ليستِ الحقيقةُ دائمًا نُورًا يدخلُ على النّفسِ فَتفتحُ لَهُ النّوافذَ مُبْتهجةً، وَلا زائرًا كريمًا يُسْتَقْبَلُ بِالطُّمأنينةِ وَالامتنانِ. أحيانًا تأتي الحقيقةُ كطبيبٍ يحملُ مشرطًا، أَوْ كريحٍ تكشفُ مَا تراكمَ تحتَ السّجّادِ، أَوْ كمرآةٍ لَا تعرفُ المُجاملةَ، فَتضعُ الإنسانَ أمامَ وَجههِ الّذي طالما حسّنَ صُورتهُ فِي عُيونِ النّاسِ وَفي عينهِ هُوَ. وَلذلكَ لَا يهربُ الإنسانُ مِنَ الحقيقةِ لِأنّها مجهولةٌ فَقطْ، بَلْ لِأنّهُ يعرفُ، فِي أعماقهِ، أَنَّ ظُهورها لَنْ يتركهُ كما كانَ. فَالحقيقةُ حينَ تمسُّ الذّاتَ لَا تكونُ معلومةً بَاردةً على هامشِ الوعيِ، بَلْ تصيرُ تكليفًا، وَتحوّلًا، وَدينًا أخلاقيًّا، وَمُطالبةً بِإعادةِ ترتيبِ البيتِ الدّاخليِّ كُلّهِ. وَمنْ هُنا يفضّلُ كثيرونَ وَهمًا مُريحًا يعرفونَ هشاشتهُ، على صدقٍ مُرٍّ قَدْ يُحَرِّرُهُمْ، لِأنَّ التّحرّرَ نفسهُ ليسَ دائمًا راحةً؛ بَلْ قَدْ يكونُ بِدايةَ مسؤوليّةٍ ثقيلةٍ.
إِنَّ الحقيقةَ النّظريّةَ شيءٌ، وَالحقيقةَ الّتي تدخلُ فِي العظمِ شيءٌ آخرُ. مِنَ السّهلِ أَنْ يتحدّثَ الإنسانُ عَنِ الصّدقِ، وَالعدلِ، وَالشّجاعةِ، وَالحُرّيّةِ، وَالإصلاحِ، وَهُوَ وَاقفٌ على شُرْفةِ الفكرِ، يتأمّلُ العالمَ مِنْ بَعيدٍ. لكنْ مَا إِنْ تقتربَ الحقيقةُ مِنْ ذاتهِ حتّى يتغيّرَ صوتها. لَا تقولُ لَهُ حينئذٍ: الصّدقُ فَضيلةٌ، بَلْ تقولُ: أنتَ لَمْ تكنْ صادقًا. لَا تقولُ: الظُّلْمُ قبيحٌ، بَلْ تقولُ: أنتَ ظلمتَ. لَا تقولُ: العُمْرُ أمانةٌ، بَلْ تقولُ: أنتَ أضعتَ. لَا تقولُ: الشّجاعةُ مقامٌ عظيمٌ، بَلْ تقولُ: أنتَ خفتَ وَسمّيتَ خوفكَ حكمةً. لَا تقولُ: السُّكوتُ عَنِ الحقِّ ضعفٌ، بَلْ تقولُ: أنتَ عرفتَ وَسكتَّ. لَا تقولُ: الإنسانُ قادرٌ على التّغييرِ، بَلْ تقولُ: أنتَ قادرٌ لكنّكَ تختبئُ خلفَ عجزٍ مُريحٍ. هذهِ ليستْ معلوماتٍ، بَلْ ضرباتٌ على صُورةِ الإنسانِ عَنْ نفسهِ. إنّها لَا تزيدُ معارفهُ فَحسبُ، بَلْ تهزُّ موقعهُ الوُجوديَّ، وَتُطَالِبُهُ أَنْ يرى الفارقَ بَينَ مَا ظَنَّ أنّهُ هُوَ، وَما كشفتهُ أفعالهُ أنّهُ صارَ إليهِ.
“فَالحقيقةُ حينَ تمسُّ الذّاتَ لَا تكونُ معلومةً بَاردةً على هامشِ الوعيِ، بَلْ تصيرُ تكليفًا، وَتحوّلًا، وَدينًا أخلاقيًّا.”
وَلهذا يبدو الوهمُ، فِي لحظاتٍ كثيرةٍ، مسكنًا نفسيًّا بَالغَ الإغراءِ. الوهمُ لَا يسألُ كثيرًا، وَلا يفتحُ الدّفاترَ القديمةَ، وَلا يُطَالِبُ بِاعتذارٍ، وَلا يطلبُ مِنَ الإنسانِ أَنْ يردَّ حقًّا، أَوْ يُغَيِّرَ عادةً، أَوْ يكسرَ صُورةً، أَوْ يخسرَ علاقةً، أَوْ يُعِيدَ بِناءَ طريقهِ مِنْ جديدٍ. الوهمُ يقولُ لَهُ: لَا بَأسَ، الأمرُ أعقدُ ممّا يبدو. أنتَ لَمْ تُخْطِئْ حقًّا، بَلِ الظُّروفُ دفعتكَ. أنتَ لَمْ تظلمْ، بَلْ لَمْ تُفْهَمْ. أنتَ لَمْ تُضَيِّعِ العُمْرَ، بَلْ كُنْتَ تنتظرُ الوقتَ المُناسبَ. أنتَ لَمْ تخفْ، بَلْ كُنْتَ ناضجًا. أنتَ لَمْ تهربْ، بَلْ كُنْتَ تُحَافِظُ على سلامكَ الدّاخليِّ. بِهذهِ اللُّغةِ النّاعمةِ ينامُ الإنسانُ قليلًا، كما ينامُ المُتألّمُ تحتَ أثرِ المُخدّرِ. لكنّهُ لَا يشفى. فَالوهمُ يُعْطِي راحةً بِلا علاجٍ، وَسُكونًا بِلا سلامٍ، وَطُمأنينةً قصيرةً تحتاجُ إلى جُرْعةٍ أكبرَ كُلّما اقتربتِ الحقيقةُ مِنَ البابِ.
وَالوهمُ يُشْبِهُ بَيتًا دافئًا مبنيًّا على أرضٍ رخوةٍ. مِنْ داخلهِ تبدو المصابيحُ هادئةً، وَالسّتائرُ مُرتّبةً، وَالرّائحةُ مألوفةً، لكنَّ أساسهُ يتشقّقُ فِي الخفاءِ. كُلّما هبّتْ ريحُ الحقيقةِ اهتزَّ البيتُ، فَيُسْرِعُ صاحبهُ إلى تزيينِ الجُدْرانِ بَدلَ فَحصِ الأساسِ. يشتري ستارةً جديدةً مِنَ التّبريرِ، وَيضعُ لوحةً مِنَ الأملِ الزّائفِ، وَيرفعُ صوتَ الضّجيجِ كَيْ لَا يسمعَ صريرَ الخشبِ تحتَ قدميهِ. وَهكذا لَا يُصْبِحُ الوهمُ مُجرّدَ خطأ فِي المعرفةِ، بَلْ مسكنًا داخليًّا اعتادَ الإنسانُ السّكنَ فِيهِ، حتّى صارَ الخُروجُ منهُ يُشْبِهُ التّشرّدَ. قَدْ يكونُ البيتُ خطرًا، لكنّهُ بَيتهُ. وَقدْ تكونُ الحقيقةُ طريقَ النّجاةِ، لكنّها تطلبُ منهُ أَنْ يُغَادِرَ مَا ألفهُ، وَالإنسانُ يخافُ أحيانًا مِنَ المجهولِ الصّحّيِّ أكثرَ ممّا يخافُ مِنَ المألوفِ المريضِ.
“الإنسانُ قَدْ يتوبُ عَنْ فِعلٍ، لكنَّ الأصعبَ أَنْ يتخلّى عَنِ الصُّورةِ الّتي جعلتِ الفعلَ مُحْتملًا فِي عينيهِ.”
كثيرونَ لَا يخافونَ الحقيقةَ نفسها بِقدرِ مَا يخافونَ مَا سيبقى منهمْ بَعدها. إِنِ اعترفتُ أنّني كُنْتُ مُخْطئًا عشرَ سنواتٍ، فَماذا أفعلُ بِصورةِ الحكيمِ الّتي حملتها؟ إِنِ اعترفتُ أنّني كُنْتُ جبانًا، فَماذا أفعلُ بِتاريخٍ طويلٍ مِنِ ادّعاءِ القُوّةِ؟ إِنِ اعترفتُ أنّني كُنْتُ أُؤْذِي مَنْ أُحِبُّ، فَكيفَ أحتملُ صُورتي أمامَ نفسي؟ إِنِ اعترفتُ أنّني لَمْ أكنْ ضحيّةً خالصةً، بَلْ كُنْتُ شريكًا فِي استمرارِ ألمي، فَماذا أفعلُ بِسنواتٍ بَنيتُ فِيها هُويّتي على المظلوميّةِ وَحدها؟ هذهِ الأسئلةُ لَا تُؤْلِمُ لِأنّها تكشفُ الماضيَ فَقطْ، بَلْ لِأنّها تُهَدِّدُ الهُويّةَ الّتي صنعتها النّفسُ حولَ الماضي. الإنسانُ قَدْ يتوبُ عَنْ فِعلٍ، لكنَّ الأصعبَ أَنْ يتخلّى عَنِ الصُّورةِ الّتي جعلتِ الفعلَ مُحْتملًا فِي عينيهِ.
فَالحقيقةُ لَا تهدمُ الخطأَ وَحدهُ، بَلْ تهدمُ أحيانًا المسرحَ الّذي كانَ الخطأُ يُؤَدِّي عليهِ دورهُ بِوصفهِ بُطولةً أَوْ عُذْرًا أَوْ نُبْلًا أَوِ اضطرارًا. قَدْ يكتشفُ الإنسانُ أَنَّ صبرهُ كانَ خوفًا، وَأنَّ تسامحهُ كانَ عجزًا عَنِ المُواجهةِ، وَأنَّ حكمتهُ كانتْ رغبةً فِي السّلامةِ، وَأنَّ انشغالهُ كانَ هُروبًا، وَأنَّ غيرتهُ كانتِ امتلاكًا، وَأنَّ طُموحهُ كانَ فَراغًا، وَأنَّ زُهْدهُ كانَ كبرياءً مُتنكّرًا، وَأنَّ نقدهُ لِلآخرينَ كانَ إسقاطًا لعيوبهِ عليهمْ. هذهِ اللّحظةُ مُوجعةٌ؛ لِأنّها لَا تقولُ لِلإنسانِ: لديكَ خللٌ هُنا أَوْ هُناكَ فَقطْ، بَلْ تقولُ: بَعضُ الأسماءِ الّتي عشتَ بِها لَمْ تكنْ أسماءها الحقيقيّةَ. وَحينَ تتغيّرُ أسماءُ الأشياءِ فِي الدّاخلِ، يتغيّرُ العالمُ كُلّهُ.
“كَمْ مِنْ حقيقةٍ وَاضحةٍ كالشّمسِ يراها الإنسانُ ثُمَّ يُغْمِضُ عينهُ، لَا لِأنّهُ يشكُّ فِي الشّمسِ، بَلْ لِأنّهُ يعرفُ أَنَّ فَتحَ العينِ سيجبرهُ على الخُروجِ مِنَ الغُرْفةِ.”
ثُمَّ إِنَّ الحقيقةَ تطلبُ ثمنًا، وَالوهمُ مُريحٌ لِأنّهُ لَا يُطَالِبُ بِشيءٍ. الوهمُ يسمحُ لِلإنسانِ أَنْ يبقى فِي مكانهِ، وَأنْ يُؤَجِّلَ، وَأنْ ينامَ، وَأنْ يتحدّثَ عَنِ التّغييرِ دُونَ أَنْ يدخلَ نارهُ. أمّا الحقيقةُ فَإذا دخلتْ لَمْ تتركْ صاحبها مُتفرّجًا. تطلبُ اعتذارًا ممّنْ جُفوا، وَإصلاحًا لما فَسدَ، وَقطعًا لعلاقةٍ تُهِينُ، وَتركًا لمكسبٍ مُلوّثٍ، وَتغييرًا لعادةٍ صارتْ جُزْءًا مِنَ اليومِ، وَردًّا لحقٍّ طالَ عليهِ الصّمتُ، وَالتزامًا طويلًا بَعدَ لحظةِ الانكشافِ الأُولَى. لذلكَ لَا يرفضُ الإنسانُ الحقيقةَ لِأنّها غيرُ مُقْنعةٍ دائمًا، بَلْ لِأنّها مُكْلفةٌ. كَمْ مِنْ حقيقةٍ وَاضحةٍ كالشّمسِ يراها الإنسانُ ثُمَّ يُغْمِضُ عينهُ، لَا لِأنّهُ يشكُّ فِي الشّمسِ، بَلْ لِأنّهُ يعرفُ أَنَّ فَتحَ العينِ سيجبرهُ على الخُروجِ مِنَ الغُرْفةِ.
وَالأمثلةُ فِي الحياةِ أكثرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى. إنسانٌ يعرفُ أَنَّ عملهُ يستنزفُ كرامتهُ، لكنّهُ يُفَضِّلُ وَهمَ “الاستقرارِ” على حقيقةِ أنّهُ بَاعَ رُوحهُ شيئًا فَشيئًا. زوجانِ يعرفانِ أَنَّ علاقتهما لَمْ تعدْ صحيحةً فِي صُورتها القائمةِ، لكنّهما يُفَضِّلَانِ وَهمَ “الأُمُورُ ستتحسّنُ وَحدها” على حقيقةِ أَنَّ الإصلاحَ يحتاجُ شجاعةً وَحوارًا وَتنازلاتٍ مُوجعةً. شابٌّ يعرفُ أَنَّ وَقتهُ يُنْهَبُ فِي التّفاهةِ، لكنّهُ يُفَضِّلُ وَهمَ “أنا أحتاجُ فَقطْ إلى بَعضِ الرّاحةِ” على حقيقةِ أنّهُ يهربُ مِنْ بِناءِ نفسهِ. أَبٌ يعرفُ أنّهُ قاسٍ على أبنائهِ، لكنّهُ يُفَضِّلُ وَهمَ “أنا أفعلُ ذلكَ لمصلحتهمْ” على حقيقةِ أنّهُ يُكَرِّرُ فِيهمْ جراحهُ القديمةَ. مُثقّفٌ يعرفُ أَنَّ خطابهُ فَخمٌ وَعملهُ فَقيرٌ، لكنّهُ يُفَضِّلُ وَهمَ “النّاسُ لَا تفهمُ مشروعي” على حقيقةِ أنّهُ يخافُ النُّزُولَ مِنْ شُرْفةِ التّنظيرِ إلى أرضِ الفعلِ. الحقيقةُ هُنا لَا تحتاجُ إلى دليلٍ جديدٍ، بَلْ إلى استعدادٍ لدفعِ الثّمنِ.
وَمنْ أثمانِ الحقيقةِ فِقدانُ الانتماءِ. فَالإنسانُ لَا يعيشُ وَحدهُ، وَكثيرٌ مِنْ أوهامهِ ليستْ فَرديّةً، بَلْ جماعيّةٌ؛ ترعاها عائلةٌ، أَوْ جماعةٌ، أَوْ تيارٌ، أَوْ مُؤسّسةٌ، أَوْ سُوقٌ، أَوْ علاقةٌ. قَدْ يعرفُ المرءُ أَنَّ جماعتهُ مُخْطئةٌ، لكنّهُ يخافُ أَنْ يخرجَ مِنْ دفءِ الدّائرةِ. قَدْ يعرفُ أَنَّ العائلةَ تظلمهُ بِاسمِ العُرْفِ، لكنّهُ يخافُ أَنْ يُصْبِحَ “الابنَ العاقَّ” أَوْ “المُتمرّدَ” أَوْ “الخارجَ عَنِ الأصلِ”. قَدْ يعرفُ أَنَّ التّيارَ الّذي ينتمي إليهِ يكذبُ أَوْ يُبَالِغُ أَوْ يظلمُ خُصومهُ، لكنّهُ يخافُ عُزْلةَ الصّدقِ. قَدْ يعرفُ أَنَّ السُّوقَ يصنعُ احتياجاتهِ، لكنّهُ يخافُ أَنْ يبدو أقلَّ مِنْ مُحيطهِ. قَدْ يعرفُ أَنَّ العلاقةَ الّتي يعيشها لَا تحفظُ كرامتهُ، لكنّهُ يخافُ الفراغَ بَعدها. وَهكذا لَا يكونُ الوهمُ فَرديًّا فَقطْ؛ بَلْ يكونُ أحيانًا بِطاقةَ عُضْويّةٍ فِي جماعةٍ مَا. وَمنْ أرادَ الحقيقةَ دفعَ ثمنَ الخُروجِ مِنْ لُغةِ الجماعةِ، وَرُبّما مِنْ حمايتها الرّمزيّةِ.
“مَا دامَ الإنسانُ يقولُ: لَا أستطيعُ، فَهُوَ معذورٌ. مَا دامَ يقولُ: الظُّروفُ منعتني، فَهُوَ مُسْتريحٌ مِنَ السُّؤالِ. لكنْ إذا عرفَ أنّهُ يستطيعُ، فَقدِ انتهى العُذْرُ.”
وَهذا مِنْ أعمقِ مواضعِ الخوفِ؛ لِأنَّ الحقيقةَ قَدْ تجعلُ الإنسانَ وَحيدًا، وَلوْ مُؤقّتًا. فَليسَ كُلُّ مَنْ حولكَ يُرِيدُكَ أَنْ تصدقَ، لِأنَّ صدقكَ قَدْ يُهَدِّدُ كذبهمْ. وَليسَ كُلُّ انتماءٍ يُرَحِّبُ بِمنْ يسألُ. بَعضُ الجماعاتِ لَا تُحِبُّ أفرادها إلّا مَا داموا يحمونَ الرّوايةَ المُشْتركةَ. فَإذا قالَ أحدهمْ: لكنَّ هذا ليسَ صحيحًا، بَدا لهمْ كأنّهُ خانَ لَا كأنّهُ رأى. وَلذلكَ يُفَضِّلُ كثيرونَ وَهمَ الجماعةِ على صدقِ الفردِ؛ يُفَضِّلُونَ الدّفءَ الكاذبَ على البردِ الصّادقِ، وَالهُتافَ المُشْتركَ على السُّؤالِ الوحيدِ، وَالرّاحةَ فِي القطيعِ على كرامةِ الوُقوفِ مُنْفردًا. لكنَّ الحقيقةَ، وَإنْ بَدأتْ وَحيدةً، تملكُ قُدْرةً عجيبةً على بِناءِ انتماءٍ أصدقَ؛ لِأنَّ مَا يُبْنَى على الوهمِ يُدْفِئُ قليلًا ثُمَّ يخنقُ، وَما يُبْنَى على الصّدقِ يُوجِعُ قليلًا ثُمَّ يُحَرِّرُ.
وَمنْ أغربِ أسبابِ الهُروبِ مِنَ الحقيقةِ الخوفُ مِنَ الحُرّيّةِ. قَدْ يبدو هذا مُتناقضًا؛ فَالنّاسُ يمدحونَ الحُرّيّةَ وَيطلبونها وَيُغَنُّونَ لها. لكنَّ الحُرّيّةَ حينَ تصيرُ وَاقعًا لَا شعارًا تأتي وَمعها مسؤوليّتها الثّقيلةُ. مَا دامَ الإنسانُ يقولُ: لَا أستطيعُ، فَهُوَ معذورٌ. مَا دامَ يقولُ: الظُّروفُ منعتني، فَهُوَ مُسْتريحٌ مِنَ السُّؤالِ. مَا دامَ يقولُ: لَمْ أعرفْ، فَهُوَ بَريءٌ مِنْ وَاجبِ الفعلِ. لكنْ إذا عرفَ أنّهُ يستطيعُ، فَقدِ انتهى العُذْرُ. إذا عرفَ أَنَّ بِوسعهِ أَنْ يتعلّمَ، أَوْ يعتذرَ، أَوْ يتركَ، أَوْ يبدأَ، أَوْ يرفضَ، أَوْ يتغيّرَ، صارَ عليهِ أَنْ يُوَاجِهَ السُّؤالُ التّاليَ: لماذا لَمْ أفعلْ؟ هُنا يُصْبِحُ الوهمُ ملجأً مِنَ عبءِ الحُرّيّةِ، لَا مِنَ الألمِ فَقطْ. فَالحُرّيّةُ ليستْ بَابًا مفتوحًا فَحسبُ، بَلْ خُروجٌ مِنْ دورِ الضّحيّةِ المُطْلقةِ إلى مقامِ الفاعلِ المسؤولِ، وَهذا مقامٌ نبيلٌ وَمُخيفٌ.
بَعضُ النّاسِ يُفَضِّلُونَ قُيودًا مألوفةً على حُرّيّةٍ تضعهمْ أمامَ أنفسهمْ. القيدُ يمنحُ صاحبهُ عُذْرًا. يقولُ لَهُ: لستَ مُطالبًا، فَأنتَ مُقيّدٌ. أمّا الحُرّيّةُ فَتسحبُ منهُ راحةَ الاتّكاءِ على العجزِ. لهذا قَدْ يتمسّكُ الإنسانُ بِوهمِ العجزِ لِأنّهُ يحميهِ مِنْ امتحانِ القُدْرةِ. يقولُ: لَا أستطيعُ تغييرَ طبعي، لِأنَّ الاعترافَ بِإمكانِ التّغييرِ سيكشفُ أنّهُ مُقصّرٌ. يقولُ: لَا أملكُ وَقتًا، لِأنَّ الاعترافَ بِأنّهُ يملكُ وَقتًا مهدورًا سيطالبهُ بِإعادةِ ترتيبهِ. يقولُ: هكذا أنا، لِأنَّ القولَ “يُمْكِنُنِي أَنْ أصيرَ غيرَ ذلكَ” يفتحُ عليهِ بَابَ مُجاهدةٍ طويلةٍ. إِنَّ الوهمَ هُنا ليسَ سترًا لِلماضي فَقطْ، بَلْ حمايةٌ مِنْ مُسْتقبلٍ يتطلّبُ منهُ أَنْ يكونَ أكبرَ.
وَهُناكَ وَهمٌ خطيرٌ لِأنّهُ جميلٌ. الوهمُ القبيحُ يسهلُ كشفهُ، لِأنّهُ يأتي فِي صُورةِ كذبٍ خشنٍ أَوْ خداعٍ ظاهرٍ. أمّا الوهمُ الجميلُ فَيأتي مُزيّنًا بِأسماءِ يُحِبُّهَا الإنسانُ: الأملُ، التّفاؤلُ، النّيّةُ الطّيّبةُ، التّسامحُ مَعَ الذّاتِ، انتظارُ الفُرْصةِ، حُسْنُ الظّنِّ بِالمُسْتقبلِ. وَهذهِ المعاني فِي أصلها كريمةٌ، وَلا ينبغي مُهاجمتها. الأملُ قُوّةٌ، وَالتّفاؤلُ نُورٌ، وَالنّيّةُ الطّيّبةُ بَابُ خيرٍ، وَالتّسامحُ مَعَ الذّاتِ ضرورةٌ كَيْ لَا ينهارُ الإنسانُ، وَانتظارُ الفُرْصةِ قَدْ يكونُ حكمةً إذا كانَ الاستعجالُ حماقةً. لكنَّ الوهمَ يسرقُ هذهِ الأسماءَ النّبيلةَ وَيُحَوِّلُهَا إلى مُخدّرٍ. يقولُ لِلإنسانِ: تفاءلْ، لَا تُوَاجِهْ. أحسنِ الظّنَّ، لَا تُصْلِحْ. سامحْ نفسكَ، لَا تعترفْ. انتظرِ الفُرْصةَ، لَا اصنعها. غدًا أفضلُ، دُونَ أَنْ تُغَيِّرَ اليومَ شيئًا.
وَالفارقُ بَينَ الأملِ وَالوهمِ دقيقٌ لكنّهُ حاسمٌ. الأملُ يرى الألمَ وَيتحرّكُ، أمّا الوهمُ فَيُخْفِي الألمَ وَينتظرُ مُعْجزةً. الأملُ يقولُ: الواقعُ صعبٌ، لكنّني سأبدأُ مِنْ موضعٍ مُمْكنٍ. وَالوهمُ يقولُ: الواقعُ ليسَ صعبًا كما يبدو، ثُمَّ ينامُ. الأملُ يمدُّ اليدَ إلى الجُرْحِ كَيْ يُعَالِجَهُ، وَالوهمُ يضعُ عليهِ عطرًا. الأملُ يُخَفِّفُ مرارةَ الحقيقةِ كَيْ تُحْتَمَلَ وَتُعْمَلَ، وَالوهمُ يُزِيلُ الحقيقةَ مِنَ المشهدِ كَيْ لَا تُزْعِجَ. لذلكَ لَا نحتاجُ إلى قتلِ الأملِ بِاسمِ الصّدقِ، وَلا إلى قتلِ الصّدقِ بِاسمِ الأملِ. نحتاجُ إلى أملٍ صادقٍ، أملٍ يعرفُ حجمَ العتمةِ لكنّهُ لَا يعبدها، وَيعرفُ وَجعَ الطّريقِ لكنّهُ لَا يهربُ منهُ، وَيعرفُ أَنَّ المُعْجزةَ الكُبْرى أحيانًا ليستْ أَنْ يتغيّرَ العالمُ فَجأةً، بَلْ أَنْ يبدأُ الإنسانُ فِعلًا صغيرًا صادقًا يُغَيِّرُ بِهِ موقعهُ مِنَ العالمِ.
“الرّحمةُ بِلا صدقٍ تخديرٌ، وَالصّدقُ بِلا رحمةٍ تحطيمٌ. الرّحمةُ الّتي لَا تقولُ الحقيقةَ تتحوّلُ إلى أُمٍّ تخافُ على ابنها مِنَ الدّواءِ فَتتركُ المرضَ يأكلهُ.”
وَمعَ كُلِّ ذلكَ، فَالحقيقةُ المُرّةُ ليستْ عدوّةَ الرّحمةِ. مِنَ الخطأ أَنْ نتصوّرَ الصّدقَ مَعَ الذّاتِ سوطًا دائمًا، أَوْ غُرْفةَ تعذيبٍ نفسيّةً، أَوْ احتقارًا مُسْتمرًّا لما نحنُ عليهِ. الحقيقةُ تحتاجُ إلى رحمةٍ كَيْ تُحْتَمَلَ، وَإلى صرامةٍ كَيْ لَا تُزَوَّرَ. الرّحمةُ بِلا صدقٍ تخديرٌ، وَالصّدقُ بِلا رحمةٍ تحطيمٌ. الرّحمةُ الّتي لَا تقولُ الحقيقةَ تتحوّلُ إلى أُمٍّ تخافُ على ابنها مِنَ الدّواءِ فَتتركُ المرضَ يأكلهُ. وَالصّدقُ الّذي لَا يعرفُ الرّحمةَ يتحوّلُ إلى طبيبٍ مُتكبّرٍ يُجْرِي الجراحةَ بِلا تخديرٍ وَلا حكمةٍ. النّفسُ البشريّةُ لَا تنمو بِالجلدِ وَحدهُ، وَلا بِالتّدليلِ وَحدهُ. إنّها تحتاجُ إلى يدينِ: يَدٍ تُرَبِّتُ عليها كَيْ لَا تنهارَ، وَيدٍ ترفعُ الغطاءَ عَنِ الجُرْحِ كَيْ لَا يتعفّنَ.
لذلكَ ينبغي أَنْ نقولَ لِلإنسانِ: نعمْ، وَاجهْ حقيقتكَ، لكنْ لَا تفهمِ المُواجهةَ على أنّها إلغاءٌ لقيمتكَ. قُلْ: أخطأتُ، لَا: أنا خطأٌ. قُلْ: ظلمتُ، لَا: أنا غيرُ قابلٍ لِلإصلاحِ. قُلْ: خفتُ، لَا: أنا لَا أملكُ شجاعةً أبدًا. قُلْ: أضعتُ، لَا: انتهى العُمْرُ. الصّدقُ لَا يطلبُ منكَ أَنْ تكرهَ نفسكَ، بَلْ أَنْ تكفَّ عَنِ الكذبِ عليها. وَالرّحمةُ لَا تطلبُ منكَ أَنْ تُبَرِّرَ الخطأَ، بَلْ أَنْ تمنحَ نفسكَ القُدْرةَ على إصلاحهِ دُونَ أَنْ تموتَ خجلًا عندَ بَابهِ. مِنْ هُنا يُصْبِحُ الاعترافُ بِدايةَ حياةٍ، لَا حُكْمَ إعدامٍ. وَتصبحُ الحقيقةُ، على مرارتها، دواءً لَا عُقوبةً. فَهيَ تجرحُ القناعَ، لَا الوجهَ؛ تهدمُ الوهمَ، لَا الإنسانَ؛ تكشفُ الطّريقَ، لَا لتسخرَ ممّنْ ضَلَّ، بَلْ لتقولَ لَهُ: مَا زالِ بِإمكانكَ أَنْ تعودَ.
وَلكنْ كيفَ نُدَرِّبُ النّفسَ على احتمالِ الحقيقةِ؟ ليسَ المطلوبُ أَنْ يفتحَ الإنسانُ كُلَّ أبوابِ الدّاخلِ دُفْعةً وَاحدةً حتّى تغرقهُ السُّيولُ. بَعضُ الحقائقِ تحتاجُ إلى تدرّجٍ، وَبعضُ الجُروحِ تحتاجُ إلى رفيقٍ حكيمٍ، وَبعضُ الاعترافاتِ تحتاجُ إلى وَقتٍ حتّى تنتقلَ مِنَ الوعيِ إلى القُدْرةِ. يبدأُ التّدريبُ بِأسئلةٍ صغيرةٍ مُتكرّرةٍ، كمنْ يُعَلِّمُ عينيهِ النّظرَ إلى الضّوءِ بَعدَ طُولِ ظلامٍ. مَا الشّيءُ الّذي أتهرّبُ مِنْ تسميتهِ بِاسمهِ؟ مَا العُذْرُ الّذي أُكَرِّرُهُ كثيرًا حتّى صارَ جُزْءًا مِنْ هُويّتي؟ مَا الحقيقةُ الّتي لَوْ اعترفتُ بِها سيتغيّرُ يومي لَا فِكرتي فَقطْ؟ مَنِ الشّخصُ الّذي أحتاجُ أَنْ أعتذرَ لَهُ؟ مَا العادةُ الّتي أعرفُ أنّها تهزمني وَأنا أستمرُّ فِي تجميلها؟ مَا الخوفُ الّذي أُسَمِّيهِ عقلًا؟ مَا العلاقةُ الّتي أُبْقِيهَا لَا لِأنّها صحيحةٌ، بَلْ لِأنّني أخافُ الفراغَ بَعدها؟ مَا المشروعُ الّذي أُؤَجِّلُهُ لَا لِأنَّ الظُّروفَ مُسْتحيلةٌ، بَلْ لِأنّني أخافُ أَنْ أبدأَ فَأُخْتَبَرَ؟
هذهِ الأسئلةُ الصّغيرةُ ليستْ صغيرةً فِي أثرها. إنّها كالمفاتيحِ الرّفيعةِ الّتي تفتحُ أقفالًا قديمةً. وَكُلُّ إجابةٍ صادقةٍ تمنحُ النّفسَ قُدْرةً على إجابةٍ أعمقَ. وَالإنسانُ لَا يحتاجُ دائمًا إلى إعلانٍ كبيرٍ عَنْ تحوّلهِ؛ أحيانًا يبدأُ التّحوّلُ مِنْ لحظةٍ يعترفُ فِيها بَينهُ وَبينَ نفسهِ: أنا أهربُ. أَوْ: أنا أُبَرِّرُ. أَوْ: أنا أعرفُ أكثرَ ممّا أزعمُ. أَوْ: أنا لستُ عاجزًا كما أقولُ. ثُمَّ تأتي الخُطْوةُ العمليّةُ الصّغيرةُ: رسالةُ اعتذارٍ، إغلاقُ بَابٍ مُضرٍّ، ساعةٌ بِلا هُروبٍ، بِدايةُ عادةٍ، طلبُ مُساعدةٍ، تركُ كذبةٍ، تسميةُ خوفٍ، رَدُّ حَقٍّ. الحقيقةُ إذا لَمْ تتحوّلْ إلى خُطْوةٍ بَقيتْ ثقيلةً على القلبِ، أمّا إذا تحوّلتْ إلى فِعلٍ صغيرٍ بَدأتْ تفقدُ بَعضَ مرارتها، لِأنَّ الإنسانُ لَا يعودُ وَاقفًا أمامها كمتّهمٍ مشلولٍ، بَلْ كعاملٍ بَدأَ الإصلاحَ.
وَمنَ الحكمةِ كذلكَ أَنْ يصنعُ الإنسانُ فِي حياتهِ مساحاتٍ لَا يكذبُ فِيها. صديقٌ صادقٌ لَا يُصَفِّقُ لكلِّ روايةٍ. دفترٌ يكتبُ فِيهِ مَا لَا يستطيعُ قولهُ أمامَ النّاسِ. خلوةٌ مُنْتظمةٌ بِلا شاشةٍ. صلاةٌ أَوْ تأمّلٌ لَا يطلبُ فِيهما صُورةً جميلةً عَنْ نفسهِ، بَلْ يطلبُ نُورًا يكشفهُ وَيرحمهُ. قراءةٌ عميقةٌ تُخْرِجُهُ مِنْ سطحِ التّبريرِ. عملٌ يوميٌّ صغيرٌ يُبَرْهِنُ أَنَّ الحقيقةَ لَا تعني الانهيارَ بَلِ البناءَ. هذهِ المساحاتُ لَا تمنعُ الكذبَ كُلّهُ، لكنّها تجعلُ الحقيقةَ تجدُ منفذًا. وَالنّفسُ إذا لَمْ تجدْ لِلحقيقةِ منفذًا صارتْ كبيتٍ مُغْلقٍ على دُخانٍ؛ قَدْ يبقى وَاقفًا، لكنّهُ لَا يصلحُ لِلسّكنِ.
“الوهمُ يُرِيحُ الإنسانَ مِنْ ألمِ الحقيقةِ، لكنّهُ يسرقُ منهُ نعمةَ التّحوّلِ. وَمنِ اختارَ راحةَ الوهمِ طويلًا دفعَ ثمنها مِنْ عُمْرهِ، وَكرامتهِ، وَحُرّيّتهِ.”
وَعليهِ، فَإنَّ الإنسانُ لَا يختارُ الوهمَ لِأنّهُ أقوى مِنَ الحقيقةِ، بَلْ لِأنّهُ ألينُ على الجُرْحِ العاجلِ. الوهمُ يضعُ وِسادةً تحتَ رأسهِ، وَالحقيقةُ تطلبُ منهُ أَنْ ينهضَ. الوهمُ يقولُ لَهُ: نَمْ قليلًا، وَلا تفتحِ الدّفاترَ. وَالحقيقةُ تقولُ: قُمْ، فَالبيتُ يحتاجُ إلى ترتيبٍ، وَالحقُّ يحتاجُ إلى رَدِّ، وَالعُمْرُ يحتاجُ إلى إنقاذٍ، وَالصُّورةُ الّتي تحتمي بِها لَمْ تعدْ بَيتًا بَلْ قفصًا. الوهمُ يُرِيحُ الإنسانَ مِنْ ألمِ الحقيقةِ، لكنّهُ يسرقُ منهُ نعمةَ التّحوّلِ. وَمنِ اختارَ راحةَ الوهمِ طويلًا دفعَ ثمنها مِنْ عُمْرهِ، وَكرامتهِ، وَحُرّيّتهِ، وَمنْ قُدْرتهِ على أَنْ يُولَدَ مِنْ جديدٍ.
ليستِ الحقيقةُ عدوّةَ الإنسانِ، وَإنْ جاءتْ مُرّةً. العدوُّ هُوَ الوهمُ الّذي يُرَبِّتُ على كتفهِ كُلّما اقتربَ مِنْ بَابِ النّجاةِ وَيقولُ لَهُ: لا تُتْعِبْ نفسكَ. الحقيقةُ قَدْ تهدمُ بَيتًا زائفًا، لكنّها تكشفُ الأرضَ الّتي يُمْكِنُ البناءُ عليها. وَقدْ تكسرُ صُورةً قديمةً، لكنّها تتركُ لِلإنسانِ وَجهًا أصدقَ. وَقدْ تطلبُ منهُ ثمنًا، لكنّها تمنحهُ مَا لَا يمنحهُ الوهمُ أبدًا؛ أَنْ يعيشَ أخيرًا فِي بَيتٍ لَا يحتاجُ كُلَّ صباحٍ إلى كذبةٍ جديدةٍ كَيْ لَا ينهارَ. وَمنِ استطاعَ أَنْ يحتملَ مرارةَ الصّدقِ قليلًا، نجا مِنْ مرارةِ العُمْرِ حينَ يكتشفُ مُتأخّرًا أنّهُ لَمْ يكنْ يعيشُ، بَلْ كانَ يحرسُ وَهمًا مُريحًا على بَابِ حياةٍ كانَ يُمْكِنُ أَنْ تكونَ أصدقَ وَأرحبَ وَأكرمَ.
