سيدة العطور
بِلَهْفَةِ النَّحْلِ تَنْسَلُّ بَوَاكِيرُ شَوْقِي إِلَى أَزَاهِيرِ فُصُولِكِ الحَالِمَةِ، فَتَرْتَشِفُ مِنْ فُضُولِ المَيَاسِمِ رَحِيقَ الرِّفْقِ لَثْمًا، وَتَقْتَرِفُ فِي حُقُولِ المَوَاسِمِ نَجْوَى التَّبَتُّلِ فِي بَسَاتِينِ عَبَقِكِ إِثْمًا، وَتَحْتَرِفُ مَعَ خُيُولِ إِقْبَالِكِ وَانْقِلَابِكِ لُغَةَ السَّنَابِكِ عَلَى صَفْحَةِ القَلْبِ نَأْيًا وَقُرْبًا؛ فَكُلَّمَا أَقْبَلْتِ ارْتَجَّتْ فِي مَدَائِنِ الرُّوحِ أَجْرَاسُ البَهْجَةِ، وَكُلَّمَا انْصَرَفْتِ ظَلَّتْ خُطَاكِ فِي المَمَرَّاتِ عِطْرًا يَدُلُّ عَلَيْكِ بَعْدَ غِيَابِكِ، كَأَنَّ لِلخُطْوَةِ ذَاكِرَةً، وَلِلرَّائِحَةِ بَصِيرَةً، وَلِلشَّوْقِ حَاسَّةً سَادِسَةً تَرَاكِ حِينَ تَعْجَزُ العَيْنُ عَنْ رُؤْيَاكِ.
وَيَزْدَهِرُ فِي الخَاطِرِ هَوَاكِ، فَلَا تَأْلُو خَلِيَّةُ المَشَاعِرِ تَنْضَحُ مِنْ عَمِيقِ الوُدِّ وَرَفِيقِ الصَّدِّ مَرَاسِمَ حَيَاةٍ وَطُقُوسَ انْتِمَاءٍ وَاحْتِوَاءٍ؛ شَمْعًا يُضِيءُ دُرُوبَ السَّالِكِينَ، وَشَهْدًا مُصَفًّى مِنْ كَدْرَةِ اللَّحْظَةِ، وَعَثْرَةِ اللَّفْظَةِ، وَزَفْرَةِ الأَنِينِ، شَرَابًا طَهُورًا سَائِغًا لِلعَاشِقِينَ. وَكَأَنَّ القَلْبَ خَلِيَّةٌ كُبْرَى، لَا يَكُفُّ نَحْلُهَا عَنْ صَنْعِ العَسَلِ مِنْ أَشْوَاكِ الغِيَابِ وَأَزَاهِيرِ اللِّقَاءِ، وَلَا يَعْرِفُ أَنْ يَرُدَّ مَا يَأْتِيهِ مِنْكِ إِلَّا حُلْوًا، حَتَّى إِنْ جَاءَهُ فِي بَعْضِ غَفْلَةٍ مُرًّا. فَمَا أَعْجَبَ هَذَا الحُبَّ الَّذِي يَتَعَلَّمُ مِنَ النَّحْلِ صَبْرَهُ، وَمِنَ الزَّهْرِ سَخَاءَهُ، وَمِنَ العِطْرِ قُدْرَتَهُ عَلَى البَقَاءِ بَعْدَ رَحِيلِ مَصْدَرِهِ! يَمُرُّ الحُضُورُ فِي الوَقْتِ مَرَّةً، وَيَبْقَى عَبَقُهُ فِي الذَّاكِرَةِ أَلْفَ مَرَّةٍ؛ وَتَنْقَضِي اللَّحْظَةُ، وَلَكِنَّهَا تَتَرَسَّبُ فِي قَاعِ الرُّوحِ كَقَطْرَةِ عُودٍ مُعَتَّقَةٍ، كُلَّمَا مَسَّهَا حَرُّ الحَنِينِ فَاحَ مِنْهَا مَا ظَنَنَّاهُ قَدْ تَبَدَّدَ فِي هَوَاءِ السِّنِينَ.
وَبِلَهْوِ الفَرَاشَاتِ الوَادِعَةِ فِي حَدَائِقِ صَفْوِكِ الحَانِي، يَتَسَلَّلُ إِلَى النَّفْسِ مِنْكِ وَحْيُ عَبِيرٍ مَارِقٍ، يُذْكِي تَبَارِيحَ الوَجْدِ افْتِقَادًا، وَيُزَكِّي مَسَامَّ العِشْقِ اتِّقَادًا؛ لَا يَدْخُلُ مِنْ بَابِ الحَوَاسِّ وَحْدَهَا، بَلْ يَنْفُذُ مِنْ شُقُوقِ الرُّوحِ، وَيَسْكُنُ فِي المَوَاضِعِ الَّتِي لَا تَبْلُغُهَا يَدُ الوَصْفِ. كَأَنَّ عَبِيرَكِ لَا يُشَمُّ، بَلْ يُسْمَعُ فِي مَوْسِيقَى النَّبْضِ، وَيُرَى فِي ارْتِعَاشَةِ الخَاطِرِ، وَيُذَاقُ فِي حَلَاوَةِ الحَنِينِ حِينَ يَمْرُرُ اسْمُكِ عَلَى اللِّسَانِ.
وَتَهْفُو إِلَى بَرَاعِمِ فِتْنَتِكِ نَزْعَةُ فَارِسٍ لَمْ يُتْقِنْ فِي حَضْرَةِ الغِيَابِ إِلَّا صَهْوَةَ عَزْمٍ طَامِحٍ، وَسَرْجَ جِدٍّ جَامِحٍ، وَجَوَادَ مَنْحٍ ضَابِحٍ؛ يَعْدُو بِالصَّبْرِ عَبْرَ السَّهْلِ وَالصَّعْبِ، وُصُولًا إِلَى قِمَّةِ مَجْدِكِ الزَّاهِرِ، وَإِلَى قِيمَةِ حُسْنِكِ البَاهِرِ، وَحِسِّكِ الأَثِيلِ. يَعْدُو لَا لِيَفْتَحَ مَمْلَكَةً، بَلْ لِيَصِلَ إِلَى قَلْبٍ؛ وَلَا لِيَغْرِسَ رَايَةَ امْتِلَاكٍ، بَلْ لِيَضَعَ عَلَى العَتَبَةِ وَرْدَةَ وَلَاءٍ، وَيَنْتَظِرَ فِي وَقَارٍ أَنْ يَأْتِيَهُ مِنَ الدَّاخِلِ إِذْنُ الدُّخُولِ. تَهْفُو؛ وَفِي كَفِّ العِنَاقِ وَرْدَةُ بَوْحٍ بَيْضَاءُ، وَعَلَى كَتِفِ العَهْدِ سَنَابِلُ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ مِنْ قَبْلُ مِنْجَلُ طَمَعٍ، وَلَا فَلْسَفَةُ وَجَعٍ، وَلَا آفَةُ جُنُونٍ. سَنَابِلُ نَضِجَتْ فِي حُقُولِ الصَّبْرِ عَلَى مَهَلٍ، وَسُقِيَتْ بِمَاءِ الثِّقَةِ، وَنَجَتْ مِنْ جَرَادِ الظُّنُونِ وَرِيحِ التَّأْوِيلِ، حَتَّى غَدَتْ خُبْزًا يَكْفِي لِجُوعِ قَلْبَيْنِ، وَذُخْرًا لِشِتَاءِ أَيَّامٍ قَدْ يَطُولُ فِيهَا البَرْدُ وَيَقِلُّ الحَطَبُ.
وَإِذْ هَمَسْتِ لِي ذَاتَ انْهِمَارٍ:
إِنِّي مَا عَهِدْتُ الزَّهْرَ إِلَّا يَبْتَهِجُ لِمَاءٍ رَائِقٍ يَرْوِيهِ، وَإِلَّا يَأْرَجُ لِرَبِيعِ دِفْءٍ يَحْتَوِيهِ؛ فَمَا لِأَزَاهِيرِ نَبْضِي لَا تَتَفَتَّقُ عَبَقًا إِلَّا لِبَهَاءِ طَلْعَتِكَ، وَلَا تَتَصَبَّبُ عَرَقًا إِلَّا لِهَيْبَةِ طَلَّتِكَ؛ حَرِّهَا وَقَرِّهَا، وَرَبِيعِهَا وَخَرِيفِهَا؟ وَفِيمَ تَرْفَعُ بَتَلَاتُ شَغَافِي أَكُفَّ غُصُونِ الحَنِينِ، تَسْتَسْقِي أَنَامِلَ قَطْفِكَ كَيْ تَعِيشَ بِالمَوْتِ فِيكَ مَوْسِمَيْنِ؟
سَكَتُّ وَلَمْ أُجِبْ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الكَلَامِ إِذَا جَاءَ مِنْ فَمِ الحَبِيبِ لَا يُجَابُ عَنْهُ، بَلْ يُحْفَظُ فِي قَوَارِيرِ الرُّوحِ، وَيُتْرَكُ لِيَتَعَتَّقَ فِي دِفْءِ الذَّاكِرَةِ حَتَّى يَصِيرَ أَثْمَنَ مِنْ جَوَابٍ مُسْتَعْجَلٍ. وَشَعَرْتُ أَنَّ كَلِمَاتِكِ لَمْ تَدْخُلْ أُذُنِي، بَلْ مَرَّتْ عَلَى شِغَافِي كَنَسِيمِ نَيْسَانَ عَلَى حَقْلِ خُزَامَى، فَاهْتَزَّ مِنْهَا مَا كَانَ سَاكِنًا، وَفَاحَ مِنْ أَعْمَاقِي مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ الصَّمْتَ قَدْ خَتَمَ عَلَيْهِ.
وَقُلْتُ فِي سِرِّي: أَيُّهَا الزَّهْرُ الَّذِي يَسْأَلُ المَاءَ عَنْ سِرِّ تَفَتُّحِهِ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ فِي جَوْهَرِكَ عُطُورًا سَبَقَتِ المَطَرَ وَالرَّبِيعَ، وَأَنَّ المَاءَ لَا يَخْلُقُ عِطْرَ الوَرْدَةِ، بَلْ يُعِينُهَا عَلَى إِظْهَارِ مَا أَوْدَعَهُ اللهُ فِيهَا؟ وَأَنَا، يَا سَيِّدَةَ العُطُورِ، لَسْتُ إِلَّا نَسِيمًا مَرَّ عَلَى حَدَائِقِكِ، فَأَخَذَ مِنْهَا مَا يَحْمِلُهُ إِلَى العَالَمِ، ثُمَّ عَادَ يَحْسَبُ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي مَنَحَ البُسْتَانَ عَبِيرَهُ.
وَقُلْتِ:
وَإِنِّي كُلَّمَا دَاهَمَ تِشْرِينُ مَوْسِمِي نَيْسَانَ حُلْمِي، غَطِشَ دَرْبِي، وَعَطِشَ عُشْبِي، وَفَزِعَ انْشِغَالِي العَالِقُ بِكَ وَالعَابِقُ لَكَ إِلَى قَوَارِيرِ عُطُورِي: أَيُّهَا أَذْكَى وَأَزْكَى سَبِيلَ فُؤَادٍ وَرَسُولَ وِدَادٍ؟ فَلَا أَزَالُ فِي حَيْرَةِ خَجَلٍ وَرِعْشَةِ وَجَلٍ؛ إِذْ لَا عِطْرَ يَرْقَى لِرِفْعَتِكَ، وَلَا عَبَقَ يَلِيقُ بِجَنَابِكَ. لَوَدِدْتُ أَنَّ لِي مَدَائِنَ مِنْ يَاسَمِينٍ، وَسَفَائِنَ مِنْ أَجْنِحَةِ خَيَالٍ سَائِحٍ، أُحَلِّقُ بِهَا إِلَى حَيْثُ عَوَالِمُ السِّحْرِ، فَأُعَتِّقُ لَهَا مِنْكَ خَمْرًا مِنْ حَنَانٍ، وَأُعَبِّقُ لَكَ مِنْهَا عِطْرًا لَا يَنْبَغِي لِغَيْرِكَ، وَحُسْنًا يَجْعَلُنِي لِقَلْبِكَ نَشْوَةً مِنْ يَقِينٍ.
فَقُلْتُ: يَا مَنْ تَبْحَثِينَ فِي القَوَارِيرِ عَنْ عِطْرٍ يَلِيقُ بِي، وَأَنْتِ القَارُورَةُ الَّتِي لَوْ مُسَّتْ بِأَطْرَافِ الرُّوحِ لَفَاحَ مِنْهَا عُمْرٌ كَامِلٌ مِنَ الحَنَانِ؛ مَا حَاجَتِي إِلَى عُودٍ أَوْ مِسْكٍ، وَفِي حَدِيثِكِ مَا يُعَطِّرُ لَيَالِي الغُرْبَةِ، وَفِي صَمْتِكِ مَا يَمْلَأُ الفَرَاغَ بِرَائِحَةِ الأَمَانِ؟ إِنَّ أَطْيَبَ العِطْرِ لَيْسَ مَا يَعْلَقُ بِالثِّيَابِ، بَلْ مَا يَعْلَقُ بِالذَّاكِرَةِ، وَلَيْسَ مَا يَمُرُّ بِالمَكَانِ، بَلْ مَا يُغَيِّرُ طَبِيعَةَ المَكَانِ بَعْدَ عُبُورِهِ. وَأَنْتِ إِذَا مَرَرْتِ بِسَاعَةٍ مِنْ عُمْرِي، لَمْ تَعُدْ سَاعَةً كَسَائِرِ السَّاعَاتِ؛ تَصِيرُ قَارُورَةً زَمَنِيَّةً مَخْتُومَةً بِطِيبِكِ، كُلَّمَا فَتَحْتُهَا بَعْدَ سِنِينَ انْسَكَبَ مِنْهَا المَشْهَدُ كَأَنَّهُ يَقَعُ لِتَوِّهِ.
وَرُبَّ رَائِحَةٍ أَعَادَتْ إِلَى القَلْبِ مَنْ ظَنَّهُ قَدْ بَعُدَ، وَرُبَّ عَبَقٍ شَقَّ جِدَارَ الغِيَابِ كَمَا شَقَّتْ رِيحُ يُوسُفَ لَيْلَ الحُزْنِ، فَقَالَ القَلْبُ، قَبْلَ أَنْ تَصِلَ القَافِلَةُ: «إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ». وَإِنِّي لَأَجِدُ رِيحَكِ فِي أَشْيَاءَ لَمْ تَمَسِّيهَا يَدَاكِ؛ فِي صَبَاحٍ صَافٍ، وَفِي وَرْدَةٍ أَرْهَقَهَا النَّدَى، وَفِي مَمَرٍّ خَالٍ مَرَّ بِهِ طَيْفُكِ فِي الخَيَالِ، وَفِي كَلِمَةٍ تُشْبِهُ نَبْرَتَكِ فَتَفْتَحُ فِي الصَّدْرِ بَابًا كَانَ مُوصَدًا. فَالعِطْرُ، يَا حَبِيبَةُ، لَيْسَ مَادَّةً تُقَطَّرُ فِي قَارُورَةٍ، بَلْ وَطَنٌ يَسْكُنُ حَاسَّةً خَفِيَّةً فِي الرُّوحِ. هُوَ المَكَانُ إِذَا عَادَ فِي نَفَسٍ، وَالزَّمَانُ إِذَا انْضَغَطَ فِي قَطْرَةٍ، وَالإِنْسَانُ إِذَا تَخَلَّصَ مِنْ جَسَدِهِ وَبَقِيَ أَثَرًا نَقِيًّا يَسْرِي فِي الحَوَاسِّ. وَكَمْ مِنْ وَجْهٍ غَابَ وَظَلَّ عِطْرُهُ يَفْتَحُ أَبْوَابَ المَنَافِي عَلَى حَدَائِقِ اللِّقَاءِ!
أَيَّتُهَا المُنْبَثَّةُ فِي مَسَارَاتِ رُوحِي، المُنْدَسَّةُ فِي شَرَايِينِ مَبَاهِجِي وَمَنَاهِجِي، المُتَفَرِّدَةُ بِسِمَاتِكِ وَقَسَمَاتِكِ فِي غُرْبَةِ السِّنِينَ؛ أَنْتِ لَا تَعْبُرِينَ فِيَّ كَذِكْرَى، بَلْ تَجْرِينَ كَدَمٍ آخَرَ يَمْنَحُ النَّبْضَ مَعْنَاهُ، وَتَتَسَلَّلِينَ فِي مَسَامِّ أَيَّامِي كَعِطْرٍ لَا يُرَى، وَلَكِنَّهُ يُغَيِّرُ طَبِيعَةَ الهَوَاءِ. العِطْرُ يَحْتَاجُكِ وَلَا تَحْتَاجِينَهُ؛ فَهُوَ يَبْحَثُ عَنْ جَسَدٍ يَحْمِلُهُ، وَأَنْتِ يَحْمِلُكِ المَعْنَى، وَيَسْتَمِدُّ مِنْكِ الجَمَالُ اسْمَهُ وَمَبْنَاهُ. وَالحُسْنُ يَطْلُبُكِ وَلَا تَطْلُبِينَهُ؛ فَمَا كُنْتِ يَوْمًا فَقِيرَةً إِلَى زِينَةٍ تَسْتَعِيرِينَ مِنْهَا بَهَاءَكِ، بَلْ كَانَتِ الزِّينَةُ هِيَ الَّتِي تَتَشَرَّفُ بِأَنْ تَمُرَّ عَلَيْكِ، وَتَخْرُجَ مِنْ حَضْرَتِكِ أَجْمَلَ مِمَّا دَخَلَتْ. فَلَيْسَ مَا يَفُوحُ مِنْكِ عِطْرًا فَحَسْبُ، بَلْ خُلُقٌ لَهُ رَائِحَةٌ، وَحَنَانٌ لَهُ أَرَجٌ، وَوَفَاءٌ إِذَا مَرَّ عَلَى القَلْبِ عَلِقَ بِهِ كَالمِسْكِ، وَلَمْ تَمْحُهُ مِيَاهُ الجُحُودِ وَلَا رِيَاحُ التَّقَلُّبِ. وَكَمْ مِنْ وَجْهٍ جَمِيلٍ لَا عِطْرَ لَهُ؛ لِأَنَّ الرُّوحَ فِيهِ يَابِسَةٌ، وَكَمْ مِنْ رُوحٍ لَمْ تُؤْتَ مِنَ المَلَامِحِ فِتْنَتَهَا، وَلَكِنَّهَا إِذَا حَضَرَتْ عَبِقَ بِهَا المَكَانُ، وَاسْتَرَاحَ إِلَيْهَا القَلْبُ كَأَنَّهُ يَعْرِفُهَا مِنْ قَبْلُ!
أَنْتِ العِطْرُ الَّذِي لَا يَنْفَدُ؛ لِأَنَّ مَنْبَعَهُ لَيْسَ زَهْرَةً تَذْبُلُ، بَلْ رُوحًا تَتَجَدَّدُ كُلَّمَا بَذَلَتْ. وَأَنْتِ القَارُورَةُ الَّتِي لَا يَحْبِسُهَا زُجَاجٌ، وَإِنَّمَا يَحْفَظُهَا قَلْبٌ عَرَفَ قَدْرَ مَا أُودِعَ فِيهِ. فَإِذَا أَقْبَلْتِ فَاحَتْ مِنَ الأَيَّامِ رَائِحَةُ العِيدِ، وَإِذَا غِبْتِ ظَلَّ العِطْرُ يَسْأَلُ الجُدْرَانَ: أَيْنَ سَيِّدَتِي؟
وَإِنَّ لِلمَجَرَّاتِ نَوَامِيسَ التَّوَغُّلِ فِي الأُفُقِ، وَلِلنُّجُومِ قَوَامِيسَ التَّعَلُّقِ بِالأَلَقِ، وَلِلقُلُوبِ قَرَاطِيسَ التَّغَزُّلِ بِالجَمَالِ وَالجَلَالِ وَالعُيُونِ؛ وَلَكِ فِي هَذَا كُلِّهِ مَرْكَزُ كَوْنٍ وَمُلْتَقَى وُجُودٍ، لَا يَدُورُ جِرْمٌ إِلَّا فِي مَدَارِكِ، وَلَا يَتَجَلَّى نَجْمٌ إِلَّا فِي مَجَالِكِ، وَلَا يَعْبَقُ دَهْرٌ إِلَّا فِي ازْدِهَارِكِ. وَمَا المَجَرَّاتُ فِي عَيْنِ الحُبِّ إِلَّا قَوَارِيرُ كُبْرَى مِنْ غُبَارِ النُّجُومِ، وَمَا الكَوَاكِبُ إِلَّا حَبَّاتُ عَنْبَرٍ مُعَلَّقَةٌ فِي عُنُقِ السَّمَاءِ، وَمَا الفَجْرُ إِلَّا قَطْرَةُ عِطْرٍ سَكَبَهَا اللهُ عَلَى جَبِينِ اللَّيْلِ، فَفَاحَ مِنْهَا النَّهَارُ. وَأَنْتِ فِي عَيْنِي ذَلِكَ السِّرُّ الَّذِي لَوْ مَسَّ الكَوْنَ أَكْسَبَهُ مِنَ الرِّقَّةِ مَا يَكُفُّ بِهِ عَنْ قَسْوَتِهِ، وَمِنَ الحَنَانِ مَا يَجْعَلُهُ أَقَلَّ وَحْشَةً عَلَى قُلُوبِ العَابِرِينَ.
فَإِذَا سَأَلُونِي: أَيُّ العُطُورِ أَفْخَرُ؟ قُلْتُ: مَا صَنَعَتْهُ الرُّوحُ مِنْ نُبْلِهَا، وَمَا قَطَّرَتْهُ السَّرِيرَةُ مِنْ صَفَائِهَا، وَمَا تَرَكَهُ الإِنْسَانُ فِي قُلُوبِ مَنْ عَرَفُوهُ بَعْدَ أَنْ غَابَ عَنْ مَجَالِسِهِمْ. فَأَمَّا عِطْرُ الجَسَدِ فَتَذْهَبُ بِهِ الرِّيحُ، وَأَمَّا عِطْرُ الرُّوحِ فَيَسْكُنُ فِي الأَعْمَاقِ حَتَّى يَصِيرَ جُزْءًا مِنْ هُوِيَّةِ مَنْ أَحَبَّ. وَإِذَا سَأَلُونِي: مَا عِطْرُهَا؟ قُلْتُ: لَا اسْمَ لَهُ فِي قَوَامِيسِ العَطَّارِينَ، وَلَا تُحْسِنُ مَصَانِعُ الدُّنْيَا تَقْطِيرَهُ؛ فَهُوَ مَزِيجٌ مِنْ حَيَاءٍ يَفُوحُ، وَوَفَاءٍ يَبُوحُ، وَحَنَانٍ يَمُرُّ عَلَى الجُرْحِ فَيُبْرِئُهُ، وَجَمَالٍ لَا يَقِفُ عِنْدَ حُدُودِ الوَجْهِ، بَلْ يَمْتَدُّ إِلَى الكَلِمَةِ وَالمَوْقِفِ وَالصَّمْتِ وَالاعْتِذَارِ. إِنْ أَقْبَلَتْ، أَقْبَلَ مَعَهَا نَيْسَانُ وَإِنْ كُنَّا فِي قَلْبِ تِشْرِينَ، وَإِنِ ابْتَسَمَتْ أَزْهَرَ فِي الرُّوحِ مَا ظَنَنَّاهُ قَدْ صَارَ حَطَبًا، وَإِنْ تَكَلَّمَتْ فَاحَ مِنَ الحُرُوفِ مَا لَا يَفُوحُ مِنْ أَلْفِ حَدِيقَةٍ. وَإِنْ صَمَتَتْ، كَانَ صَمْتُهَا كَقَارُورَةٍ مُغْلَقَةٍ عَلَى سِرٍّ مِنَ المِسْكِ؛ يَكْفِي أَنْ تَقْرُبَ مِنْهَا الرُّوحُ لِتَعْرِفَ أَنَّ فِي دَاخِلِهَا عَالَمًا مِنَ الطِّيبِ لَمْ يُفْتَحْ بَعْدُ.
وَتَظَلِّينَ، يَا بَاذِخَةَ الحُضُورِ فِي كُلِّ الصُّدُورِ، وَيَا مَنْ تَفُوحُ مِنْ ذِكْرَاهَا المَجَالِسُ بَعْدَ انْصِرَافِهَا، وَتَخْضَرُّ مِنْ خُطَاهَا الدُّرُوبُ بَعْدَ عُبُورِهَا؛ سَيِّدَةَ العُطُورِ. لَا لِأَنَّكِ تَحْمِلِينَ أَطْيَبَهَا، بَلْ لِأَنَّ أَطْيَبَهَا يَحْمِلُ مِنْكِ بَعْضَ مَعْنَاهُ. وَلَا لِأَنَّ العَبَقَ يُحِيطُ بِكِ، بَلْ لِأَنَّكِ أَنْتِ مَا يُحِيطُ بِالعَبَقِ فَيَمْنَحُهُ قِيمَتَهُ. وَلَا لِأَنَّ الزَّهْرَ يُشْبِهُكِ، بَلْ لِأَنَّهُ يَحْلُمُ، كُلَّمَا تَفَتَّحَ، أَنْ يَبْلُغَ مِنْ رِقَّتِكِ بَعْضَ مَا يَجْعَلُهُ جَدِيرًا بِالرَّبِيعِ. وَتَظَلِّينَ سَيِّدَةَ العُطُورِ؛ لِأَنَّكِ العِطْرُ الَّذِي لَا يُشَمُّ فَحَسْبُ، بَلْ يُحَبُّ، وَلَا يَعْبُرُ فِي الهَوَاءِ، بَلْ يُقِيمُ فِي الرُّوحِ، وَلَا تَفْنَى رَائِحَتُهُ بِانْقِضَاءِ المَوْسِمِ، بَلْ تَزْدَادُ عِتْقًا كُلَّمَا مَرَّتْ عَلَيْهَا سِنُونُ الحَنِينِ.
