الأدبوحي الخاطر

تعفف النفوس المترفعة

فِي مَعَارِجِ السُّمُوِّ الوُجُودِيِّ، وَخَلْفَ سُجُوفِ هَذَا العَالَمِ المُثْقَلِ بِلَهَاثِ العَامَّةِ، وَتَخَبُّطِ اللَّاهِثِينَ خَلْفَ سَرَابِ المَطَالِبِ، وَتَسَاقُطِ الأَرْوَاحِ الصَّغِيرَةِ عَلَى عَتَبَاتِ الرَّغْبَةِ كَمَا تَتَسَاقَطُ الفَرَاشَاتُ المَخْدُوعَةُ عَلَى نِيرَانِ المَصَابِيحِ، تَشْمَخُ كِيَانَاتٌ بَشَرِيَّةٌ نَادِرَةٌ، قُدَّتْ أَرْوَاحُهَا مِنْ يَقِينٍ صُلْبٍ، وَنُسِجَتْ مَقَامَاتُ قُلُوبِهَا مِنْ عَسْجَدِ الكِبْرِيَاءِ، وَغُسِلَتْ مَلَامِحُهَا الدَّاخِلِيَّةُ بِمَاءِ الأَنَفَةِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِيهَا مَوْضِعٌ صَالِحٌ لِبُذُورِ التَّذَلُّلِ أَوْ عُشْبِ الاسْتِجْدَاءِ.

هِيَ نُفُوسٌ وُلِدَتْ وَفِي أَفْوَاهِهَا مَوَاثِيقُ الاسْتِغْنَاءِ، لَا تَعْرِفُ أَيْدِيهَا الانْبِسَاطَ إِلَّا لِتَهَبَ، وَلَا تَعْرِفُ أَعْنَاقُهَا الانْحِنَاءَ إِلَّا فِي مَحَارِيبِ الخَالِقِ، وَلَا تَعْرِفُ أَعْيُنُهَا الانْكِسَارَ إِلَّا حِينَ تَتَوَضَّأُ بِدَمْعَةِ خُشُوعٍ لَا بِدَمْعَةِ هَوَانٍ. هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ارْتَقَوْا مَرَاتِبَ السِّيَادَةِ الرُّوحِيَّةِ لَمْ يُجْبَلُوا مِنْ طِينِ التَّذَلُّلِ الهَشِّ، وَلَمْ تُرْضِعْهُمُ الأَيَّامُ القَاسِيَةُ لَبَنَ الحَاجَةِ المَهِينَةِ، بَلْ هُمْ قِلَاعٌ مُتَحَرِّكَةٌ، مَفَاتِيحُ أَبْوَابِهَا مَخْبُوءَةٌ فِي أَعْمَاقِهَا، لَا تُفْتَحُ تَسَوُّلًا لِطَارِقٍ، وَلَا تُشْرَعُ خَوْفًا مِنْ عَاصِفَةٍ، وَلَا تُؤَجَّرُ لِعَابِرٍ لَا يُحْسِنُ أَدَبَ الدُّخُولِ.

يَمْضُونَ فِي زِحَامِ الأَوْهَامِ بِخُطًى ثَابِتَةٍ تَطْحَنُ تَحْتَهَا حَصَى الاحْتِيَاجِ المُذِلِّ، مُعْلِنِينَ، دُونَ خِطَابَةٍ وَلَا ضَجِيجٍ، أَنَّ الإِنْسَانَ الحَقَّ هُوَ ذَلِكَ الَّذِي يَكْتَفِي بِنُورِهِ الدَّاخِلِيِّ حِينَ تُطْفِئُ الأَيَّامُ مَصَابِيحَهَا، وَيَتَدَثَّرُ بِكَرَامَتِهِ حِينَ يَتَعَرَّى الآخَرُونَ طَمَعًا فِي فُتَاتِ المَوَائِدِ، وَيَبْقَى وَاقِفًا عَلَى سَطْحِ الرِّيحِ حِينَ تَنْحَنِي الرِّقَابُ لِثِقْلِ المَطَالِبِ، وَتَنْكَسِرُ الأَعْيُنُ عَلَى أَبْوَابِ مَنْ لَا يَمْلِكُونَ سِوَى فَضْلَةٍ مِنْ سُلْطَانٍ زَائِلٍ أَوْ عَطَاءٍ مَشْرُوطٍ بِالإِذْلَالِ.

إِنَّ الاكْتِفَاءَ الدَّاخِلِيَّ عِنْدَ هَؤُلَاءِ الأَسْيَادِ لَيْسَ عُزْلَةً مَرِيضَةً، وَلَا هُرُوبًا جَبَانًا مِنْ مُوَاجَهَةِ اسْتِحْقَاقَاتِ الحَيَاةِ، وَلَا قِنَاعًا يَتَسَتَّرُ خَلْفَهُ عَاجِزٌ أَفْلَسَ مِنَ النَّاسِ فَسَمَّى عَجْزَهُ اسْتِغْنَاءً؛ بَلْ هُوَ امْتِلَاءٌ كَوْنِيٌّ بَاذِخٌ، وَنِظَامٌ دَاخِلِيٌّ مُحْكَمٌ، وَعَرْشٌ خَفِيٌّ يَجْلِسُ عَلَيْهِ الإِنْسَانُ حِينَ يَكُونُ سَيِّدَ مَمْلَكَتِهِ، لَا رَعِيَّةً فِي مَمْلَكَةِ غَيْرِهِ. هُمْ كَالمَجَرَّاتِ المُسْتَقِلَّةِ، تَدُورُ فِي فَلَكِهَا الخَاصِّ، لَا تَسْتَمِدُّ وَقُودَ احْتِرَاقِهَا مِنْ نُجُومٍ خَارِجِيَّةٍ آيِلَةٍ إِلَى الأُفُولِ، بَلْ تَتَغَذَّى مِنْ مَفَاعِلِهَا الرُّوحِيِّ العَمِيقِ، وَتَسْتَضِيءُ مِنْ نَارِهَا الَّتِي لَا تَسْتَأْذِنُ رِيحًا وَلَا تَخْشَى ظَلَامًا.

فِي دَوَاخِلِهِمْ تَنْبُعُ أَنْهَارٌ مِنَ السَّكِينَةِ لَا تَعْرِفُ الجَفَافَ حَتَّى لَوْ أَجْدَبَتْ سَمَاءُ الوَاقِعِ مِنْ حَوْلِهِمْ؛ فَمَصْدَرُ رَيِّهِمْ لَيْسَ غَيْمَةً عَابِرَةً قَدْ تُمْطِرُ وَقَدْ تَبْخَلُ، وَلَا كَفًّا خَارِجِيَّةً قَدْ تَمْنَحُ وَقَدْ تَمُنُّ، بَلْ هُوَ نَبْعُ اليَقِينِ المُتَفَجِّرِ مِنْ قَصَبَةِ الرُّوحِ. لِذَلِكَ لَا يَرْتَعِبُونَ مِنْ خَطَرِ الفَقْدِ، وَلَا يَرْتَهِنُونَ لِحُضُورِ الآخَرِينَ، وَلَا يَجْعَلُونَ وُجُودَ النَّاسِ فِي حَيَاتِهِمْ عَصًا يَتَوَكَّأُونَ عَلَيْهَا، فَإِنِ انْكَسَرَتْ سَقَطُوا. إِنَّهُمْ يَرَوْنَ النَّاسَ إِضَافَةً جَمَالِيَّةً يُكْرِمُونَ بِهَا مَجَالِسَهُمْ، لَا ضَرُورَةً وُجُودِيَّةً يَنْهَارُ بُنْيَانُهُمْ إِذَا انْهَارَتْ.

يَجْلِسُونَ عَلَى عَرْشِ وَحْدَتِهِمُ المَهِيبِ سَلَاطِينَ لَا رَعَايَا لَهُمْ سِوَى أَفْكَارِهِمُ السَّامِقَةِ، يَتَأَمَّلُونَ فَرَاغَ الكَوْنِ فَيَمْلَؤُونَهُ بِمَعَانِيهِمْ، وَيَسْتَنْطِقُونَ صَمْتَ الأَشْيَاءِ فَتُسَبِّحُ بِحَمْدِ اسْتِغْنَائِهِمْ، وَيَجِدُونَ فِي الخَلْوَةِ مَا لَا يَجِدُهُ الضَّعِيفُ فِي أَلْفِ مَجْلِسٍ وَمَجْلِسٍ. فَمَنْ مَلَكَ ذَاتَهُ بِهَذَا العُمْقِ المُخِيفِ، اسْتَحَالَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ قَلْبَهُ لِسَاكِنٍ لَا يَدْفَعُ ثَمَنَ الإِقَامَةِ مِنِ احْتِرَامِهِ وَتَوْقِيرِهِ، وَاسْتَحَالَ أَنْ يَجْعَلَ مِنْ رُوحِهِ فُنْدُقًا رَخِيصًا تَدْخُلُهُ الأَقْدَامُ المُتْعَبَةُ ثُمَّ تَخْرُجُ مِنْهُ دُونَ أَنْ تَغْسِلَ عُتْبَتَهُ بِالعِرْفَانِ.

وَإِذَا مَا قَرَّرُوا أَنْ يَفْتَحُوا حُدُودَهُمُ الوِجْدَانِيَّةَ، وَتَقَاطَعَتْ مَدَارَاتُهُمْ مَعَ الآخَرِينَ، فَإِنَّ الكَرَامَةَ هِيَ الدُّسْتُورُ الوَحِيدُ الَّذِي يَحْكُمُ عَوَاصِمَ عَلَاقَاتِهِمْ. هُمْ لَا يَدْخُلُونَ مُدُنَ الحُبِّ أَوِ الصَّدَاقَةِ كَلَاجِئِينَ يَطْلُبُونَ خَيْمَةً لِلإِيوَاءِ، وَلَا كَمُتَشَرِّدِينَ يَبْحَثُونَ عَنْ سَقْفٍ يُخْفِي عُرْيَ الوَحْشَةِ، بَلْ يَدْخُلُونَهَا كَمُلُوكٍ يَعْقِدُونَ مُعَاهَدَاتِ تَحَالُفٍ نَدِيٍّ بَيْنَ دُوَلٍ ذَاتِ سِيَادَةٍ مُطْلَقَةٍ. عَلاقَاتُهُمْ لَيْسَتْ سَاحَاتٍ لِتَبَادُلِ الضَّعْفِ وَرَتْقِ النَّوَاقِصِ، بَلْ مَيَادِينُ لِتَضَاعُفِ القُوَّةِ، وَارْتِقَاءِ البَصِيرَةِ، وَتَصَافُحِ النُّدْرَةِ مَعَ النُّدْرَةِ.

يَمْنَحُونَ الوُدَّ صَافِيًا كَاللُّجَيْنِ المَسْبُوكِ، وَلَكِنَّهُمْ يَرْبِطُونَ اسْتِمْرَارَهُ بِشَرْطٍ سِيَادِيٍّ لَا تَهَاوُنَ فِيهِ؛ المُحَافَظَةُ عَلَى مَاءِ الوَجْهِ. فَفِي قَوَامِيسِهِمُ الأَرُسْتُقْرَاطِيَّةِ، الحُبُّ شَرَفٌ يُخْلَعُ عَلَى مَنْ يَسْتَحِقُّهُ، وَلَيْسَ تَنَازُلًا يُهْدَرُ تَحْتَ أَقْدَامِ العَابِثِينَ، وَالصَّدَاقَةُ مِيثَاقٌ بَيْنَ أَرْوَاحٍ مُتَكَافِئَةٍ، لَا مَأْوًى لِمَنْ يَسْتَهْلِكُ دِفْأَكَ ثُمَّ يَتَثَاءَبُ فِي وَجْهِ نَارِكَ. لَا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ التَّعَلُّقَ المَرَضِيَّ الَّذِي يَجْعَلُ الإِنْسَانَ يَلْعَقُ جِرَاحَ كَرَامَتِهِ مِنْ أَجْلِ ابْتِسَامَةٍ شَحِيحَةٍ، وَلَا ذَلِكَ الوَلَهَ المُذِلَّ الَّذِي يُحَوِّلُ القَلْبَ إِلَى كَلْبٍ أَلِيفٍ يَنْتَظِرُ عَظْمَةَ اهْتِمَامٍ عِنْدَ بَابِ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّونَ.

هُمْ صَارِمُونَ حَدَّ القَسْوَةِ فِي رَسْمِ الخُطُوطِ الحَمْرَاءِ الحَارِقَةِ؛ مَنْ تَجَاوَزَهَا احْتَرَقَ وَخَرَجَ مِنْ فِرْدَوْسِهِمْ إِلَى الأَبَدِ. لَا يُطَارِدُونَ مُقْفِيًا، وَلَا يَسْتَوْقِفُونَ مُغَادِرًا، وَلَا يَسْأَلُونَ مَنْ وَضَعَ قَدَمَهُ خَارِجَ المَعْنَى أَنْ يَعُودَ لِيُجَرِّبَ النُّبْلَ مَرَّةً أُخْرَى. يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ يَسْتَخِفُّ بِمَوَازِينِهِمُ الثَّقِيلَةِ خَاسِرٌ تَسَرَّبَتْ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ لُؤْلُؤَةٌ لَنْ يَجِدَ مِثْلَهَا فِي بِحَارِ العُمْرِ كُلِّهِ، وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ قِيمَةَ البَابِ المَفْتُوحِ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُوقَظَ حِينَ يُغْلَقُ البَابُ إِلَى الأَبَدِ.

وَمِنْ هُنَا تَنْبُعُ عَقِيدَتُهُمُ الرَّاسِخَةُ فِي الرَّفْضِ القَاطِعِ لِأَيِّ صُورَةٍ مِنْ صُوَرِ التَّذَلُّلِ. رَفْضُ التَّذَلُّلِ عِنْدَهُمْ لَيْسَ انْفِعَالًا عَابِرًا يَنْفَجِرُ عِنْدَ الغَضَبِ ثُمَّ يَتَبَدَّدُ بِالاعْتِذَارِ، وَلَا نَزْوَةَ كِبْرِيَاءٍ تُثِيرُهَا الإِهَانَةُ ثُمَّ تُهَدِّئُهَا المُسَاوَمَةُ، بَلْ هُوَ مَنَاعَةٌ عُضْوِيَّةٌ رَافِضَةٌ لِأَيِّ فَيْرُوسٍ يَمَسُّ هَيْكَلَ الكِبْرِيَاءِ. لَقَدْ تَدَرَّبُوا عَلَى الشَّجَاعَةِ الجِرَاحِيَّةِ الكُبْرَى؛ شَجَاعَةِ بَتْرِ أَيِّ عَاطِفَةٍ مُتَوَرِّمَةٍ قَدْ تُشَوِّهُ قَوَامَهُمُ المُنْتَصِبَ، حَتَّى وَإِنْ كَانَ اسْتِئْصَالُهَا يَعْنِي انْتِزَاعَ قِطْعَةٍ نَابِضَةٍ مِنْ لَحْمِ الفُؤَادِ.

يُفَضِّلُونَ أَنْ يَنْزِفُوا بِصَمْتٍ مُهِيبٍ حَتَّى المَوْتِ عَلَى أَنْ يَتَسَوَّلُوا ضِمَادَةً مِنْ كَفٍّ تَمُنُّ عَلَيْهِمْ. وَإِذَا ضَاقَتْ بِهِمُ السُّبُلُ، وَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ مَخَالِبُ الحَاجَةِ المَادِّيَّةِ أَوِ المَعْنَوِيَّةِ، اعْتَصَمُوا بِقِلَاعِ الشِّمَمِ العَالِيَةِ. يَطْوُونَ ضُلُوعَهُمْ عَلَى جَمْرِ الخَصَاصَةِ فَلَا يَتَسَرَّبُ مِنْ شُقُوقِهَا دُخَانُ الشَّكْوَى، وَيَبْتَلِعُونَ غُصَصَ الحِرْمَانِ فَلَا تَرْتَجِفُ شِفَاهُهُمْ بِنِدَاءِ الاسْتِغَاثَةِ. لَيْسُوا حَجَرًا لَا يَتَأَلَّمُ، بَلْ جَبَلًا يَعْرِفُ وَقْعَ الصَّاعِقَةِ وَيَأْبَى أَنْ يُخْبِرَ الوَادِي بِمَوْضِعِ الجُرْحِ.

ذَلِكَ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِأَنَّ كُلَّ خَسَارَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ يُمْكِنُ تَعْوِيضُهَا أَوِ التَّعَايُشُ مَعَ نُدُوبِهَا، إِلَّا انْكِسَارَ العَيْنِ وَسُقُوطَ مَاءِ الوَجْهِ؛ فَهِيَ الخَسَارَةُ السَّرْمَدِيَّةُ الَّتِي تُحِيلُ الإِنْسَانَ إِلَى خِرْقَةٍ بَالِيَةٍ مَهْمَا تَزَيَّنَ بِتِيجَانِ المُتَعِ. إِنَّهُمْ يَتَعَاطَوْنَ صَابَ الصَّبْرِ المُرَّ وُقُوفًا، وَيَرْفُضُونَ أَنْ يَرْتَشِفُوا خَمْرَ الرَّاحَةِ وَهُمْ رَاكِعُونَ عَلَى أَعْتَابِ اللِّئَامِ. فَالرَّاحَةُ الَّتِي تُشْتَرَى بِالهَوَانِ تَعَبٌ مُقَنَّعٌ، وَالشَّبَعُ الَّذِي يُقَدَّمُ عَلَى مَائِدَةِ الذُّلِّ جُوعٌ أَبَدِيٌّ لَا يُشْبِعُ فِيهِ الطَّعَامُ شَيْئًا سِوَى الجَسَدِ، أَمَّا الرُّوحُ فَتَبْقَى تَعُضُّ عَلَى عَظْمِ خَيْبَتِهَا.

وَعَلَى النَّقِيضِ مِنْ هَذَا الشُّحِّ الكَرِيمِ حِينَ يَتَعَلَّقُ الأَمْرُ بِمَطَالِبِهِمْ، تَجِدُهُمْ فِي مَقَامِ العَطَاءِ أَنْهَارًا لَا تَعْرِفُ الاحْتِبَاسَ، وَغُيُومًا تَنْسَكِبُ فَوْقَ المَحْلِ دُونَ أَنْ تَنْتَظِرَ مِنَ الأَرْضِ شُكْرًا وَلَا مِنَ البَذْرِ عِرْفَانًا. العَطَاءُ عِنْدَهُمْ لَيْسَ مُقَايَضَةً تِجَارِيَّةً يَبْتَغُونَ مِنْ وَرَائِهَا رِبْحَ المَدِيحِ، وَلَا صَفْقَةً عَاطِفِيَّةً يَشْتَرُونَ بِهَا وَلَاءَ المُحِيطِينَ بِهِمْ، وَلَا مَصِيدَةً مُهَذَّبَةً يُلْقُونَهَا فِي طَرِيقِ القُلُوبِ لِتَعُودَ إِلَيْهِمْ مُثْقَلَةً بِالطَّاعَةِ. هُوَ بِبَسَاطَةٍ قَانُونُ الفَيْضِ الَّذِي يَحْكُمُ الأَرْوَاحَ العُظْمَى؛ فَالشَّمْسُ حِينَ تُضِيءُ الأَكْوَانَ لَا تُرْسِلُ فَوَاتِيرَ ضِيَائِهَا لِلْبَشَرِ، وَالنَّبْعُ الزُّلَالُ حِينَ يَتَدَفَّقُ لَا يَرْجُو تَصْفِيقَ العِطَاشِ.

يَمْنَحُونَ مِنْ طَاقَتِهِمْ، وَوَقْتِهِمْ، وَوِجْدَانِهِمْ، بِمُنْتَهَى السَّخَاءِ الأَرُسْتُقْرَاطِيِّ، لِأَنَّ امْتِلَاءَهُمُ الدَّاخِلِيَّ يُجْبِرُهُمْ عَلَى أَنْ يُفِيضُوا عَلَى مَا حَوْلَهُمْ إِعَادَةً لِلتَّوَازُنِ الجَمَالِيِّ فِي الكَوْنِ. إِذَا أَحَبُّوا أَعْطَوْا حُبَّهُمْ كَمِنْحَةٍ مَلَكِيَّةٍ لَا تُسْتَرَدُّ وَلَا تُعَايَرُ، وَإِذَا وَقَفُوا مَعَ المَكْلُومِ أَسْنَدُوهُ بِصَمْتٍ يَحْفَظُ لَهُ كِبْرِيَاءَ انْكِسَارِهِ قَبْلَ أَنْ يُدَاوِيَ جُرْحَهُ. يُعْطُونَ كَمَنْ يَفِيضُ لا كَمَنْ يَتَنَازَلُ، وَيَحْنُونَ كَمَنْ يَقْدِرُ لا كَمَنْ يَضْعُفُ، وَيُسَامِحُونَ كَمَنْ تَعَالَى عَلَى صِغَرِ الأَذَى لا كَمَنْ عَجَزَ عَنْ رَدِّهِ.

لَا يَحْتَفِظُونَ بِدَفَاتِرَ لِحِسَابَاتِ مَا قَدَّمُوا، لِأَنَّ عَطَاءَهُمْ يَنْتَهِي بِمُجَرَّدِ خُرُوجِهِ مِنْ أَيْدِيهِمْ، رَافِضِينَ أَنْ يَكُونُوا مُرْتَهِنِينَ لِرُدُودِ أَفْعَالِ الآخَرِينَ، سَوَاءٌ قَابَلُوهُمْ بِالجُحُودِ أَمْ بِالامْتِنَانِ. فَالجَاحِدُ لَا يُنْقِصُ مِنْ نُبْلِهِمْ شَيْئًا، بَلْ يَفْضَحُ فَقْرَهُ هُوَ أَمَامَ سَمَاحَتِهِمْ، وَالمُمْتَنُّ لا يَزِيدُهُمْ شَرَفًا، بَلْ يَشْهَدُ لِنَفْسِهِ بِأَنَّهُ عَرَفَ مَقَامَ النِّعْمَةِ حِينَ مَرَّتْ بِبَابِهِ. إِنَّهُمْ لَا يُعْطُونَ لِيُذْكَرُوا، بَلْ لِأَنَّ العَطَاءَ طَبِيعَةُ النَّهْرِ حِينَ يَكُونُ نَهْرًا، وَطَبِيعَةُ الغَيْمِ حِينَ يَكُونُ غَيْمًا، وَطَبِيعَةُ الرُّوحِ الكَبِيرَةِ حِينَ لَا تَضِيقُ بِمَا فِيهَا مِنْ فَيْضٍ.

وَمِنْ رَحِمِ هَذِهِ السِّيَادَاتِ المُتَرَاكِمَةِ، تُولَدُ خَاصِّيَّتُهُمُ الأَخِيرَةُ وَالأَشَدُّ بَهَاءً؛ الحُرِّيَّةُ الوِجْدَانِيَّةُ المُطْلَقَةُ. هُمْ طُيُورُ عِقْبَانٍ تُحَلِّقُ فِي الطَّبَقَاتِ العُلْيَا مِنْ سَمَاءِ الوَعْيِ، لَمْ تَعُدْ تُغْرِيهَا أَقْفَاصُ الذَّهَبِ وَلَا سَلَاسِلُ الحَرِيرِ الَّتِي يَتَفَنَّنُ البَشَرُ فِي صِيَاغَتِهَا بِاسْمِ التَّوَاصُلِ وَالانْتِمَاءِ. حُرِّيَّتُهُمُ الوِجْدَانِيَّةُ تَعْنِي انْعِتَاقَهُمُ التَّامَّ مِنْ سُلْطَةِ التَّقْيِيمِ الخَارِجِيِّ؛ فَلَا مَدِيحُ الجُمُوعِ يَرْفَعُهُمْ عَنْ عُرُوشِهِمْ زَهْوًا، وَلَا ذَمُّ السَّاقِطِينَ يَهْبِطُ بِهِمْ قَلَقًا. هُمْ المُشَرِّعُونَ الوَحِيدُونَ لِدَسَاتِيرِ سَعَادَتِهِمْ وَحُزْنِهِمْ، لَمْ يُسَلِّمُوا مَفَاتِيحَ مِزَاجِهِمْ لِأَحَدٍ مِنْ سُكَّانِ الأَرْضِ.

إِنَّهُمْ لَا يَرْتَهِنُونَ لِلِابْتِزَازِ العَاطِفِيِّ، وَلَا يَقَعُونَ فِي أَفْخَاخِ المَشَاعِرِ المُلَوَّثَةِ بِشَوَائِبِ التَّبَعِيَّةِ. يُحِبُّونَ بِحُرِّيَّةٍ سَافِرَةٍ، وَيَتْرُكُونَ بِحُرِّيَّةٍ جَارِحَةٍ، إِذَا أَحَسُّوا أَنَّ فِي البَقَاءِ قَيْدًا يَخْنُقُ رِئَةَ كَرَامَتِهِمْ، أَوْ حِجَابًا يَحْجُبُ عَنْهُمْ شَمْسَ سِيَادَتِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ. لَا يَتَعَلَّقُونَ كَمَنْ يَغْرَقُ، بَلْ يَتَوَاصَلُونَ كَمَنْ يُبْحِرُ؛ وَالفَرْقُ بَيْنَ الغَرِيقِ وَالمُبْحِرِ أَنَّ الأَوَّلَ يَتَشَبَّثُ بِأَيِّ خَشَبَةٍ، وَالثَّانِي يَخْتَارُ مَرْكَبَهُ وَجِهَتَهُ وَمَوْعِدَ رُجُوعِهِ إِلَى مِينَاءِ نَفْسِهِ.

هَذِهِ الحُرِّيَّةُ تَجْعَلُهُمْ فِي حَالَةٍ مِنَ السَّيَلَانِ النُّورَانِيِّ الَّذِي لَا يُسْكَبُ فِي قَوَالِبِ المُجْتَمَعِ الجَاهِزَةِ، وَلَا يَقْبَلُ أَنْ يُصَبَّ فِي أَوْعِيَةٍ ضَيِّقَةٍ صَنَعَتْهَا أَفْهَامٌ لَا تُحْسِنُ إِلَّا قِيَاسَ المَعْنَى بِمِسْطَرَةِ المَنْفَعَةِ. يَعِيشُونَ أُمَّةً وَحْدَهُمْ، يَتَنَفَّسُونَ هَوَاءً صَنَعُوهُ بِرِئَاتِهِمُ العِمْلَاقَةِ، وَيَمْضُونَ فِي طَرِيقِ الخُلُودِ كَشَوَاهِدَ حَيَّةٍ عَلَى أَنَّ الرُّوحَ البَشَرِيَّةَ، إِذَا تَخَلَّصَتْ مِنْ أَوْثَانِ الاسْتِجْدَاءِ، تَحَوَّلَتْ إِلَى نَصٍّ عُلْوِيٍّ يَقْرَؤُهُ الزَّمَانُ بِتَرْتِيلٍ طَوِيلٍ لا يَنْتَهِي.

وَلَيْسَتْ هَذِهِ السِّيَادَةُ قَسْوَةً عَلَى النَّاسِ، بَلْ رَحْمَةٌ بِالنَّفْسِ مِنْ أَنْ تُهَانَ، وَرَحْمَةٌ بِالعَلَاقَاتِ مِنْ أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى أَسْوَاقٍ يُبَاعُ فِيهَا الدِّفْءُ وَيُشْتَرَى فِيهَا الاهْتِمَامُ. فَالنَّفْسُ الَّتِي لَا تَسْتَجْدِي لَيْسَتْ نَفْسًا جَافَّةً، بَلْ نَفْسٌ عَرَفَتْ قِيمَةَ المَاءِ فَرَفَضَتْ أَنْ تَشْرَبَ مِنْ كَفٍّ مُلَوَّثَةٍ. وَالقَلْبُ الَّذِي لَا يَتَسَوَّلُ الوُدَّ لَيْسَ قَلْبًا عَاجِزًا عَنِ الحُبِّ، بَلْ قَلْبٌ يَعْرِفُ أَنَّ الحُبَّ حِينَ يُنْزَعُ مِنْ تَاجِهِ يَصِيرُ حَبْلًا حَوْلَ العُنُقِ، وَأَنَّ الوَصْلَ حِينَ يُفْقِدُ الإِنْسَانَ وَقَارَهُ يَغْدُو قَطِيعَةً عَنْ الذَّاتِ، وَأَنَّ البَقَاءَ فِي مَكَانٍ لَا يَصُونُ كَرَامَتَكَ هُوَ أَبْشَعُ أَنْوَاعِ الرَّحِيلِ عَنْ نَفْسِكَ.

هَؤُلَاءِ، حِينَ يُغْلِقُونَ بَابًا، لَا يُغْلِقُونَهُ بِحِقْدٍ، بَلْ بِحِكْمَةِ مَنْ فَهِمَ أَنَّ لِكُلِّ مَعْبَدٍ حُرْمَتَهُ، وَأَنَّ مَنْ أَسَاءَ الوُقُوفَ عَلَى العَتَبَةِ لا يُؤْتَمَنُ عَلَى المِحْرَابِ. وَحِينَ يَسْكُتُونَ، لَا يَسْكُتُونَ عَجْزًا، بَلْ لِأَنَّ بَعْضَ الحَقَائِقِ تَفْقِدُ عِزَّتَهَا إِذَا اضْطُرَّتْ إِلَى شَرْحِ نَفْسِهَا لِمَنْ لَا يَمْلِكُ أَدَبَ الفَهْمِ. وَحِينَ يَرْحَلُونَ، لَا يَرْحَلُونَ مَهْزُومِينَ، بَلْ يَحْمِلُونَ مَعَهُمْ مَفَاتِيحَ بُيُوتِهِمُ الدَّاخِلِيَّةِ، وَيَتْرُكُونَ خَلْفَهُمْ فَرَاغًا يُعَلِّمُ الغَافِلِينَ مَعْنَى مَا كَانُوا فِيهِ مِنْ نِعْمَةٍ.

إِنَّ أَجْمَلَ مَا فِي هَذِهِ النُّفُوسِ أَنَّهَا لَا تُعَادِي الحَاجَةَ لِأَنَّهَا ضَعْفٌ بَشَرِيٌّ، بَلْ تُعَادِي تَحَوُّلَ الحَاجَةِ إِلَى هَوَانٍ، وَلَا تُنْكِرُ العَاطِفَةَ لِأَنَّهَا رِقَّةٌ إِنْسَانِيَّةٌ، بَلْ تَرْفُضُ أَنْ تَصِيرَ العَاطِفَةُ سِلْسِلَةً فِي مَعْصَمِ الرُّوحِ. هِيَ تُحِبُّ، وَتَحِنُّ، وَتَشْتَاقُ، وَتَتَأَلَّمُ، وَلَكِنَّهَا تَفْعَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَاقِفَةً، كَشَجَرَةٍ تُزْهِرُ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ، لَا كَعُشْبَةٍ تَنْبَطِحُ عِنْدَ أَوَّلِ عَاصِفَةٍ. إِنَّهَا لَا تُبْطِلُ الإِنْسَانِيَّةَ فِي دَاخِلِهَا، بَلْ تَرْفَعُهَا إِلَى مَقَامٍ أَشْرَفَ، حَيْثُ يَكُونُ الحُبُّ عِزَّةً، وَالعَطَاءُ سِيَادَةً، وَالصَّبْرُ تَاجًا، وَالرَّحِيلُ حِينَ يَلْزَمُ عِبَادَةً لِلْكَرَامَةِ.

فَطُوبَى لِمَنْ بَلَغَ هَذَا المَقَامَ دُونَ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى صَخْرَةٍ بَارِدَةٍ، وَطُوبَى لِمَنْ عَرَفَ كَيْفَ يَكُونُ لَيِّنًا دُونَ أَنْ يُسْتَبَاحَ، وَكَرِيمًا دُونَ أَنْ يُسْتَغَلَّ، وَمُحِبًّا دُونَ أَنْ يَتَسَوَّلَ، وَقَرِيبًا دُونَ أَنْ يَفْقِدَ هَيْبَةَ المَسَافَةِ. فَهَذِهِ النُّفُوسُ الَّتِي لَا تَسْتَجْدِي هِيَ بَقِيَّةُ النُّبْلِ فِي عَالَمٍ أَتْقَنَ فُنُونَ الطَّلَبِ وَنَسِيَ أَدَبَ الاسْتِغْنَاءِ، وَهِيَ الشَّاهِدُ الأَبْلَغُ عَلَى أَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَبْلُغُ أَعْلَى مَا فِيهِ حِينَ يَحْصُلُ عَلَى كُلِّ مَا يُرِيدُ، بَلْ حِينَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْسَرَ مَا يُرِيدُ دُونَ أَنْ يَخْسَرَ نَفْسَهُ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى