الذين لا تهزمهم الخيبة
حِينَ تَشْتَدُّ المِحَنُ الوُجُودِيَّةُ، وَتَتَدَاعَى أَعْمِدَةُ الرَّجَاءِ تَحْتَ مَطَارِقِ اليَأْسِ، وَتَتَكَالَبُ عَوَاصِفُ العَدَمِ لِتَقْتَلِعَ جُذُورَ الطُّمَأْنِينَةِ مِنْ تُرْبَةِ اليَقِينِ، تَنْكَشِفُ حَقَائِقُ المَعَادِنِ، وَتَسْقُطُ عَنِ الوُجُوهِ أَقْنِعَةُ الثَّبَاتِ المُدَّعَى، وَيَبْدُو الإِنْسَانُ كَمَا هُوَ: إِمَّا جَوْهَرًا صَلْبًا يَزْدَادُ فِي النَّارِ صَفَاءً، وَإِمَّا طِلَاءً رَخْوًا يَتَقَشَّرُ عِنْدَ أَوَّلِ مَسٍّ مِنْ لَهَبِ الِامْتِحَانِ. هُنَاكَ، عَلَى شَفَا تِلْكَ الهَاوِيَةِ الَّتِي تَبْتَلِعُ أَوْهَامَ الضُّعَفَاءِ، وَفِي اللَّحْظَةِ الَّتِي يَتَسَاوَى فِيهَا صَوْتُ السُّقُوطِ مَعَ حَشْرَجَةِ الِاسْتِسْلَامِ، تَنْتَصِبُ أَرْوَاحٌ عُلْوِيَّةُ التَّكْوِينِ، قُدَّتْ كَيْنُونَتُهَا مِنْ صَخْرِ الكِبْرِيَاءِ، وَاسْتَسْقَتْ نَبْضَهَا مِنْ يَنَابِيعِ الجَلَالِ الأَوَّلِ.
هَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ لَا تَهْزِمُهُمُ الخَيْبَةُ؛ لَيْسَ لِأَنَّهُمْ تَدَثَّرُوا بِبَلَادَةِ الحِسِّ، أَوْ حَصَّنُوا ذَوَاتَهُمْ بِأَقْبِيَةِ الهُرُوبِ، أَوْ أَغْلَقُوا مَنافِذَ الرُّوحِ فَلَمْ يَعُودُوا يُبْصِرُونَ الوَجَعَ حِينَ يَدْخُلُ، بَلْ لِأَنَّهُمْ شَيَّدُوا فِي أَعْمَاقِهِمْ إِمْبِرَاطُورِيَّةً عَصِيَّةً عَلَى الدَّكِّ، قِوَامُهَا أَخْلَاقُ الكَرَامَةِ، وَحَارِسُهَا يَقِينٌ فَلْسَفِيٌّ صَارِمٌ بِأَنَّ الِانْحِنَاءَ لِغَيْرِ الحَقِّ نَقْصٌ فِي بِنْيَةِ الرُّوحِ، وَأَنَّ السُّقُوطَ لَيْسَ قَدَرًا مُطْلَقًا، بَلْ قَرَارٌ يَرْفُضُهُ مَنْ عَرَفَ أَنَّ فِي دَاخِلِهِ مَادَّةً لَا تُطَاوِعُ الهَوَانَ.
تِلْكَ أَرْوَاحٌ لَا تَسْتَمِدُّ دِفْأَهَا مِنْ شَمْسٍ آفِلَةٍ، وَلَا تَرْهَنُ طُمَأْنِينَتَهَا لِكَفٍّ خَارِجِيَّةٍ قَدْ تَمْنَحُ وَقَدْ تَمُنُّ، بَلْ تَسْتَدْعِي مِنْ دَاخِلِهَا جُذُورَ حَنَانٍ قَدِيمٍ، نَبَتَ فِي رَحِمِ الغَيْبِ، حَيْثُ طَيْفُ أُمٍّ طَاهِرَةٍ يَحْرُسُ دُرُوبَهَا، وَيُهَدْهِدُ أَوْجَاعَهَا بِتَرَاتِيلِ النُّورِ كُلَّمَا ادْلَهَمَّتْ خُطُوبُ الأَيَّامِ وَعَزَّ السَّكَنُ. فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ صَمَتَ قَاسِيًا، وَلَا كُلُّ مَنْ نَهَضَ خَالِيًا مِنَ الجُرْحِ؛ رُبَّ صَمْتٍ هُوَ أَبْلَغُ أَشْكَالِ النَّزِيفِ، وَرُبَّ نُهُوضٍ لَا تَرَاهُ العُيُونُ لِأَنَّهُ يَحْدُثُ فِي أَعْمَقِ طَبَقَاتِ الرُّوحِ، حَيْثُ لَا يَدْخُلُ المُتَفَرِّجُونَ وَلَا يَصِلُ ضَجِيجُ التَّصْفِيقِ.
إِنَّ فَلْسَفَةَ النُّهُوضِ فِي مُعْجَمِ هَؤُلَاءِ الصَّفْوَةِ لَيْسَتْ حَرَكَةً جَسَدِيَّةً بَعْدَ عَثْرَةٍ، وَلَا تَرْمِيمًا سَرِيعًا لِجِدَارٍ تَصَدَّعَ تَحْتَ ضَرْبَةٍ عَابِرَةٍ، بَلْ هِيَ انْبِعَاثٌ عَقَائِدِيٌّ يَتَجَاوَزُ تُرَابِيَّةَ المَشْهَدِ؛ حَالَةٌ مِنْ إِعَادَةِ هَنْدَسَةِ الكَوْنِ الدَّاخِلِيِّ لِيَتَوَاءَمَ مَعَ مَقَاسَاتِ الحُلْمِ الأَعْظَمِ، لَا مَعَ حُدُودِ الوَاقِعِ المُشَوَّهِ. يَرَوْنَ فِي الصَّدْمَةِ نَقْضًا لِغَزْلِ الرَّدَاءَةِ، وَفِي الخُذْلَانِ غَرْبَلَةً كَوْنِيَّةً لِشَوَائِبِ العَلَاقَاتِ الزَّائِفَةِ، وَفِي الانْكِسَارِ المُحْتَمَلِ مَوْعِدًا سِرِّيًّا مَعَ بِنَاءِ شَكْلٍ أَصْلَبَ مِنَ الذَّاتِ.
نُهُوضُهُمْ لَا يُصَاحِبُهُ ضَجِيجُ الِاسْتِعْرَاضِ، وَلَا خُطَبُ الوُعَّاظِ الجَوْفَاءِ الَّتِي تَسْتَجْدِي التَّصْفِيقَ الرَّخِيصَ، بَلْ هُوَ نُهُوضٌ صَامِتٌ مُرْعِبٌ، مُكَلَّلٌ بِوَقَارِ الجِبَالِ الرَّوَاسِي حِينَ تَزْلَزِلُ الأَرْضُ مِنْ تَحْتِهَا فَتَزْدَادُ رُسُوخًا. يَنْهَضُونَ بِاسْتِحْقَاقٍ أَرُسْتُقْرَاطِيٍّ صَارِمٍ، مُدْرِكِينَ أَنَّ صَوْلَجَانَ القُوَّةِ لَا يُمْنَحُ لِمَنْ صَاحَ أَكْثَرَ، وَلَا لِمَنْ أَحَاطَ نَفْسَهُ بِمَرَايَا المَدِيحِ، بَلْ لِمَنْ مَرَّ فِي مَسَالِكِ المُكَابَدَةِ العُظْمَى، وَخَرَجَ مِنْهَا وَفِي عَيْنَيْهِ نُورٌ لَمْ تُطْفِئْهُ الرِّيحُ، وَفِي صَدْرِهِ عَرْشٌ لَمْ تَبْلُغْهُ مَعَاوِلُ الخَيْبَةِ.
هُمْ كَالنَّسْرِ الَّذِي كُلَّمَا نَتَفَتْ رِيَاحُ الزَّيْفِ بَعْضَ رِيشِهِ، حَلَّقَ إِلَى شَوَاهِقَ أَعْلَى، لِيُنْبِتَ فِي مَعَارِجِ الفَضَاءِ رِيشًا أَشَدَّ بَأْسًا، يُمَزِّقُ بِهِ سُدُفَ الغَمَامِ المُثْقَلِ بِالنِّفَاقِ وَالرِّيَاءِ. لَا يَقِيسُونَ القُوَّةَ بِعَدَدِ الجُرُوحِ الَّتِي تَجَنَّبُوهَا، بَلْ بِقُدْرَتِهِمْ عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا مِنَ الجُرْحِ مَنْفَذًا إِلَى الضَّوْءِ، وَمِنَ الضَّرْبَةِ دَرْسًا، وَمِنَ الفَقْدِ مَادَّةً لِتَكْثِيفِ المَعْنَى، وَمِنَ الخَيْبَةِ سُلَّمًا لَا يُرَى إِلَّا لِمَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الصُّعُودِ وَهُوَ يَحْمِلُ نَارَهُ فِي دَاخِلِهِ.
وَحِينَ تَهْوِي بِمَعَاوِلِهَا خَسَارَاتُ العُمْرِ المُفْجِعَةُ، وَيَسْتَشْرِسُ نَابُ الفَقْدِ فِي تَمْزِيقِ أَوْرِدَةِ الأَمَانِي الوَادِعَةِ، يَتَجَلَّى فِقْهُ اسْتِيعَابِ الخَسَارَةِ عِنْدَهُمْ كَآيَةٍ بَاهِرَةٍ مِنْ آيَاتِ الثَّبَاتِ الَّذِي لَا تُرَوِّعُهُ صَوَاعِقُ الأَقْدَارِ. الخَسَارَةُ فِي عُرْفِهِمْ لَيْسَتِ انْتِقَاصًا مِنَ الجَوْهَرِ، وَلَا تَهْشِيمًا لِلْكَيْنُونَةِ، بَلْ انْحِسَارٌ شَكْلِيٌّ لِزَبَدٍ لَا يَمْكُثُ فِي الأَرْضِ، لِيَبْقَى مَا يَنْفَعُ الرُّوحَ خَالِصًا مِنْ شَوَائِبِ العَلَقِ وَالزَّبَدِ وَالضَّجِيجِ.
هُمْ لَا يَبْتَلِعُونَ الغُصَّةَ عَلَى مَضَضِ المُكْرَهِ الذَّلِيلِ، بَلْ يَحْتَوُونَهَا بِيَقِينِ العَارِفِ الَّذِي يُدْرِكُ أَنَّ البَحْرَ المَدِيدَ لَا يُدَنِّسُهُ جُثْمَانُ فِكْرَةٍ مَيِّتَةٍ أُلْقِيَتْ فِيهِ، وَأَنَّ الغَابَةَ الكَثِيفَةَ لَا تَبْكِي عُودًا يَابِسًا كَسَرَتْهُ رِيحٌ عَابِرَةٌ. يَقِفُونَ أَمَامَ نَوَائِبِ الدَّهْرِ وُقُوفَ النِّدِّ المَكِينِ لِلنِّدِّ المُغْتَرِّ؛ صُدُورُهُمْ مَشْرَعَةٌ لِعَوَاصِفِ الزَّمَانِ دُونَ جَزَعٍ يُبَعْثِرُ الوَقَارَ، وَدُونَ اسْتِكَانَةٍ تَقْضِمُ طَرَفَ الرُّوحِ.
يَغْمِسُونَ جِرَاحَهُمُ النَّازِفَةَ فِي نَهْرِ الإِرَادَةِ البَارِدِ، فَيَتَطَهَّرُ الأَلَمُ مِنْ دَنَسِ الضَّعْفِ المُبْتَذَلِ، وَيَسْتَحِيلُ فِي قَوَامِيسِهِمُ الفَارِهَةِ إِلَى حَالَةٍ مِنَ التَّبَتُّلِ الخَفِيِّ، حَيْثُ يُصْبِحُ العَضُّ عَلَى النَّوَاجِذِ الدَّامِيَةِ ضَرْبًا مِنْ ضُرُوبِ العِبَادَةِ الصَّامِتَةِ لِلْكَرَامَةِ، وَطَقْسًا أَعْلَى مِنْ طُقُوسِ المُرَغَمَةِ المَقْهُورَةِ فِي امْتِحَانَاتِ الصَّبْرِ الكُبْرَى. فَلَيْسَ الصَّبْرُ عِنْدَهُمْ انْتِظَارًا بَلِيدًا لِانْقِضَاءِ الوَجَعِ، بَلْ فَنٌّ سَيِّدٌ فِي تَهْذِيبِ النَّارِ حَتَّى تَصِيرَ مِشْكَاةً، وَفِي تَرْوِيضِ الصَّاعِقَةِ حَتَّى تَغْدُوَ مَصْدَرًا لِضَوْءٍ جَدِيدٍ.
وَالأَلَمُ، ذَلِكَ الوَحْشُ الضَّارِي الَّذِي يَفْتَرِسُ أَرْوَاحَ العَابِرِينَ الغَافِلِينَ، لَيْسَ فِي حَضْرَتِهِمُ المَهِيبَةِ إِلَّا فُرْنَ صَهْرٍ هَائِلًا، وَبُوتَقَةَ خِيمْيَاءَ رُوحِيَّةٍ تُحْسِنُ تَحْوِيلَ الوَجَعِ المَحْضِ إِلَى خِبْرَةٍ تَشُقُّ عُبَابَ المَجْهُولِ بِشِرَاعٍ مِنْ نُورٍ. فِي أَتُونِ هَذِهِ المَطْحَنَةِ القَاسِيَةِ، حَيْثُ تَتَمَزَّقُ الأَشْلَاءُ المَعْنَوِيَّةُ لِلْكَثِيرِينَ فَيَصِيرُونَ هَبَاءً مَنْثُورًا، تَنْبَرِي نُفُوسُهُمُ العَظِيمَةُ لِتَنْتَزِعَ الضِّيَاءَ مِنْ أَعْمَاقِ العَتَمَةِ، وَتَسْتَقْطِرَ مِنْ سُمُومِ الخَيْبَاتِ تِرْيَاقًا ذَهَبِيًّا تَسْقِي بِهِ جُذُورَ شَجَرَةِ المَعْرِفَةِ.
إِنَّ الإِزْمِيلَ المُرَوِّعَ الَّذِي يَنْحَتُ جَسَدَ الرُّوحِ قَسْوَةً وَتَنْكِيلًا، هُوَ ذَاتُهُ الإِزْمِيلُ السِّيَادِيُّ الَّذِي يَنْقُشُ مَلَامِحَ العَظَمَةِ، وَيُخْرِجُ تِمْثَالَ الإِبْدَاعِ مِنْ دَاخِلِ صَخْرَةِ العُقْمِ الرَّتِيبِ. هُمْ لَا يَتْرُكُونَ نَدَبَاتِهِمُ الغَائِرَةَ مَشَاعًا لِنَظَرَاتِ الشَّفَقَةِ المُرْتَجِفَةِ، وَلَا يَعْرِضُونَ انْكِسَارَاتِهِمْ عَلَى أَسْوَاقِ التَّعَاطُفِ كَيْ يَسْتَدِرُّوا قَطْرَةً مِنْ حَنَانٍ عَابِرٍ، بَلْ يَصُوغُونَ مِنْ هَذِهِ النَّدَبَاتِ أَوْسِمَةَ مَجْدٍ مُرَصَّعَةً بِالفَخَارِ، وَشَوَاهِدَ إِثْبَاتٍ عَلَى أَنَّهُمْ مَرُّوا مِنْ هُنَاكَ، وَخَاضُوا مَعَارِكَ الزَّمَانِ بِصُدُورٍ عَارِيَةٍ إِلَّا مِنْ إِيمَانِهِمْ، فَانْكَسَرَتْ سُيُوفُ الغَدْرِ عَلَى دُرُوعِ ثَبَاتِهِمُ الَّذِي لَا يُخْتَرَقُ.
يُحِيلُونَ انْتِكَاسَةَ المَادَّةِ الطِّينِيَّةِ إِلَى عُرُوجٍ رُوحِيٍّ مُكَثَّفٍ يَطْوِي سَمَاوَاتِ البَصِيرَةِ، كَأَنَّهُمْ بِهَذَا الإِعْجَازِ الوُجُودِيِّ يُتَرْجِمُونَ خَسَارَةَ الأَشْيَاءِ العَابِرَةِ إِلَى انْتِصَارَاتٍ بِكْرٍ فِي مَيَادِينِ المَعْرِفَةِ النَّافِذَةِ. وَمَا أَشَدَّ الفَرْقَ بَيْنَ مَنْ يَخْسَرُ الشَّيْءَ فَيَخْسَرُ مَعَهُ نَفْسَهُ، وَمَنْ يَخْسَرُ الشَّيْءَ فَيَرْبَحُ نَفْسَهُ مِنْ جَدِيدٍ، أَصْفَى وَأَقْسَى وَأَكْثَرَ قُدْرَةً عَلَى رُؤْيَةِ الطَّرِيقِ حِينَ تَتَكَاثَفُ الظِّلَالُ.
وَمَا الَّذِي يُبْقِي هَذِهِ الجُذُورَ الرَّاسِخَةَ مَشْدُودَةً إِلَى سَمَاءِ العِزَّةِ حِينَ تَمِيدُ الأَرْضُ بِأَهْلِهَا الضِّعَافِ؟ إِنَّهَا قُوَّةُ المَعْنَى؛ ذَلِكَ السِّرُّ البَطِينُ الَّذِي يُعْتَقُ فِي حَنَايَا الشِّغَافِ، لِيَصِيرَ مِحْوَرَ الكَوْنِ الدَّاخِلِيِّ، وَنِبْرَاسَ الخُلُودِ الَّذِي يَتَأَبَّى عَلَى الانْطِفَاءِ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ. هَؤُلَاءِ لَا يَقْتَاتُونَ عَلَى قُشُورِ الأَحْدَاثِ الَّتِي تُلْقِي بِهَا صُدَفُ الأَيَّامِ، وَلَا يَجْعَلُونَ مِنْ مَوَاقِفِ النَّاسِ بُوصَلَةً لِقِيمَتِهِمْ، بَلْ يُدْرِكُونَ أَنَّ الحَيَاةَ الخَالِيَةَ مِنْ مَعْنًى سَامٍ، رَاسِخٍ، يَتَجَاوَزُ أُطُرَ المَنْفَعَةِ الآنيةِ، لَيْسَتْ إِلَّا صَحْرَاءَ قَاحِلَةً تَسْفِي فِيهَا رِيَاحُ العَبَثِ رِمَالَ الخَوَاءِ.
حِينَ يُخْذَلُونَ فِي عَالَمِ الشَّوَاهِدِ، لَا يَسْقُطُونَ فِي بِئْرِ العَدَمِيَّةِ المُعْتِمَةِ؛ لِأَنَّ المَعْنَى الهَارِبَ الَّذِي يَسْتَوْطِنُ وِجْدَانَهُمْ المَكْلُومَ يُعِيدُ خَلْقَ ذَوَاتِهِمْ مِنْ رَمَادِهَا مَعَ كُلِّ إِشْرَاقَةِ نَبْضٍ جَدِيدٍ. المَعْنَى عِنْدَهُمْ لَيْسَ تَرَفًا تَنْظِيرِيًّا، وَلَا زِينَةً فِكْرِيَّةً تُعَلَّقُ عَلَى جُدْرَانِ الخِطَابِ، بَلْ هُوَ سَيْفٌ يُمَزِّقُ سُتُرَ التَّفَاهَةِ، وَتُرْسٌ يَرُدُّ نِبَالَ التَّهْمِيشِ إِلَى نُحُورِ رُمَاتِهَا، وَقُطْبٌ وَحِيدٌ تَدُورُ حَوْلَهُ أَفْلَاكُ غَايَاتِهِمُ العُلْيَا.
بِالمَعْنَى يَغْدُو القَبْضُ عَلَى جَمْرَةِ المَبْدَأِ بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى الأَضْلَاعِ، وَتُصْبِحُ العُزْلَةُ المَجِيدَةُ زِحَامًا مِنَ الأَفْكَارِ المُجَنَّحَةِ الَّتِي تَبْنِي حَضَارَاتِ الوُدِّ وَالبَيَانِ خَلْفَ جُدْرَانِ الصَّمْتِ الأَنِيقِ. وَبِنَقْدِهِمُ الثَّقَافِيِّ العَمِيقِ لِعَصْرِ الاسْتِخْفَافِ الَّذِي اسْتَمْرَأَ الرَّثَاثَةَ، لَا يَعْتَرِفُونَ بِهَزَائِمِ الوَاقِعِ المُصْطَنَعِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُمُ المُتَأَصِّلَ فِي وِجْدَانِهِمْ هُوَ الحَقِيقَةُ الأَثْبَتُ، وَمَا دُونَهُ مِنِ انْكِسَارَاتٍ لَيْسَ إِلَّا سَرَابًا يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً، فَإِذَا بَلَغَهُ مُنْهَكًا لَمْ يَجِدْ فِيهِ غَيْرَ صُورَةِ خَيْبَتِهِ.
ثُمَّ يَتَجَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ نَامُوسُ الوُجُودِ الأَعْظَمُ الَّذِي يَخْتِمُ بَصْمَتَهُمْ الكَوْنِيَّةَ، وَيُمَهِّرُ وَثِيقَةَ سِيَادَتِهِمْ بِمَاءِ الخُلُودِ الأَصْفَى: الِاسْتِمْرَارُ. إِنَّ الَّذِينَ لَا تَهْزِمُهُمُ الخَيْبَةُ لَا يَعْرِفُونَ فِي قَرَاطِيسِهِمْ لِلتَّوَقُّفِ مَحَطَّةً، وَلَا يَرَوْنَ لِلرُّكُونِ إِلَى الأَطْلَالِ الدَّارِسَةِ مَذْهَبًا يُتَّبَعُ. الِاسْتِمْرَارُ هُنَا لَيْسَ سَيْرًا مِيكَانِيكِيًّا تَدْفَعُهُ غَرِيزَةُ البَقَاءِ، وَلَا خَوْفًا مِنَ الفَنَاءِ، بَلْ تَدَفُّقٌ شُعُورِيٌّ رَاقٍ، وَمَسِيرَةٌ ظَافِرَةٌ تُعَانِقُ المُسْتَحِيلَ خُطْوَةً خُطْوَةً دُونَ التِفَاتَةٍ لِلْوَرَاءِ.
يَدُوسُونَ عَلَى جُثَثِ المَرَارَةِ المُتَرَاكِمَةِ، وَيَعْبُرُونَ فَوْقَ أَشْوَاكِ الجُحُودِ بِأَقْدَامٍ تَتَقَاطَرُ مِسْكًا، وَرُؤًى تُهْدِي لِلأُفُقِ الغَائِمِ فَجْرًا صَادِقًا. هُمْ سُعَاةُ الخُلُودِ الحَقِيقِيُّونَ، يَحْمِلُونَ رِسَالَةَ الضَّوْءِ فِي حَنَاجِرِ العَوَاصِفِ، مُتَسَرْبِلِينَ بِيَقِينٍ ثَابِتٍ يُزَلْزِلُ عُشُوشَ الشَّكِّ الرَّخْوَةِ. كُلَّمَا أُغْلِقَ فِي وُجُوهِهِمْ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الأَرْضِ المَحْدُودَةِ، شَرَّعُوا بِنَظَرَاتِهِمُ الثَّاقِبَةِ أَبْوَابًا لَا حَصْرَ لَهَا فِي سَمَاوَاتِ الإِمْكَانِ الفَسِيحِ.
لَا تُرْهِبُهُمْ طُولُ المَسَافَةِ، وَلَا وُعُورَةُ الدَّرْبِ، وَلَا وَحْشَةُ الطَّرِيقِ حِينَ يَنْفَضُّ السَّائِرُونَ وَيَبْقَى المَعْنَى وَحْدَهُ رَفِيقًا. لِأَنَّهُمْ أَدْرَكُوا فِي تَسَابِيحِ سُكُونِهِمُ العَمِيقِ أَنَّ الوُصُولَ لَيْسَ رُقْعَةً جُغْرَافِيَّةً تُوطَأُ بِالنِّعَالِ، بَلْ اسْتِحَالَةُ الرُّوحِ الحُرَّةِ إِلَى مِحْرَابٍ يَنْبُضُ بِالحَيَاةِ. يَسْتَمِرُّونَ كَنَهْرٍ سَمَاوِيٍّ هَادِرٍ يَنْحَتُ مَجْرَاهُ فِي صَمِيمِ الصَّخْرِ الصَّمَّاءِ، لَا لِيَذُوبَ فِي بَحْرٍ يَطْمِسُ هُوِيَّتَهُ، بَلْ لِيُثْبِتَ لِلْجَدْبِ أَنَّ مَاءَ المَعْنَى لَا يَجِفُّ، مَهْمَا اشْتَدَّ القَيْظُ وَأَطْبَقَتْ رِيَاحُ العَدَمِ.
إِنَّهُمْ شَهَادَةُ البَقَاءِ الحَيَّةُ حِينَ يَفْنَى كُلُّ شَيْءٍ حَوْلَهُمْ، وَهُمُ الكَلِمَةُ العُلْيَا الَّتِي نُقِشَتْ فِي صَدْرِ الأَبَدِ بِمِدَادِ المَكْرُمَاتِ. لَا تَهْزِمُهُمُ الخَيْبَةُ لِأَنَّهُمْ لَا يَجْعَلُونَ مِنَ الخَيْبَةِ آخِرَ المَعْنَى، وَلَا تَسْحَقُهُمُ الخَسَارَةُ لِأَنَّهُمْ لَا يَضَعُونَ جَوْهَرَهُمْ فِي يَدِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُفْقَدَ. يُحِبُّونَ، وَيَخْسَرُونَ، وَيَتَأَلَّمُونَ، وَيَنْزِفُونَ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْقُطُونَ مِنْ مَقَامِهِمْ؛ لِأَنَّ لَهُمْ فِي دَاخِلِهِمْ عَرْشًا لَا تَطَالُهُ مَعَاوِلُ الحَوَادِثِ، وَنَارًا لَا تَعْرِفُ الانْطِفَاءَ، وَمِيثَاقًا مَكْتُوبًا عَلَى جَبِينِ الرُّوحِ: لَنْ نَنْكَسِرَ مَا دَامَ فِي نَبْضِ الحَرْفِ كِبْرِيَاءٌ لَا يُسَاوَمُ، وَمَا دَامَ فِي رُوحِ المَعْنَى شُعَاعٌ مِنْ إِبَاءٍ يَرْفُضُ أَنْ يَنْطَفِئَ.
