الفكرتربية واجتماعرؤى فلسفيةمناهج وعقائدمنطق وتأصيل

إشكالية التطرف

الرؤية بعقلية الأبيض والأسود كيف يموت بها الميزان الفكري والأخلاقي

ليسَ التطرفُ أَنْ يرفعَ الإنسانُ صوتًا فَقطْ، وَلا أَنْ يحملَ رأيًا حادًّا فِي قضيّةٍ مِنَ القضايا، وَلا أَنْ يغضبَ لِلحقِّ حينَ يُنْتَهَكُ، وَلا أَنْ يثبتَ على مبدأٍ حينَ يُسَاوِمُهُ النّاسُ عليهِ. فَقدْ يكونُ الحزمُ فَضيلةً، وَقدْ تكونُ الصّرامةُ ضرورةً، وَقدْ يكونُ الوُضوحُ شجاعةً أخلاقيّةً فِي زمنٍ يُرِيدُ مِنْ كُلِّ حَقٍّ أَنْ يلينَ حتّى يفقدَ معناهُ. التّطرّفُ شيءٌ أعمقُ مِنَ الحدّةِ، وَأخطرُ مِنَ الانفعالِ، وَأوسعُ مِنْ أَنْ يُحْبَسَ فِي السّياسةِ أَوِ الدّينِ أَوِ الأيديولوجيا. التّطرّفُ، فِي جوهرهِ، هُوَ موتُ الميزانِ. هُوَ عجزُ النّفسِ عَنْ رُؤْيةِ الدّرجاتِ وَالمسافاتِ وَالاحتمالاتِ. هُوَ أَنْ ينقلبَ العالمُ فِي عينِ الإنسانِ إلى لوحينِ لَا ثالثَ لهما؛ أبيضَ وَأسودَ، وَلاءٍ وَخيانةٍ، حُبٍّ وَكُرْهٍ، قبولٍ وَإلغاءٍ، حَقٍّ مُطْلقٍ وَباطلٍ مُطْلقٍ. وَحينَ يموتُ الميزانُ، لَا تعودُ المُشْكلةُ فِي الموقفِ وَحدهُ، بَلْ فِي الجهازِ الّذي يحكمُ بِهِ الإنسانُ على الوُجودِ كُلّهِ.

وَقدْ وَصلنا إلى هذهِ المرحلةِ بَعدَ مرحلتينِ سابقتينِ فِي سلسلةِ الخرابِ الدّاخليِّ. فِي التّأويلِ الفاسدِ شوّهَ الإنسانُ رُؤْيتهُ؛ رأى الواقعةَ مِنْ خلالِ جُرْحهِ وَهواهُ وَظنّهِ، فَخلطَ بَينَ مَا حدثَ وَما تخيّلهُ. وَفي التّبريرِ شوّهَ مسؤوليّتهُ؛ جعلَ العقلَ مُحاميًا عَنِ الخطأ، لَا شاهدًا لِلحقِّ. أمّا فِي التّطرّفِ فَإنَّ الخللَ ينتقلُ إلى الميزانِ نفسهِ؛ إلى طريقةِ الحُكْمِ على الذّاتِ وَالآخرينَ وَالعلاقاتِ وَالأفكارِ وَالجماعاتِ وَالدُّولِ. فَالمُتطرّفُ لَا يكتفي بِأنْ يُخْطِئَ فِي القراءةِ، وَلا بِأنْ يُدَافِعَ عَنْ خطئهِ، بَلْ يجعلُ خطأهُ مقياسًا يُحَاكِمُ بِهِ العالمَ. وَمنْ هُنا يتحوّلُ الوهمُ إلى سُلْطةٍ، وَالانفعالُ إلى عقيدةٍ، وَالجُرْحُ إلى سيفٍ، وَاليقينُ غيرُ المُخْتبرِ إلى محكمةٍ لَا تُسْتَأْنَفُ أحكامها.

وَمنَ الخطأ الفادحِ أَنْ نحصرَ التّطرّفَ فِي جماعاتٍ بِعينها أَوْ شعاراتٍ صاخبةٍ أَوْ ساحاتٍ سياسيّةٍ. التّطرّفُ أوسعُ مِنْ ذلكَ بِكثيرٍ. هُناكَ تطرّفٌ فِي البيتِ حينَ تقولُ أُمٌّ لِابنها: إمّا أَنْ تكونَ كَما أُرِيدُ أَوْ أنتَ فَاشلٌ. وَهُناكَ تطرّفٌ فِي الصّداقةِ حينَ يقولُ صديقٌ لصديقهِ: إِنْ خالفتني فَقدْ خنتني. وَهُناكَ تطرّفٌ فِي الحُبِّ حينَ يتحوّلُ المحبوبُ عندَ أوّلِ خيبةٍ مِنْ ملائكيٍّ كَاملٍ إلى شيطانٍ مريدٍ. وَهُناكَ تطرّفٌ فِي التربيةِ حينَ لَا يرى المُربّي فِي الطّفلِ إلّا مُطيعًا صالحًا أَوْ مُتمرّدًا فَاسدًا. وَهُناكَ تطرّفٌ فِي النّقدِ حينَ لَا يرى النّاقدُ فِي المُخالفِ إلّا جهلًا أَوْ سُوءَ نيّةٍ. وَهُناكَ تطرّفٌ فِي علاقةِ الإنسانِ بِنفسهِ حينَ لَا يعرفُ إلّا صُورتينِ؛ إمّا عظيمٌ جدًّا أَوْ حقيرٌ جدًّا، إمّا ناجحٌ مُطْلقٌ أَوْ فَاشلٌ كَاملٌ، إمّا طاهرٌ بِلا عيبٍ أَوْ ساقطٌ بِلا رجاءٍ. التّطرّفُ قبلَ أَنْ يكونَ موقفًا خارجيًّا، هُوَ بِنيةٌ داخليّةٌ لَا تحتملُ التّعدّدَ وَلا تعرفُ الدّرجاتِ.

هذهِ البنيةُ الدّاخليّةُ هِيَ الّتي تجعلُ الإنسانَ عاجزًا عَنْ احتمالِ التّعقيدِ. فَالحياةُ مُركّبةٌ، وَالنّاسُ مُركّبونَ، وَالوقائعُ مُركّبةٌ، وَالحقائقُ فِي كَثيرٍ مِنَ المواضعِ لَا تدخلُ فِي قوالبَ جاهزةٍ بِلا بَقايا. قَدْ يكونُ الإنسانُ مُصيبًا فِي شيءٍ مُخْطئًا فِي آخرَ. وَقدْ يكونُ الخصمُ ظالمًا فِي موقفٍ مظلومًا فِي غيرهِ. وَقدْ يكونُ الصّديقُ مُحبًّا وَمعَ ذلكَ مُقصّرًا. وَقدْ تكونُ الجماعةُ صاحبةَ حَقٍّ فِي بَابٍ وَعندها خللٌ فِي بَابٍ آخرَ. وَقدْ يكونُ النّقدُ مُؤْلمًا لكنّهُ نافعٌ. وَقدْ يكونُ الصّمتُ تقصيرًا لَا خيانةً. وَقدْ يكونُ الاختلافُ خطرًا أحيانًا، وَرحمةً أحيانًا أُخْرَى. لكنَّ العقلَ المُتطرّفَ يكرهُ هذا التّركيبَ؛ لِأنّهُ يُطَالِبُهُ بِالصّبرِ وَالفحصِ وَالإنصافِ. أمّا الأبيضُ وَالأسودُ فَيمنحانهِ راحةً سريعةً؛ حُكْمًا جاهزًا، وَعدوًّا وَاضحًا، وَجماعةً ينتمي إليها، وَخريطةً لَا تحتاجُ إلى كَثيرِ تفكيرٍ.

عقليّةُ الأبيضِ وَالأسودِ لَا تُحِبُّ المنطقةَ الوُسْطى لِأنّها ترى فِيها تهديدًا، مَعَ أنّها فِي كَثيرٍ مِنَ الأحيانِ ليست منطقةَ مُيوعةٍ، بَلْ منطقةَ أمانةٍ. فَبينَ الملائكيّةِ وَالشّيطانيّةِ إنسانٌ قابلٌ لِلخطأ وَالصّوابِ. وَبينَ الحُبِّ المُطْلقِ وَالقطيعةِ المُطْلقةِ علاقةٌ تحتاجُ إلى عتابٍ وَإصلاحٍ وَحُدودٍ. وَبينَ النّصرِ الكاملِ وَالهزيمةِ الكاملةِ تجاربُ مُخْتلطةٌ فِيها مكاسبُ وَخسائرُ. وَبينَ القبولِ المُطْلقِ وَالرّفضِ المُطْلقِ مساحةٌ واسعةٌ لِلفهمِ وَالنقدِ وَالتّدرّجِ. النُّضجُ يبدأُ حينَ يكتشفُ الإنسانُ أَنَّ بَينَ الأبيضِ وَالأسودِ أمانةً وَاسعةً اسمها الميزانُ. وَهذهِ الأمانةُ ليستْ ضعفًا، بل شجاعةٌ مِنْ نوعٍ آخرَ؛ شجاعةُ ألّا تخونَ الحقيقةَ كَيْ ترتاحَ، وَألّا تختصرَ الواقعَ كَيْ تنتصرَ، وَألّا تجعلَ غضبكَ مُهندسًا وَحيدًا لِأحكامكَ.

“التّطرّفُ، فِي جوهرهِ، هُوَ موتُ الميزانِ. هُوَ عجزُ النّفسِ عَنْ رُؤْيةِ الدّرجاتِ وَالمسافاتِ وَالاحتمالاتِ.”

وَجُذورُ التّطرّفِ النفسيّةُ كَثيرةٌ. قَدْ ينشأُ التّطرّفُ مِنَ الخوفِ؛ فَالخائفُ يُحِبُّ الحسمَ السّريعَ، لِأنّهُ لَا يحتملُ الغُموضَ. يُرِيدُ أَنْ يعرفَ فَورًا مَنْ معهُ وَمنْ ضدّهُ، وَمنْ مأمونٌ وَمنْ خطرٌ، وَمنْ صالحٌ وَمنْ فَاسدٌ. وَقدْ ينشأُ مِنَ الجُرْحِ؛ فَالّذي جُرحَ فِي الثّقةِ قَدْ يرى كُلَّ اختلافٍ تهديدًا، وَكُلَّ غيابٍ خيانةً، وَكُلَّ نقدٍ طعنًا. وَقدْ ينشأُ مِنَ الشُّعورِ بِالعجزِ؛ فَالعاجزُ أحيانًا يُعَوِّضُ ضعفهُ بِحُكْمٍ قاسٍ، لِأنّهُ حينَ لَا يملكُ تغييرَ الواقعِ يملكُ على الأقلِّ أَنْ يشتمهُ أَوْ يُصَنِّفَهُ أَوْ يُلْغِيَهُ. وَقدْ ينشأُ مِنْ حاجةِ الإنسانِ إلى يقينٍ سريعٍ؛ فَالْنُّفُوسُ المُتْعبةُ لَا تُرِيدُ دائمًا رحلةَ البحثِ، بَلْ تُرِيدُ رايةً تختبئُ تحتها. وَقدْ ينشأُ مِنْ هُويّةٍ هشّةٍ تحتاجُ إلى عدوٍّ كَيْ تشعرَ بِوُجودها؛ فَبعضُ النّاسِ لَا يعرفونَ مَنْ هُمْ إلّا حينَ يعرفونَ مَنْ يكرهونَ.

وَفهمُ هذهِ الجُذورِ لَا يعني تبريرَ التطرّفِ، بَلْ يعني أَنْ نعرفَ مِنْ أينَ يدخلُ. المُتطرّفُ أحيانًا لا يبحثُ عَنِ الحقيقةِ، بَلْ يبحثُ عَنْ صلابةٍ تُعَوِّضُ هشاشتهُ الدّاخليّةَ. يُرِيدُ عالمًا صُلْبًا لِأنّهُ مِنْ داخلهِ رخوٌ، وَيُرِيدُ أحكامًا نهائيّةً لِأنّهُ يخافُ مِنْ احتمالاتٍ تفضحُ اضطرابهُ، وَيُرِيدُ خصمًا مُطْلقَ الشّرِّ لِأنّهُ إذا اعترفَ بِبعضِ حَقِّ خصمهِ اهتزّتْ صُورتهُ عَنْ نفسهِ. لذلكَ قَدْ تجدُ فِي التّطرّفِ انفعالًا نفسيًّا أعمقَ مِنْ حُجّتهِ الفكريّةِ. الحُجّةُ قَدْ تكونُ لسانًا، أمّا الجذرُ فَقدْ كَانَ خوفًا، أَوْ جُرْحًا، أَوْ عجزًا، أَوْ رغبةً فِي الانتماءِ إلى يقينٍ لَا يسألُ صاحبهُ أسئلةً مُوجعةً.

وَأوّلُ ميادينِ التّطرّفِ هُوَ الفهمُ. وَهذا هُوَ التّطرّفُ المعرفيُّ؛ أَنْ يأخذَ الإنسانُ فِكرةً وَاحدةً وَيُفَسِّرَ بِها كُلَّ شيءٍ، كَمنْ يحملُ مفتاحًا وَاحدًا وَيُصِرُّ أَنَّ كُلَّ أبوابِ العالمِ صُنعتْ لَهُ. يسمعُ رأيًا مُخالفًا فَيختزلهُ إلى شَرٍّ. يرى موقفًا جُزْئيًّا فَيجعلهُ دليلًا على حقيقةٍ كُلّيّةٍ. يرفضُ الاحتمالَ وَالسّياقَ وَالتّفصيلَ. لَا يسألُ عَنِ الظُّروفِ، وَلا عَنِ الدّرجاتِ، وَلا عَنِ المُلابساتِ، وَلا عَنِ الفرقِ بَينَ الخطأ العابرِ وَالنّمطِ المُتكرّرِ، وَلا عَنِ الفرقِ بَينَ الجهلِ وَالتّعمّدِ، وَلا بَينَ الزّلّةِ وَالخيانةِ. التّطرّفُ فِي الفهمِ هُوَ أَنْ يتحوّلَ العقلُ مِنْ أداةِ بَحثٍ إلى آلةِ تصنيفٍ. بَدلَ أَنْ يبحثَ عَنِ الحقيقةِ، يبدأُ بِتوزيعِ النّاسِ على خاناتٍ جاهزةٍ. هذا مُؤْمنٌ وَهذا خائنٌ، هذا وَاعٍ وَهذا جاهلٌ، هذا نقيٌّ وَهذا فَاسدٌ، هذا معنا وَهذا علينا.

وَالعقلُ حينَ يتحوّلُ إلى آلةِ تصنيفٍ يفقدُ فَضيلةَ الإصغاءِ. لَا يسمعُ الجُمْلةَ إلى آخرها، لِأنّهُ صنّفَ صاحبها مِنْ أوّلِ كَلمةٍ. لَا يقرأُ النّصَّ كَاملًا، لِأنّهُ قرّرَ نيّةَ الكاتبِ مِنَ العُنْوانِ. لَا يستمعُ لِلمخالفِ ليفهمَ، بَلْ ينتظرُ منهُ كَلمةً تُؤَكِّدُ الحُكْمَ السّابقَ. وَإذا وَجدَ عندَ خصمهِ فِكرةً صحيحةً، لَمْ يفرحْ بِالحقيقةِ، بَلِ ارتبكَ؛ لِأنَّ الحقيقةَ جاءتْ مِنْ جهةٍ لَا يُرِيدُ الاعترافَ لها بِشيءٍ. وَهُنا يموتُ البحثُ، وَتبقى المُبارزةُ. وَيموتُ السُّؤالُ، وَيبقى الشّعارُ. وَيموتُ العقلُ، لَا لِأنّهُ توقّفَ عَنِ الحركةِ، بَلْ لِأنّهُ صارَ يدورُ فِي دائرةٍ وَاحدةٍ.

ثُمَّ يأتي التّطرّفُ فِي الحُكْمِ الأخلاقيِّ. هُنا يُحَاكِمُ الإنسانُ غيرهُ بِلا رحمةٍ وَبلا تناسبٍ. خطأ وَاحدٌ يمحو تاريخًا كَاملًا. زلّةٌ وَاحدةٌ تُلْغِي قيمةَ الإنسانِ. موقفٌ وَاحدٌ يصيرُ هُويّةً كَاملةً. اختلافٌ وَاحدٌ يتحوّلُ إلى إدانةٍ شاملةٍ. وَقدْ يكونُ الخطأ خطيرًا فِعلًا، وَقدْ يستحقُّ المُحاسبةَ وَالرّدَّ وَالحُدودَ، لكنَّ العدلَ يطلبُ تناسبًا بَينَ الفعلِ وَالحُكْمِ. ليسَ كُلُّ خطأ خيانةً، وَلا كُلُّ ضعفٍ سُقوطًا نهائيًّا، وَلا كُلُّ رأيٍ بَاطلٍ دليلًا على فَسادِ القلبِ، وَلا كُلُّ موقفٍ سيّءٍ إذنًا بِإعدامِ صاحبهِ معنويًّا. العدلُ لَا يطلبُ تبرئةَ المُخْطئِ، لكنّهُ يرفضُ إعدامهُ معنويًّا بِما لَا يُسَاوِي خطأهُ.

“المُتطرّفُ لَا يبحثُ عَنِ الحقيقةِ، بَلْ يبحثُ عَنْ صلابةٍ تُعَوِّضُ هشاشتهُ الدّاخليّةَ.”

وَمنْ هُنا تظهرُ خُطورةُ التّطرّفِ الأخلاقيِّ الّذي يتنكّرُ فِي صُورةِ غيرةٍ على الحقِّ. قَدْ يقولُ صاحبهُ: أنا لَا أُسَاوِمُ فِي الأخلاقِ. وَهذهِ عبارةٌ قَدْ تكونُ نبيلةً إذا حفظتِ الميزانَ، وَقدْ تكونُ قاسيةً إذا فَقدتهُ. فَعدمُ المُساومةِ على الحقِّ لَا يعني الظُّلْمَ فِي تنزيلهِ على النّاسِ. وَالغيرةُ على القيمِ لَا تعني أَنْ نُلْغِيَ الرّحمةَ وَالسّياقَ وَالتّوبةَ وَالتّدرّجَ. وَالوُضوحُ فِي رفضِ الخطأ لَا يعني تحويلَ المُخْطئِ إلى كُتْلةٍ وَاحدةٍ مِنَ السُّوءِ. إِنَّ الموازينَ الدّقيقةَ هِيَ الّتي تمنعُ الأخلاقَ مِنَ التّحوّلِ إلى مقصلةٍ. فَإذا غابتْ، صارَ الإنسانُ يذبحُ النّاسَ بِاسمِ الفضيلةِ، وَيظنُّ أَنَّ دماءهمُ المعنويّةَ قُرْبانٌ لِلحقِّ.

وَفي العلاقاتِ، يبدو التّطرّفُ فِي أبسطِ صُورهِ وَأكثرها إيلامًا. العلاقاتُ المُتطرّفةُ تعيشُ بَينَ التّقديسِ وَالشّيطنةِ. فِي البدايةِ يقولُ الإنسانُ لمنْ يُحِبُّ: أنتَ كَاملٌ، أنتَ لَا تُخْطِئُ، أنتَ خلاصي، أنتَ الصُّورةُ الّتي كُنْتُ أنتظرها. ثُمَّ عندَ أوّلِ خيبةٍ عميقةٍ، أَوْ خطأ بَشريٍّ، أَوْ اختلافٍ فِي التّوقّعاتِ، ينقلبُ الحُكْمُ كُلّهُ؛ أنتَ لَا شيءَ، أنتَ خذلتني، أنتَ لَمْ تكنْ صادقًا يومًا، كُلُّ مَا مضى كَانَ كِذبًا. لَا تُوجَدُ مساحةٌ لِلعتابِ الهادئِ، وَلا لِلإصلاحِ، وَلا لسوءِ الفهمِ، وَلا لِلضّعفِ البشريِّ، وَلا لِلخطأ الّذي لَا يُلْغِي أصلَ المحبّةِ. إمّا اندماجٌ كَاملٌ أَوْ قطيعةٌ كَاملةٌ. إمّا رضًا يبتلعُ الحُدودَ أَوْ غضبٌ يبتلعُ التّاريخَ. وَهذا ليسَ حُبًّا ناضجًا، بَلْ جُوعٌ عاطفيٌّ يُرِيدُ مِنَ الآخرِ أَنْ يكونَ علاجًا كَاملًا لجرحٍ قديمٍ.

بَعضُ النّاسِ لَا يُحِبُّونَ بِميزانٍ، وَلا يُخَاصِمُونَ بِميزانٍ. إذا أحبّوا رفعوا المحبوبَ فَوقَ طاقتهِ البشريّةِ، فَإذا أخطأ عاقبوهُ لِأنّهُ لَمْ يكنْ إلهًا صغيرًا. وَإذا خاصموا نسوا كُلَّ معروفٍ سابقٍ، وَجعلوا الخلافَ دليلًا على فَسادِ الأصلِ. العلاقةُ النّاضجةُ لَا تقومُ على غيابِ الخطأ، بَلْ على وُجودِ ميزانٍ يمنعُ الخطأ مِنَ ابتلاعِ الإنسانِ كُلّهِ. أَنْ أقولَ: أنتَ أخطأتَ، لَا يعني أَنْ أقولَ: أنتَ خطأ. وَأنْ أقولَ: هذا الموقفُ آذاني، لَا يعني أَنْ أقولَ: تاريخكَ كُلّهُ أذًى. وَأنْ أضعَ حدًّا، لَا يعني أَنْ أمحوَ كُلَّ قيمةٍ. الميزانُ فِي العلاقاتِ هُوَ القُدْرةُ على أَنْ نرى الجُرْحَ دُونَ أَنْ نُزَوِّرَ الحُبَّ، وَأنْ نرى الحُبَّ دُونَ أَنْ ندفنَ الجُرْحَ.

“إِنَّ الموازينَ الدّقيقةَ هِيَ الّتي تمنعُ الأخلاقَ مِنَ التّحوّلِ إلى مقصلةٍ.”

وَفي التّربيةِ، يصنعُ التّطرّفُ أبناءً يعيشونَ بَينَ الرُّعْبِ وَالتّمرّدِ. حينَ يُقَالُ لِلطّفلِ إِنَّ خطأهُ الواحدَ يعني أنّهُ فَاشلٌ، أَوْ إِنَّ مُخالفتهُ تعني أنّهُ عاقٌّ، أَوْ إِنَّ بُكاءهُ يعني أنّهُ ضعيفٌ، أَوْ إِنَّ سُؤالهُ يعني أنّهُ قليلُ أدبٍ، فَإنّنا لَا نُرَبِّيهِ على الأخلاقِ، بَلْ على الخوفِ مِنْ ذاتهِ. التّربيةُ المُتطرّفةُ لَا تعرفُ الدّرجاتِ؛ لَا تُمَيِّزُ بَينَ الخطأ وَالفسادِ، وَلا بَينَ السُّؤالِ وَالتّمرّدِ، وَلا بَينَ الضّعفِ الطّبيعيِّ وَالانحرافِ. وَالنّتيجةُ إمّا إنسانٌ مذعورٌ يُحَاوِلُ إرضاءَ الجميعِ، أَوْ إنسانٌ مُتمرّدٌ يكرهُ كُلَّ ميزانٍ لِأنّهُ لَمْ يعرفْ إلّا قسوتهُ. التّربيةُ العادلةُ لَا تتركُ الخطأ بِلا تصحيحٍ، لكنّها لَا تجعلُ التّصحيحَ إلغاءً لشخصيّةِ الطّفلِ.

وَفي الحُكْمِ على الذّاتِ، يظهرُ التّطرّفُ كَقاضٍ داخليٍّ لَا يعرفُ إلّا المديحَ المُطْلقَ أَوِ الإدانةَ المُطْلقةَ. ينجحُ الإنسانُ فِي أمرٍ فَيظنُّ أنّهُ استثنائيٌّ فَوقَ النّاسِ، ثُمَّ يفشلُ فِي أمرٍ فَيظنُّ أنّهُ لَا قيمةَ لَهُ. يمدحهُ أحدٌ فَينتشي كَأنّهُ وُلدَ مِنْ جديدٍ، وَينتقدهُ آخرُ فَينهارُ كَأنَّ وُجودهُ كُلّهُ سقطَ. وَهذا أيضًا موتٌ لِلميزانِ؛ لِأنَّ الذّاتَ النّاضجةَ تعرفُ أنّها تحملُ قُوّةً وَضعفًا، نجاحًا وَتعثّرًا، خيرًا يحتاجُ إلى شُكْرٍ، وَخللًا يحتاجُ إلى إصلاحٍ. أمّا الذّاتُ المُتطرّفةُ فَلا تستطيعُ أَنْ تُقِيمَ فِي المنطقةِ الإنسانيّةِ الوُسْطى. إنّها تُرِيدُ أَنْ تكونَ كَاملةً أَوْ معدومةً. وَهذا يجعلها إمّا مغرورةً لَا تتعلّمُ، أَوْ مُحطّمةً لَا تنهضُ.

وَفي الخطابِ العامِّ، يتحوّلُ التّطرّفُ إلى استقطابٍ يأكلُ المُجْتمعَ مِنْ داخلهِ. كُلُّ مُخالفٍ عدوٌّ، كُلُّ ناقدٍ خائنٌ، كُلُّ مُؤيّدٍ تابعٌ، كُلُّ مُخْتلفٍ خطرٌ، كُلُّ سُؤالٍ تهديدٌ. وَحينَ تصلُ المُجْتمعاتُ إلى هذهِ المرحلةِ، يموتُ الحوارُ؛ لِأنَّ كُلَّ طرفٍ لَا يسمعُ الآخرَ، بَلْ يُصَنِّفُهُ. يدخلُ النّاسُ النّقاشَ لَا ليبحثوا عَنِ الحقِّ، بَلْ ليحموا خنادقهمْ. تتحوّلُ اللُّغةُ إلى رصاصٍ معنويٍّ، وَتتحوّلُ المنابرُ إلى متاريسَ، وَتتحوّلُ الأفكارُ إلى شاراتِ انتماءٍ. فَاللُّغةُ لَا يعودُ السُّؤالُ معها: مَا وَجهُ الصّوابِ فِي كَلامكَ؟ بَلْ يُصْبِحُ: إلى أَيِّ مُعسكرٍ تنتمي؟ وَلا يعودُ النّقدُ وَسيلةَ إصلاحٍ، بَلْ تُهْمَةً تستدعي الدّفاعَ. وَلا يعودُ الاختلافُ ثراءً، بَل خطرًا أمنيًّا أَوْ أخلاقيًّا أَوْ “هُويّاتيًّا”.

“الميزانُ فِي العلاقاتِ هُوَ القُدْرةُ على أَنْ نرى الجُرْحَ دُونَ أَنْ نُزَوِّرَ الحُبَّ، وَأنْ نرى الحُبَّ دُونَ أَنْ ندفنَ الجُرْحَ.”

وَالاستقطابُ لَا يُفْسِدُ السّياسةَ وَحدها، بَلْ يُفْسِدُ الحسَّ الإنسانيَّ. يجعلُ الإنسانَ يفرحُ بِخطأ خصمهِ لِأنّهُ يُؤَكِّدُ صُورتهُ عنهُ، وَيحزنُ بِصوابِ خصمهِ لِأنّهُ يُرْبِكُ تصنيفهُ. يجعلهُ يغفرُ لجماعتهِ مَا لَا يغفرهُ لغيرها، وَيدينُ غيرهُ بِما يُبَرِّرُهُ لنفسهِ. يجعلهُ يرى الحقيقةَ بِحسبِ موقفها مِنْ مُعسكرهِ، لَا بِحسبِ قيمتها. وَهذا موتٌ بَطيءٌ لِلعدلِ. فَالمُجْتمعُ الّذي يفقدُ القُدْرةَ على إنصافِ المُخالفِ يفقدُ القُدْرةَ على إصلاحِ نفسهِ؛ لِأنَّ كُلَّ نقدٍ سيأتي غالبًا مِنْ جهةٍ لَا نُحِبُّهَا، فَإذا رفضناهُ لِأنّها لَا تُشْبِهُنَا، بَقينا أسرى عُيوبنا.

وَحتّى فِي العلاقاتِ الدّوليّةِ وَالحضاريّةِ، تتصرّفُ الدُّولُ أحيانًا بِمنطقِ التّطرّفِ نفسهِ. تقولُ قُوّةٌ عُظْمى لغيرها: إمّا معنا أَوْ ضدّنا. إمّا خُضوعٌ كَاملٌ أَوْ عقابٌ. إمّا تحالفٌ بِلا سُؤالٍ أَوْ عداوةٌ بِلا تفاوضٍ. إمّا نُمُوذَجُنَا هُوَ الحُرّيّةُ وَإمّا أنتَ ظلامٌ. وَقدْ تقعُ الدُّولُ الضّعيفةُ أيضًا فِي تطرّفٍ مُضادٍّ؛ فَكُلُّ مَا يأتي مِنَ الخارجِ مُؤامرةٌ، وَكُلُّ نقدٍ خارجيٍّ استهدافٌ، وَكُلُّ تجربةٍ أُخْرَى خطرٌ على الهُويّةِ. السّياسةُ هُنا ليستْ إلّا مرآةً مُكبّرةً لبنيةٍ نفسيّةٍ وَفكريةٍ؛ بِنيةٍ لَا تحتملُ التّعدّدَ، وَلا تُحْسِنُ إدارةَ المسافةِ، وَلا تعرفُ الفرقَ بَينَ الحذرِ وَالعداءِ، وَلا بَينَ الاستقلالِ وَالقطيعةِ، وَلا بَينَ الحوارِ وَالذّوبانِ. وَحينَ يحكمُ هذا المنطقُ العالمَ، تصيرُ الحُروبُ أسهلَ، وَالعُقوباتُ أيسرَ، وَالحوارُ أضيقَ، وَالإنسانُ فِي النّهايةِ هُوَ الّذي يدفعُ الثّمنَ.

وَمعَ ذلكَ، ينبغي ألّا نخلطَ بَينَ التّطرّفِ وَبينَ الوُضوحِ الأخلاقيِّ. فَهُناكَ مواقفُ لَا تقبلُ الحيادَ، وَظُلْمٌ يجبُ أَنْ يُسَمَّى ظُلْمًا، وَعُدْوانٌ يجبُ أَنْ يُرَدَّ، وَحقٌّ لَا يجوزُ تمييعهُ. الميزانُ ليسَ منطقةً رماديّةً تمحو الفُروقَ بَينَ الجلّادِ وَالضّحيّةِ، وَلا دعوةً إلى مُساواةِ الحقِّ بِالباطلِ، وَلا مُحاولةً لِإرضاءِ كُلِّ الأطرافِ. الميزانُ يعني أَنْ نضعَ كُلَّ شيءٍ فِي موضعهِ؛ أَنْ نُسَمِّيَ الظُّلْمَ ظُلْمًا دُونَ أَنْ نكذبَ فِي التّفاصيلِ، وَأنْ ننصرَ المظلومَ دُونَ أَنْ نُقَدِّسَهُ، وَأنْ ندينَ المُعْتدي دُونَ أَنْ نُزَوِّرَ الوقائعَ، وَأنْ نحفظَ لِلإنسانِ حقّهُ فِي العدلِ وَلوْ كَانَ خصمًا. ليسَ الاعتدالُ ضعفًا، بَلْ قُدْرةٌ على منعِ الحقيقةِ مِنْ أَنْ تتحوّلَ إلى قسوةٍ، وَمنعِ الرّحمةِ مِنْ أَنْ تتحوّلَ إلى تمييعٍ.

وَلماذا التّطرّفُ مُغْرٍ؟ لِأنّهُ يمنحُ الإنسانَ وُضوحًا سريعًا. يُعْطِيهِ عدوًّا وَاضحًا، وَيُعْفِيهِ مِنْ تعقيدِ التّفكيرِ، وَيمنحهُ شُعورًا بِالقُوّةِ، وَيجعلهُ يرى نفسهُ فِي جانبِ الحقِّ المُطْلقِ. المُتطرّفُ لَا يحتاجُ إلى حملِ التّناقضاتِ، وَلا إلى مُراجعةِ نفسهِ، وَلا إلى الاعترافِ بِبعضِ خطأ جماعتهِ، وَلا إلى رُؤْيةِ بَعضِ صوابِ خصمهِ. لديهِ خريطةٌ بَسيطةٌ، وَرُبّما كَانتْ هذهِ البساطةُ مصدرَ راحتهِ. لكنَّ ثمنها بَاهظٌ؛ فَهيَ تقتلُ الإنصافَ. التّطرّفُ مُريحٌ لِأنّهُ يُلْغِي التّعقيدَ، لكنّهُ خطيرٌ لِأنّهُ يُلْغِي الحقيقةَ معهُ. فَالواقعُ الّذي لَا يدخلُ فِي خريطتهِ لَا يجعلهُ يُرَاجِعُ الخريطةَ، بَلْ يجعلهُ يُهَاجِمُ الواقعَ.

وَالتّطرّفُ يمنحُ صاحبهُ أيضًا لذّةَ الانتماءِ. حينَ يرى الإنسانُ نفسهُ فِي مُعسكرِ الحقِّ المُطْلقِ، يشعرُ بِالامتلاءِ. لَا يعودُ فَردًا مُرْتبكًا، بَلْ جُنْديًّا فِي قضيّةٍ وَاضحةٍ. لَا يعودُ مسؤولًا عَنْ مُراجعةِ تفاصيلَ كَثيرةٍ، بَلْ يكفيهِ أَنْ يُرَدِّدَ لُغةَ الجماعةِ. وَهذهِ اللّذّةُ خطيرةٌ لِأنّها تُعْطِي النّفسَ طعامًا معنويًّا سريعًا؛ شُعورٌ بِالبُطولةِ، وَصفاءٌ فِي الانتماءِ، وَعدوٌّ يُفَسِّرُ الخوفَ وَالغضبَ. لكنَّ هذا الطّعامَ يُشْبِهُ السُّكّرَ الكثيرَ؛ يمنحُ طاقةً سريعةً ثُمَّ يتركُ الجسدَ أكثرَ مرضًا. لِأنَّ الهُويّةَ الّتي تحتاجُ إلى عدوٍّ دائمٍ كَيْ تشعرَ بِوُجودها هُويّةٌ ضعيفةٌ. وَالقضيّةُ الّتي لَا تحتملُ التّفصيلَ ليستْ وَاثقةً مِنْ حقّها. وَالانتماءُ الّذي يمنعكَ مِنَ الإنصافِ ليسَ سندًا، بَلْ قيدٌ جماعيٌّ.

وَأضرارُ التّطرّفِ لَا تقفُ عندَ الخطأ فِي الحُكْمِ، بَلْ تمتدُّ إلى النّفسِ وَالعلاقةِ وَالمُجْتمعِ وَالدّولةِ. فِي النّفسِ يصنعُ قلقًا دائمًا؛ لِأنَّ العالمَ لَا يُطَاوِعُ التّصنيفاتِ الصُّلْبةَ. وَفي العلاقاتِ يصنعُ هشاشةً مُفْرطةً؛ لِأنَّ كُلَّ خيبةٍ صغيرةٍ تُهَدِّدُ بِانقلابٍ كَبيرٍ. وَفي المُجْتمعِ يصنعُ استقطابًا يقتلُ الثّقةَ، وَيجعلُ النّاسَ يخافونَ الكلامَ، وَيُحَوِّلُ الاختلافَ إلى خطرٍ. وَفي الدّولةِ يصنعُ سياساتٍ لَا تعرفُ إلّا العقوبةَ أَوِ الولاءَ، وَلا تُحْسِنُ الإصلاحَ المُتدرّجَ. وَفي الفكرِ يقتلُ الإبداعَ؛ لِأنَّ الإبداعَ يحتاجُ إلى أسئلةٍ، وَالمُتطرّفُ يخافُ الأسئلةَ. وَفي الأخلاقِ يقتلُ الرّحمةَ؛ لِأنَّ الرّحمةَ تحتاجُ إلى رُؤْيةِ الإنسانِ فِي تعقيدهِ، وَالمُتطرّفُ يُرِيدُ صُورةً وَاحدةً حادّةً. وَفي الدّينِ وَالقيمِ يُسِيءُ إلى الحقِّ الّذي يدّعي حمايتهُ؛ لِأنَّ الحقَّ إذا حُملَ بِلا ميزانٍ ظهرَ لِلنّاسِ كَأنّهُ قسوةٌ لَا هدايةٌ.

وَعلاجُ التّطرّفِ يبدأُ بِإحياءِ الميزانِ. لَا يكفي أَنْ نقولَ لِلمتطرّفِ: كُنْ مُعْتدلاً. فَهذهِ كَلمةٌ قَدْ يسمعها كَدعوةٍ إلى الضّعفِ أَوِ التّنازلِ. ينبغي أَنْ نُعِيدَ بِناءَ القُدْرةِ على رُؤْيةِ الدّرجاتِ. أَنْ نسألَ قبلَ الحُكْمِ: هَلْ حُكْمي بِقدرِ الواقعةِ؟ هَلْ بَالغتُ فِي التّعميمِ؟ هَلْ جعلتُ الجُزْئيَّ كُلّيًّا؟ هَلْ ألغيتُ الإنسانَ كُلّهُ بِسببِ موقفٍ؟ هَلْ تُوجَدُ منزلةٌ بَينَ القبولِ الكاملِ وَالرّفضِ الكاملِ؟ هَلْ أبحثُ عَنِ الحقِّ أَمْ عَنِ الانتصارِ لنفسي؟ هَلْ أنا غاضبٌ مِنَ الفعلِ أَمْ مِنْ جُرْحٍ قديمٍ أيقظهُ الفعلُ؟ هَلْ أستطيعُ أَنْ أرى بَعضَ الصّوابِ فِيمنْ أُخَالِفُهُ دُونَ أَنْ أشعرَ أنّني خنتُ قضيّتي؟ هَلْ أستطيعُ أَنْ أرى بَعضَ الخطأ فِي جماعتي دُونَ أَنْ أشعرَ أنّني هدمتُ انتمائي؟

وَمنْ علاجِ التّطرّفِ تعلّمُ اللُّغةِ الدّقيقةِ. فَالكلماتُ العامّةُ الواسعةُ تُغَذِّي التّطرّفَ؛ خائنٌ، عميلٌ، فَاشلٌ، جاهلٌ، مُنافقٌ، مُتآمرٌ، ساقطٌ، عدوٌّ. أمّا اللُّغةُ الدّقيقةُ فَتضطرُّ الإنسانَ إلى العدلِ. بَدلَ أَنْ يقولَ: أنتَ لَا تُحِبُّنِي، يقولُ: هذا الموقفُ جعلني أشعرُ بِعدمِ الاهتمامِ. بَدلَ أَنْ يقولَ: كُلّهمْ فَاسدونَ، يقولُ: فِي هذا السُّلوكِ فَسادٌ يحتاجُ إلى مُساءلةٍ. بَدلَ أَنْ يقولَ: كُلُّ مُخالفٍ خطرٌ، يقولُ: هذا الرّأيُ عندي خطأ فِي كَذا وَكذا. اللُّغةُ الدّقيقةُ ليستْ ترفًا، بَلْ علاجٌ ضِدَّ التّعميمِ. لِأنّها تمنعُ الانفعالَ مِنْ أَنْ يبتلعَ العالمَ كُلّهُ فِي جُمْلةٍ وَاحدةٍ.

وَمنْ علاجهِ أيضًا التّربيةُ على احتمالِ الاختلافِ. فَالإنسانُ الّذي لَمْ يتعلّمْ مُنْذُ الصّغرِ أَنْ يُخَالِفَ دُونَ أَنْ يكرهَ، وَأنْ يُخَالَفَ دُونَ أَنْ يشعرَ بِالإلغاءِ، سيكبرُ هشًّا أمامَ كُلِّ رأيٍ لَا يُشْبِهُهُ. ينبغي أَنْ يتعلّمَ الطّفلُ أَنَّ حُبَّ وَالديهِ لَا يعني طاعةً بِلا شخصيّةٍ، وَأنَّ خطأهُ لَا يعني سُقوطَ قيمتهِ، وَأنَّ اختلافَ صديقهِ لَا يعني خيانتهُ، وَأنَّ السُّؤالَ لَا يعني التّمرّدَ دائمًا. وَينبغي أَنْ تتعلّمَ المُجْتمعاتُ أَنَّ النّقدَ ليسَ عداوةً، وَأنَّ المُراجعةَ ليستْ إهانةً، وَأنَّ الاعترافَ بِالخللِ ليسَ سُقوطًا، وَأنَّ الحقيقةَ لَا تحتاجُ إلى ظُلْمٍ كَيْ تنتصرَ. كُلُّ بِيئةٍ تُعَاقِبُ الاختلافَ الصّغيرَ تصنعُ تطرّفًا كَبيرًا فِي المُسْتقبلِ.

“لَا يخافُ التّطرّفُ مِنَ الباطلِ وَحدهُ، بَلْ يخافُ مِنَ التّفصيلِ؛ لِأنَّ التّفصيلَ يُعِيدُ العالمَ إلى حجمهِ الحقيقيِّ.”

وَمنْ علاجهِ أيضًا استعادةُ التّفصيلِ. لَا يخافُ التّطرّفُ مِنَ الباطلِ وَحدهُ، بَل يخافُ مِنَ التّفصيلِ؛ لِأنَّ التّفصيلَ يُعِيدُ العالمَ إلى حجمهِ الحقيقيِّ. التّفصيلُ يقولُ إِنَّ المسألةَ ليستْ كَما صوّرتها الصّرخةُ الأُولَى. يقولُ إِنَّ فُلانًا أخطأ هُنا وَأصابَ هُناكَ. يقولُ إِنَّ القضيّةَ عادلةٌ لكنَّ بَعضَ خطابها يحتاجُ إلى مُراجعةٍ. يقولُ إِنَّ الخصمَ ليسَ كُتْلةً وَاحدةً. يقولُ إِنَّ الصّديقَ لَا يُعْفَى مِنَ المُحاسبةِ لِأنّهُ صديقٌ. يقولُ إِنَّ العدوَّ لَا يجوزُ أَنْ يُكْذَبَ عليهِ فَقطْ لِأنّهُ عدوٌّ. التّفصيلُ مُرْهقٌ، لكنّهُ مِنْ أماناتِ العقلِ. وَمنْ لَا يحتملُ التّفصيلَ سيبقى مُحْتاجًا إلى شعاراتٍ تحميهِ مِنْ وَجعِ التّفكيرِ.

وَبعدَ أَنْ رأينا فَسادَ الإدراكِ فِي التّأويلِ، وَفسادَ المسؤوليّةِ فِي التّبريرِ، وَفسادَ الميزانِ فِي التّطرّفِ، يتّضحُ أنّنا نحتاجُ إلى بِناءٍ مُضادٍّ؛ التّثبّتِ فِي مُواجهةِ التّأويلِ، وَالاعترافِ فِي مُواجهةِ التّبريرِ، وَالاتّزانِ فِي مُواجهةِ التّطرّفِ. التثبّتُ يمنعُ الظّنَّ مِنْ أَنْ يصيرَ حقيقةً بِلا دليلٍ. وَالاعترافُ يمنعُ الخطأ مِنْ أَنْ يصيرَ فَضيلةً بِالدّفاعِ عنهُ. وَالاتّزانُ يمنعُ الحُكْمَ مِنْ أَنْ يصيرَ مقصلةً بِاسمِ الحقِّ. هذهِ الثّلاثةُ ليستْ آدابًا هامشيّةً، بَلْ أعمدةُ نجاةٍ لِلنّفسِ وَالعلاقةِ وَالمُجْتمعِ. فَحينَ يغيبُ التّثبّتُ نظلمُ الحقيقةَ، وَحينَ يغيبُ الاعترافُ نظلمُ أنفسنا، وَحينَ يغيبُ الاتّزانُ نظلمُ الآخرينَ.

لَا يخافُ التّطرّفُ مِنَ الباطلِ وَحدهُ، بَلْ يخافُ مِنَ التّفصيلِ؛ لِأنَّ التّفصيلَ يُعِيدُ العالمَ إلى حجمهِ الحقيقيِّ، وَيُعِيدُ الإنسانَ مِنْ حافّةِ الحُكْمِ إلى أمانةِ الميزانِ. وَالتّطرّفُ، مهما بَدا قويًّا، قُوّةٌ قلقةٌ؛ لِأنّهُ يحتاجُ دائمًا إلى تبسيطِ الواقعِ كَيْ يظلَّ وَاقفًا. أمّا الميزانُ فَقُوّةٌ أهدأُ وَأبقى؛ لِأنّهُ لَا يخافُ مِنْ رُؤْيةِ الطّبقاتِ، وَلا مِنْ احتمالِ السُّؤالِ، وَلا مِنَ الاعترافِ بِأنَّ الحقَّ قَدْ يحتاجُ إلى صبرٍ فِي تنزيلهِ، وَأنَّ الرّحمةَ قَدْ تحتاجُ إلى حزمٍ كَيْ لَا تصيرَ تمييعًا، وَأنَّ الإنسانَ أوسعُ مِنْ خطئهِ، وَأنَّ المُخالفَ أوسعُ مِنْ خلافهِ، وَأنَّ العالمَ أعمقُ مِنْ أبيضَ وَأسودَ. وَمنْ استعادَ الميزانَ لَمْ يفقدْ غيرتهُ على الحقِّ، بَلْ أنقذها مِنْ أَنْ تتحوّلَ إلى ظُلْمٍ جديدٍ بِاسمِ الحقِّ. وَما دامَ الإنسانُ يملكُ ميزانًا، بَقيَ قادرًا على أَنْ يرى الحقيقةَ دُونَ أَنْ يُحَوِّلَهَا إلى سيفٍ أعمى، وَأنْ يرى الرّحمةَ دُونَ أَنْ يُحَوِّلَهَا إلى عُذْرٍ مائعٍ، وَأنْ يرى الإنسانُ فِي خطئهِ دُونَ أَنْ يبتلعهُ الخطأ كُلّهُ. أمّا حينَ يموتُ الميزانُ، فَإنَّ الأبيضَ وَالأسودَ لَا يعودانِ لونينِ فِي لوحةِ الحقيقةِ، بَلْ يُصْبِحُانِ قُضْبانَ سجنٍ يقفُ الإنسانُ خلفها، يظنُّ أنّهُ يرى العالمَ بِوُضوحٍ، وَلا يدري أَنَّ وُضوحهُ المُفْرطَ ليسَ إلّا شكلاً آخرَ مِنَ العمى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى