الخداع الاستراتيجي للإمبراطورية الأمريكية
من سلسلة دراسة في عوامل وظواهر أفول الامبراطورية الأمريكية المعاصرة
تدخل الإمبراطوريات التاريخ مرتديةً أكثر من ثوب. تحمل في يدٍ سيفًا، وفي الأخرى ميثاقًا؛ تفتح الطريق بالقوة، ثم تكتب فوقه كلمات العدالة، وتطلب ممن اجتاحت أرضه أن يشكرها لأنها أدخلته إلى النظام. لا تقول الإمبراطورية غالبًا: جئت لأحكمكم، بل تقول: جئت لأحميكم من أنفسكم، ولأنشر الحرية، وأعيد الاستقرار، وأحفظ السلام الذي لا يعرف طريقه إلا عبر مدافعي.
وليس الخداع هنا كذبةً عابرة يصدرها حاكم ثم ينكشف أمرها، بل بنيةً كاملة توزع الأدوار بين القوة والقانون. تكون المبادئ أهدافًا في الخطاب، لكنها تتحول في الممارسة إلى وسائل؛ تُرفع حين تفتح بابًا، وتُهمَل حين تغلقه، ويُستدعى القانون حين يقيد الخصم، ثم يُتهم بالعجز أو الانحياز حين يقترب من الحليف أو المركز الإمبراطوري نفسه.
لقد صنعت الولايات المتحدة لنفسها صورةً تختلف عن صورة الإمبراطوريات السابقة. فهي لا تسمي نفوذها إمبراطورية، ولا قواعدها احتلالًا، ولا تدخلها هيمنة. تقدم ذاتها بوصفها أمةً استثنائية، خرجت من التاريخ لا لتنافس القوى على المصالح، بل لتقود البشرية نحو الحرية والديمقراطية والنظام القائم على القواعد. لكن هَذِه الصورة الأخلاقية وُلدت منذ البداية فوق تناقضٍ لا يمكن تجميله. الدولة التي أعلنت أن البشر خُلقوا متساوين توسعت على أراضي شعوبٍ أصلية، ثم جعلت الإبعاد القسري سياسةً رسمية، مستخدمةً المعاهدات والخداع والترهيب والعنف لاقتلاع قرابة مئة ألف إنسانٍ من أراضيهم خلال عقدين، ومات الآلاف في الطريق. والدولة التي جعلت الحرية قلب أسطورتها بنت جزءًا رئيسًا من استقلالها المالي على نظام عبوديةٍ بلغ عشية الحرب الأهلية قرابة أربعة ملايين مستعبَد، صُنّفوا قانونيًّا أملاكًا خاصة، لا مواطنين حُرموا بعض الحقوق فحسب.
لم تكن هَذِه التناقضات بقايا عرضية من عصرٍ لم تنضج فيه القيم بعد؛ كانت مختبرًا مبكرًا للطريقة الأمريكية في التوفيق بين الخطاب الأخلاقي والمصلحة. لا يُلغى مبدأ الحرية، بل يعاد تحديد من يدخل في كلمة الإنسان الحر. ولا يُعلن أن العدوان فضيلة، بل يعاد تعريف المعتدى عليه بوصفه خطرًا أو متوحشًا أو عائقًا أمام الحضارة. وهكذا لا تحتاج الإمبراطورية إلى رفض العدل صراحةً؛ يكفي أن تحتكر تفسيره. هي التي تقرر من الشعب، ومن العصابة؛ من المقاوم، ومن الإرهابي؛ من الدولة المسؤولة، ومن النظام المارق؛ من يملك حق الدفاع، ومن يصبح دفاعه تهديدًا للنظام العالمي.
“الإمبراطورية لا تحتاج إلى رفض العدل صراحةً، بل يكفي أن تحتكر تفسيره.”
ومع انتقال الولايات المتحدة من التوسع القاري إلى الحضور العالمي، انتقل خطاب «القدر» معها. في الداخل كان المستوطن يحمل الحضارة إلى الغرب، وفي الخارج أصبحت واشنطن تحمل الديمقراطية إلى الشعوب. تتغير الجغرافيا، ويبقى البناء الأخلاقي نفسه؛ الطرف الأمريكي لا يسعى إلى مصلحةٍ كسائر الأطراف، بل ينفذ، كما يزعم، مهمةً تتطابق فيها مصلحته الخاصة مع خير البشرية. في الخطاب الويلسوني قُدِّمت السياسة الخارجية بلغة المثال والأخلاق ونشر الديمقراطية. وبعد الحرب العالمية الثانية صيغت عقيدة ترومان بوصفها دعمًا «للشعوب الحرة» في مواجهة الإخضاع، مع ارتباطها الصريح كذلك بالمصالح الاستراتيجية والأمنية الأمريكية.
هنا نشأ أحد أكثر أشكال الخداع الإمبراطوري كفاءةً؛ لا تُخفى المصلحة، لكنها تُرفع إلى مرتبة قيمةٍ كونية. يصبح أمن الولايات المتحدة أمن العالم، واستقرار النظام الذي تقوده استقرار البشرية، وخصمها خصم الحرية، وحليفها ممثلًا لها ولو حكم بالسجن والتعذيب.
لم يكن نشر الديمقراطية معيارًا ثابتًا يحدد الحليف والخصم، بل لغةً تُستعمل حيث تلتقي مع المصلحة. فإذا اختار شعبٌ حكومةً لا تنسجم مع الإرادة الأمريكية، أمكن الالتفاف على اختياره باسم إنقاذه من خطرٍ أكبر. وإذا حكم مستبدٌّ يحفظ المصالح، تحولت استبداديته إلى مسألةٍ قابلة للإدارة أو التأجيل. وتكشف الوثائق الرسمية الأمريكية نفسها هَذَا التناقض بوضوح. ففي إيران عام 1953 أُقرت عمليةٌ هدفت إلى إسقاط حكومة محمد مصدق واستبدالها بحكومة موالية للغرب تحت قيادة الشاه، واستعملت وكالة الاستخبارات الضغط السياسي وتنسيق القوى المعادية للحكومة لتحقيق ذلك. لم يكن مصدق قائد غزوٍ يهدد الولايات المتحدة، بل رئيس حكومة دخل صراعًا على السيادة والموارد. لكن إرادة الشعب تصبح أقل قداسةً حين تأتي بنتيجةٍ لا تلائم النظام الإمبراطوري. هنا لا تُحمى الديمقراطية من الانقلاب، بل يُنظم الانقلاب لحماية المصلحة من الديمقراطية.
“لا تُحمى الديمقراطية من الانقلاب، بل يُنظم الانقلاب لحماية المصلحة من الديمقراطية.”
وفي تشيلي تكشف السجلات الرسمية عن عملياتٍ سرية للتدخل في المسار السياسي، وتمويل المعارضة، وعرقلة تثبيت سلفادور أليندي، ثم دعم القوى المناهضة لحكومته. وتضع المجموعة الوثائقية الرسمية عناوين صريحةً مثل «عملية إفساد» للانتخابات و«مساران» للتدخل في تثبيت الرئيس المنتخب، كما تقر وثائق عام 1973 باقتراح تمويلٍ إضافي للعمل السياسي السري ضد حكومة الوحدة الشعبية. والأمثلة في هَذَا لا تكاد تحصر في مقال كهذا باختلاف الحيثيات والأساليب وتشابه الهدف والنتيجة.
يمكن للخطاب الأمريكي أن يكرر احترام الاختيار الشعبي، بينما تعمل أجهزته على جعل بعض الاختيارات غير قابلة للحياة. ليست الديمقراطية هنا حقًّا للشعوب في تقرير طريقها، بل نظامًا مقبولًا ما دامت نتائجه لا تخرج عن حدود المصالح التي رسمها المركز. والخداع الاستراتيجي لا يقوم دائمًا على إخفاء الفعل؛ قد يقوم على تجزئته لغويًّا. لا يقال إن دولةً خُنقت لأنها اختارت طريقًا اقتصاديًّا مخالفًا، بل يقال إن الأسواق فقدت الثقة، وإن المعارضة المدنية تحتاج إلى الدعم، وإن الاستقرار الإقليمي مهدد، وإن العقوبات تضغط على النظام لا على الشعب. بهَذَا تتحول شبكةٌ واحدة من المال والاستخبارات والإعلام والعقوبات والضغط السياسي إلى أفعالٍ منفصلة، يبدو كل واحدٍ منها أقل من أن يسمى حربًا. لكن اجتماعها قد يسقط حكومةً ويدمر اقتصادًا ويغيّر مستقبل شعبٍ من غير أن تُعلن طلقةٌ واحدة حربًا رسمية.
لقد ساعدت الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية في إنشاء الأمم المتحدة ونظامٍ دولي هدفه المعلن منع الحروب وتنظيم العلاقات بين الدول. ويقر الخطاب الرسمي الأمريكي نفسه بأن واشنطن شاركت في تأسيس المنظمة لمنع الصراعات وتعزيز السلام والأمن الدوليين. ولم تكن الأمم المتحدة مجرد مسرحيةٍ فارغة تماما؛ هي أدت وتؤدي أحيانا أدوارًا إنسانية وقانونية حقيقية، وأسهمت في تسوية نزاعاتٍ وتقديم مساعدات وبناء قواعدٍ مشتركة. لكن الإمبراطورية لم تتعامل مع هَذِه المؤسسات دائمًا بوصفها غاياتٍ مستقلة يجب أن تخضع لها القوة، بل بوصفها أدواتٍ تزيد شرعية القيادة الأمريكية حين تعمل داخل المجال المسموح وتحقق مصالحها بمختلف أصنافها، وأنها متى ما خرجت عن هَذَا الإطار المسموح عطلتها وأفقدتها قيمتها ودورها ومعناها.
في المنطق الإمبراطوري تكون التعددية نافعةً ما دامت توزع كلفة المشروع الذي يقوده المركز، والقانون الدولي محمودًا ما دام يجرّم أفعال الخصوم، والمؤسسات الدولية محترمةً ما دامت تمنح العقوبات والحروب والتدخلات ختمًا قانونيًّا وأخلاقيًّا. أما حين تتحول المؤسسة إلى قيدٍ فعلي، يبدأ خطابٌ آخر؛ تُتهم بالانحياز والعجز والفساد، ويُهدد تمويلها، أو تُترك، أو تُعاقب أجهزتها. وفي فبراير 2025 أمرت الإدارة الأمريكية بوقف التمويل والمشاركة في هيئاتٍ أممية ومراجعة جميع المنظمات والاتفاقيات الدولية لتحديد ما يُعد مخالفًا للمصالح الأمريكية. ثم صدر في يناير 2026 توجيهٌ بالانسحاب من منظمات واتفاقيات رأت الإدارة أنها لا تخدم تلك المصالح.
“حين يتعارض القانون المشترك مع المصلحة الإمبراطورية، لا تُراجع المصلحة؛ بل يُراجع الالتزام بالقانون.”
تكشف الصياغة هنا جوهر العلاقة: لا تُقاس المؤسسة فقط بمدى خدمتها للسلام أو العدالة، بل بمدى توافقها مع «مصالح الولايات المتحدة». فإذا تعارض القانون المشترك مع المصلحة الإمبراطورية، لا تُراجع المصلحة؛ يُراجع الالتزام بالقانون. ويتضح الأمر بصورةٍ أشد في العلاقة بالمحكمة الجنائية الدولية. لم تنشئ الولايات المتحدة المحكمة، ولم تصبح طرفًا في نظام روما الأساسي، لكنها ظلت تطالب بالمحاسبة الدولية في قضايا متعددة حين تتجه إلى خصومها. أما حين اقترب اختصاص المحكمة من أمريكيين أو من حليفٍ مركزي كإسرائيل، تحولت العدالة الدولية نفسها إلى تهديدٍ للأمن القومي الأمريكي. في فبراير 2025 أصدر البيت الأبيض أمرًا بفرض عقوبات على المحكمة والعاملين معها، واعتبر محاولتها التحقيق أو الملاحقة بحق أشخاصٍ أمريكيين أو من دولٍ حليفة «تهديدًا استثنائيًّا» للسياسة الخارجية والأمن القومي، وسمح بتجميد الأموال ومنع الدخول ومعاقبة من يقدم دعمًا للمحكمة.
ليست هَذِه مجرد خلافاتٍ قانونية حول الاختصاص؛ إنها لحظةٌ يكشف فيها النظام الإمبراطوري تصوره للقانون. المحكمة مقبولة حين تحاكم من لا تحميهم القوة الأمريكية، لكنها تصبح مؤسسةً غير شرعية حين تحاول تطبيق مبدئها على المجال المحصَّن بالتحالف. وقد حذرت رئاسة جمعية الدول الأطراف من أن العقوبات تهدد استقلال المحكمة وتحقيقاتها وسلامة الضحايا والشهود والمتعاونين معها. هنا لا تعود عبارة «النظام القائم على القواعد» وصفًا لنظامٍ تخضع فيه القوة للقانون، بل لنظامٍ تحتفظ فيه القوة بحق تحديد متى تعمل القاعدة وعلى من. ليست القاعدة أعلى من الإمبراطورية؛ الإمبراطورية هي التي تمنحها الإذن.
ويظهر الاستعمال الأدواتي للمؤسسات كذلك في مجلس الأمن. تمتلك الولايات المتحدة حق النقض الذي يجعلها قادرةً على تعطيل إرادة أكثرية المجلس حين تمس حليفًا أو مشروعًا استراتيجيات. وفي فبراير ونوفمبر 2024 استخدمت الفيتو لإسقاط مشاريع تطالب بوقف إطلاق النار في غزة، مع حصول أحد النصوص على أربعة عشر صوتًا من أصل خمسة عشر. ثم كررت الفيتو في يونيو 2025 ضد مشروعٍ يطالب بوقف فوري ودائم، وكان الصوت الأمريكي هو الصوت الوحيد المعارض مقابل أربعة عشر مؤيدًا. وليست المشكلة في أن الولايات المتحدة وحدها تستعمل الفيتو أو أن القوى الأخرى بريئةٌ من الانتقائية؛ المشكلة أن واشنطن تقدم نفسها بوصفها الحارس الأهم للقانون والنظام العالمي، ثم تستخدم أعلى امتيازٍ في المؤسسة الدولية لمنع المؤسسة من اتخاذ قرارٍ يعارض حساباتها، بل والضغط السياسي والاقتصادي وتبادل المصالح لقمع الدول الأخرى صاحبة الفيتو في السياقات التي تختارها. وحين لا يستجيب الخصم ويصر على فعل ذلك يُقال إن النظام الدولي مشلولٌ بسبب الاستبداد. وحين تفعله واشنطن يُقدَّم بوصفه ممارسةً مسؤولةً لحماية التوازن أو منع قرارٍ غير متوازن. يبقى الفعل واحدًا، لكن الاسم الأخلاقي يتغير مع هوية الفاعل.
وتظهر بنية الخداع نفسها في الحروب المباشرة. لم تُقدَّم حرب العراق عام 2003 بوصفها رغبةً في إعادة تشكيل الشرق الأوسط أو تثبيت السيطرة الأمريكية بعد الحرب الباردة، بل بوصفها ضرورةً لحماية العالم من أسلحة دمار شامل وعلاقاتٍ إرهابية وخطرٍ لا يحتمل الانتظار. أجاز الكونغرس استعمال القوة بناءً على مزاعم تتعلق ببرامج الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والنووية والصواريخ، وباعتبار العراق تهديدًا مستمرًّا للأمن الأمريكي والسلام الإقليمي. ثم أظهرت التحقيقات اللاحقة فشل التقديرات الأساسية، وخلصت لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ إلى أن أحكامًا رئيسة بشأن أسلحة العراق كانت مبالغًا فيها أو غير مدعومة بما يكفي من المعلومات، كما وجد تقريرٌ لاحق أن مسؤولين كبارًا قدموا في مناسباتٍ متعددة تصريحات لا تعكس الشكوك والقيود الموجودة في المعلومات الاستخباراتية. لم تكن النتيجة مجرد خطأ تحليلي داخل ملفٍ إداري. دخل بلدٌ كامل حربًا، وسقط نظام، وتفككت مؤسسات، وبدأت موجاتٌ من العنف والتهجير والانقسام لم تغير ديموغرافية العراق فحسب ولا الشرق الأوسط فحسب بل أوروبا ودول أخرى. لكن آلية الإمبراطورية تجعل الكذبة أو المبالغة التي تفتح باب الحرب حدثًا في الماضي، بينما تصبح آثار الحرب واقعًا يعيشه الآخرون وحدهم.
“الإمبراطورية الدموية ليست التي تسفك الدم فقط، بل التي تجعل الدم مرحلةً تقنية في مشروعٍ يوصف بالحرية.”
وتملك القوة الغاشمة رفاهية تصحيح روايتها بعد خراب البلد. تشكل لجنة، وتنشر تقريرًا، وتعترف بأن الاستخبارات أخطأت، ثم تنتقل إلى ملفٍ جديد. أما الشعب الذي دُمرت دولته فلا يستطيع العودة إلى صباح اليوم السابق للغزو بعد صدور التصحيح. والأشد دلالة أن حرب العراق نُسجت داخل لغة الأمم المتحدة وقراراتها حتى حين لم يحصل الغزو على تفويضٍ صريح جديد يجيزه. كان القانون مهمًّا بقدر ما يمنح الحرب مظهرًا جماعيًّا، ثم أصبح قابلًا للتجاوز حين لم تنتج المؤسسة النتيجة التي أرادتها واشنطن.
هَذَا هو الفرق بين من يرى المؤسسة غايةً ومن يراها وسيلة. من يراها غايةً يقبل أن تحد سلطته، وأن تمنعه أحيانًا مما يريد. أما من يراها وسيلةً فيستعملها حين تفتح الطريق، ثم يلتف حولها حين تغلقه، مع الاستمرار في الادعاء أنه يحمي النظام الذي تجاوزه. ولا تُمارس الهيمنة بالقنابل فقط. العقوبات الاقتصادية، والسيطرة على النظام المالي، واحتكار التكنولوجيا، وتهديد الدول والشركات بالعزل، كلها أشكالٌ من القوة يمكنها إخضاع المجتمعات من غير إعلان الحرب. تُقدَّم العقوبة بوصفها بديلًا إنسانيًّا عن القصف، لكنها قد تضرب العملة والدواء والغذاء والعمل، ثم يُقال إن المسؤولية تقع كلها على الحكومة المستهدفة. لا يعني ذلك أن كل عقوبةٍ غير مشروعة أو أن الدول لا تملك حق الرد على العدوان؛ بل يعني أن الإمبراطورية وسعت مفهوم الأمن القومي حتى صار يشمل حقها في تنظيم اقتصاد الآخرين وسياساتهم وتحالفاتهم، ثم استخدمت مركزية الدولار والسوق والتمويل لفرض قوانينها خارج حدودها.
تتحول السيادة في هَذَا النظام إلى امتيازٍ غير متساوٍ. الولايات المتحدة تستطيع فرض عقوباتٍ على قضاةٍ دوليين لأنهم مارسوا اختصاصهم، بينما لا تملك دولةٌ أضعف وسيلةً مماثلة لمحاسبة مسؤولٍ أمريكي. تستطيع واشنطن أن تطالب الآخرين بتسليم المتهمين، ثم تحصن جنودها وحلفاءها من المؤسسة ذاتها. وهذا ليس تناقضًا عرضيًّا بين رئيسين أو حزبين. تتغير اللغة والسرعة، لكن بنية الاستثناء مستمرة؛ إدارةٌ تتحدث عن التحالفات والقواعد، وأخرى تتحدث بصراحةٍ أكبر عن المصالح والصفقات، غير أن القانون في الحالتين يظل محكومًا بحدود القوة الأمريكية. قد تختلف الإدارات في مقدار احترامها للمؤسسات، وقد يوقف بعضها إجراءً اتخذه الآخر، لكن هَذَا التذبذب نفسه يكشف أن التزام النظام الدولي ليس قاعدةً مستقرة فوق السياسة الأمريكية؛ يمكن أن يتغير بانتخاب رئيس، بينما يُطلب من بقية العالم أن يتعامل مع القيادة الأمريكية بوصفها ضمانةً ثابتة للنظام.
إن الإمبراطورية لا تكذب فقط حين تقول ما لا تفعل؛ تكذب كذلك حين تجعل ما تفعله استثناءً لا يؤثر في صدق ما تقول. تدعم انقلابًا ثم تستمر في تعريف ذاتها حامية الديمقراطية. تغزو بناءً على مزاعم تنهار ثم تبقى قائدة النظام المسؤول. تحمي حليفًا من المحكمة ثم تواصل مطالبة خصومها بالمحاسبة. لو فعلت ذلك دولةٌ عادية لقيل إنها تناقض مصالحها مع مبادئها. لكن الفوقية الاستعلائية الأمريكية تمنح واشنطن قدرةً على جعل التناقض نفسه دليلًا على المسؤولية؛ فهي التي تعرف، وفق الرواية، متى يجب تطبيق القانون ومتى يهدد تطبيقه السلام، ومتى تكون الديمقراطية حقًّا ومتى يأتي انتخابٌ خطر، ومتى تكون السيادة مقدسةً ومتى يصبح اختراقها واجبًا إنسانيًّا. هَذِه الفوقية ليست غطرسةً خطابية وحدها، بل نتيجة توازن قوة. فالولايات المتحدة ما تزال أكبر منفقٍ عسكري في العالم، وقد سجل تقرير الكونغرس مئات الاستخدامات لقواتها في الخارج، فضلًا عن العمليات السرية والقواعد المنتشرة التي لا تدخل كلها في هَذَا الإحصاء.
“القيمة التي لا تُطبَّق على صاحبها ليست قيمة، والقانون الذي يتوقف عند حدود الإمبراطورية ليس قانونًا.”
الإمبراطورية الدموية ليست التي تسفك الدم فقط، بل التي تجعل الدم مرحلةً تقنية في مشروعٍ يوصف بالحرية. تقتل، ثم تحول الجريمة إلى خطأ تقدير؛ تدمر، ثم تسمي ما يلي إعادة إعمار؛ تفرض الحصار، ثم تقدم المساعدات؛ تنشئ المأساة، ثم تظهر بوصفها أكبر المتبرعين لمعالجتها. إنها لا تفعل دائمًا عكس ما تقول؛ فلو كان الكذب مكشوفًا إلى هَذَا الحد لفقد فاعليته. قد تحمي شعبًا في موضع، وتساعد دولةً، وتدعم مؤسسةً إنسانية، وتمنع عدوانًا. لكن هَذِه الأعمال تصبح جزءًا من بناء الشرعية، ثم يُستعمل رصيدها لتغطية مواضع لا تعمل فيها القاعدة نفسها.
الخداع الأكثر نجاحًا ليس ادعاء فضيلةٍ لا وجود لها قط، بل تحويل فضائل حقيقية جزئية إلى شهادة براءةٍ شاملة. لأن الولايات المتحدة ساعدت في تحرير أوروبا من النازية، يصبح كل تدخلٍ لاحق امتدادًا للتحرير. ولأنها موّلت الإعمار والتحالفات، يصبح نفوذها قيادةً خيّرة مهما اتسعت امتيازاته. لكن التاريخ لا يمنح تفويضًا دائمًا. من ساعد في إنهاء ظلمٍ يستطيع أن يصنع ظلمًا آخر، ومن بنى مؤسسةً يستطيع أن يستعملها، ومن تكلم باسم الحرية قد يتحول إلى عدوها حين تختار الشعوب ما لا يريد.
والنتيجة العالمية لهَذَا الخداع ليست فقط سقوط ضحايا الحروب، بل إفساد فكرة القانون نفسها. حين ترى الشعوب أن المحكمة تُعاقَب إذا اقتربت من الحليف القوي، وأن مجلس الأمن يُعطَّل حين لا يوافق المركز، وأن السيادة تُحترم انتقائيًّا، لا تفقد الثقة في أمريكا وحدها؛ تفقد الثقة في إمكانية وجود عدلٍ دولي. يصبح القانون في نظر الضعيف لغة الأقوياء، وتتحول الديمقراطية إلى مقدمةٍ للتدخل، وحقوق الإنسان إلى قائمةٍ انتقائية، والمساعدات إلى أداة نفوذ. وحين تسقط شرعية القيم بسبب سوء استعمالها، تستفيد الأنظمة المستبدة؛ تقول لشعوبها إن الحرية كلها خدعة غربية، وإن الحقوق ليست إلا سلاحًا أمريكيًّا. بهَذَا لا تفسد الإمبراطورية القاعدة حين تخالفها فقط، بل تقدم خدمةً لكل من يريد إلغاء القاعدة. فازدواجيتها تمنح الطغاة حجةً لتبرير ازدواجيتهم، وتسمح للقوى الصاعدة بأن تقول إنها لا تفعل إلا ما فعلته واشنطن من قبل. وحين تصبح الانتقائية قاعدةً عامة، لا يعود العالم أكثر عدلًا بعد تراجع الهيمنة الأمريكية؛ قد يصبح فقط أكثر تعددًا في الظلم. لذلك لا ينبغي أن يكون نقد الإمبراطورية دفاعًا عن إمبراطوريةٍ بديلة، بل دفاعًا عن تحرير القانون من حق أي قوةٍ في امتلاكه.
إنَّ الولايات المتحدة لا تفقد شرعيتها لأنها قوية، بل لأنها طالبت العالم بأن يصدق أن قوتها هي القانون، ثم رفضت القانون حين حاول أن يصبح قوةً مستقلة عنها. ولا تُدان لأنها لها مصالح، فكل دولةٍ لها مصالح، بل لأنها رفعت مصالحها إلى مرتبة مصلحة البشرية، ثم اتهمت من يقاومها بأنه يقاوم النظام والحرية والسلام. لقد استعملت المؤسسات الدولية بوصفها جسورًا إلى القيادة؛ تمنح قراراتها الحروب شرعية، وعقوباتها ضغطًا جماعيًّا، ومنابرها خطابًا أخلاقيًّا. لكنها حين تحولت من جسرٍ إلى حاجز، ظهر السلاح المخفي خلف الميثاق؛ الفيتو، والانسحاب، وقطع التمويل، وفرض العقوبات على القضاء نفسه. هنا تسقط الزينة ويظهر جوهر الإمبراطورية: ليست القاعدة ما اتفق عليه العالم، بل ما تسمح به القوة الأمريكية. وليست المحكمة مستقلةً إذا حاكمت الجميع، بل مشروعةٌ إذا عرفت الحدود التي لا يجوز لها تجاوزها. وليست الديمقراطية حقًا للشعب، بل نتيجةً مقبولة ما دامت لا تمس البنية الاستراتيجية.
إن الإمبراطورية تقول ما لا تفعل لأنها تحتاج إلى القيم كي تخفف كلفة السيطرة. الاحتلال الصريح يخلق مقاومةً صريحة، أما الهيمنة التي تتحدث باسم الحرية فتربك الضحية؛ تجبره أولًا على إثبات أنه لا يعادي الحرية قبل أن يستطيع الدفاع عن حريته. وتفعل ما لا تقول لأن الإعلان الصريح عن الغاية الحقيقية يفضح العقد. لا تقول: نريد نظامًا دوليًّا يمنحنا حقًا أكبر من غيرنا؛ تقول: نريد نظامًا قائمًا على القواعد. لا تقول: نقبل الديمقراطية حين تأتي بحلفائنا؛ تقول: ندعم حق الشعوب. لا تقول: نريد قانونًا يحاسب خصومنا؛ تقول: لا أحد فوق القانون، ثم تعاقب القاضي حين يقترب من المجال المحظور. لذلك لا تكفي مواجهة الخداع بكشف واقعةٍ أو كذبة؛ ينبغي تفكيك البنية التي تسمح للمصلحة بأن ترتدي لباس القيمة. أن يُسأل دائمًا: هل تقبل واشنطن تطبيق المبدأ نفسه على نفسها وحلفائها؟ هل تحترم السيادة حين تختار الشعوب خصومها؟ هل تؤيد المحكمة إذا طالت جنودها؟ هل تقبل قرار المؤسسة إذا خالفها؟ هَذَا هو الامتحان الذي تسقط فيه الإمبراطوريات؛ ليس ما تقوله عن القانون، بل ما تفعله حين يمنعها القانون مما تريد.
وقد تستطيع الولايات المتحدة استعمال القوة طويلًا بعد انكشاف التناقض، لكنها لا تستطيع أن تستعيد القيادة الأخلاقية بالدعاية وحدها. فالشرعية لا تُنتج من تكرار كلمة الحرية، بل من قبول القيود التي تفرضها الحرية على الأقوى قبل الأضعف. الإمبراطورية التي تريد أن تكون قاضية العالم، ثم ترفض الوقوف أمام أي قاضٍ، لا تحمي النظام الدولي؛ تحمي امتيازها داخله. والدولة التي تجعل المؤسسات وسيلةً إلى غاياتها، ثم تنقلب عليها حين تستقل، لا تبني قانونًا؛ تبني إدارةً موسعة لمصالحها. وهكذا يصبح التاريخ الأمريكي سلسلةً واحدة رغم اختلاف مراحلها؛ من الأرض التي سميت خاليةً كي تُنتزع من أهلها، إلى الإنسان الذي سُلبت إنسانيته كي يُستعبد، إلى الحكومة المنتخبة التي أُسقطت كي تُحمى الحرية، إلى البلد الذي دُمّر كي يُنقذ، إلى المحكمة التي عوقبت كي يُصان القانون من «تجاوزها». تتغير الكلمات، لكن الوظيفة واحدة؛ إعادة تسمية القوة حتى لا تبدو قوة، وإعادة تسمية الضحية حتى لا تبدو ضحية، وإعادة تسمية المصلحة حتى تظهر مبدأً عالميًّا.
لهذا فإن الإمبراطورية الأمريكية دموية، لا لأن تاريخها خالٍ من أي خير، بل لأن الدم كان أداةً بنيوية في صعودها وحماية نفوذها وكأن أحد أهم مرتكزات وجودها، ثم أُحيط باستمرارٍ بلغة الحرية والأمن والعدل. الدم وحده يصنع خوفًا، أما الدم المكسو بالأخلاق فيصنع طاعةً وتشوشًا وشرعية. وحين ينكشف القناع، لا يبقى السؤال: لماذا خانت أمريكا النظام الذي بنته؟ بل: هل بنته منذ البداية ليكون سيدًا عليها، أم ليكون شكلًا أكثر قبولًا لقيادتها؟
لقد كان النظام نافعًا ما دام يوسع قدرتها على ترتيب العالم. أما حين حاول العالم أن يستعمل أدواته لمساءلتها أو مساءلة حلفائها، ظهرت الحدود الحقيقية؛ لا يجوز للقانون أن يرتفع حتى يصبح مساويًا للقوة، لأن وظيفته في التصور الإمبراطوري أن يخدمها لا أن يحكمها. ولا يبدأ العدل الدولي إلا حين تنقلب هَذِه العلاقة؛ حين تصبح المؤسسة غايةً مشتركة لا أداةً وطنية، ويصبح القانون قادرًا على تقييد من يملك القنبلة كما يقيد من لا يملكها، وتصبح الديمقراطية حقًّا للشعوب حتى حين تختار ما لا تحبه واشنطن. أما ما دام الأقوى يكتب القاعدة، ويختار وقت تطبيقها، ويعاقب من يحاول تطبيقها عليه، فليس العالم أمام نظامٍ للعدل، بل أمام إمبراطوريةٍ أتقنت الحديث بلغته.
وقد تستطيع الإمبراطورية أن تقول طويلًا إنها تحمل المصباح، لكن الطريق الذي مرّت به سيظل يدل عليها؛ أرضٌ مقتَلعة، وأجسادٌ مستعبَدة، وحكوماتٌ مُسقطة، وبلدانٌ مدمرة، وقضاةٌ مهددون، وقراراتٌ مخنوقة بالفيتو. فالحرية التي تحتاج إلى انقلاب، والسلام الذي يحتاج إلى قنبلة، والقانون الذي يعاقب المحكمة، والديمقراطية التي تُلغى إذا أخطأ الشعب في الاختيار؛ ليست قيمًا خانتها الإمبراطورية عرضًا، بل أسماءً منحتها الإمبراطورية لأدواتها. وعند هَذِه النقطة لا يكون فضح الخداع عداءً للشعب الأمريكي ولا إنكارًا لكل إنجازٍ صنعه، بل تحريرًا للقيم من الدولة التي احتكرتها، وإعادةً للعدل إلى معناه قبل أن يُختزل في مصالح القوة. فالقيمة التي لا تُطبَّق على صاحبها ليست قيمة، والقانون الذي يتوقف عند حدود الإمبراطورية ليس قانونًا، والسلام الذي يحرسه الخوف ليس سلامًا، والحرية التي تصل على ظهر دبابة لا تعرف غالبًا كيف تنزل عنها. أما الإمبراطورية التي تقول ما لا تفعل وتفعل ما لا تقول، فقد تنجح في إدارة العالم زمنًا، لكنها تفقد في كل تناقضٍ جزءًا من قدرتها على إقناعه بأن سيطرتها هي الاسم الآخر لنجاته.
