الأدبوحي الخاطر

حين فضحني المعنى

تَبَسَّمْتُ؛ فَالْتَفَتَتْ إِلَيَّ العُيُونُ كُلُّهَا، كَأَنَّ فِي انْفِرَاجِ شَفَتَيَّ خَبَرًا أَفْلَتَ مِنْ حِرَاسَةِ الصَّمْتِ، أَوْ سِرًّا صَغِيرًا لَمْ يُحْسِنِ الوَجْهُ كِتْمَانَهُ. وَمَا كَانَتِ الابْتِسَامَةُ فَرَحًا هَيَّأْتُ لَهُ مَلَامِحِي، وَلَا خَاطِرًا اسْتَدْعَيْتُهُ فَأَجَابَ؛ إِنَّمَا كَانَتْ شُرْفَةً فَتَحَهَا خَيَالُكِ فِيَّ، فَأَطَلَّ مِنْهَا شَيْءٌ مِنْكِ دُونَ أَنْ يَسْتَأْذِنَنِي. مَرَّ طَيْفُكِ فِي دَاخِلِي مَرُورَ نَسِيمٍ عَلَى مَاءِ السُّكُونِ، فَارْتَجَّتْ صُورَةُ العَالَمِ، وَتَكَسَّرَ عَلَى صَفْحَتِهَا وَقَارٌ طَالَمَا حَسِبْتُهُ أَعْصَى مِنْ أَنْ تَهُزَّهُ ذِكْرَى. فَاضْطَرَبْتُ؛ لَا خَوْفًا مِنْ فُضُولِ العُيُونِ، بَلْ خَشْيَةً مِنْ بَصِيرَتِهَا؛ أَنْ تَنْفُذَ مِنْ شَقٍّ فِي ابْتِسَامَتِي، فَتَرَاكِ مُقِيمَةً فِي خَيَالِي، وَتَعْثُرَ عَلَى ثَغْرِكِ فِي ثَغْرِي، وَعَلَى صَدَاكِ فِي نَبْرَةِ صَمْتِي.

خَشِيتُ أَنْ يَرَوْا أَنَّ الوَجْهَ قَدْ يَفْشِي مَا عَجَزَ اللِّسَانُ عَنْ بَوْحِهِ، وَأَنَّ الحُبَّ إِذَا امْتَلَأَتْ بِهِ الحَنَايَا تَسَلَّلَ مِنْ مَسَامِّ المَلَامِحِ؛ فَبَعْضُ الأَسْرَارِ لَا تَخْرُجُ مِنَ الفَمِ، بَلْ تَفِرُّ مِنَ العَيْنَيْنِ، وَتَسْكُنُ ارْتِعَاشَةَ الشَّفَتَيْنِ، وَتَتَوَرَّطُ فِي ابْتِسَامَةٍ تَأْتِي بِلَا مَوْعِدٍ، فَتَفْضَحُ مَنْ أَحَبَّ وَتَسْتُرُ مَنْ أَحَبَّهُ. جَمَعْتُ أَطْرَافَ ابْتِسَامَتِي كَمَنْ يَلُمُّ رِسَالَةً تَنَاثَرَتْ فِي مَمَرٍّ مُزْدَحِمٍ، وَأَسْدَلْتُ عَلَيْهَا وَقَارًا مُسْتَعَارًا؛ غَيْرَ أَنَّ الخَفِيَّ كَانَ أَبْيَنَ مِنَ الظَّاهِرِ، وَالقَلْبَ ظَلَّ يَضْحَكُ تَحْتَ ثِيَابِ الصَّمْتِ. وَمَا نَفَعَنِي أَنْ أُغْلِقَ نَافِذَةَ الوَجْهِ، وَقَدْ كَانَتْ مَدِينَةُ الرُّوحِ كُلُّهَا تَحْتَفِلُ بِكِ؟

وَمُنْذُ أَنْ أَلْقَيْتِ فِي شَغَافِي سُؤَالَكِ القَصِيرَ: «أَتُحِبُّنِي؟»، وَأَنَا أَعْرِفُ أَنَّ قِصَرَ الكَلِمَاتِ لَا يَدُلُّ عَلَى صِغَرِ مَعَانِيهَا؛ فَرُبَّ مِفْتَاحٍ لَا يَمْلَأُ الكَفَّ، وَيَفْتَحُ مَدِينَةً لَا تَسَعُهَا العَيْنُ. وَمَا كَانَتْ «أَجَلْ» الَّتِي انْفَلَتَتْ مِنِّي جَوَابًا، بَلْ قَطْرَةً حَمَلَتْ سِيرَةَ السَّحَابِ وَالمَاءِ وَالعَطَشِ، وَحَرْفًا وَاحِدًا تَزَاحَمَتْ خَلْفَهُ أَسْفَارٌ مِنَ البَوْحِ. وَإِذْ قُلْتِ لِي: «فَصِفْ» انْكَسَرَتْ عَلَى عَتَبَةِ الوَصْفِ صَوْلَةُ البَيَانِ؛ وَقَفَتِ اللُّغَةُ أَمَامَكِ وَقْفَةَ مَنْ حَفِظَ أَسْمَاءَ الأَشْيَاءِ كُلِّهَا، ثُمَّ لَمَّا رَأَى المَعْنَى نَسِيَ اسْمَهُ. كَثُرَتِ الحُرُوفُ وَقَلَّ الوَصْفُ، وَاتَّسَعَ الإِحْسَاسُ حَتَّى ضَاقَتْ بِهِ العِبَارَةُ؛ فَكَانَ فِي القَلْبِ مَا لَوْ فَاضَ عَلَى الكَلَامِ لأَغْرَقَهُ، وَلَوِ احْتَمَى بِالصَّمْتِ لَفَضَحَهُ. وَأَنَّى لِي أَنْ أَصِفَ مَا لَا يَقِفُ خَارِجِي لِأَرَاهُ، بَلْ يَسْرِي فِيَّ لِأَرَى بِهِ؟ وَكَيْفَ أَحُدُّ مَا صَارَ هُوَ الحَدَّ بَيْنِي وَبَيْنَ العَالَمِ، وَالمِرْآةَ الَّتِي أَرَى فِيهَا الأَشْيَاءَ أَصْفَى، وَأَرَى نَفْسِي أَصْدَقَ؟

رَأَيْتُهُ كَنُورِ الشَّمْسِ؛ يَمْلَأُ العَيْنَ وَلَا تَقْبِضُ عَلَيْهِ العَيْنُ، وَيَدُلُّ الدَّرْبَ وَلَا يَمْشِي فِيهِ، وَيُدْفِئُ القَلْبَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْرِفَ القَلْبُ مِنْ أَيِّ مَمَرٍّ دَخَلَ إِلَيْهِ الدِّفْءُ. يَتَخَلَّلُ الخَلَايَا وَالحَنَايَا، وَيَصِلُ إِلَى مَوَاضِعَ لَا تَبْلُغُهَا يَدٌ، وَلَا تَهْتَدِي إِلَيْهَا عِبَارَةٌ؛ فَيَكْشِفُ الأَشْيَاءَ وَيَبْقَى هُوَ أَخْفَى الأَشْيَاءِ، وَيَدُلُّ عَلَى الطَّرِيقِ وَيَسْتَتِرُ طَرِيقُهُ إِلَيْنَا. كُنْتُ أَرَاهُ وَأَشْعُرُ بِهِ وَأَحْيَا فِيهِ، وَلَكِنِّي لَا أُدْرِكُ مَدَاهُ، وَلَا أُحِيطُ بِمُحْتَوَاهُ؛ لَا أَعْرِفُ أَنَا الَّذِي أَحْمِلُهُ أَمْ هُوَ الَّذِي يَحْمِلُنِي، أَنَا الَّذِي أُضِيءُ بِهِ أَمْ هُوَ الَّذِي يَسْتَعِيرُ مَلَامِحِي لِيَظْهَرَ. وَمَا كَانَ حُبُّكِ نُورًا يُرِينِي الطَّرِيقَ إِلَيْكِ فَحَسْبُ؛ إِنَّهُ أَرَانِي نَفْسِي فِي الطَّرِيقِ، وَكَشَفَ لِي غُرَفًا فِي الرُّوحِ لَمْ تَكُنْ مَفَاتِيحُهَا فِي يَدِي. أَرَانِي مَا كَانَ يَخْتَبِئُ فِيَّ مِنْ رِقَّةٍ وَخَوْفٍ وَقُدْرَةٍ عَلَى البَذْلِ، وَأَيْقَظَ فِي أَرْضِي بُذُورًا ظَلَّتْ دَهْرًا تَحْسَبُ سُكُونَهَا مَوْتًا؛ فَمَا إِنْ مَسَّهَا دِفْؤُكِ حَتَّى انْشَقَّ صَمْتُهَا عَنْ حَيَاةٍ، وَمَدَّتْ جُذُورَهَا فِي أَعْمَاقِي وَأَغْصَانَهَا فِي مَدَاكِ.

وَحِينَ اسْتَزَادَنِي شَوْقُكِ وَصْفًا، ازْدَدْتُ بِالمَعْنَى عَطَشًا؛ فَكُلَّمَا غَرَفْتُ مِنْ بَحْرِكِ عَادَتْ يَدِي بِقَطْرَةٍ وَعَادَ القَلْبُ بِبَحْرٍ. وَكَيْفَ يَسْتَزِيدُ الوَصْفُ مِمَّنْ صَارَتْ هِيَ مِعْيَارَ الوَصْفِ، وَمِيزَانَ الجَمَالِ، وَالقِيمَةَ الَّتِي تَزِنُ بِهَا المَعَانِي قَدْرَهَا؟ كُنْتُ، قَبْلَكِ، أَظُنُّ أَنَّ خَيَالِي الوَاسِعَ قَدْ رَسَمَ لِي الحُبَّ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ، وَأَنَّ قُدْرَتِي عَلَى اسْتِشْفَافِ الأَحَاسِيسِ قَدْ أَطْلَعَتْنِي عَلَى كُنْهِهِ قَبْلَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى كُنْهِي. كُنْتُ أَتَتَبَّعُهُ فِي قَصَائِدِ الوَاجِدِينَ، وَأَلْتَقِطُ آثَارَهُ مِنْ صَمْتِ المَفْقُودِينَ، وَأَبْنِي لَهُ مِنَ الكَلِمَاتِ بَيْتًا، ثُمَّ أَحْسَبُ أَنَّنِي عَرَفْتُ البَيْتَ لأَنِّي وَصَفْتُ بَابَهُ.

كُنْتُ أَتَكَلَّمُ عَنِ البَحْرِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى رَسْمِ مَوْجَةٍ عَلَى وَرَقٍ، وَأَصِفُ المَطَرَ وَأَنَا لَمْ أَقِفْ تَحْتَهُ حَتَّى تَبْتَلَّ بِهِ ثِيَابُ الرُّوحِ، وَأَزْعُمُ أَنَّنِي عَرَفْتُ العِطْرَ لأَنِّي حَفِظْتُ أَسْمَاءَ الزُّهُورِ. ثُمَّ جِئْتِ بِطُهْرِ حِسِّكِ، وَصَفَاءِ نَفْسِكِ، وَنَدَى مَشَاعِرِكِ، فَغَدَا مَا كُنْتُ أُسَمِّيهِ حُبًّا ظِلًّا يَتَدَرَّبُ عَلَى هَيْئَةِ الحَقِيقَةِ. هُنَالِكَ أَدْرَكْتُ أَنِّي لَمَّا أُحِبَّ بَعْدُ؛ كُنْتُ أَعْرِفُ اسْمَ الحُبِّ وَأَجْهَلُ رَسْمَهُ، أَصِفُ بَابَهُ وَلَمْ أَدْخُلْهُ، وَأَحْفَظُ خَبَرَهُ وَلَمْ أَذُقْ أَثَرَهُ. كُنْتُ أَتَحَدَّثُ عَنْ نَارِهِ مِنْ خَلْفِ زُجَاجٍ لَمْ تَمَسَّهُ الحَرَارَةُ، وَعَنْ سَكْرَتِهِ وَلَمْ أَعْرِفْ صَحْوَتَهُ؛ تِلْكَ الصَّحْوَةَ الَّتِي لَا تُغَيِّبُ الإِنْسَانَ عَنِ العَالَمِ، بَلْ تَرُدُّهُ إِلَيْهِ أَبْصَرَ بِالجَمَالِ، وَأَرْفَقَ بِالوَجَعِ، وَأَشَدَّ حَيَاءً مِنْ أَنْ يَجْرَحَ مَنْ أَحَبَّ.

مَعَكِ، أَيَّتُهَا الحَبِيبَةُ، لَمْ يَعُدِ الحُبُّ اشْتِيَاقًا يَتَأَجَّجُ فَحَسْبُ؛ صَارَ رِفْقًا فِي الخُلُقِ، وَوَفَاءً فِي الوَعْدِ، وَعَدْلًا فِي الخِلَافِ، وَصَوْنًا فِي الغِيَابِ. وَمَا عُدْتُ أَرَاهُ بَحْثًا عَمَّنْ يُكْمِلُ نَقْصِي، بَلْ عَمَّنْ يُوقِظُ فِيَّ الحَيَاءَ مِنَ النَّقْصِ، وَيَرْفَعُ فِي رُوحِي مِعْيَارَ المَعْنَى حَتَّى لَا أَرْضَى لِنَفْسِي بِمَا كَانَ يُرْضِيهَا. وَإِنَّكِ لَمْ تَدْخُلِي حَيَاتِي امْرَأَةً فَحَسْبُ؛ بَلْ دَخَلْتِهَا مِعْيَارًا وَمِرْآةً وَمَعْنًى. صَارَ لِلجَمَالِ فِي عَيْنِي شَيْءٌ مِنْ مَلَامِحِكِ، وَلِلصَّفَاءِ شَيْءٌ مِنْ سَرِيرَتِكِ، وَلِلرِّقَّةِ شَيْءٌ مِنْ نَبْرَتِكِ، وَلِلْوَفَاءِ شَيْءٌ مِنْ ثَبَاتِكِ. وَمَا عُدْتُ أَقِيسُكِ بِالمَعَانِي؛ صَارَتِ المَعَانِي تُقَاسُ بِكِ.

مَا كُنْتُ إَلَّا كَأّنِّي جَمَعْتُ مِنْ كُلِّ بُسْتَانٍ زَهْرَةً، وَمِنْ كُلِّ بَحْرٍ قَطْرَةً، وَمِنْ كُلِّ نَايٍ نَبْرَةً، وَظَنَنْتُ أَنِّي صَنَعْتُ مِنْهَا صُورَةَ الحُبِّ؛ حَتَّى أَتَيْتِ، فَلَمْ تُضِيفِي صُورَةً إِلَى صُوَرِي، بَلْ أَسْقَطْتِ عَنْهَا وَهْمَ المَعْرِفَةِ. وَلَمْ تَكُونِي فَصْلًا يُضَمُّ إِلَى كِتَابٍ أَعْرِفُهُ؛ كُنْتِ الكِتَابَ الَّذِي كَشَفَ لِي أَنَّ مَا قَرَأْتُهُ قَبْلَكِ لَمْ يَكُنْ إِلَّا فَهَارِسَ وَعَنَاوِينَ. أَتَيْتِ، فَانْهَدَمَتْ مَعْرِفَتِي لِيَقُومَ المَعْنَى، وَضَاقَتْ صُوَرِي لِيَتَّسِعَ الشُّعُورُ. غَدَا خَيَالِي، عَلَى سَعَتِهِ، أَضْيَقَ مِنْ أَنْ يَحْوِيَكِ، وَغَدَتِ اللُّغَةُ، عَلَى فَصَاحَتِهَا، أَفْقَرَ مِنْ أَنْ تَسْتَوْفِيَكِ. فَبَعْضُ الحَقَائِقِ لَا تُدْرَكُ بِقُوَّةِ التَّصَوُّرِ، وَإِنَّمَا بِرَجْفَةِ الحُضُورِ؛ تَدْخُلُ القَلْبَ فَتُسْقِطُ عَنْهُ مَا كَانَ يَظُنُّهُ عِلْمًا، وَتُعَلِّمُهُ مَا لَا يُتَعَلَّمُ.

وَجَدْتُنِي عِنْدَ أَوَّلِ سَطْرٍ مِنْ سِفْرٍ كَتَبَهُ طُهْرُ حِسِّكِ، وَصَفَاءُ نَفْسِكِ، وَنَدَى مَشَاعِرِكِ؛ سِفْرٍ لَا يُقْرَأُ بِالعَيْنِ، بَلْ بِمَا يَتَغَيَّرُ فِي الرُّوحِ بَعْدَهُ. كُلُّ لَفْتَةٍ مِنْكِ كَانَتْ سَطْرًا يُصَحِّحُ وَهْمًا، وَكُلُّ رِقَّةٍ فَصْلًا يَفْتَحُ فِيَّ فَصْلًا، وَكُلُّ مَوْقِفٍ نَبِيلٍ هَامِشًا يُعِيدُ كِتَابَةَ المَتْنِ. كُنْتُ أَعْرِفُ مِنَ الحُبِّ اسْمَهُ، وَأَجْهَلُ فِعْلَهُ؛ أَصِفُ البَابَ وَلَمْ أَدْخُلْهُ، وَأَحْفَظُ نُقُوشَ المِفْتَاحِ وَلَمْ أُدِرْهُ فِي القُفْلِ. كُنْتُ أَتَكَلَّمُ عَنِ البَحْرِ وَفِي يَدِي رَسْمُ مَوْجَةٍ، وَعَنِ المَطَرِ وَثِيَابُ رُوحِي لَمْ تَبْتَلَّ بَعْدُ. أَمَّا مَعَكِ، فَلَمْ أَعُدْ أَصِفُ الحُبَّ؛ صِرْتُ أُوصَفُ بِهِ. وَلَمْ أَعُدْ أَحْمِلُهُ فِي كَلَامِي؛ صَارَ هُوَ الَّذِي يَحْمِلُ كَلَامِي إِلَيْكِ. هُنَالِكَ فَقَطْ أَدْرَكْتُ أَنِّي كَأَنِّي لَمَّا أُحِبَّ.

وَإِذْ كُنْتُ أّحَدِّثَهُمْ ذَاتَ مَجْلِسٍ عَنِ المَعْنَى وَالقِيمَةِ، فَانْسَاقَ لِسَانِي فِي مَمَرَّاتِهِمَا، كُنْتُ أَسْتَخْرِجُ مِنْ خَزَائِنِ الفِكْرِ حَدِيثًا عَنِ الجَوْهَرِ الَّذِي يَرْفَعُ الأَشْيَاءَ فَوْقَ أَثْمَانِهَا، وَعَنِ الأَثَرِ الَّذِي يَبْقَى مِنَ الإِنْسَانِ بَعْدَ أَنْ يَمْضِيَ، وَعَنِ الرِّقَّةِ الَّتِي تَهَذِّبُ القُوَّةَ، وَالقُوَّةِ الَّتِي تَحْمِي الرِّقَّةَ، وَعَنِ الوَفَاءِ الَّذِي يَبْقَى لَا عَجْزًا عَنِ الرَّحِيلِ، بَلْ قُدْرَةً عَلَى أَلَّا يُفْسِدَ البُعْدُ نُبْلَ القَرِيبِ. وَكُلَّمَا تَقَدَّمَ الحَدِيثُ، تَقَدَّمْتِ أَنْتِ فِي المَعْنَى؛ تَخْتَبِئِينَ خَلْفَ كُلِّ تَعْرِيفٍ، وَتُطِلِّينَ مِنْ كُلِّ مَجَازٍ، وَتَسْكُنِينَ المَسَافَةَ بَيْنَ الكَلِمَةِ وَمَقْصِدِهَا. كُلَّمَا ذَكَرْتُ الجَمَالَ مَرَّ وَجْهُكِ، وَكُلَّمَا وَصَفْتُ الحَنَانَ انْسَابَ صَوْتُكِ، وَكُلَّمَا وَزَنْتُ القِيمَةَ وَقَفَ حُضُورُكِ فِي كِفَّتِهَا، فَاسْتَقَامَ المِيزَانُ وَاضْطَرَبَ الوَازِنُ.

وَتَلَعْثَمْتُ، وَتَعَثَّرَتِ الكَلِمَةُ عَلَى شَفَتَيَّ، لَا لأَنِّي فَقَدْتُهَا، بَلْ لأَنِّي وَجَدْتُكِ فِيهَا؛ وَإِذَا بِالشَّارِحِ يَغِيبُ لِيَظْهَرَ المَشْرُوحُ، وَبِالمَعْنَى الَّذِي حَسِبْتُ أَنِّي أُحِيطُ بِهِ يُحِيطُ بِي. هُنَالِكَ عَلِمْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أُحَدِّثُهُمْ عَنِ المَعْنَى، بَلْ عَنْكِ، وَلَا عَنِ القِيمَةِ، بَلْ عَمَّنْ أَعَادَ لِلْقِيَمِ قِيمَتَهَا فِي عَيْنِي.

كُنْتُ أَظُنُّنِي أَشْرَحُ فِكْرَةً، وَإِذَا بِي أَرْسُمُكِ دُونَ أَنْ أَنْطِقَ اسْمَكِ؛ فَأَنْتِ الفِكْرَةُ الَّتِي كُلَّمَا شَرَحْتُهَا ازْدَادَتْ عُمْقًا، وَالمَعْنَى الَّذِي كُلَّمَا أَحَطْتُ بِطَرَفٍ مِنْهُ انْفَتَحَ فِيَّ عَلَى مَا لَا يُحَاطُ بِهِ. وَأَنْتِ القِيمَةُ الَّتِي لَا تُقَاسُ بِمَا تَأْخُذُ مِنَ الأَشْيَاءِ، بَلْ بِمَا تَرُدُّ إِلَيْهَا مِنْ قِيمَتِهَا؛ فَبِكِ صَارَ لِلصَّمْتِ بَوْحٌ، وَلِلِانْتِظَارِ وَعْدٌ، وَلِلابْتِسَامَةِ سِرٌّ تَرَاهُ العُيُونُ وَلَا تَبْلُغُهُ. وَهَكَذَا تَسَلَّلَ حُبُّكِ مِنَ القَلْبِ إِلَى المَعْجَمِ، وَأَعَادَ تَرْتِيبَ دَلَالَاتِهِ؛ فَمَا عَادَتِ الكَلِمَاتُ مُحَايِدَةً بَعْدَكِ. صَارَ لِلرِّقَّةِ وَجْهٌ، وَلِلصَّفَاءِ صَوْتٌ، وَلِلأَمَانِ يَدٌ، وَلِلجَمَالِ اسْمٌ سِرِّيٌّ لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا قَلْبِي. لَمْ تَكُونِي سَطْرًا فِي كِتَابِ العُمْرِ، بَلْ كُنْتِ القِرَاءَةَ الجَدِيدَةَ لِكُلِّ مَا كُتِبَ فِيهِ؛ فَعَرَفْتُ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ لَا يَزِيدُونَ العُمْرَ يَوْمًا، وَلَكِنَّهُمْ يَزِيدُونَ اليَوْمَ عُمْرًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى