الأدبوحي الخاطر

الأرواح التي لا تنحني

أَلَمْ تَرَ إِلَى أُولَئِكَ الذِينَ تَلْفِظُهُمُ الأَرْحَامُ إِلَى مَسْرَحِ الوُجُودِ، لَا كَصَرَخَاتِ ذُعْرٍ تَرْتَعِدُ مِنْ صَدْمَةِ الهَوَاءِ الأَوَّلِ، وَلَا كَكَائِنَاتٍ غَضَّةٍ تَتَعَلَّمُ مَعْنَى الحَيَاةِ مِنْ خَوْفِهَا الأَوَّلِ، بَلْ كَرَايَاتٍ خَفَقَتْ سَلَفًا فِي عَالَمِ الذَّرِّ قَبْلَ أَنْ تُنْصَبَ فِي مَيَادِينِ الطِّينِ. يَأْتُونَ إِلَى الدُّنْيَا كَأَنَّهُمْ لَمْ يَجِيئُوا مِنْ عَتْمَةِ الرَّحِمِ، بَلْ مِنْ ذَاكِرَةِ السَّمَاءِ؛ مُشْبَعِينَ بِسِرٍّ قَدِيمٍ، مُطَوَّقِينَ بِهَيْبَةٍ لَا تَحْتَاجُ إِلَى عُمْرٍ طَوِيلٍ كَيْ تَثْبُتَ، وَلَا إِلَى مَجَالِسِ البَشَرِ كَيْ تَسْتَأْذِنَ فِي الحُضُورِ.

هُنَاكَ صِنْفٌ مِنَ البَشَرِ كَأَنَّمَا اسْتَعْصَوْا عَلَى قَوَالِبِ التَّكْوِينِ المُعْتَادَةِ؛ لَا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ التَّدَرُّجَ المُذِلَّ مِنَ الزَّحْفِ البَطِيءِ إِلَى التَّرَنُّحِ الآيِلِ إِلَى السُّقُوطِ، بَلْ يَخْتَرِقُونَ قَوَانِينَ الجَاذِبِيَّةِ الأَرْضِيَّةِ لِيُولَدُوا وَاقِفِينَ. فِي نَظَرَاتِهِمُ الأُولَى إِلَى الحَيَاةِ لَا تَقْرَأُ اسْتِجْدَاءً لِلْحَضَانَةِ، وَلَا بَحْثًا مُرْتَبِكًا عَنْ عَطْفٍ يُسْنِدُ الهَشَاشَةَ، بَلْ تَقْرَأُ إِعْلَانَ سِيَادَةٍ مُبَكِّرًا، وَتَصْرِيحًا صَارِمًا بِأَنَّ هَذَا الكِيَانَ لَمْ يَأْتِ لِيَتَكَيَّفَ مَعَ اعْوِجَاجِ العَالَمِ، بَلْ جَاءَ لِيَكُونَ مِسْطَرَةَ القِيَاسِ الَّتِي يُقَوَّمُ بِهَا ذَلِكَ الاعْوِجَاجُ.

هُمْ قِلَّةٌ نَادِرَةٌ، قُدَّتْ أَرْوَاحُهُمْ مِنْ صَخْرِ الكِبْرِيَاءِ، وَنُسِجَتْ أَوْتَارُ قُلُوبِهِمْ مِنْ حَرِيرِ الأَنَفَةِ، فَصَارَ الوُقُوفُ لَدَيْهِمْ لَيْسَ فِعْلًا حَرَكِيًّا يُمْكِنُ إِبْطَالُهُ، وَلَا وَضْعًا عَابِرًا تَفْرِضُهُ قُوَّةُ العَضَلِ، بَلْ هُوِيَّةً وُجُودِيَّةً، وَتَوْقِيعًا رُوحِيًّا لَا يُمْحَى، يَثْبُتُونَ بِهِ أَنَّ العَظَمَةَ قَدْ تَكُونُ وِلَادَةً لَا مُجَرَّدَ اكْتِسَابٍ تُرَبِّيهِ الأَيَّامُ ثُمَّ تَذْرُوهُ رِيَاحُهَا. فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَعَلَّمُ الشُّمُوخَ بَعْدَ جُرُوحٍ كَثِيرَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْرُجُ مِنْ أَوَّلِ صَرْخَةٍ وَفِي حَلْقِهِ نَبْرَةُ الجَبَلِ، وَفِي عَيْنَيْهِ قَسَمُ الصُّخُورِ أَلَّا تَخُونَ مَقَامَهَا.

عِزَّةُ النَّفْسِ فِي قَوَامِيسِ هَؤُلَاءِ الوَاقِفِينَ لَيْسَتْ رَدَّةَ فِعْلٍ تَنْشَطُ عِنْدَ الإِهَانَةِ، وَلَا عَبَاءَةً فَارِهَةً يَرْتَدُونَهَا فِي مَوَاسِمِ التَّبَاهِي وَيَخْلَعُونَهَا فِي الخَلَوَاتِ، بَلْ هِيَ مُورِّثَةٌ رُوحِيَّةٌ، وَجِينُومٌ أَصِيلٌ يُمْلِي عَلَى كُلِّ خَلِيَّةٍ كَيْفَ تَتَصَرَّفُ فِي حَضْرَةِ الابْتِذَالِ. إِنَّهَا العَمُودُ الفِقْرِيُّ المُمتَدُّ مِنْ جَذْرِ الكَيْنُونَةِ إِلَى قِمَّةِ الوَعْيِ، لَا يَقْبَلُ الانْحِنَاءَ إِلَّا فِي مِحْرَابِ الخَالِقِ، وَلَا يَعْرِفُ لِلطَّأْطَأَةِ مَعْنًى إِلَّا حِينَ تَكُونُ خُشُوعًا لِلْحَقِّ، لَا خُضُوعًا لِلْخَلْقِ.

فِي كِيمِيَاءِ أَجْسَادِهِمْ، تَرْفُضُ الكُرَيَّاتُ الحُمْرُ أَنْ تَحْمِلَ أُكْسِجِينَ الاسْتِذْلَالِ، وَتَأْبَى الشَّرَايِينُ أَنْ تَضُخَّ دَمًا تَلَوَّثَ بِمَذَلَّةِ الرَّجَاءِ. عِزَّةُ النَّفْسِ لَدَيْهِمْ هِيَ تِلْكَ القُدْرَةُ الخَارِقَةُ عَلَى أَنْ تَبْتُرَ عُضْوًا مِنْ أَحْلَامِكَ إِذَا كَانَ بَقَاؤُهُ مَرْهُونًا بِتَقْبِيلِ أَيْدِي العَابِرِينَ، وَهِيَ تِلْكَ الشَّجَاعَةُ الجِرَاحِيَّةُ فِي اسْتِئْصَالِ أَيِّ عَاطِفَةٍ تَضَعُكَ فِي زَاوِيَةِ الانْكِسَارِ. فَلَيْسَ كُلُّ مَا يُحَبُّ يُصَانُ بِالقُرْبِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا تَهْفُو إِلَيْهِ الرُّوحُ يَسْتَحِقُّ أَنْ تُبَاعَ مِنْ أَجْلِهِ ذِمَّةُ الكَرَامَةِ. وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ كَيْفَ يَقْطَعُ يَدَ شَوْقِهِ حِينَ تَمْتَدُّ إِلَى مَذَلَّةٍ، فَلَنْ يَعْرِفَ أَبَدًا كَيْفَ يَحْمِلُ قَلْبَهُ عَلَى عَرْشِهِ.

لَا يَطْلُبُونَ الوَصْلَ اسْتِجْدَاءً، وَلَا يَبْحَثُونَ عَنِ الاعْتِرَافِ تَسَوُّلًا، وَلَا يُقِيمُونَ أَرْوَاحَهُمْ عَلَى أَعْتَابِ مَنْ يَتَفَضَّلُونَ بِقَطْرَةِ اهْتِمَامٍ كَأَنَّهَا مَنْحَةٌ مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ. بَلْ يَعِيشُونَ حَالَةً مِنَ الاسْتِحْقَاقِ الأَرُسْتُقْرَاطِيِّ الَّذِي يَجْعَلُهُمْ يَتَعَامَلُونَ مَعَ المَحَبَّةِ وَالعَطَاءِ كَمِنَحٍ سِيَادِيَّةٍ لَا كَصَدَقَاتٍ عَاطِفِيَّةٍ. إِذَا أَقْبَلُوا، أَقْبَلُوا بِكَامِلِ جَلَالِهِمْ كَشَمْسٍ لَا تَسْتَأْذِنُ كَيْ تُبَدِّدَ العَتْمَةَ، وَإِذَا أَدْبَرُوا، أَدْبَرُوا دُونَ الْتِفَاتَةِ نَدَمٍ تَكْسِرُ هَيْبَةَ انْسِحَابِهِمْ. فَانْصِرَافُهُمْ لَيْسَ هُرُوبًا مِنَ المَعْرَكَةِ، بَلْ حِفْظٌ لِلمَقَامِ مِنْ أَنْ يُزَاحِمَ الوَحْلَ فِي سَاحَتِهِ.

يُحِيطُونَ أَرْوَاحَهُمْ بِهَالَةٍ مِنَ القَدَاسَةِ تَمْنَعُ الأَيْدِيَ العَابِثَةَ مِنْ تَدْنِيسِ سِيَاجِهِمُ الدَّاخِلِيِّ، وَيَرَوْنَ أَنَّ الفَنَاءَ فِي العُزْلَةِ الشَّاهِقَةِ أَشْرَفُ أَلْفَ مَرَّةٍ مِنَ الحَيَاةِ فِي قِيعَانِ الاخْتِلَاطِ المُهِينِ. لَا يَخَافُونَ الوَحْدَةَ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَبْنُوا ذَوَاتِهِمْ مِنْ ضَجِيجِ الحُشُودِ، وَلَا يَرْتَاعُونَ مِنَ الفَرَاغِ، لِأَنَّ فِي أَعْمَاقِهِمْ مَمْلَكَةً مَأْهُولَةً بِالمَعَانِي. مَنْ كَانَ فِي دَاخِلِهِ وَطَنٌ مِنَ اليَقِينِ لَا يَتَسَوَّلُ خَيْمَةً فِي مَضَارِبِ العَابِرِينَ.

وَحِينَ تَفْتَحُ الحَيَاةُ خَزَائِنَهَا السِّرِّيَّةَ، وَتُسْفِرُ عَنْ وَجْهِهَا المَصْبُوغِ بِمَسَاحِيقِ الغِوَايَةِ، مُتَزَيِّنَةً بِزَخَارِفِ الذَّهَبِ وَمَنَاصِبِ السُّلْطَةِ وَعَطَايَا النُّفُوذِ، يَتَسَاقَطُ اللَّاهِثُونَ فِي شِبَاكِهَا كَفَرَاشَاتٍ أَعْمَاهَا وَهْمُ الضَّوْءِ فَاحْتَرَقَتْ فِي نَارِ العُبُودِيَّةِ. أَمَّا أُولَئِكَ الَّذِينَ وُلِدُوا وَاقِفِينَ، فَيَقِفُونَ أَمَامَ سُوقِ النَّخَاسَةِ الكُبْرَى كَجِبَالٍ مِنْ جَلِيدٍ لَا تُذِيبُهَا شُمُوسُ الزَّيْفِ. الكَرَامَةُ أَمَامَ المُغْرِيَاتِ لَدَيْهِمْ لَيْسَتِ امْتِنَاعًا أَخْلَاقِيًّا يُرَافِقُهُ صِرَاعٌ دَاخِلِيٌّ مُمِضٌّ، بَلْ هِيَ مَنَاعَةٌ فِطْرِيَّةٌ، وَاشْمِئْزَازٌ عُضْوِيٌّ مِنْ كُلِّ طُعْمٍ يَحْمِلُ فِي خَفَايَاهُ سِنَّارَةَ الارْتِهَانِ.

هُمْ يُدْرِكُونَ، بِبَصِيرَةٍ نَافِذَةٍ، أَنَّ بَرِيقَ الأَشْيَاءِ لَيْسَ إِلَّا فَخًّا مُضِيئًا، وَأَنَّ التَّنَازُلَ الأَوَّلَ عَنْ شِبْرٍ مِنَ الوَقَارِ إِيذَانٌ بِانْهِيَارِ قَلْعَةِ الرُّوحِ بِأَكْمَلِهَا. لَا تَسْتَهْوِيهِمُ التِّيجَانُ إِذَا كَانَتْ مُبَطَّنَةً بِالشَّوْكِ الخَفِيِّ المُدْمِي لِلْكَرَامَةِ، وَلَا تُسِيلُ لُعَابَهُمْ مَوَائِدُ اللِّئَامِ مَهْمَا تَنَوَّعَتْ أَصْنَافُهَا وَازْدَانَتْ أَلْوَانُهَا. يُفَضِّلُونَ أَنْ يَعَضُّوا عَلَى جَمْرَةِ الجُوعِ بِعِزَّةٍ، عَلَى أَنْ يَبْتَلِعُوا لُقْمَةَ العَيْشِ المَغْمُوسَةَ بِمَاءِ الوَجْهِ. وَمَا أَفْقَرَ مَنْ شَبِعَ بِجَسَدِهِ وَجَاعَتْ كَرَامَتُهُ، وَمَا أَغْنَى مَنْ بَاتَ طَاوِيًا، وَفِي صَدْرِهِ مَائِدَةٌ مِنْ عِزَّةٍ لَا تَنْفَدُ.

فِي مُوَاجَهَةِ الغِوَايَةِ، يَتَحَوَّلُونَ إِلَى كَائِنَاتٍ مِنْ ضَوْءٍ عَصِيٍّ عَلَى التَّدْنِيسِ، يُحَطِّمُونَ أَصْنَامَ المَنْفَعَةِ بِفُؤُوسِ الاسْتِغْنَاءِ، وَيَتْرُكُونَ لِلرُّعَاعِ مُتْعَةَ التَّهَافُتِ عَلَى فُتَاتِ المَوَائِدِ، مُحْتَفِظِينَ لِأَنْفُسِهِمْ بِشَرَفِ المَأْدُبَةِ العُلْوِيَّةِ الَّتِي لَا يُدْعَى إِلَيْهَا إِلَّا السَّادَةُ الأَنْقِيَاءُ. لَيْسُوا زُهَّادًا عَاجِزِينَ عَنِ النَّيْلِ، بَلْ أَسْيَادًا قَادِرِينَ عَلَى الرَّفْضِ؛ وَبَيْنَ الزُّهْدِ عَجْزًا وَالرَّفْضِ سِيَادَةً مَسَافَةٌ لَا يَقْطَعُهَا إِلَّا مَنْ فَهِمَ أَنَّ حُرِّيَّةَ الرُّوحِ أَغْلَى مِنْ كُلِّ ذَهَبِ الأَرْضِ.

وَإِذَا مَا اكْفَهَرَّ وَجْهُ الزَّمَانِ، وَاسْتَدَارَتْ عَجَلَةُ الأَيَّامِ لِتَطْحَنَ عِظَامَ الرَّخَاءِ، وَتَكَالَبَتِ الشَّدَائِدُ تَعْوِي كَذِئَابٍ جَائِعَةٍ فِي لَيْلٍ بَهِيمٍ أَعْمَى، فَإِنَّ وُقُوفَهُمْ يَتَّخِذُ أَبْعَادًا مَلْحَمِيَّةً تَفُوقُ الوَصْفَ. الثَّبَاتُ أَمَامَ الشَّدَائِدِ فِي شَرِيعَتِهِمْ لَيْسَ اسْتِمَاتَةَ المَذْعُورِ المُتَشَبِّثِ بِقَشَّةٍ فِي غَمْرَةِ الطُّوفَانِ، بَلْ هُوَ هُدُوءُ الرُّبَّانِ الخَبِيرِ الَّذِي يَعْرِفُ أَنَّ العَاصِفَةَ، مَهْمَا عَتَتْ، أَعْجَزُ مِنْ أَنْ تَبْتَلِعَ سَفِينَةً صُنِعَتْ أَضْلَاعُهَا مِنْ خَشَبِ اليَقِينِ.

تَتَحَوَّلُ صُدُورُهُمْ فِي المِحَنِ إِلَى أَسْنَادٍ مِنْ فُولَاذٍ تَتَدَثَّرُ بِهَا الأَفْئِدَةُ المُرْتَجِفَةُ مِنْ حَوْلِهِمْ، وَتَغْدُو جِرَاحُهُمْ نَوَافِذَ كَوْنِيَّةً يَدْخُلُ مِنْهَا نُورُ الصَّبْرِ لِيُنِيرَ عَتَمَةَ المُبْتَلِينَ. لَا يَنْدُبُونَ حَظًّا عَاثِرًا، وَلَا يَشُقُّونَ جُيُوبَ الشَّكْوَى عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَلَا يَجْعَلُونَ مِنْ آلامِهِمْ مَزَادًا لِاسْتِدْرَارِ العَطْفِ، بَلْ يَنْظُرُونَ فِي عَيْنِ المَأْسَاةِ نَظْرَةً جَبَّارَةً تَكْسِرُ شَوْكَتَهَا قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إِلَيْهِمْ. فَالمِحْنَةُ حِينَ تَقِفُ أَمَامَ رُوحٍ كَبِيرَةٍ تَفْقِدُ نِصْفَ أَنْيَابِهَا، وَحِينَ تَرَى فِي العَيْنِ وُقُوفًا لَا يَسْتَأْذِنُ، تَعْرِفُ أَنَّهَا أَخْطَأَتِ البَابَ.

كُلُّ ضَرْبَةٍ يَتَلَقَّوْنَهَا مِنْ مِطْرَقَةِ القَدَرِ العَنِيفَةِ لَا تَزِيدُهُمْ إِلَّا صَقْلًا وَاشْتِدَادًا، كَالسَّيْفِ المُهَنَّدِ الَّذِي يُحْمَى فِي أَتُونِ النَّارِ لِيَغْدُوَ أَقْطَعَ وَأَلْمَعَ. فِي فِيزْيَاءِ أَرْوَاحِهِمْ، الضَّغْطُ الهَائِلُ لَا يُوَلِّدُ الانْفِجَارَ وَالتَّمَزُّقَ، بَلْ يُوَلِّدُ الأَلْمَاسَ المُتَفَرِّدَ؛ وَالاحْتِرَاقُ لَا يُخَلِّفُ رَمَادًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ، بَلْ يُوَلِّدُ نُورًا مُتَوَهِّجًا يَغْسِلُ وَجْهَ السَّمَاءِ. الأَلَمُ فِي شَرِيعَتِهِمْ لَيْسَ إِلَّا ضَرِيبَةً بَاهِظَةً يُسَدِّدُونَهَا بِسَخَاءٍ لِلْحِفَاظِ عَلَى قَامَةٍ لَا تَعْرِفُ الانْحِنَاءَ.

يَحْمِلُونَ أَرْزَاءَهُمْ فِي صَمْتٍ جَلِيلٍ، كَأَنَّهُمْ يَعْتَذِرُونَ لِلْحَيَاةِ عَنْ قَسْوَتِهَا، وَيَمْضُونَ فِي دَرْبِ الآلَامِ رَافِعِي الرُّؤُوسِ، يُعَلِّمُونَ الإِنْسَانِيَّةَ الوَاجِفَةَ أَنَّ السُّقُوطَ اخْتِيَارُ الجُبَنَاءِ، وَأَنَّ الوُقُوفَ حَتْمِيَّةُ مَنْ أَدْرَكَ سِرَّ النَّفْخَةِ الإِلَهِيَّةِ فِي رُوحِهِ. لَا يَنْظُرُونَ إِلَى الجُرْحِ كَعَارٍ يَجِبُ سَتْرُهُ، بَلْ كَوِسَامٍ صَامِتٍ يُثْبِتُ أَنَّهُمْ عَبَرُوا النَّارَ وَلَمْ يَسْتَحِيلُوا حَطَبًا، وَدَخَلُوا العَاصِفَةَ وَلَمْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أَغْصَانًا مَكْسُورَةً.

وَمِنْ رَحِمِ هَذَا الثَّبَاتِ العَبْقَرِيِّ، وَمِنْ صَهْرِ التَّجَارِبِ المُرَّةِ، تُولَدُ اسْتِقْلَالِيَّةُ الرُّوحِ؛ تِلْكَ النَّزْعَةُ الكَوْنِيَّةُ الَّتِي تَرْفُضُ أَنْ تَكُونَ جِرْمًا خَافِتًا يَدُورُ مُتَطَفِّلًا فِي مَدَارَاتِ الآخَرِينَ، أَوْ صَدًى أَجْوَفَ يَتَرَدَّدُ فِي تَجْوِيفِ أَصْوَاتِ الجَمَاهِيرِ العَرِيضَةِ. الرُّوحُ المُسْتَقِلَّةُ لَدَيْهِمْ شَمْسٌ تُضِيءُ بِذَاتِهَا، تَسْتَمِدُّ وَقُودَهَا مِنْ دَيْمُومَةِ احْتِرَاقِهَا الدَّاخِلِيِّ، وَلَا تَنْتَظِرُ قَبَسًا مُسْتَعَارًا مِنْ نَيْزَكٍ عَابِرٍ أَوْ كَوْكَبٍ آفِلٍ.

هَؤُلَاءِ لَا يَعْتَاشُونَ عَلَى تَصْفِيقِ القَطِيعِ، وَلَا يَرْتَهِنُونَ لِاسْتِحْسَانِ العَابِرِينَ؛ فَمِيزَانُهُمُ الدَّاخِلِيُّ دَقِيقٌ وَحَسَّاسٌ، لَا يَخْتَلُّ بِمَدْحٍ كَاذِبٍ يَسْكُبُهُ مُنَافِقٌ، وَلَا بِقَدْحٍ حَاقِدٍ يَنْفُثُهُ حَاسِدٌ مَوْتُورٌ. يَعْرِفُونَ أَنَّ مَنْ احْتَاجَ إِلَى صَوْتِ الجُمْهُورِ كَيْ يَثْبُتَ لِنَفْسِهِ أَنَّهُ مَوْجُودٌ، فَقَدْ فَقَدَ أَصْلَ الوُجُودِ فِي دَاخِلِهِ. وَمَنْ جَعَلَ قِيمَتَهُ وَدِيعَةً فِي أَلْسِنَةِ النَّاسِ، فَقَدْ قَبِلَ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى دُمْيَةٍ تَهُزُّهَا الخُيُوطُ كُلَّمَا تَقَلَّبَ المِزَاجُ.

يُؤَسِّسُونَ فِي دَاخِلِهِمْ إِمْبِرَاطُورِيَّةً شَاسِعَةً لَا سُلْطَانَ فِيهَا إِلَّا لِضَمَائِرِهِمُ اليَقِظَةِ، يُشَرِّعُونَ لِأَنْفُسِهِمْ قَوَانِينَ الجَمَالِ وَالسُّمُوِّ غَيْرَ عَابِئِينَ بِدَسَاتِيرِ المُجْتَمَعِ البَالِيَةِ، وَيَرْفُضُونَ الانْخِرَاطَ فِي مَعَارِكِ الطَّوَاحِينِ الَّتِي يَفْتَعِلُهَا الصِّغَارُ لِإِثْبَاتِ حُضُورِهِمْ فِي مَسَاحَاتِ الوَهْمِ. اسْتِقْلَالُهُمُ الرُّوحِيُّ يَجْعَلُهُمْ فِي حَالَةِ طُفُوٍّ دَائِمٍ فَوْقَ مُسْتَنْقَعَاتِ العَلَاقَاتِ المَسْمُومَةِ وَالارْتِبَاطَاتِ التَّابِعَةِ. لَا يَقْبَلُونَ أَنْ يَكُونُوا نُسَخًا كَرْبُونِيَّةً مُشَوَّهَةً فِي عَالَمٍ أَدْمَنَ التَّكْرَارَ وَاسْتَنْسَخَ القُبْحَ، بَلْ هُمُ الشُّذُوذُ الجَمِيلُ، وَالطَّفْرَةُ الرُّوحِيَّةُ الرَّائِعَةُ الَّتِي تُعِيدُ لِلنَّوْعِ البَشَرِيِّ تَوَازُنَهُ المَفْقُودَ.

يَخْتَارُونَ عُزْلَتَهُمُ الأَنِيقَةَ حِينَ يُصْبِحُ الاخْتِلَاطُ تَنَازُلًا عَنِ المَبَادِئِ، وَيُفَضِّلُونَ وَحْشَةَ الانْفِرَادِ الشَّامِخَةَ عَلَى أُنْسِ التَّبَعِيَّةِ المُنْكَسِرَةِ. فَلَيْسَتِ العُزْلَةُ عِنْدَهُمْ قَبْرًا، بَلْ مِحْرَابٌ، وَلَيْسَ الانْفِرَادُ جَفَافًا، بَلْ نَهْرٌ دَاخِلِيٌّ يَتَدَفَّقُ فِي صَمْتٍ. وَمَا أَكْثَرَ مَنْ يَخَافُونَ مِنْ صَمْتِهِمْ فَيَفِرُّونَ إِلَى ضَجِيجِ النَّاسِ، وَمَا أَقَلَّ مَنْ يَسْكُنُونَ دَاخِلَهُمْ كَمَا يَسْكُنُ المَلِكُ قَصْرَهُ، لَا يَسْتَوْحِشُونَ، وَلَا يَتَسَوَّلُونَ الأُنْسَ مِنْ أَبْوَابِ لَا تُحْسِنُ فَهْمَ المَقَامِ.

وَيُتَوَّجُ هَذَا البُنْيَانُ المِعْمَارِيُّ البَاذِخُ لِلشَّخْصِيَّةِ بِالشُّمُوخِ الهَادِئِ، وَهُوَ قِمَّةُ السَّنَامِ، وَأَعْلَى مَرَاتِبِ القُوَّةِ، حَيْثُ تَنْتَفِي تَمَامًا الحَاجَةُ إِلَى اسْتِعْرَاضِ العَضَلَاتِ اللَّفْظِيَّةِ أَوْ رَفْعِ الأَصْوَاتِ لِانْتِزَاعِ مَكَانَةٍ. الشُّمُوخُ الهَادِئُ هُوَ صَمْتُ الجِبَالِ الرَّوَاسِي الَّتِي تَرْقُبُ غَضَبَ العَوَاصِفِ الهَوْجَاءِ دُونَ أَنْ تَرْتَعِدَ لَهَا حَصَاةٌ، وَهُوَ اتِّسَاعُ المُحِيطِ الَّذِي يَبْتَلِعُ هَيَجَانَ الأَمْوَاجِ السَّطْحِيَّةِ الصَّاخِبَةِ فِي أَعْمَاقِهِ السَّاكِنَةِ، المُضِيئَةِ وَالمُظْلِمَةِ فِي آنٍ وَاحِدٍ.

هَؤُلَاءِ لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى افْتِعَالِ الهَيْبَةِ وَتَصَنُّعِ الوَقَارِ، فَهُمَا يَنْبَعِثَانِ مِنْ مَسَامَّاتِ حُضُورِهِمُ الطَّاغِي كَمَا يَنْبَعِثُ الأَرِيجُ الفَوَّاحُ مِنْ قَلْبِ الزَّهْرَةِ المُتَفَتِّحَةِ، فَيَفْرِضَانِ سَطْوَتَهُمَا الجَلَالِيَّةَ عَلَى الزَّمَانِ وَالمَكَانِ دُونَ أَدْنَى جَلَبَةٍ. هَذَا الشُّمُوخُ لَيْسَ تَكَبُّرًا أَجْوَفَ يَنْظُرُ إِلَى الآخَرِينَ بِازْدِرَاءٍ مَرَضِيٍّ، بَلْ هُوَ امْتِلَاءٌ رُوحِيٌّ يُغْنِي عَنْ مُزَاحَمَةِ الآخَرِينَ عَلَى مَوَاطِئِ الأَقْدَامِ الضَّيِّقَةِ. فَالمُمْتَلِئُ لَا يُزَاحِمُ، وَالعَالِي لَا يَتَصَنَّعُ العُلُوَّ، وَالشَّمْسُ لَا تَرْفَعُ صَوْتَهَا كَيْ يُصَدِّقَ النَّاسُ أَنَّهَا تُضِيءُ.

نَظْرَتُهُمُ الصَّامِتَةُ تُفَكِّكُ طَلَاسِمَ الخِدَاعِ المُعَقَّدَةِ، وَابْتِسَامَتُهُمُ الخَفِيفَةُ تُطْفِئُ حَرَائِقَ الغُرُورِ المُشْتَعِلَةَ فِي نُفُوسِ الأَدْعِيَاءِ. يَمُرُّونَ فِي سَاحَاتِ الحَيَاةِ مُرُورَ الغَيْمِ المَاطِرِ الثَّقِيلِ، يَمْنَحُونَ الخَيْرَ العَمِيمَ دُونَ أَنْ يُطَالِبُوا بِثَمَنٍ أَوْ يَنْتَظِرُوا شُكُورًا، وَيَرْتَفِعُونَ عَنِ الدَّنَايَا وَسَفَاسِفِ الأُمُورِ دُونَ أَنْ يَتَبَاهَوْا بِارْتِفَاعِهِمُ الشَّاهِقِ. فِي هُدُوئِهِمْ تَكْمُنُ العَاصِفَةُ المُؤَجَّلَةُ الَّتِي تُرْعِبُ البَاطِلَ، وَفِي شُمُوخِهِمْ تَتَجَسَّدُ السِّيَادَةُ البَيَانِيَّةُ وَالرُّوحِيَّةُ فِي أَبْهَى تَجَلِّيَاتِهَا.

وَلِذَلِكَ يَظَلُّونَ، فِي نِهَايَةِ المَطَافِ، شَوَاهِدَ حَيَّةً عَلَى أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يُولَدُونَ وَاقِفِينَ حَقًّا وَيَقِينًا، وَيَعِيشُونَ وَاقِفِينَ، وَيَمُوتُونَ كَذَلِكَ؛ لَا يَعْرِفُونَ لِلْأَرْضِ حِضْنًا يَسْتَكِينُونَ إِلَيْهِ إِلَّا وَهُمْ فِي جَوْفِهَا مَوْتَى، أَمَّا عَلَى ظَهْرِهَا فَهُمْ سَادَةُ الفَضَاءِ المَفْتُوحِ. يَمْضُونَ وَالرِّيحُ خَلْفَهُمْ لَا أَمَامَهُمْ، وَالزَّمَانُ يَتَعَلَّمُ مِنْ خُطَاهُمْ أَدَبَ العُبُورِ، وَالعَالَمُ، عَلَى مَا فِيهِ مِنْ اعْوِجَاجٍ وَوَهَنٍ وَاسْتِنْسَاخٍ، يَحْتَفِظُ بِبَقِيَّةِ كَرَامَتِهِ لِأَنَّ فِيهِ أَرْوَاحًا لَا تَنْحَنِي.

هُمْ لَيْسُوا كَائِنَاتٍ خَارِجَةً مِنَ الأَلَمِ، بَلْ كَائِنَاتٌ تَعَلَّمَتْ أَنْ تَجْعَلَ الأَلَمَ خَادِمًا لِلمَعْنَى، وَلَيْسُوا مَصُونِينَ مِنَ الجُرُوحِ، بَلْ قَادِرِينَ عَلَى أَنْ يُحَوِّلُوا الجُرُوحَ إِلَى نُقُوشِ نَجَاةٍ عَلَى جُدْرَانِ الرُّوحِ. فَهُنَاكَ فَرْقٌ بَيْنَ مَنْ يَقِفُ لِأَنَّهُ لَمْ يُضْرَبْ، وَمَنْ يَقِفُ بَعْدَ أَنْ ضَرَبَتْهُ الحَيَاةُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، ثُمَّ أَبَى أَنْ يُسَلِّمَ قَامَتَهُ لِلْهَزِيمَةِ. وَهَؤُلَاءِ هُمُ المَعْنَى الأَصْعَبُ لِلإِنْسَانِ؛ أَنْ تَتَصَدَّعَ وَلَا تَسْقُطَ، وَأَنْ تَحْتَرِقَ وَلَا تَتَفَحَّمَ، وَأَنْ تُطْعَنَ ثُمَّ تَخْرُجَ مِنْ جُرْحِكَ أَكْثَرَ نُبْلًا، وَأَشَدَّ ضِيَاءً، وَأَقْدَرَ عَلَى الغُفْرَانِ مِنْ غَيْرِ ذُلٍّ، وَعَلَى الرَّحْمَةِ مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ، وَعَلَى الرَّحِيلِ مِنْ غَيْرِ مَرَارَةٍ.

فَطُوبَى لِمَنْ وُلِدَ وَاقِفًا، وَطُوبَى لِمَنْ بَقِيَ وَاقِفًا حِينَ تَكَاثَرَتْ أَسْوَاقُ الرُّكُوعِ، وَطُوبَى لِمَنْ حَمَلَ رُوحَهُ كَرَايَةٍ لَا كَحِمْلٍ، وَصَانَ كَرَامَتَهُ كَمِحْرَابٍ لَا كَزِينَةٍ، وَعَرَفَ أَنَّ العُمْرَ الَّذِي يُصْرَفُ فِي حِفْظِ القَامَةِ، وَإِنْ قَلَّتْ مَكَاسِبُهُ الظَّاهِرَةُ، أَشْرَفُ مِنْ حَيَاةٍ طَوِيلَةٍ تُقْضَى فِي مَسَاوَمَةِ الرُّوحِ عَلَى فُتَاتٍ لَا يَشْبَعُ وَلَا يُغْنِي. فَبَعْضُ النَّاسِ لَا يَمُرُّونَ بِالحَيَاةِ كَمَا يَمُرُّ العَابِرُونَ، بَلْ يَتْرُكُونَ فِي الهَوَاءِ شَكْلَ قَامَتِهِمْ، وَفِي الزَّمَنِ نُبْلَ أَثَرِهِمْ، وَفِي القُلُوبِ دَلِيلًا بَاهِرًا عَلَى أَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَكُونُ، حِينَ يَصْدُقُ مَعَ سِرِّهِ، أَعْلَى مِنْ ظُرُوفِهِ، وَأَصْلَبَ مِنْ جِرَاحِهِ، وَأَكْبَرَ مِنْ كُلِّ مَا أَرَادَ أَنْ يُسْقِطَهُ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى