها إشراقًا لا التباسًا، ووقعًا لا خواء. فليس كل كلام مرتفع النبرة عميقًا، ولا كل عبارة فخمة صادقة، وإنما الارتياح والكمال أن يلتقي البيان والبرهان، عقل محكم، ووجدان مضيء، ولفظ ينهض بالمعنى ولا يطغى عليه.

إن النص الذي يحمي الوعي هو النص الصادق قبل أن يكون المزخرف، الشارح المانع قبل أن يكون المدهش، الممتد في المعنى بانسياب لا بالترهل، والمتأنق في العبارة دون أن يبيع الفكرة لمحسنات لفظية عابرة. فالمعاني الكبرى تحتاج لغة تليق بها، لا لغة تخونها. والكلمة الراقية ليست تلك التي تستعرض عضلاتها على القارئ، بل التي تضع يدها على موضع الوعي فتوقظه، وعلى موضع الوجدان فتهذبه، وعلى موضع الالتباس فتجلوه. وبهذا وحده تصير الكتابة بناء لا زينة، وموقفًا لا استعراضًا، ومشكاة للنور لا نفقًا للتعمية.

في المنطقة الدقيقة بين الكلمة ومعناها تصاغ مصائر كثيرة. هناك تبدأ الهزائم قبل أن تنزل الجيوش إلى الميدان، وهناك تولد النهضات قبل أن تقوم المؤسسات في الواقع. فالأمة التي تعرف كيف تسمي تعرف كيف تفكر، والتي تعرف كيف تفكر تعرف كيف تختار، والتي تعرف كيف تختار تملك بداية الطريق إلى الفعل. أما الأمة التي تستعير أسماءها من غيرها، وتقرأ ذاتها في مرآة خصومها، وتردد مصطلحات لم تفحصها، فإنها لا تفقد اللغة فحسب، بل تفقد جزءًا من حريتها الداخلية.

إن استعادة المصطلح وتصحيح المفاهيم ليست معركة لغوية هامشية، بل معركة وعي وكرامة ووجود. أن نسمي الأشياء بأسمائها ليس عملًا بسيطًا كما يظن العابرون، بل هو فعل تحرير. أن نميز بين الحرية والفوضى، وبين التجديد والتبديد، وبين الواقعية والرضوخ، وبين السلام والاستسلام، وبين الانفتاح والذوبان، وبين العلم وأدلجة العلم، وبين مقاومة الظلم وتمجيد العنف، وبين الهوية والعصبية، ذلك كله ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة لحفظ الإنسان من أن يتحول إلى صدى لغيره.

ليست المشكلة أن يتكلم العالم بلغاته ومصطلحاته، فذلك حقه وتجربته، ولكن المشكلة أن نفقد نحن لغتنا الداخلية، وأن نعيش في زنازين من كلمات لم نصنع مفاتيحها، وأن نقتات على معان صيغت لنا لا معنا، ثم نظن أننا نفكر بحرية. إن الحرية الأولى هي حرية المعنى، ألَّا يختطف وعينا باسم اللفظ، ولا يعاد تشكيل ضميرنا باسم التحديث، ولا يسلب انتماؤنا باسم الحياد، ولا تطوى حقوقنا تحت أغطية لغوية ناعمة. فاللغة أمانة، والمصطلح مسؤولية، والكلمة حين تستقيم في العقل تستقيم بها أشياء كثيرة في الحياة. ومن ملك لغته ملك بعض رؤيته، ومن ملك رؤيته بدأ يملك قراره، ومن ملك قراره لم يعد ريشة في عاصفة المصطلحات العابرة. وما أحوجنا في زمن ازدحمت فيه الألفاظ وقلت فيه البصائر إلى ثقافة تعيد للكلمة صدقها، وللمعنى جلاله، وللمفهوم حدوده، وللإنسان حقه في أن يفهم العالم بعين مفتوحة، قلب غير مستلب، ولسان لا يردد أسماء الأشياء كما أرادها غيره، بل كما تكشفها الحقيقة ويشهد لها الضمير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى