الأدبوحي الخاطر

المعنى الهارب

فِي غَلَسِ المَعْنَى، حَيْثُ تَمْتَزِجُ الرُّؤْيَا بِالذُّهُولِ، يَنْبَثِقُ طَيْفُكِ كَأَنَّهُ نَبْضُ بَحْرٍ لَمْ يَعْرِفِ الشَّوَاطِئَ، أَوْ كَأَنَّهُ نَغَمٌ سَمَاوِيٌّ انْفَلَتَ مِنْ قِيثَارَةِ الغَيْبِ لِيَسْتَقِرَّ فِي كَوْنِي صَمْتًا مُدَوِّيًا. لَسْتِ ضَوْءًا يَعْبُرُ المَسَافَاتِ، بَلْ أَنْتِ المَسَافَةُ ذَاتُهَا حِينَ تَصِيرُ وُصُولًا، وَأَنْتِ العَطَشُ حِينَ يَسْتَحِيلُ رِيًّا لَا يَرْتَوِي. أَرَاكِ فِي ارْتِعَاشَةِ المَاءِ حِينَ يُصَافِحُ وَجْهَ الفَجْرِ، وَفِي رَائِحَةِ المَطَرِ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ أَدِيمَ الأَرْضِ؛ أَنْتِ “الفِكْرَةُ البِكْرُ” الَّتِي تَخْشَى أَنْ تُلَطِّخَهَا الكَلِمَاتُ، فَتَبْقَى عَالِقَةً بَيْنَ الهَمْسِ وَالاشْتِعَالِ.

كَمْ رَسَمْتُكِ عَلَى جِدَارِ العَدَمِ وُجُودًا، وَحَوَّلْتُ لَوْعَتِي إِلَى مَحَارٍ يَحْتَضِنُ لُؤْلُؤَةَ وَجْدِكِ المَكْنُونَةِ. كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّنِي أَسِيرُ إِلَيْكِ، فَإِذَا بِي أَهْرُبُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ لِأَجِدَكِ فِيكِ؛ فَمَا الغُرْبَةُ إِلَّا وَطَنٌ لَا يَسْكُنُهُ غَيْرُنَا، وَمَا الوَصْلُ إِلَّا حِجَابٌ يَمْنَعُ الرُّوحَ مِنْ تَمَامِ الرُّؤْيَةِ. لَقَدْ تَرَفَّعْتُ بِكِ عَنْ طِينِ الحَوَاسِّ، وَأَدْرَجْتُكِ فِي دِيوَانِ “المُسْتَحِيلِ الجَمِيلِ”، فَمَا كَانَ حُبُّكِ يَوْمًا طَمَعًا فِي نَوَالٍ، بَلْ كَانَ نُسُكًا فِي مِحْرَابِ الجَلَالِ.

يَا أَيَّتُهَا التَّوْقُ الَّذِي يَسْكُنُ حَدَّ السِّكِّينِ، مَا بَالُ رُوحِي كُلَّمَا اقْتَرَبَتْ مِنْ سِدْرَةِ قُرْبِكِ، نَفَرَتْ مِنْهَا “أَنَا” التُّرَابِيَّةُ لِتَعُوذَ بِـ “أَنَا” السَّمَاوِيَّةِ؟ كَأَنَّنِي وَأَنْتِ نَقِيضَانِ لَا يَلْتَقِيَانِ إِلَّا فِي نُقْطَةِ الفَنَاءِ، أَوْ كَأَنَّنَا قَصِيدَةٌ كَتَبَهَا القَدَرُ بِمِدَادِ الحَيْرَةِ، لَا تَنْفَكُّ تَبْحَثُ عَنْ قَافِيَةٍ لَا تَجِيءُ. أَنَا مَا كَلِفْتُ بِكِ لِأَمْلِكِكِ، فَمَنْ يَمْلِكُ الرِّيحَ أَوْ يَحْبِسُ العِطْرَ؟ إِنَّمَا كَلِفْتُ بِكِ لِأَتَحَرَّرَ مِنْ ثِقَلِ الكِيَانِ، لِأَصِيرَ مَحْضَ نَظْرَةٍ تَرْمُقُ الأَبَدَ، وَخَفْقَةِ قَلْبٍ تَعْرِفُ أَنَّ الخُلُودَ لَيْسَ فِي البَقَاءِ، بَلْ فِي الِاحْتِرَاقِ الَّذِي لَا يُبْقِي رَمَادًا.

مَا أَعْظَمَ أَنْ تَكُونِي عَصِيَّةً عَلَى الِاحْتِوَاءِ! كَأَنَّ مَعْدَنَكِ صِيغَ مِنْ جَوْهَرِ النُّجُومِ الَّتِي نَرَاهَا وَلَا نَلْمِسُهَا، وَكَأَنَّ وُجُودَكِ فِي مَدَارِي تَرْتِيلٌ طَوِيلٌ لِذَاكَ المَعْنَى الهَارِبِ الَّذِي يَجْعَلُ مِنَّ الشَّوْقِ عِبَادَةً، وَمِنَ الِانْتِظَارِ طَرِيقًا إِلَى الخَلَاصِ. فَلَا تَقْتَرِبِي حَتَّى لَا تَنْطَفِئَ الجَذْوَةُ، وَلَا تَبْتَعِدِي حَتَّى لَا يَتَجَمَّدَ النَّبْضُ؛ بَلْ ظَلِّي هَكَذَا، سِرًّا جَمِيلًا يَهْرُبُ مِنَّا إِلَيْنَا، لِنَبْقَى فِي هَذَا التِّيهِ المُقَدَّسِ نَبْحَثُ عَنْكِ فِينَا، وَنَجِدُ كُلَّ المَعَانِي فِي غِيَابِكِ البَاهِرِ.

أَنْتِ يَا سَيِّدَةَ الغِيَابِ، “المَعْنَى الهَارِبُ” الَّذِي كُلَّمَا نَطَقَتْ بِهِ شَفَتَا البَيَانِ ازْدَادَ تَمَنُّعًا وَغُمُوضًا. أُطَارِدُكِ فِي مَتَاهَاتِ اللُّغَةِ، فَأَجِدُكِ بَيْنَ النُّقْطَةِ وَالفَرَاغِ، وَبَيْنَ الصَّرْخَةِ وَتَرْدِيدِ الصَّدَى. إِنَّكِ تِلْكَ الآيَةُ الَّتِي لَا تُفَسَّرُ، وَاللَّحْنُ الَّذِي لَا يُحْبَسُ فِي إِطَارِ مَقَامٍ؛ فَكُلَّمَا ظَنَنْتُ أَنِّي قَدْ أَمْسَكْتُ بِطَرَفِ مَعْنَاكِ، انْسَلَلْتِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ الحَرْفِ كَمَا يَنْسَلُّ النُّورُ مِنْ بَيْنِ جُفُونِ النَّائِمِ، لِتَبْقِي أَنْتِ المَعْنَى الهَارِبَ الَّذِي يَهَبُ لِحَيَاتِي بَقَاءَهَا، وَيَمْنَحُ لِقَلَمِي سِرَّ خُلُودِهِ.

هَا أَنَا أَقِفُ عَلَى حَافَّةِ الصَّمْتِ، أُقَدِّمُ لَكِ عُمْرِي قُرْبَانًا لَا يَطْلُبُ قَبُولًا، بَلْ يَكْفِيهِ شَرَفُ الِانْتِسَابِ إِلَى مَدَارِكِ. فَكُونِي كَمَا أَنْتِ؛ سِرًّا لَا يُفَضُّ، وَنُورًا لَا يُمْسَكُ، وَحُلُمًا يَتَأَبَّى عَلَى التَّفْسِيرِ. فَلَوْلَا هَذَا الشَّوْقُ المُرُّ لَمَا عَرَفْنَا حَلَاوَةَ الِانْتِظَارِ، وَلَوْلَا حِجَابُ المَسَافَةِ لَمَا أَبْصَرَتِ البَصِيرَةُ نُورَ الحَقِيقَةِ. لَقَدْ وَصَلْنَا حِينَ آمَنَّا أَنَّنَا لَنْ نَصِلَ، وَوَجَدْنَا ذَوَاتِنَا حِينَ ضِعْنَا فِي لُجَّةِ هَذَا البَهَاءِ المَمْدُودِ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى