انطلقتْ تُسابقُ الرّيح، لا تلوي على شيء، يلهثُ خلفها ذُعرُها المكلومُ بوجع العجز. كان النعاسُ قد بدأ يُداعبُ عيني النهار حين أرهقتها أنفاسُها، وخانتها أطرافُها، فأسندت جسدها إلى جذع شجرةٍ عجوز، تلعقُ جراحها النازفة في صمتٍ ووُجوم، وتُهدهدُ صدرها المتهدّج لِيستكين. وفجأةً دوّت في البرّية زأرةُ مخاضٍ مبكر؛ لبِكرٍ تضعُ شبلين: ذكرًا وأنثى.
لم تكن باجيرا، وهي تجتهدُ في تطوير قدراتها في الرصد والصيد، وتترقّى بثقةٍ في الترتيب الهرميّ للجماعة، تعلمُ أنَّ فضّيّةَ العين ستناصبها العداء، وتترصّدُ كلَّ مرّةٍ تُظهرُ فيها براعتها، أو تجتذبُ إليها نظر الأسد المسيطر. كانت فضّيّةُ العين لبؤةً رهيبةً أثقلتها السيادةُ حتى حسبتها حقًّا أبديًّا، لا منزلةً تُنتزعُ بالقوّة وتزولُ بها. وكلّما رأت باجيرا تعودُ من الصيد بطرائدَ تعجزُ عنها غيرها، اشتعل في عينها ذلك الوميضُ البارد الذي يسبقُ الغدر. وحين وضعت باجيرا شبليها من الأسد، جُنَّ جنونُها، فَانْقضَّت عليهَا حَتَّى قتلَتهَا وَالشبلَ الذكرَ قبلَ أَنْ يعودَ الأَسدُ فَتُقعِي قدرًا لنجاةِ المولودَةِ الأُنثى التي احتضنتهَا لَبؤةٌ أُخرى.
كبرت جاندا على ما كانت عليه أمُّها من حدّة الذكاء، وحبّ التميّز، ورغبةٍ لا تهدأ في التفوّق. وما إن بدأت مخالبها تشتدّ، وحواسّها تُصقل، حتى وجدت نفسها في مواجهة العداوة القديمة ذاتها. كانت تشعرُ بالمقت ينضحُ من فضّيّة العين، وترى الغدرَ يلوحُ في نظرتها كلّما نجحت في مطاردة، أو تقدّمت سائرَ اللبؤات في صيد. لذلك ظلّت تتحاشى أن تمنحها فرصةَ الانقضاض قبل أن تكتمل قوّتها وتستوي خبرتها.
ومضى الزمنُ وئيدًا؛ يأخذُ من فضّيّة العين قوّة السنين، ويمنحُ جاندا ما تحتاج إليه من بأسٍ وتجربة. ومع الأيام، لم تَعُد الشابّةُ تخشاها كما كانت، وبدأت الجماعةُ تلتفت إليها، لا بوصفها ابنةَ باجيرا، بل لبؤةً تملكُ من أمر نفسها ما يؤهّلها للسيادة. ثم صارت جاندا أُمًّا. وحين جفَّ ضرعُها، وجاع صغيراها، نقلتهما إلى دغلٍ كثيفٍ قريب، ثم غادرت تُجاهدُ رهقها في طلب طريدة. لم يكن الصيد يسيرًا، لكنّها عادت بعد عناء، وفي فمها بقيّةُ دم ظبيٍ صغير.
ما إن ولجت الدغل حتى شلّتها الفجيعة. لم تجد شبليها حيث تركتهما. ابتلعت الصدمة، وانطلقت تبحثُ بلهفةٍ مسعورة، حتى سمعت صياحًا خافتًا خلف الأدغال. اندفعت إلى الصوت، فرأت عصابةً من الضباع تنهشُ أحد شبليها حيًّا. انقضّت كالسهم وخلّصته من بين الأنياب، ثم طاردت الضباع بضراوةٍ حتى تفرّقت بعيدًا. عادت إليه تلهث، وحاولت أن تحمله، فأوهاها صراخُه. لعقته بحنان، تستحثّه على الوقوف، فاكتشفت أنَّ ظهره قد كُسر، وأحشاءه مُزّقت، وأنَّ الموت لم يَعُد احتمالًا ينتظره، بل حقيقةً تزحف إليه ببطء.
أغمضت عينيها لحظةً تُغالبُ ألمًا لا تعرفُ الوحوشُ له اسمًا، ثم أطلقت صيحةً هزّت أرجاء الوادي. فتحت عينيها، وبحثت عن شبلها الآخر، فلم تجد له أثرًا. نظرت إلى وليدها الجريح نظرةً أخيرة، ثم مضت تجرُّ أقدامها. كان يزحفُ خلفها ويناجيها بصوتٍ متهدّج، وكلَّما توقفت بغريزةُ الأمّ فيها، دفعها ناموسُ البرّية إلى المضيّ، فقد كانت تدرك أنه ميت لا محالة. وحين اشتدّ عليها نداؤه، أطلقت ساقيها للريح؛ تفرُّ من أمومةٍ مكلومة إلى طبيعةٍ لا تُمهلُ الضعيف، ولا تنتظرُ الحزين.
لم تكد تتعافى من فاجعتها حتى باغتتها فضّيّةُ العين عند أقصى الوادي. دارت بينهما معركةٌ شرسة، غير أنَّ جاندا كانت مُنهكةً، حديثةَ الجراح، فغلبتها اللبؤةُ القديمة، وأحدثت فيها جراحًا اضطرّتها إلى الهرب بعيدًا عن أرض الجماعة.
عاشت جاندا بعد ذلك وحيدةً، تجوب الأدغال، وتقتاتُ ممّا تصيده بلا عون. وصقلت الممارسةُ قدراتها، وهذّبت المثابرةُ خبرتها، حتى باتت قادرةً على إسقاط فرائسَ كبيرةٍ تعجزُ عنها جماعةٌ كاملةٌ من اللبؤات. علّمتها الوحدةُ ألّا تنتظر أحدًا، وعلّمتها الجراحُ أنَّ الهزيمة لا تُنهي الصراع، بل تكشفُ موضع الضعف فيه. وحين استردّت قوّتها، قرّرت العودة ولن يثنيها عن ذلك شيء.
وقفت فوق تلّةٍ مشرفةٍ على وادي الأسود، تستعيدُ ما جرى لها هناك، وترى من بعيد الأرضَ التي وُلدت فيها، وطُردت منها. كانت الشمسُ تُطلُّ على استحياءٍ من خلف الأكمة، حين بدأت جاندا تهبطُ السفح بخطًى واثقة، تُجيل عينيها في الأفق بحثًا عن جماعتها. لم يطل انتظارُها. أطلّت فضّيّةُ العين برأسها، وما إن عرفتها حتى أقبلت تُهرولُ مستفزّةً، وقد أيقظت العودةُ فيها خوفًا قديمًا لم تُرد الاعتراف به.
وقفت جاندا في ثبات، ولم تُظهر رغبةً في هجوم. لكنّ فضّيّة العين بادرتها، فانقضّت عليها بكلّ ما بقي فيها من شراسة. تلقّت جاندا الهجمةَ بقوّة، ثم دفعتها عنها، وأطبقت عليها حتى طرحتها أرضًا. وقفت فوقها، ونظرت في عينها بتحدٍّ صامت. أدركت فضّيّةُ العين أنَّ جاندا لم تَعُد تلك الشابّةَ التي هزمتها من قبل. انسحبت ببطء، تتقبّلُ عودتها على مَضَض، فيما كانت اللبؤاتُ تراقبن في صمتٍ ولادةَ ميزانٍ جديدٍ للقوّة.
مضت أيامٌ والجوعُ ينهشُ الجماعة.
وفي صباحٍ قائظ، ظهر على الضفّة الأخرى من النهر قطيعٌ من البقر الوحشي. اقتربت اللبؤات من الماء، ثم توقّفن عند حدوده، وأدرن رؤوسهنّ نحو فضّيّة العين، ينتظرن منها المبادرة التي طالما بدأن بها صيدهن. لكنّها ظلّت واقفةً.
كان النهرُ متدفّقًا، والتيّارُ قويًّا، والقطيعُ في الجهة الأخرى مستنفرًا. طال تردّدُها حتى أخذ الجوعُ يطغى على هيبتها في أعين اللبؤات. عندها تقدّمت جاندا. خطت نحو الماء، تحسّسته بقدمها، ثم خاضته بحرصٍ وإصرار. تردّدت اللبؤات قليلًا، ونظرن إلى فضّيّة العين، فلمّا رأينها عاجزةً عن المبادرة تركنها وحيدةً، وتبعن جاندا، الواحدةَ تلو الأخرى. لم تُعلن جاندا نفسَها قائدةً، لكنَّ الموقف فعل.
اجتازت النهر، ثم أجالت بصرها في القطيع حتى رصدت ثورًا سمينًا يتأخّر عن بقيّته. حدّدت لحظة الانطلاق، فقادت هجومًا قويًّا تمكّنت فيه اللبؤاتُ من إسقاطه. غير أنَّ قائد القطيع عاد مع مجموعةٍ من الثيران القويّة، فانقضّت على اللبؤات، وأجبرتهنّ على التراجع قبل أن يُجهزن على صيدهن. تجمّعت اللبؤاتُ من جديد، تستعدّ لهجومٍ آخر، حين أقبلت فضّيّةُ العين نحوهنّ بخطًى بطيئة، مقطّبة الجبين.
أقعت بعضُ اللبؤات فزعًا، وتوجّست الأخرياتُ من عودة سطوتها القديمة. لكنّها لم تلتفت إلى واحدةٍ منهنّ. مضت حتى وقفت أمام جاندا التي تلقّتها في شَمَمٍ وحذر. ظلّتا لحظاتٍ تتبادلان النظر. ثم انحنت فضّيّةُ العين أمامها. كان انحناؤها إعلانًا صامتًا بأنَّ عهدًا قد انتهى، وأنَّ القيادة انتقلت إلى مستحقٍّ جديدٍ. تحكّكت الرقبتان في عناقٍ قصير. ثم عادت جاندا لتقود الهجوم، فاستطعن فصلَ الثور الجريح عن القطيع، وإتمام الصيد. وشاركت فضّيّة العين تابعةً لأوّل مرّة منذ عهدٍ بعيد.
انشغلت اللبؤاتُ بالفريسة، وغبارُ المعركة ما يزال عالقًا في الهواء، حين انتبهت جاندا إلى حركةٍ خافتةٍ خلف شجيراتٍ قريبة. توقّفت عن الطعام. رفعت رأسها، وحدّقت في الشيء الذي يتحرّك وسط الغبار، ثم وقفت مذهولةً على أطراف براثنها. دنت خطواتٍ قليلة، فبلغ أنفها عِطرٌ قديمٌ لا تخطئه أمّ. انطلقت نحوه بجنون.
كان شبلًا صغيرًا، هزيلَ الجسد، يحملُ في رائحته أثرَ الدغل الذي فقدت فيه صغارها. تشمّمته، فرفع رأسه وأطلق نداءً رقيقًا تعرفه، وإن غيّر الجوعُ بعض نبراته. كان شبلَها الذي غاب يوم هجوم الضباع، وظنّت أنَّ البرّية ابتلعته مع أخيه. جثت أمامه، فتقدّم يتمرّغ في حضنها. توقّف الكونُ في عينيها لحظاتٍ طويلة، وغابت الجماعةُ والنهرُ والصيدُ وفضّيّةُ العين. لم يبقَ إلا أمٌّ استعادت بعضَ ما سرقته منها الطبيعة. كانت جاندا قد عادت إلى الوادي تبحثُ عن أرضٍ وقطيع وقيادة، فإذا بها تستعيدُ في آخر الطريق قلبًا ظنّت أنّها دفنته منذ زمن إلى الأبد.
