كيف ولماذا تموت الفكرة الصحيحة؟
كيف تموت الفكرة وهي صحيحة ومخاطر سوء العرض وانفصال الخطاب عن الواقع
لَيْسَتِ الأَفْكارُ حِجارَةً صامِتَةً يَكْفي أَنْ تَكونَ صُلْبَةً كي تَبْقى، ولا جَواهِر مَدْفونَةً تَضْمَنُ قِيمَتُها أَنْ يَهْتَديَ الناس إِلَيْها مَهْما طالَ عَلَيْها التُراب. الفِكْرَة، وَإِنْ كانت صَحيحَةً في ذاتِها، كائِنٌ يَحْتاج إلى لِسانٍ يُحْسِن حَمْلَه، وَبِيئَةٍ تَسْمَح له بِالتَنَفُّس، وَعَقْلٍ يُتَرْجِمُه إلى واقِع، وَيَدٍ تَنْفُض عنه غُبار العُصور من غَيْرِ أَنْ تَكْسِرَ جَوْهَرَه. وَقَدْ تَموت الفِكْرَة في حَياةِ أَصْحابِها، لا لِأَنَّ باطلًا نَقَضَها، ولا لِأَنَّ بُرْهانًا أَسْقَطَها، بل لِأَنَّهُم أَساؤوا عَرْضَها، وَفَصَلُوها عن واقِع الناس، وَحَبَسوا روحَها في قَوالِب مُتَيَبِّسَة، ثُمَّ ظَلّوا يُرَدِّدونَها حَتّى صارَت في الأَسْماع صوتًا قديمًا لا يوقِظُ مَعْنًى.
كَمْ من فِكْرَةٍ كانت في أَصْلِها نافِذَةً إلى النور، فَتَحَوَّلَت في أَيْدي حَمْلَةٍ سَيِّئين إلى جِدار. وكم من قِيمَةٍ جاءَت لِتُحَرِّرَ الإِنْسانَ، ثم قُدِّمَت له بِلُغَةٍ تُشْعِرُه أَنَّها قَيْد. وكم من حَقيقَةٍ عَميقَةٍ اخْتَنَقَت تَحْت رُكام الوَعْظ الرَديء، أو الخِطاب المُتَعالي، أو المِثال المُنْفَصِل عن الحَياة. لم تَمُتِ الحَقيقَةُ في ذاتِها، لكنها ماتَت في وَعْي الناس؛ كما تَموت البِذْرَة السَليمَة إذا وُضِعَت في وِعاءٍ من زُجاج، تُعْرَضُ لِلْعُيون ولا تَبْلُغُها التُرْبَة. تَبْقى بِذْرَةً كامِلَة الخَصائِص، لكنها لا تَصير شَجَرَة، لِأَنَّ شُروطَ الحَياةِ لم تُمنَحْ لها.
“لَمْ تَمُتِ الحَقيقَةُ في ذاتِها، لَكِنَّها ماتَت في وَعْيِ الناسِ؛ كما تَموتُ البِذْرَةُ السَليمَةُ إذا وُضِعَت في وِعاءٍ مِن زُجاجٍ، تُعْرَضُ للعُيونِ ولا تَبْلُغُها التُرْبَةُ.”
وَهُنا يَنْبَغي أن نُفَرِّق بين مَوْت الفِكْرَة وَبُطْلانِها. فقد تَبْطُل الفِكْرَة لِأَنَّ الدَليلَ نَقَضَها، أو لِأَنَّ الواقعَ كَشَفَ قُصورَها، أو لِأَنَّ بِنْيَتَها قامَت على وَهْم. أَمّا الفِكْرَة الصَحيحَة فقد تَموت بِمَعْنًى آخَر؛ تَفْقِد حُضورَها، وَتَضْعُف قُدْرَتُها على الإِقْناع، وَتَنْقَطِع صِلَتُها بِوِجْدان الناس، وَتَتَحَوَّل من قُوَّةٍ تُحَرِّك الحَياة إلى شِعارٍ يُعلَّق على جُدْرانِها. تَبْقى صَحيحَةً في الكُتُب، لكنها غائِبَةٌ عن السُلوك. تَبْقى مُحْتَرَمَةً في الخُطَب، لكنها لا تَمْلِك أثرًا في المُؤَسَّسات. تَبْقى مَحْفوظَةً في الأَلْسِنَة، لكنها لا تَجِد طَريقَها إلى الضَمير. وهذا المَوْت أَخْطَر أحيانًا من الإِنْكار الصَريح؛ لِأَنَّ الفِكْرَةَ المَرْفوضَةَ قد تَسْتَفِزّ من يُدافِع عَنْها، أَمّا الفِكْرَة التي تحولت إلى عادَةٍ لُغَوِيَّةٍ بارِدَة فقد لا يَشْعُر أَحَدٌ بِأَنَّها ماتَت أصلًا.
الفِكْرَة تَموت أولًا حين يُساءُ عَرْضُها. فليس كل من امْتَلَك حَقيقَةً امْتَلَك القُدْرَة على تَقْديمِها، وليس صِدْق المَضْمون عذرًا لرداءة البَيان. قد يَحْمِل الإِنْسان ماءً عذبًا في إِناءٍ مُلَوَّث، ثم يَتَعَجَّب أن الناس نَفَروا منه. وَقَدْ يُقَدِّمُ الدَواءَ بِيَدٍ غَليظَةٍ، ثم يَتَّهِمُ المَريضَ بأَنَّه يَكْرَهُ الشِفاءَ. وما أَكْثَر الذين يَظُنّون أَنَّ الحَقَّ يُعْفيهِم من تَعَلُّم الحِكْمَة، وأن صِحَّة الفِكْرَة تُغْني عن جَمال العِبارَة، وحُسْنِ التَوْقيتِ، وَفَهْم المخاطَب، وَمُراعاة حالِه، وَالتَدَرُّج مَعَه. كَأَنَّ الحَقيقَةَ، في تَصَوُّرِهِم، جُنْدِيٌّ خَشِن لا وَظيفَة له إلا اقْتِحام القُلوب، لا ضَيْفٌ حَكيم يَعْرِفُ مِن أَيِّ بابٍ يَدْخُلُ.
إِنَّ سوءَ العَرْضِ لا يُغَيِّرُ حَقيقَةَ الفِكْرَة، لكنه يُغَيِّرُ عَلاقَتَها بِالمُتَلَقّي. قد تَكونُ الفِكْرَةُ رَحْمَةً، لَكِنَّ لُغَةَ صاحِبِها تَجْعَلُها تَبْدو إِدانَة. وَقَدْ تَكون دَعْوَةً إلى الحُرِّيَّة، لَكِنَّ طَريقَتَه في فَرْضِها تَجْعَلُها صورَةً جَديدَةً من الاسْتِبْداد. وَقَدْ تَكون دفاعًا عن الأَخْلاق، لَكِنَّ نَبْرَتَه المُتَعالِيَة تجعل الناس يَرَوْن فيها تشفيًا لا هِدايَة. وَقَدْ تَكون دَعْوَةً إلى العِلْم، لَكِنَّ أُسْلوبَه المُمِلّ يُحَوِّل المَعْرِفَة إلى عِبْء. وَقَدْ تَكونُ قِيمَةً دينِيَّةً جَليلَةً، لَكِنَّ تَقْديمَها في صورَةِ أَوامِر جافَّة مُنْفَصِلَة عن معناها يجعل الجِيل يَراها مَجْموعَة حَواجِز لا طريقًا إلى السَكينَة وَالكَرامَة.
وليس الجَمال في العَرْض ترفًا يُضاف إلى الفِكْرَة بعد اكْتِمالِها، بل جُزْءٌ من قُدْرَتِها على الوُصول. ليس المَقْصود بِالجَمال تَزْيين الباطِل أو تَحْويل الحقيقة إلى إِعْلانٍ تِجارِيّ، بل مَنْح المَعْنَى الصورَة التي تَليق به. فَاللُغَة ليست ثوبًا خارجيًا محايدًا؛ إِنَّها الجَسَد الذي تَظْهَر به الفِكْرَة في العالَمِ. وإذا كان الجَسَد مُشَوَّهًا، خافَ الناسُ من الروح التي تَسْكُنُه. وإذا كانت العِبارَة مُتَحَجِّرَة، ظَنّوا أن المَعْنَى نَفْسَه حَجَر. وإذا كان المُتَحَدِّث فظًّا، حَمَلَت فَظاظَتُه بَصَماتِها إلى الفِكْرَة، حتى بَدا الاعْتِراض عَلَيْها اعتراضًا على قَسْوَتِه بقدر ما هو اعْتِراضٌ على مَضْمونِها.
قد يُحَدِّثُ الأَبُ ابْنَه عن الصِدْق، لكنه يَفْعَل ذلك بِإِهانَةٍ تُحَطِّم كَرامَتَه؛ فَيَرْتَبِط الصِدْق في وَعْي الطِفْل بِالخَوْف لا بِالنُبْل. وَقَدْ يَدْعو المُعَلِّمُ طُلّابَه إلى حُبّ العِلْم، لكنه يُقَدِّم المَعْرِفَة في قاعَةٍ يُقْتَل فيها السُؤال وَيُعاقِبُ الخَطَأَ؛ فَيَتَعَلَّمون أن العِلْم ذاكِرَةٌ مَرْعوبَة، لا مُغامَرَة عَقْل. وَقَدْ يُخاطِب المُصْلِح المُجْتَمَع عن الحُرِّيَّة، لَكِنَّه لا يَحْتَمِلُ مُناقَشَتَه؛ فيرى الناس في خِطابِه تناقضًا يَقْتُلُ الفِكْرَةَ التي يَدْعو إِلَيْها. وَقَدْ يَتَحَدَّثُ الواعِظُ عن الرحمة بِصَوْتٍ لا يَعْرِف إلا التَهْديد، فَتَخْرُج الرحمة من فَمِه مُرْتَدِيَةً ملامح العُقوبَة. الفِكْرَةُ هُنا لم تُرَدَّ بالدَليلِ، بل ذُبِحَت بِأَداةِ عَرْضِها.
“الفِكْرَةُ هُنا لم تُرَدَّ بالدَليلِ، بل ذُبِحَت بأَداةِ عَرْضِها.”
وَمِن أَشَدِّ صُوَرِ سوء العَرْض أَنْ يَتَكَلَّمَ حامِلُ الفِكْرَة مِن بُرْجٍ مُرْتَفِعٍ لا يَرى مِنه وُجوه الناس. يَسْتَعْمِلُ لُغَةً لا تَنْتَمي إلى أَسْئِلَتِهِم، وَيُجيب عن مُشْكِلاتٍ لم يَعودوا يَسْأَلون عَنْها، وَيَعْرِض فَضيلَتَه كأنه يَمُنّ بها عليهم، وَيُعامِلُهُم بوصفهم مادَّةً لِلتَلْقين لا شُرَكاء في الفَهْم. لا يُصْغي إلى اعْتِراضاتِهِم، بل يُفَسِّر كل اعْتِراضٍ على أنه جَهْل أو سوء نِيَّة. ولا يَسْأَل نَفْسَه إِنْ كانَ قد أَخْفَقَ في البَيان، بل يُحَمِّلُ السامِعَ دائمًا مَسْؤولِيَّة النُفور. وَهَكَذا تَتَحَوَّل الفِكْرَة إلى نادٍ مُغْلَقٍ لِأَصْحابِها، يَتَبادَلون داخِل أَسْوارِه الإِعْجاب بِصِحَّتِها، بَيْنَما تَتَّسِع المَسافَة بَيْنَها وَبَيْن الحَياة خارِج الأسوار.
والفكرة تَموت كذلك حين ينفصل خطابها عن الواقع. فالفكرة التي لا تَمَسُّ الأَرْضَ تَبْقى طائرًا جميلًا لا يَعْرِف أين يَبْني عشّه. قد تَكون في أَصْلِها صَحيحَة، لكنها إذا لم تُتَرْجَمْ إلى أسئلة الناس وأزماتهم وَتَجارِبِهِم اليَوْمِيَّة، تحولت إلى تَجْريدٍ بارِد. ليس المَطْلوب من كل فِكْرَةٍ أن تَخْضَع للواقع أو تَتَنازَل عن حَقيقَتِها لِتُلائِمَه، بل أن تَفْهَم الواقع الذي تُريد إِصْلاحَه. فَالطَبيب لا يُغَيِّر حَقيقَة الطِبّ كي يُرْضِيَ المَرَضَ، لكنه لا يَصِف الدَواء قبلَ أَنْ يُشَخِّصَ الجَسَدَ. وَمَن يَتَحَدَّث إلى مُجْتَمَعٍ لا يَعْرِف جِراحَه يُشْبِه من يُرْسِل خَريطَة بَحْرٍ إلى رَجُلٍ تائِهٍ في الصَحْراء؛ الخَريطَةُ صَحيحَةٌ، لكنها لا تُنْقِذُه.
قد يَتَحَدَّث الخِطاب عن كَرامَة الإِنْسان، بَيْنَما يرى الناس في مُؤَسَّساتِه اليَوْمِيَّة الإِهانَة وَالمَحْسوبيَّة وَالتَمْييز. وَقَدْ يَتَحَدَّث عن العَدالَة، بَيْنَما يعيش العامِل ظلمًا لا يجد له منفذًا. وَقَدْ يُكَرِّر قِيمَة العِلْم، بَيْنَما يُكافِئ المُجْتَمَع الوَجاهَة وَالعَلاقات أَكْثَر مما يُكافِئ المَعْرِفَة والكفاءة. وَقَدْ يَمْدَحُ الأُسْرَةَ، بَيْنَما لا يُقَدِّم لِلْآباء أَدَواتٍ لِفَهْم التَرْبِيَة الحَديثَة وَضُغوط الحَياة وَتَحَدِّيات الأَبْناء. وَقَدْ يَدْعو الشَباب إلى الصَبْر، بَيْنَما يَسْتَعْمِل الصَبْر ستارًا لِتَأْجيل حُقوقِهِم وَإِسْكات أَسْئِلَتِهِم. هنا لا تَموت الفِكْرَة لأن الناس يكرهون الكرامة أو العَدالَة أو العِلْم أو الأُسْرَةَ أو الصَبْرَ، بل لأنهم يَرَوْن هُوَّةً بين اللُغَة والواقع، حتى تَبْدو الفِكْرَة كَأَنَّها تَطْلُبُ منهم أن يُنْكِروا ما تَراه أَعْيُنُهُم.
وحين يَتَكَرَّر الانْفِصال بين الخِطاب والواقع، تَفْقِد الكَلِمات رَصيدَها الأَخْلاقِيّ. تُصْبِح كلمة العَدالَة عُمْلَةً قَديمَةً لا يَثِق الناس بقيمتها، لِأَنَّهُم سَمِعوها كثيرًا ولم يَرَوْها. وَتَصير الحُرِّيَّة شعارًا مشبوهًا إذا رَفَعَها من يَمْنَع السُؤال. وتَصيرُ الأَخْلاقُ خطابًا انتقائيًا إذا طُلِبَت مِن الضَعيفِ وسُمِحَ للقَوِيِّ بِتَجاوُزِها. وَتَصير التَضْحِيَة كلمةً قاسِيَةً إذا كان من يُطالِب بها غَيْر من يَدْفَع ثَمَنَها. الكَلِمات لا تَفْقِد معناها من كثرة الاسْتِعْمال وحدها، بل من كثرة خِيانَتِها في الواقع. إِنَّ الفِكْرَةَ تُسْتَنْزَفُ حينَ تُسْتَعْمَلُ لِتَغْطِيَة نَقيضِها، كما يُسْتَنْزَفُ اسْم الدَواء إذا كُتِبَ مِرارًا على زُجاجات السُمّ.
“الكَلِماتُ لا تَفْقِدُ مَعْناها مِن كَثْرَةِ الاسْتِعْمالِ وَحْدِها، بل مِن كَثْرَةِ خِيانَتِها في الواقِعِ.”
الفِكْرَة الحَيَّة لا تَكْتَفي بأن تَقول للناس ما يَنْبَغي أن يَكون، بل تَبْني جسرًا بين ما هو كائِن وما يَنْبَغي أن يَكون. تَعْتَرِف بِصُعوبَة الطريق، وتَفْهَمُ عَوائِقَ الإِنْسانِ، وَتَضَع خُطُواتٍ مُمْكِنَة، وتُفَرِّقُ بينَ المِثالِ الذي يَهْدي وَالخَيال الذي يُخَدِّر. أَمّا الفِكْرَة المُنْفَصِلَة عن الواقع فَتَطْلُبُ مِن الناسِ قَفْزَةً بلا جِسْر، ثُمَّ تُوَبِّخُهُم لأنهم لم يَطيروا. تَنْصَح الفَقير بِالتَعَفُّف دونَ أَنْ تَتَحَدَّثَ عن العَدالَة، وَتَطْلُب من المُوَظَّف الإِخْلاص في مُؤَسَّسَةٍ تُكافِئ الفَساد دون أن تُطالِب بِإِصْلاح النِظام، وَتَدْعو الطِفْل إلى القِراءَة في بَيْتٍ لا يرى فيه كتابًا، وتَطْلُبُ مِن الشابِّ أن يُبْدِع في تَعْليمٍ عاقَبَه طويلًا على السُؤال. هذه ليست دَعْوَةً إلى ترك الفَضائِل حَتّى يَصْلُحَ الواقِعُ كُلُّه، بل إلى فَهْمِ أَنَّ الفضيلة تَحْتاج إلى بِيئَةٍ تُساعِدُها، وأن إِصْلاح الإِنْسان وإصلاح البِنْيَة يجب أَنْ يَسيرا مَعًا.
وَمِن أَسْبابِ مَوْت الفِكْرَة الجُمودُ المَنْهَجِيُّ؛ أن يَخْلِط أَصْحابُها بين جَوْهَرِها وَالشَكْل التارِيخِيّ الذي ظَهَرَت فيه، وَبَيْن أَصْلِها الثابِت وَالأَداة التي خَدَمَت ذلك الأصل في زَمَنٍ مُعَيَّن. فَيُحافِظونَ على الوَسيلَةِ كما يُحافِظون على الغايَة، وَيُدافِعون عن القالب كأنه جُزْءٌ من الحقيقة، ويَرْفُضونَ كُلَّ تَحْديثٍ في اللُغَة أو الأُسْلوب أو المؤسسة خوفًا من أَنْ يَكونَ التَغْييرُ خِيانَةً. وَهُنا تَتَحَوَّل الفِكْرَة من نَهْرٍ يَجْري في الأَزْمِنَة إلى ماءٍ مَحْفوظٍ في قارورَةٍ قَديمَة؛ يَبْقى اسْمُه ماءً، لكنه يفقد قدرته على رَيّ الأَرْض.
كل فِكْرَةٍ كُبْرى تَحْتاج إلى مَنْهَجٍ يَحْمِلُها، لَكِنَّ المَنْهَجَ نَفْسَه قد يَشيخُ. فالأسئلة تَتَغَيَّر، وطرق التَعَلُّم تَتَطَوَّر، وأدوات الاتِّصال تَتَبَدَّل، وَطَبيعَة السُلْطَة والمجتمع وَالاقْتِصاد تَخْتَلِف. وما كان وَسيلَةً فَعّالَةً في زَمَن قد يُصْبِحُ في زَمَنٍ آخَر حاجزًا. الكِتاب الذي كان يَصِل إلى جُمْهور عَصْرٍ كامِل قد لا يَكْفي وَحْدَه للوصول إلى جِيلٍ تَشَكَّلَ وَعْيُه في بِيئَةٍ بَصَرِيَّةٍ وَتَفاعُلِيَّة. والخطبة الطَويلَة التي كانت تَحْتَفِظ بِانْتِباه جُمْهورٍ ما قد تَفْقِد أَثَرَها إذا لم تَتَغَيَّر طَريقَة بِنائِها. وَالمَدْرَسَة القائِمَة على الإِلْقاء وَالحِفْظ قد تَكونُ قد خَدَمَت حاجَةً تارِيخِيَّة، لكنها تَعْجِز عن صِناعَة عَقْلٍ يَحْتاج إلى البَحْث وَالتَحْليل وَالابْتِكار. وَالإِدارَة التي قامَت على المَرْكَزِيَّة الشَديدَة قد تَنْجَح في ظَرْفٍ مُعَيَّن، ثم تَتَحَوَّل إلى عائقٍ في عالَمٍ سَريعٍ يَحْتاج إلى المُرونَة وَالمُبادَرَة.
الجُمودُ المَنْهَجِيُّ يَبْدَأ حين يُقَدِّس الإِنْسان التَجْرِبَة بدل أن يفهم مَقْصِدَها. يقول: هكذا تَعَلَّمْنا، إذن هكذا يجب أَنْ يَتَعَلَّمَ أَبْناؤُنا. هكذا خاطَبْنا الناس، إذن هذه هي اللُغَة الوحيدة الصَحيحَة. هكذا بُنِيَتِ المُؤَسَّسَةُ، إذن تَغْييرُها هَدْمٌ للأصل. ولا يَسْأَل إن كانت الوَسيلَة ما تزال تُحَقِّق غايَتَها. كَأَنَّ البحّار يُصِرّ على شِراعٍ مُمَزَّق لأنه حمل سفينة أَجْدادِه يومًا، مع أن الوَفاء الحَقيقِيّ لِرِحْلَتِهِم لا يَكون بِتَقْديس الشِراع، بل بِإِبْقاء السَفينَة قادِرَةً على الإِبْحار.
ولا يَعْني نَقْد الجُمود أَنَّ كُلَّ جَديدٍ صالِحٌ، أو أَنَّ الحَداثَةَ تَحْمِل البَراءَة في ذاتِها. فقد تَكون الوَسيلَة الجَديدَة أَكْثَر فسادًا من القَديمَة، وَقَدْ تَخْتَبِئُ التَفاهَةُ تَحْت اسْم التَجْديد، وَقَدْ يتحول الحِرْص على الوُصول إلى تَنازُلٍ عن الحقيقة. لَكِنَّ الفَرْقَ كَبيرٌ بين تَجْديدٍ يُغَيِّر جَوْهَر الفِكْرَة لِتَنال القَبول، وتجديدٍ يُحْسِن أَدَواتِ حَمْلِها كي تَبْلُغَ الناسَ بِصِدْق. الأَوَّل يَبيع الأصل من أجل التَصْفيق، وَالثاني يَصون الأصل من مَوْت العُزْلَة. الأَوَّل يجعل المِعْيار هو رِضا الجُمْهور، وَالثاني يجعل المِعْيار هو قُدْرَة الوَسيلَة على خِدْمَة المَعْنَى دون تَشْويهِه.
وَهُنا يظهر الفَرْق الحاسِم بين الحقيقة وَطَريقَة تَقْديمِها. الحقيقة لا تَتَبَدَّل لمجرد أن الأَزْمِنَة تَبَدَّلَت، لَكِنْ طُرُق بَيانِها وَتَنْزيلِها وَتَعْليمِها قد تَحْتاج إلى مُراجَعَةٍ دائِمَة. العَدْل يَظَلّ عدلًا، لَكِنْ صُوَرُه المُؤَسَّسِيَّة وَآلِيّات حِمايَتِه يُمْكِن أن تَتَطَوَّر. وَالعِلْم يَظَلّ قِيمَةً، لَكِنْ طَرائِق تَدْريسِه لا يَنْبَغي أن تَتَجَمَّد. وَالرَحْمَة تَبْقى أصلًا، لَكِنْ لُغَة التَعْبير عَنْها تَخْتَلِف باختلاف المُخاطَبين. وَالهُوِيَّة تَبْقى حاجَةً إِنْسانِيَّة، لَكِنْ طَريقَةُ حِفْظِها لا يلزم أن تَكون عُزْلَةً أو خَوْفًا من العالَمِ. إِنَّ ثَباتَ الجَذْرِ لا يَعْني جُمود الأَغْصان؛ فَالشَجَرَة التي تَرْفُض أن تَتَحَرَّك أَوْراقُها مع الريح لا تَثْبُت، بل تَنْكَسِر.
“إِنَّ ثَباتَ الجَذْرِ لا يَعْني جُمودَ الأَغْصانِ؛ فَالشَجَرَةُ التي تَرْفُضُ أَنْ تَتَحَرَّكَ أَوْراقُها معَ الريحِ لا تَثْبُتُ، بل تَنْكَسِرُ.”
بعض الناس يَخافون من تَحْديث الوَسيلَة لأنهم لا يَثِقون بِصَلابَة الأصل. يَظُنّون أن الفِكْرَة إذا خَرَجَت من عِبارَتِها القَديمَة ضاعَت، وإذا نُقلت إلى لُغَةٍ جَديدَة تَشَوَّهَت، وإذا قُدِّمَت بِأَداةٍ عَصْرِيَّة ذابَت. وهذا الخوف قد يبدو وفاءً، لكنه يَكْشِف أحيانًا أن العَلاقَة بالفكرة كانت علاقةً بِالشَكْل أَكْثَر مِنها بِالمَعْنَى. من فَهِم الجَوْهَر اسْتَطاع أن يَراه في صُوَرٍ مُتَعَدِّدَة دون أن يَخْلِط بَيْنَها وَبَيْن التَحْريف. أَمّا من حَفِظ القالب وَحْدَه، فإنه يَرْتَبِك إذا تَغَيَّرَت حَوافُّه، لأن القالب عِنْدَه هو الفِكْرَة.
خُذ مثلًا قِيمَة القِراءَة. حَقيقَتُها أن يَتَّصِل الإِنْسان بالمعرفة العَميقَة، وأن يَخْرُج من سِجْنِه الذاتِيّ إلى تَجارِب العقول. لَكِنْ حَصْرُها في صورَة كِتابٍ وَرَقِيٍّ مُعَيَّن، وَازْدِراء كل أَداةٍ رَقْمِيَّة، قد يُحَوِّل الدِفاع عن القِراءَة إلى دفاعٍ عن شَكْلٍ من أَشْكالِها. لا يَعْني ذلك أن الوَسائِط كلها مُتَساوِيَة، ولا أن القِراءَة السَريعَة تُغْني عن التَعَمُّق، بل يَعْني أن المَقْصِد يجب أن يَقود تَقْييم الوَسيلَة. وَقَدْ تُقَدَّمُ المَعْرِفَةُ في كِتابٍ، أو مُحاضَرَةٍ تَفاعُلِيَّة، أو مادَّةٍ بَصَرِيَّةٍ مُتْقَنَة، أو مِنَصَّةٍ رَقْمِيَّةٍ تُحَفِّز البَحْث. المِعْيار ليس قِدَم الأداة أو جِدَّتُها، بل عُمْق ما تَصْنَعُه في العقل.
وَكَذَلِك في التَرْبِيَة؛ الأصل أن نَبْني إنسانًا صادقًا مسؤولًا قادرًا على التَمْييز. لَكِنْ بعض الآباء يَرْبِطون هذا الأصل بِطَريقَةٍ واحدة هي الأَمْر وَالنَهْي وَالعِقاب، لأنهم لا يَعْرِفون سِواها. فَإِذا قيلَ لهم إِنَّ الحِوارَ وَالمُشارَكَة وَوَضْع الحُدود الواضِحَة قد تَكون أَقْدَر على بِناء الضَمير، ظَنّوا أن الهيبة انْهارَت. لم يَفْصِلوا بين الغايَة وَأَداتِهِم المَأْلوفَة. وَالنَتيجَة أنهم قد يُحافِظون على صورَة الطاعَة، بَيْنَما يَموت الصِدْق في الداخِل. يَنْجَحون في جعل الطِفْل ساكنًا أمامهم، وَيَفْشَلون في بِناء إِنْسانٍ يَضْبِط نَفْسَه في غِيابِهِم.
وَفي الخِطاب الدينِيّ وَالفِكْرِيّ، قد تَكون الفِكْرَة أَصيلَةً وَعَظيمَة، لَكِنْ الإِصْرار على تَقْديمِها بِلُغَةٍ لا يَفْهَمُها الجِيل، أو في قضايا بَعيدَةٍ عن أَسْئِلَتِه، أو بأسلوبٍ قائِمٍ على التَخْويف وَحْدَه، يَجْعَلُها تَبْدو كأنها قادِمَةٌ من عالَمٍ لا يَعْرِفُه. الشَباب لا يَرْفُضون المَعْنَى دائمًا، بل قد يَرْفُضون الطَريقَة التي حُمِلَ بها إِلَيْهِم؛ طَريقَةً لا تَسْمَع قَلَقَهُم، ولا تَحْتَرِم أَسْئِلَتِهِم، ولا تُمَيِّز بين الشُبْهَة الصادِقَة وَالتَمَرُّد، ولا تَرْبِط القيمة بِتَجْرِبَتِهِم اليَوْمِيَّة. حينها يَموت أَثَر الفِكْرَة لا لأن أَصْلِها عاجز، بل لأن الجِسْر إِلَيْها مَكْسور.
وَمَن أَخْطَر ما يميت الفِكْرَة أن يتحول أَصْحابُها أنفسهم إلى حُجَّةٍ عَلَيْها. فالفكرة لا تُرى مُنْفَصِلَةً تمامًا عَمَّن يَحْمِلُها. قد يَكون هذا غَيْر عادِلٍ من جهة المنطق؛ إذ يَنْبَغي أَنْ تُحاكَمَ الفِكْرَةُ بِذاتِها، لا بِسُلوك كل من يَنْتَسِب إِلَيْها. لَكِنْ البَشَر لا يَعيشون في المُخْتَبَرات المَنْطِقِيَّة وحدها. إنهم يَرَوْن المَعاني مُتَجَسِّدَةً في الوُجوه وَالمُمارَسات. فَإِذا دَعا إِنْسانٌ إلى التَواضُع وهو مُتَكَبِّر، ضَعُف صَدًى التَواضُع في كَلامِه. وإذا تحدث عن الحُرِّيَّة وهو مُسْتَبِدٌّ بِمَن حَوْلَه، صارَ خِطابُه شاهدًا على تَناقُضِه. وإذا دَعا إلى الرحمة وهو يَسْحَق المُخْتَلِف، تحولت الرحمة في فَمِه إلى قِناع. هنا لا تَكون المشكلة أن الفِكْرَة خاطئة، بل أَنَّ حامِلَها صار نافِذَةً مُتَّسِخَةً تَحْجُبُ نورَها.
وَلِذَلِك فإن تَجْديد الخِطاب لا يَبْدَأ من زَخْرَفَة العِبارَة فقط، بل من تَجْديد الصِدْق في حامِلِه. لا تُنْقِذ الفِكْرَةَ حَمْلَةٌ تَسْويقِيَّةٌ بَرّاقَة إذا كانت المُمارَسَة تُكَذِّبُها. قد تُغَيِّرُ الشِعاراتَ وَالخُطوط وَالصُوَر وَالمِنَصّات، لَكِنَّ الناسَ سَيَشْعُرون سريعًا أَنَّ الجَسَدَ القَديمَ يَرْتَدي ثوبًا جديدًا. التَجْديد الحَقيقِيّ هو أن تَتَجَدَّد العَلاقَة بين الفِكْرَة والواقع، وَبَيْن القول وَالفِعْل، وَبَيْن الأصل والوسيلة، وَبَيْن صاحب الخِطاب وَمَن يُخاطِبُهُم. أَمّا تَجْديد الواجِهَة وحدها فليس إِحْياءً، بل تَحْنيطٌ أَكْثَر أَناقَة.
والفكرة قد تَموت أيضًا من كثرة التَكْرار الخالي من الاكْتِشاف. بعض المَعاني العَظيمَةُ تُرَدَّدُ حتى تَفْقِد حِدَّتَها، لا لِأَنَّها اسْتُهْلِكَت في ذاتِها، بل لأن كل مُتَحَدِّث يُعيدُها بالعبارة نفسها، وَالمِثال نَفْسَه، وَالطَريق نَفْسَه، من غَيْر أن يَفْتَح فيها نافِذَةً جَديدَة. تَتَحَوَّل الكَلِمات إلى حِجارَةٍ مَصْقولَةٍ من كثرة المُرور، لا تَعْلَقُ بها يَدٌ ولا توقِظ قلبًا. نَسْمَع عن الأَمانَة وَالعَدْل وَالعِلْم والحرية وَالمَسْؤولِيَّة، لَكِنْ الخِطاب لا يَرْبِطُها بِأَسْئِلَة العَصْر، ولا يَكْشِف تَناقُضاتِها في حَياتِنا، ولا يُقَدِّم صورًا عَمَلِيَّةً لِمُمارَسَتِها. وَكَأَنَّ تَرْديدَ الاسْمِ يغني عن بَعْث المَعْنَى.
الفِكْرَةُ الحَيَّةُ تُكْتَشَفُ في كل عَصْرٍ من جَديد. لا لِأَنَّ جَوْهَرَها يَتَغَيَّر، بل لأن كل زَمَنٍ يَكْشِف لها سؤالًا جديدًا. العَدْل في عَصْر التَقْنِيَة يَحْتاج إلى تَفْكيرٍ في العَدالَة الرَقْمِيَّة وَالخُصوصِيَّة وَالخَوارِزْمِيّات، لا في المَحاكِم وَالأَسْواق وحدها. والحرية في عَصْر المِنَصّات تَحْتاج إلى سُؤالٍ عن من يملك الانْتِباه وَيُوَجِّه الرَغَبات، لا عن السِجْن السِياسِيّ وَحْدَه. والأمانة في عَصْر البَيانات لا تقف عندَ حِفْظِ المالِ، بل تَشْمَل حِمايَة مَعْلومات الناس وَعَدَم التَلاعُب بِوَعْيِهِم. وَالأُسْرَة في زَمَن العمل المُتَسارِع وَالشاشات الدائِمَة تَحْتاج إلى أَدَواتٍ غَيْر تلك التي كانت تكفي في بِيئَةٍ أَبْطَأ. من لا يَفْتَح الفِكْرَة على أسئلة زمنه يَتْرُكُها حَبيسَة مُتْحَف، يَزورُها الناس احترامًا ولا يَعيشون فيها.
لَكِنَّ التَجْديدَ يَحْمِلُ خَطَرًا مقابلًا؛ أن يتحول الحِرْص على حَياة الفِكْرَة إلى تَغْييرٍ في جَوْهَرِها حتى لا يَبْقى مِنها إلا اسْمُها. بعض الناس يَخْشَوْن مَوْت الفِكْرَة فَيَجْعَلونَها قابِلَةً لِكُلّ شيء، يُخَفِّفون مَعانيَها، وَيُسْقِطون حُدودَها، وَيُعيدون تَشْكيلَها بِحَسَب ذَوْق الجُمْهور، حتى تُصْبِح مِرْآةً لِلرَغَبات السائِدَة لا قُوَّةً تُهَذِّبُها. وهذا ليس إِحْياءً، بل ذَوَبان. فالفكرة لا تَحْيا إذا تحولت إلى سائِلٍ بلا طَعْم يَأْخُذ شَكْل كل وِعاء. الحَياة غَيْر السُيولَة المُطْلَقَة، وَالمُرونَة غَيْر فِقْدان العَمود الفَقَرِيّ.
المُعادَلَة الدَقيقَة هي أن تَتَجَدَّد الوَسائِل دون أن تُمَسَّ الأُصولُ، وأن تَتَطَوَّر اللُغَة دون أن تُزَوَّرَ الحَقيقَةُ، وأن يُفْهَمَ الواقِعُ دون أن يُصْبِح الواقع إلهًا يُحَدِّد الحَقّ وَالباطِل. التَجْديد الأَصيل يُشْبِه نَقْل النور من مِصْباحٍ قَديم إلى مِصْباحٍ جَديد؛ يَتَغَيَّر الزُجاج وَالوَقود وَطَريقَة الإِضاءَة، لَكِنَّ الغايَةَ أن يَبْقى النور قادرًا على كَشْف الطريق. أَمّا التَجْديد الزائِف فيشبه طِلاء الظَلام بِلَوْنٍ جَذّاب ثم تَسْمِيَتُه ضوءًا.
“التَجْديدُ الأَصيلُ يُشْبِهُ نَقْلَ النورِ مِن مِصْباحٍ قَديمٍ إلى مِصْباحٍ جَديدٍ؛ يَتَغَيَّرُ الزُجاجُ والوَقودُ وطَريقَةُ الإِضاءَةِ، لَكِنَّ الغايَةَ أَنْ يَبْقَى النورُ قادِرًا على كَشْفِ الطَريقِ.”
وَلِكَيْ تَبْقى الفِكْرَةُ حَيَّةً، تَحْتاج أولًا إلى من يفهم جَوْهَرِها لا ظاهِرِها وَحْدَه. من لا يَعْرِف لِماذا وُجِدَتِ الفِكْرَةُ لن يَعْرِف أَيُّ جُزْءٍ مِنها ثابِتٌ وَأَيّ جُزْءٍ كان اسْتِجابَةً لِظَرْف. يَحْتاج حامِلُها أن يَسْأَل نَفْسَه: ما القيمة المَرْكَزِيَّة هنا؟ ما الغايَة التي يَنْبَغي ألا تَضيع؟ ما الوَسائِل التي يُمْكِن تَغْييرُها؟ ما اللُغَة التي صارَت حاجزًا؟ ما الأَسْئِلَة الجَديدَة التي لم نُجِب عَنْها؟ ما التَناقُض بين خِطابِنا وَمُمارَسَتِنا؟ وما الذي نَطْلُبُه من الناس دون أن نُهَيِّئ شُروطَه؟ هذه الأَسْئِلَة ليست تشكيكًا في الفِكْرَة، بل صِيانَةٌ لها من أن تَتَحَوَّل إلى أَثَرٍ تارِيخِيٍّ مَحْفوظ.
وتَحْتاجُ ثانِيًا إلى فَهْمِ المخاطَب. لا يَكْفي أن أَعْرِف ما أُريد قَوْلَه، بل يَنْبَغي أن أَعْرِف لِمَن أقول، وما الذي يَشْغَلُه، وَأَيّ تَجارِب تُشَكِّل حَساسِيَّتَه، وما اللُغَة التي تَصِل إِلَيْه دون خِداعٍ أو اسْتِعْلاء. ليسَ هذا تَمَلُّقًا، بل حِكْمَة. الطَبيب لا يُغَيِّر حَقيقَة الدَواء حين يَخْتار الجُرْعَة المُناسِبَة، والمعلم لا يَخون العِلْم حين يَبْدَأ من مُسْتَوَى الطالِب. وَالمُرَبّي لا يَتَنازَل عن القيمة حين يَشْرَح حِكْمَتَها بدل أن يَكْتَفي بِالأَمْر. إِنَّ احْتِرامَ المُتَلَقّي لا يَعْني أن نَجْعَلُه قاضيًا على الحقيقة، بل أن نَعْتَرِف بِأَنَّه إِنْسانٌ له عَقْلٌ وَتَجْرِبَة، لا وِعاءٌ فارِغ نَمْلَؤُه بما نَشاء.
وتحتاج ثالثًا إلى تَجْسيدٍ واقِعِيّ. لا يَكْفي أن نَدْعو إلى التَعاوُن، بل لا بُدَّ من مُؤَسَّساتٍ تُكافِئُه. ولا يَكْفي أن نُمَجِّد العِلْم، بل يَنْبَغي أَنْ يَجِدَ العالِمُ وَالباحِثُ مكانًا وكرامةً وَفُرْصَة. ولا يَكْفي أَنْ نَحُثَّ الشَبابَ على المُبادَرَة، ثم نُعاقِب كل من يَخْرُج عن الطريق المَأْلوف. ولا يَكْفي أن نَتَحَدَّث عن الحِوار في مَنابِر لا تَسْمَح بالسؤال. الفِكْرَة التي لا تَتَحَوَّل إلى نِظامٍ وَسُلوكٍ وَتَجْرِبَةٍ قابِلَة لِلْمُشاهَدَة تَبْقى وَعْدًا مُؤَجَّلًا. والناس لا يَعيشون على الوُعود وحدها؛ يَحْتاجون أن يَرَوْا المَعْنَى يَمْشي على قَدَمَيْن.
وتحتاج رابعًا إلى النَقْد الداخِلِيّ. أَصْحابُ الفِكْرَةِ الذينَ يَمْنَعونَ نَقْدَ طَريقَةِ عَرْضِها يُسْرِعونَ في قَتْلِها وَهُم يَظُنّونَ أَنَّهُم يَحْمُونَها. فقد يَكون الناقِد معترضًا على الأُسْلوب لا الأصل، وعلى التطبيق لا المبدأ، وعلى الجُمود لا الثَبات. لَكِنَّ الخَوْفَ يَجْعَلُهُم يَضَعون كل نَقْدٍ في سَلَّة العَداء، فَيَطْرُدون الأَصْوات التي كان يُمْكِن أن تُجَدِّد الدَم في عُروق الفِكْرَة. كل مَنْظومَةٍ لا تَسْمَح لِنَفْسِها بالسؤال تَتَحَوَّل مع الزَمَن إلى صَدًى. وكل فِكْرَةٍ لا تَجِد في داخلها من يقول إِنَّ لُغَتَنا أَخْفَقَت، أو إِنَّ وَسيلَتَنا شاخَت، أو إِنَّ تَطْبيقَنا ناقَضَ مَقْصِدَنا، سَتَظَلّ تَتَراجَع وهي تَرْفَع رايَة الانْتِصار.
وتحتاج خامسًا إلى التَمْييز بين مُقاوَمَة الفِكْرَة ومقاومة صورَتِها المُشَوَّهَة. قد يَرْفُضُ الناسُ ما نَظُنُّه فِكْرَتَنا، وَهُم في الحَقيقَةِ يَرْفُضون النُسْخَة التي عَرَفوها مِنها. قد يَرْفُض الشابّ السُلْطَةَ الأَبَوِيَّةَ لا الأُسْرَةَ، لأنه لم يرَ مِن الأُسْرَةِ إلّا قَمْعًا. وَقَدْ يَرْفُض الطالِب الدِراسَةَ لا المَعْرِفَةَ، لأنه عَرَف التَعْليمَ في صورَةِ خَوْفٍ وَحِفْظٍ وَإِهانَة. وَقَدْ يَرْفُض المُواطِن الخِطاب العامّ لا الوَطَن، لأنه رأى الوَطَنَ يُسْتَعْمَلُ لِإِسْكات حَقِّه. وَقَدْ يَرْفُض الإِنْسان خِطاب الأَخْلاق لا الأَخْلاق، لأنه رأى الوَعْظَ يُوَجَّهُ إلى الضَعيف ويُعْفَى مِنه القَوِيُّ. من الحِكْمَة أن نَسْأَل قبل اتِّهام الرافِض: أَيَّ صورَةٍ مِن الفِكْرَةِ عَرَفَ؟ وهل رَفَض الأصل حقًا، أَم رَفَضَ الجِدارَ الذي بَنَيْناه حَوْلَه؟
وهذا لا يَعْني أن كل رَفَضٍ للفكرة سببه سوء تَقْديمِها؛ فَهُناك من يَرْفُض الحَقّ لِأَنَّه يُخالِفُ هَواه، وَمَن يَكْرَه التَكْليف لِأَنَّه يُريدُ الراحَة، وَمَن يُعانِد مَهْما حَسُنَ البَيانُ. لَكِنْ تَحْويل كل رَفَضٍ إلى فَسادٍ في المتلقي يَمْنَعُنا من مُراجَعَة أَنْفُسِنا. قد تَكون الحقيقة صَحيحَة، وَقَدْ يَكونَ المُخاطَبُ مُتَحَيِّزًا، وَقَدْ نَكون نحن أيضًا أَسَأْنا حَمْلَها. النُضْج أن تَحْتَمِل هذه الاحْتِمالات معًا، فلا تَتَنازَل عن الحَقّ، ولا تَمْنَح نفسك عِصْمَةً في عَرْضِه.
إِنَّ الفِكْرَةَ الصَحيحَةَ لا تَحْتاج فقط إلى مُدافِعين، بل إلى مُتَرْجِمين حَضارِيّين؛ أُناسٍ يَفْهَمون روحَها، ويَعْرِفونَ أَسْئِلَةَ زَمَنِهِم، وَيَمْلِكونَ لُغَةً تَصِل بَيْنَهُما. لا يُفَرِّطونَ في الأصل كي يَبْدوا مُعاصِرين، ولا يُقَدِّسونَ الشَكْل كي يَبْدوا أَوْفِياء. يَمْلِكونَ شَجاعَةَ أن يَقولوا لِلْقَديم إِنَّه وَسيلَةٌ حين يَكون وَسيلَة، وَلِلْجَديد إِنَّه فِتْنَةٌ حين يَكون فِتْنَة، وَلِلْواقِع إِنَّه يَحْتاجُ إلى إِصْلاح، وَلِلْفِكْرَة إِنَّ طَريقَةَ حَمْلِها تَحْتاج إلى تَجْديد. هَؤُلاء لا يَضَعون الحقيقة في ثَلّاجَة التارِيخ كي يُحافِظوا عَلَيْها، بل يَزْرَعونَها في تُرْبَة الحاضِر، وَيَسْقونَها بِأَسْئِلَة الناس، ويَحْمُونَ جُذورَها من الاقْتِلاع وَأَغْصانَها من اليَباس.
“إِنَّ الفِكْرَةَ الصَحيحَةَ لا تَحْتاجُ فَقَط إلى مُدافِعينَ، بل إلى مُتَرْجِمينَ حَضارِيّينَ؛ أُناسٍ يَفْهَمونَ روحَها، ويَعْرِفونَ أَسْئِلَةَ زَمَنِهِم، ويَمْلِكونَ لُغَةً تَصِلُ بَيْنَهُما.”
وَفي النِهايَة، قد تَموت الفِكْرَة وهي ما تزال صَحيحَة حين يَحْمِلُها من لا يُحْسِن عَرْضِها، وحين يَتَكَلَّم بها خِطابٌ لا يَسْمَع الواقع، وحين تُسْجَنُ في مَنْهَجٍ شاخَ، وحينَ يُخْلَطُ بين جَوْهَرِها وَالقالب الذي احْتَواها يومًا، وحين يُناقِضُها سُلوك من يَدْعو إِلَيْها، وحين تَتَكَرَّر بلا اكْتِشاف، أو تَتَجَدَّد حتى تَفْقِد مَلامِحَها. تَموت لا لِأَنَّ نورَها انْطَفَأ في ذاته، بل لأن الزُجاج الذي يَحْمِلُه اسودّ حتى لم يَعُدِ الضَوْءُ يُرَى من خِلالِه.
وَلِذَلِك فَإِنَّ الوَفاءَ للفكرة لا يَكون بِتَرْديدِها فقط، ولا بحراستها من كل سُؤال، ولا بإبقائها في العِبارَةِ التي وُلِدَت فيها. الوَفاء الحَقيقِيّ أن نَحْفَظ قَلْبَها ونجدّد نَبْضَها، وأن نَصون أَصْلِها وَنَفْتَح له طريقًا إلى زَمانِنا، وأن نَجْعَل خطابها شاهدًا عَلَيْها لا حجابًا دونَها، وأن نُتَرْجِمُها إلى واقِعٍ يُصَدِّقُها. فَالحَقيقَةُ لا تَشيخُ، لَكِنَّ لُغَتَنا عَنْها قد تَشيخ، ولا تَموت، لَكِنَّنا قد نَبْني بَيْنَها وَبَيْن الناس قبرًا من الجُمود وسوء العَرْض وَالتَناقُض. وَأَشَدّ الناس خِيانَةً للفكرة ليس من يُعارِضُها دائمًا، بل قد يَكون من يَرْفَعُها عاليًا ثم يُقَدِّمُها لِلْعالَمِ في صورَةٍ تَنْفِر مِنها القُلوب، ويُصِرُّ بعدَ ذلك أن العَيْب في العُيون لِأَنَّها لم تَرَ النورَ من خَلْف الزُجاج المُعْتِم.
