الشعر

وطني المحتل

لَكَ الحُبُّ مِنِّي لَا أَرَقَّ وَلَا أَرْقَى = وَلِي مِنْك مَا شَاقَ الفُؤَادَ وَمَا أَشْقَى
لَكَ المَجْدُ وَالمِيعَادُ وَالعَهْدُ وَالهَوَى = وَلِلخَصْمِ نَسْقِي النَّفْيَ والسَّبْيَ وَالسّحْقَا
تَئِنُّ لِيَ الأَيَّامُ طِفْلًا لِأُمِّهِ = بِأَنَّ غُرَابَ البَيْنِ أَوْجَعَهَا نَعْقَا
وَأَنَّ سِنِينَ الضَّبْحِ فِي صَدْرِ غُرْبَةٍ = تَصُبُّ أَنِينَ البَوْحِ فِي أَدْمُعٍ دَهْقَا
وتَهْذِي لِيَ الذِّكْرَى بِأَحْلَامِ مَا مَضَى = بِهِنَّ حَنِينُ القَلْبِ أَو بَعْضُ مَا أَبْقَى
فَلِلْصَّمْتِ مَا يَسْري بِهِ النَّبْضُ وَالجَوَى = وَلِلسَّمْتِ مَا عَاقَ الوَتِينَ وَمَا عَقَّا
كَأَنَّ المُنَى فِي العَيْنِ وَالأَيْنَ فِي النَّوَى = شَآبِيبُ صَخْرٍ تَلَّهُ الشَّوْقُ فَانْشَقَّا
فَيَا وَطَنِي المُحتَلّ مَا زِلْتَ فِي دَمِي = بَيَارِقَ فَخْرٍ لَا أَمَلُّ بِهَا خَفْقَا
تَنَازَعَكَ العَادُونَ مِنْ كُلِّ مِلَّةٍ = وَأَنْتَ لَنَا وَعْدٌ مِنَ اللَّهِ أَنْ تَبْقَى
وَدَنَّسَ فِيكَ العَهْدَ خَانٍ وَخَائِنٌ = وَطُهْرُكَ بِاسْمِ الحَقِّ يَصْعَقُهُمْ صَعْقَا
فَمَاذَا انْتِجَابُ الدَّرْبِ فِي حَقِّ عَوْدَةٍ = بِرَأْيِ حَكِيمٍ قَدْ تَغَالَبُهُ الحَمْقَى
وَمَاذَا احْتِسابُ الأَوْبِ مِنْ بَعْدِ كَبْوَةٍ = إِذَا انْتَابَ أَسْبَابَ النُّهُوضِ مَنِ اسْتَلْقَى
وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ النَّصْرَ فِي كَفِّ خَاتِرٍ = كَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الْحُوتَ يُنْقِذُهُ الغَرْقَى
وَمَا يَنْصُرُ المَقْهُورَ حَقَّا سِوَى يَدٍ = تُقِاوِمُ مَنْ يَعْدُو بِقَبْضَتِهَا الوُثْقَى
تَأْمَّلْ خَبَايَا الطَّبْعِ فِي أَنْفُسِ الوَرَى = وَلَا تَأْمَلِ ابْنَ المَيْنِ أَنْ يُنْجِبَ الصِّدْقَا
فَإِنَّ الذِي فِي القَاعِ مَنْ يَفْرَكُ الذُّرَى = وَإِنَّ الذِي فِي الضَّحْلِ مَنْ يَتَّقِي العُمْقَا
وَإِنَّ دَنِيءَ الدَّأَبِ يَسْتَصْغِرُ العُلَا = وَإِنَّ غَلِيظَ القَلْبِ يَسْتَسْخِفُ الرِّفْقَا
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ اخْتَالَ مِيزَانُ مَنْهَجٍ = وَكَيْفَ تَوَلَّى الأَمْرَ مَنْ أَرْهَبُوا الخَلْقَا
أُولَئِكَ أَرْبَابُ الضَّلَالَةِ كُلَّمَا = سَعَوْا فِي سَبِيلِ الرَتْقِ أَرْكَسَهُمْ فَتْقَا
تَدَاعوْا إِلَى النَّجْوَى وَمَالُوا عَنِ الهُدَى = وَصَلُّوا عَلَى الطَّاغُوتِ وَاسْتَمْرَأُوا الفِسْقَا
وَجَابُوا جِهَاتِ النَّدْبِ شَكْوَى وَشَوْكَةً = فَمَا قَيَّدُوا غَرْبًا وَلَا حَرَّرُوا شَرْقَا
وَمَا ثَمَّ إِلَّا السَّلْبُ وَالْغَصْبُ دوْلَةٌ = فَهَلْ عَاقِلٌ مِنْ بَعْدُ يَسْأَلُهُمْ رِزْقَا
وَلَوْ حَجَّ لِلأَلْبَابِ قِسْطٌ وَمَنْطِقٌ = لَذَاقُوا وَبَالَ الخِزْيِ أَوْ أُعْدِمُوا شَنْقَا
عَلَى كُتُفِ الأَوْجَاعِ نَمْضِي قَوَافِلًا = تَرَى كُلَّ بَابٍ فِي وُجُوهِ المُنَى غَلْقَا
نُخَبِّئُ فِي صَدْرِ اللَّيَالِي جُرَاحَنَا = وَنَكْتُمُ وَجْدًا كَادَ أَنْ يَخْنُقَ العُنْقَا
وَكَمْ مِنْ زَعِيمٍ قَادَ أُمَّتَهُ لَظًى = وَظَنَّ سَرَابَ الوَهْمِ فِي قَفْرِهِ سَبْقَا
يَبِيعُونَ دَمْعَ الثَّاكِلَاتِ تِجَارَةً = لِيَجْنُوا مِنَ التَّخْذِيلِ مَكْرُمَةً نَسْقَا
إِذَا مَا دَعَاهُمْ لِلْمَكَارِمِ صَارِخٌ = أَصَمُّوا عَنِ الدَّاعِي وَمَا اسْتَبَقُوا المُلْقَى
لَقَدْ أَسْلَمُوا الأَوْطَانَ نَهْبًا لِغَاصِبٍ = وَأَرْدَوْا بِسَهْمِ العَجْزِ خَافِقَهَا خَرْقَا
وَلَكِنْ لَنَا فِي كُلِّ سَاحٍ فَوَارِسٌ = إِذَا حَصْحَصَ المَوْتُ اسْتَحَالُوا بِهِ بَرْقَا
يَذُودُونَ عَنْ مَسْرَى النَّبِيِّ بِأَنْفُسٍ = أَبَتْ أَنْ تَرَى الإِسْرَاءَ يَلْتَحِفُ الرِّقَّا
طَرِيدًا كَمُوسَى أَوْ غَرِيبًا كَصَالِحٍ = يَكونُ الذِي يَرْقِي القُلُوبَ لِكَيْ تَرْقَى
أَمَا كَانَ أَوْلَى بِاجْتِبَاءٍ وَرِفْعَةٍ = وَقَدْ جَاءَ مِنْ أَقْصَى الفَضِيلَةِ بِالأَتْقَى
وَكَمْ جَاهِلٍ يَسْتَعْرِضُ الجَهْلَ مُفْتِيًا = يَظُنُّ الخَطَايَا حِكْمَةً وَالعَمَى حِذْقَا
إِذَا نَطَقَ الأَقْزَامُ فِي حَضْرَةِ العُلَا = تَمَنَّيْتَ أَنْ يَفْنَى الوُجُودُ وَلَا يَبْقَى
لَعَلَّ زَمَانًا يَسْتَرِدُّ بَهَاءَهُ = وَيُبْصِرُ مِنْ بَعْدِ الدُّجَى غَدَهُ الطَّلْقَا
وَتَنْجَابُ عَنْ تِلْكَ المَدَائِنِ عَتْمَةٌ = وَيَكْتُبُ فَجْرُ العِزِّ نُورَ الهُدَى دَفْقَا
وَيَرْجِعُ مَنْ شَدُّوا الرِّحَالَ بِلَوْعَةٍ = لِيَبْنُوا صُرُوحَ المَجْدِ وَاثِقَةً حَقَّا
فَمَا هَانَ شَعْبٌ سَاقَ لِلنَّصْرِ رُوحَهُ = وَلَا ذَلَّ رَأْسٌ لَمْ يَدِنْ لِلْعِدَى حَلْقَا
فَيَا مَنْ عَلَى السُّخْطِ ارْتَدَى بَسْمَةَ الرِّضَا = وَجَلَّ عَلَى مَا الدَّهْرُ أَبْقَى وَمَا أَلْقَى
أَتَيتَ شَرِيفًا فِي زَمَانٍ مُذَمَّمٍ = وَأَحْرَى بِمِثْلِكَ بالتَّذَمُّمِ أَنْ يَشْقَى
تُنَاهِضُ مَا يَكْبُو وَتَدْعُو إِلَى النَّدَى = وتُسْرِجُ قِنْدِيلَ الضَّمَائِرِ كَيْ تَنْقَى
وَتَمْلَأُ صَحْنَ الرَّأْيِ مِنْ نُضْجِ حِكْمَةٍ = وَتَسْقِي عُطَاشَى الحَرْفِ أَعْذَبَ مَا يُسْقَى
وَبِالفَضْلِ قَبْلَ العَدْلِ تُسْدِي مَنِ افْتَرَى = جِبِلَّةَ مَنْ يَعْفُو وَقَدْ عَلِمَ المَذْقَا
وَتَشْدُو بِشِعْرٍ مِلْءَ كُلِّ مَدِينَةٍ = لِيُوقِظَ نَبْضَ الصَّدْرِ أَوْ يَبْعَثَ الشَّوْقَا
فَيَا مَجْدَ أَرْضٍ أَعْشَبَتْ فِيكَ حُبَّهَا = وَيَا سَعْدَ أُنْثَى أَنْ تَذُوبَ بِهَا عِشْقَا
لك الحب مني لا أرق ولا أرقى = ولي منك ما شاق الفؤاد وما أشقى
لك المجد والميعاد والعهد والهوى = وللخصم نسقي النفي والسبي والسحقا
تئن لي الأيام طفلا لأمه = بأن غراب البين أوجعها نعقا
وأن سنين الضبح في صدر غربة = تصب أنين البوح في أدمع دهقا
وتهذي لي الذكرى بأحلام ما مضى = بهن حنين القلب أو بعض ما أبقى
فللصمت ما يسري به النبض والجوى = وللسمت ما عاق الوتين وما عقا
كأن المنى في العين والأين في النوى = شآبيب صخر تله الشوق فانشقا
فيا وطني المحتل ما زلت في دمي = بيارق فخر لا أمل بها خفقا
تنازعك العادون من كل ملة = وأنت لنا وعد من الله أن تبقى
ودنس فيك العهد خان وخائن = وطهرك باسم الحق يصعقهم صعقا
فماذا انتجاب الدرب في حق عودة = برأي حكيم قد تغالبه الحمقى
وماذا احتساب الأوب من بعد كبوة = إذا انتاب أسباب النهوض من استلقى
ومن ظن أن النصر في كف خاتر = كمن ظن أن الحوت ينقذه الغرقى
وما ينصر المقهور حقا سوى يد = تقاوم من يعدو بقبضتها الوثقى
تأمل خبايا الطبع في أنفس الورى = ولا تأمل ابن المين أن ينجب الصدقا
فإن الذي في القاع من يفرك الذرى = وإن الذي في الضحل من يتقي العمقا
وإن دنيء الدأب يستصغر العلا = وإن غليظ القلب يستسخف الرفقا
ألم تر كيف اختال ميزان منهج = وكيف تولى الأمر من أرهبوا الخلقا
أولئك أرباب الضلالة كلما = سعوا في سبيل الرتق أركسهم فتقا
تداعوا إلى النجوى ومالوا عن الهدى = وصلوا على الطاغوت واستمرأوا الفسقا
وجابوا جهات الندب شكوى وشوكة = فما قيدوا غربا ولا حرروا شرقا
وما ثم إلا السلب والغصب دولة = فهل عاقل من بعد يسألهم رزقا
ولو حج للألباب قسط ومنطق = لذاقوا وبال الخزي أو أعدموا شنقا
على كتف الأوجاع نمضي قوافلا = ترى كل باب في وجوه المنى غلقا
نخبئ في صدر الليالي جراحنا = ونكتم وجدا كاد أن يخنق العنقا
وكم من زعيم قاد أمته لظى = وظن سراب الوهم في قفره سبقا
يبيعون دمع الثاكلات تجارة = ليجنوا من التخذيل مكرمة نسقا
إذا ما دعاهم للمكارم صارخ = أصموا عن الداعي وما استبقوا الملقى
لقد أسلموا الأوطان نهبا لغاصب = وأردوا بسهم العجز خافقها خرقا
ولكن لنا في كل ساح فوارس = إذا حصحص الموت استحالوا به برقا
يذودون عن مسرى النبي بأنفس = أبت أن ترى الإسراء يلتحف الرقا
طريدا كموسى أو غريبا كصالح = يكون الذي يرقي القلوب لكي ترقى
أما كان أولى باجتباء ورفعة = وقد جاء من أقصى الفضيلة بالأتقى
وكم جاهل يستعرض الجهل مفتيا = يظن الخطايا حكمة والعمى حذقا
إذا نطق الأقزام في حضرة العلا = تمنيت أن يفنى الوجود ولا يبقى
لعل زمانا يسترد بهاءه = ويبصر من بعد الدجى غده الطلقا
وتنجاب عن تلك المدائن عتمة = ويكتب فجر العز نور الهدى دفقا
ويرجع من شدوا الرحال بلوعة = ليبنوا صروح المجد واثقة حقا
فما هان شعب ساق للنصر روحه = ولا ذل رأس لم يدن للعدى حلقا
فيا من على السخط ارتدى بسمة الرضا = وجل على ما الدهر أبقى وما ألقى
أتيت شريفا في زمان مذمم = وأحرى بمثلك بالتذمم أن يشقى
تناهض ما يكبو وتدعو إلى الندى = وتسرج قنديل الضمائر كي تنقى
وتملأ صحن الرأي من نضج حكمة = وتسقي عطاشى الحرف أعذب ما يسقى
وبالفضل قبل العدل تسدي من افترى = جبلة من يعفو وقد علم المذقا
وتشدو بشعر ملء كل مدينة = ليوقظ نبض الصدر أو يبعث الشوقا
فيا مجد أرض أعشبت فيك حبها = ويا سعد أنثى أن تذوب بها عشقا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى