الأدبوحي الخاطر

جئت أبحث عنك

اِشْتَقْتُ إِلَى نَفْسِي، فَجِئْتُ أَبْحَثُ عَنْكِ؛ أَدُسُّ يَدَ الشَّوْقِ فِي حَقِيبَةِ الذِّكْرَى، تِلْكَ القَاحِلَةِ إِلَّا مِنْكِ، المُوحِشَةِ إِلَّا مِنْ ظِلِّكِ، المُغْلَقَةِ إِلَّا عَلَى مَا تَرَكَتْهُ خُطَاكِ فِيهَا مِنْ رَجْعٍ لا يَشِيخُ. أَتَلَمَّسُ فِيهَا أَثَرَ طُهْرٍ أَقْبِضُهُ بِكَفِّ الشُّكْرِ، وَأَنْفُخُ فِيهِ مِنْ رُوحِ وَفَاءٍ لا يَعْرِفُ الذُّبُولَ، وَأَتَحَسَّسُ فِيهَا مَلَامِحَ أَدْرَكَهَا القَلْبُ قَبْلَ العَيْنِ، وَأَفْرَدَهَا الحُبُّ فِي مَنَازِلَ لا تَسْتَوِي إِلَّا عَلَى أَنْفَاسِ عِطْرِكِ المُنْعِشِ لِلرُّوحِ، وَلا تَرْتَوِي إِلَّا مِنْ وَشْوَشَاتِ دَلَالِكِ المُسْكِرِ لِلُّبِّ بِسُلَافَةِ اللَّذَّةِ وَرَهْفِ المُنَاجَاةِ.

جِئْتُ أَبْحَثُ عَنْكِ عَلَى مَشَارِفِ فَجْرِنَا الحَالِمِ، أَحْمِلُ ابْتِسَامَةَ شَوْقٍ لا تَكْتَمِلُ إِلَّا بِمَرْآكِ، وَنَظْرَةَ تَوْقٍ لا تَهْتَدِي إِلَّا إِلَى نُورِكِ. أَتَسَكَّعُ عَلَى أَرْصِفَةِ الانْتِظَارِ كَمَنْ أَضَاعَ مَفَاتِيحَ العَوْدَةِ إِلَى نَفْسِهِ، وَأَتَأَمَّلُ صَفْحَةَ بَحْرِ مَشَاعِرِكِ وَهِيَ تَعْكِسُ عَلَى وَجْهِ القَمَرِ فِي أَعْلَى الأُفُقِ نُورَهُ، وَعَلَى خَدِّ الدُّرِّ فِي أَسْفَلِ العُمْقِ بَهَاءَهُ، فَكَأَنَّ نُورَكِ فِي عَيْنَيَّ قَدْ عَمَّ، وَبَهَاءَكِ فِي قَلْبِي قَدْ تَمَّ، وَكَأَنَّ الكَوْنَ، حِينَ يَلْمَسُ طَيْفَكِ، يَتَوَضَّأُ مِنْ غُبَارِهِ وَيَخْرُجُ إِلَى نَقَائِهِ الأَوَّلِ.

وَأَنَا، بِالحُزْنِ السَّادِرِ فِي ذُهُولِ الغِيَابِ، لا زِلْتُ أُهَاجِرُ إِلَيْكِ فِي مَوَاسِمِ المَشَاعِرِ عَبْرَ الخَوَاطِرِ، أَبْنِي بِالوَهْمِ فَنَارَاتِ أَمَلٍ فِي دَيْجُورِ البَيْنِ المُقْلِقِ، وَأَجْتَنِي بِالوَجْدِ مَسَارَاتِ أَلَمٍ عَرَفَتْ كَيْفَ تَسْلُكُ دَرْبَهَا سَرَبًا إِلَى مَوْطِنِ الوَجَعِ الدَّفِينِ. كَمْ مَرَّةٍ مَدَدْتُ يَدِي إِلَى الغِيَابِ فَلَمْ أَقْبِضْ إِلَّا عَلَى هَوَاءٍ مُتَعَبٍ، وَكَمْ مَرَّةٍ أَصْغَيْتُ إِلَى الصَّمْتِ فَسَمِعْتُ فِيهِ خُطَاكِ تَمْشِي عَلَى حَوَافِّ الرُّوحِ كَأَنَّهَا لا تُرِيدُ أَنْ تُوقِظَ فِيَّ إِلَّا أَعْذَبَ مَا نَامَ مِنَ الحَنِينِ.

وَفِي بَرَاثِنِ الأَلَمِ وَالأَمَلِ أَتَقَلَّبُ فِي الحَيْرَةِ الكَأْدَاءِ، بَيْنَ إِقْدَامٍ يُمْلِيهِ قَلْبٌ جَعَلَ الحُنُوَّ أَرَبَهُ، وَبَيْنَ إِحْجَامٍ يَكْتُبُهُ عَقْلٌ جَعَلَ الوَقَارَ مَطْلَبَهُ. أُرِيدُ أَنْ أَمْضِيَ إِلَيْكِ مُمْتَلِئًا بِجُرْأَةِ الوَجْدِ، ثُمَّ تَشُدُّنِي هَيْبَةُ المَعْنَى إِلَى مَقَامِ التَّرَيُّثِ؛ فَلا أَنَا أَفْلَتُّ قَلْبِي مِنْ شَرَارَةِ النِّدَاءِ، وَلا أَنَا أَسْلَمْتُ عَقْلِي لِقَانُونِ الصَّبْرِ. وَمَا أَعْسَرَ حَالَتِي بَيْنَهُمَا، يَا مُنَى العُمْرِ المُسَافِرِ لِلمَغِيبِ، وَمَا أَغْطَشَ وَحْدَتِي حِينَ تَخْلُو مِنْكِ جِهَاتُ القَلْبِ، فَلا يَبْقَى فِي الوُجُودِ مِصْبَاحٌ يَعْرِفُ اسْمِي غَيْرُ ذِكْرَاكِ.

كُنْتُ خَاصَمْتُ نَفْسِي يَوْمَ خَاصَمْتُكِ، وَأَضَعْتُ بِالأَسَى لُغَتِي، وَأَنَا أُمَزِّقُ الكَلِمَاتِ وَأَنْثُرُ أَشْلَاءَهَا عَلَى ضَرِيحِ المَعَانِي النَّازِفَةِ، وَجَلًا مِنْ صَمْتِ لِسَانٍ انْكَفَأَ عَلَى عِيٍّ يُصِيبُهُ فِي جَنَابِكِ، وَحَدِيثِ جَنَانٍ اتَّكَأَ عَلَى عِشْقٍ يُصْبِيهِ فِي غِيَابِكِ. وَكَمْ بَدَتْ لِي الحُرُوفُ يَوْمَئِذٍ كَأَطْفَالٍ تَائِهَةٍ فِي مَدِينَةٍ مُغْلَقَةِ الأَبْوَابِ، لا تَعْرِفُ مَوْضِعَ البَيْتِ وَلا تُحْسِنُ الوُصُولَ إِلَى عَتَبَةِ العَفْوِ. كَانَتْ لَثْغَةُ الكَلِمَةِ تَخُونُ مَعْنَاهَا، وَالمَعْنَى يَفِرُّ مِنْ جِرَاحِهِ، وَالقَلْبُ، وَحْدَهُ، يُحَاوِلُ أَنْ يَجْمَعَ مَا تَبَدَّدَ مِنِّي عَلَى أَرْضِ الفِرَاقِ. ثُمَّ يَقْطِفُ لَكِ عَنْدَلِيبُ البَوْحِ مِنْ حَدَائِقِ الرُّوحِ أَجْمَلَ كَلِمَاتِ الغَزَلِ، وَيَسْتَأْمِرُ العَيْنَ رَسُولَ شَوْقٍ لِلْقَمَرِ فِي طُقُوسٍ حَالِمَةٍ مِنْ أَبْجَدِيَّةِ الصَّمْتِ وَالصَّخَبِ. تِلْكَ هِيَ لُغَتِي الأَفْصَحُ وَالأَجْمَلُ فِي عَصْرِ زَخْرَفَةِ الحُرُوفِ وَابْتِذَالِ المَشَاعِرِ. أَجَلْ، رَغْمَ فَصَاحَةِ الحُرُوفِ عَلَى لِسَانِ يَرَاعَتِي، يَظَلُّ تَأَمُّلُ جَمَالِكِ فِي هَدْأَةِ الأَسْحَارِ لُغَتِي الأُولَى، وَيَظَلُّ الصَّمْتُ، حِينَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ إِلَى كَتِفِكِ، أَبْلَغَ مِنْ كِتَابٍ طَوِيلٍ، وَأَصْدَقَ مِنْ خُطْبَةٍ تُجِيدُ التَّزَيُّنَ وَلا تُجِيدُ الاِحْتِرَاقَ.

فَلِلصَّمْتِ، يَا بَهْجَةَ الرُّوحِ، حَدِيثٌ هُوَ أَمْتَعُ مَا فِي الوُجُودِ مُدَاوَلَةً لِفُنُونِ وَصْلِكِ، وَأَرْقَى مَا فِي القَوْلِ صِدْقًا وَبَلَاغَةً. لا يَعْدِلُهُ فِي المُتْعَةِ إِلَّا ابْتِسَامُ عَيْنِكِ المُدْرِكَةِ لارْتِجَافَاتِ المَشَاعِرِ فِي شَغَافِ وَقَارِ الهَائِمِ حِسًّا وَالصَّائِمِ نَبْسًا، وَلا يَفُوقُهُ إِلَّا الدِّفْءُ الَّذِي تَبُثُّهُ رِقَّتُكِ فِي أَنْحَائِي المُبْتَلَّةِ بِأَمْطَارِ الحَنِينِ. وَمَا أَجْمَلَ أَنْ تُغْفِيَ بَيْنَ الجَفْنِ وَالحَدَقَةِ فِي أَحْضَانِ قَلْبِي المُعَتَّقِ بِالأَنِينِ؛ أَمْسَحُ حِينًا عَلَى رَأْسِكِ بِكَفِّي الوَانِيَةِ، وَتَمْسَحِينَ أَحْيَانًا عَنْ رُوحِي الكَدَرَ بِكَفِّكِ الحَانِيَةِ فِي طُمَأْنِينَةٍ وَسُكُونٍ، كَأَنَّ كُلًّا مِنَّا وُجِدَ لِيَكُونَ لِلآخَرِ مَأْوًى حِينَ تَشْتَدُّ عَلَيْهِ رِيَاحُ العُمْرِ.

نَقِيَّةٌ أَنْتِ كَمَا أَنْتِ، مَا يَكَادُ يَشُوبُكِ كَدَرُ عَتَبٍ حَتَّى يَجْلُو بِلَّوْرَ قَلْبِكِ الدُّرِّيَّ نُورُ صَفَاءِ وُدِّكِ، وَخُيُوطُ نَقَاءِ سَجِيَّتِكِ، وَأَخْلَاقٌ شَفَّافَةٌ تَنْسُجُكِ فَرِيدَةً. كَأَنَّكِ مِنْ عَجِينَةِ الشَّمْسِ جُبِلْتِ، وَمِنْ مَاءِ الكَوْثَرِ سُكِبْتِ، وَقَامَتْ فِيكِ الرُّوحُ مَقَامَ الأَطْيَافِ النُّورَانِيَّةِ فِي العَوَالِمِ العُلْوِيَّةِ، تَسْبَحُ بَيْنَ طَاعَةٍ وَقَنَاعَةٍ، وَبَيْنَ حُبٍّ وَاجْتِبَاءٍ. لا يَحْتَاجُ طُهْرُكِ إِلَى بُرْهَانٍ، فَفِي حُضُورِكِ يَتَهَذَّبُ الهَوَاءُ، وَفِي قُرْبِكِ تَنْخَفِضُ أَصْوَاتُ القَسْوَةِ، وَحِينَ تَبْتَسِمِينَ يَخْجَلُ الحُزْنُ مِنْ ثِيَابِهِ السَّوْدَاءِ وَيَتَوَارَى.

كُلَّمَا أَرْسَلْتُ رَسُولَ رُوحِي لِيَحُومَ حَوْلَكِ وَيَتَأَمَّلَ قَسَمَاتِ وَجْهِكِ الرَّزِينِ، أُدْرِكُ أَنَّ تَرَاتِيلَ الحُبِّ لَنْ تَقْضِيَ مِنَ الوِجْدَانِ وَطَرًا، وَأَنَّ مَعَانِيَ الغَزَلِ عَلَى شُرُفَاتِ أَنَاقَتِكِ تَتَلَعْثَمُ فِي عَوَالِمِ الدَّهْشَةِ، بَيْنَ هَمْهَمَاتٍ تَسْتَنْطِقُ كَلِمَاتِ العَيْنِ، وَمَهْمَهَاتٍ تَسْتَغْرِقُ فِي عَيْنِ الكَلِمَاتِ لاسْتِقْرَاءِ كَيْنُونَةِ المَعَانِي المُبْهَمَةِ، وَاسْتِجْلَاءِ صَدَى الإِيمَاءَاتِ المُلْهِمَةِ. فَكُلُّ لَفْظٍ يَدْنُو مِنْكِ يَخْرُجُ مِنْ مَعْجَمِهِ القَدِيمِ، وَكُلُّ مَجَازٍ يَلْمَحُكِ يَنْسَى حُدُودَهُ، وَكُلُّ بَيَانٍ يَقِفُ عِنْدَ عَتَبَتِكِ يَتَعَلَّمُ مِنْ صَمْتِكِ مَا لَمْ يَتَعَلَّمْهُ مِنْ فَصَاحَةِ القَوْلِ.

وَأَنَا، فِي احْتِدَامِ مَرَاسِمِ انْشِغَالِي بِكِ، أَبْحَثُ عَنْ نَفْسِي فِي نَفْسِي، فَأَجِدُهَا فِي الجَسَدِ غَرِيبَةً، وَقَدْ أَسْكَنْتِ مَسَامَاتِهَا، وَجَرَيْتِ فِي خَلَايَاهَا دَمًا زَكِيًّا، وَأَقَمْتِ فِي المَآقِي صَرْحَ طَيْفِكِ شَامِخًا، وَسَكَبْتِ رَحِيقَ عِطْرِكِ حَائِمًا فِي القَلْبِ وَالرُّوحِ. أَجِدُنِي بِدُونِكِ أَلُوكُ مِنْ نَبَاتِ الشُّجُونِ صَابًا، وَأَجْرَعُ مِنْ بَنَاتِ العُيُونِ صَبَابَةً، مُسَافِرًا بِهَا إِلَيْكِ فِي دُرُوبِ التِّيهِ وَبِيدِ الغُرْبَةِ؛ لا رَاحِلَةً تُقِلُّ، وَلا قَدَمًا تَكِلُّ، وَلا نَجْمًا يَدُلُّ، وَلا أَمَلًا يَمَلُّ، وَلا يَأْسًا يَشُلُّ، وَلا مَاءً يَعُلُّ، وَلا فَيْئًا يُقِيلُ.

وَأَعْجَبُ مَا فِي غِيَابِكِ أَنَّهُ لا يَغِيبُ بِكِ عَنِّي، بَلْ يُكَثِّفُكِ فِيَّ حَتَّى تَصِيرِي أَوْضَحَ مِنَ الحُضُورِ. فَأَرَاكِ فِي انْكِسَارِ الضَّوْءِ عَلَى حَافَّةِ الكَأْسِ، وَفِي ارْتِجَافِ السِّتَارِ حِينَ يَمُرُّ الهَوَاءُ، وَفِي عِطْرٍ عَابِرٍ يَفْتَحُ فِي الذَّاكِرَةِ بَابًا لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّهُ لا يَزَالُ مُوَارَبًا. أَرَاكِ فِي مَا لا يُشْبِهُكِ حَتَّى يَصِيرَ شَبِيهًا بِكِ، وَأَسْمَعُكِ فِي مَا لا يَنْطِقُ حَتَّى يَصِيرَ صَوْتًا مِنْكِ. هَكَذَا يَفْعَلُ الحُبُّ حِينَ يَسْتَوْلِي عَلَى حَوَاسِّهِ النَّبِيلَةِ؛ لا يَزِيدُ العَالَمَ أَشْيَاءَ، بَلْ يَمْنَحُ الأَشْيَاءَ قَلْبًا يَنْبِضُ بِاسْمِ مَنْ نُحِبُّ.

وَيَا مُنَى القَلْبِ وَالحُبِّ وَالدِّفْءِ وَالحَنِينِ، يَا مُوسِيقَى القِيثَارَةِ الحَالِمَةِ فِي حُلْمِي الطُّفُولِيِّ المُمْتَدِّ مِنْ إِرْهَاصَاتِ عَنَاقِيدِ رَبِيعِي الفَجِّ حَتَّى بَقَايَا أَعْنَابِ خَرِيفِي النَّاضِجِ، إِنِّي أَنَا ذَلِكَ الطَّيْرُ المُحَلِّقُ فِي سَمَاءِ المَسَافَاتِ، أَقْتَرِفُ خَطِيئَةَ البَحْثِ عَنْكِ وَالحِرْصِ عَلَيْكِ، أُفْرِدُ أَجْنِحَتِي حَانِيَاتٍ فِي فَضَاءَاتِ عَالَمِكِ المُغْرِقِ فِي دَيْمُومَةِ الوَجَعِ، لا لأَسْرِقَ مِنْكِ ضُوءَ الشَّمْسِ، بَلْ لأَمْنَحَكِ ظِلَّ النَّفْسِ، وَأَحْتَوِي بِالابْتِهَالِ لِرُوحِكِ رَجَفَاتِ قَلْبِكِ المُرْهَقِ بِعَذَابَاتِ السِّنِينِ. وَحِينَ تَتَقَلَّبُ الرِّيحُ فِي مَسَارَاتِهَا، تَنْقَلِبُ لَكِ الرُّوحُ فِي مَدَارَاتِهَا، تَحُومُ حَوْلَكِ قُطْبًا، بَلْ مَجَرَّةً لَهَا سَبْعُ شُمُوسٍ؛ مِنْكِ تَسْتَمِدُّ ضِيَاءَهَا، وَلَكِ تَمْنَحُ مِنْ دِفْئِهَا. فَاعْذُرِينِي، يَا نَكْهَةَ الحُبِّ فِي زَمَنِ نَزْفِ الجِرَاحِ، إِذَا جِئْتُكِ لا أَحْمِلُ إِلَّا بَقَايَا نَفْسٍ تَعَلَّمَتْ مِنْكِ كَيْفَ تَتَوَضَّأُ بِالنَّدَمِ، وَكَيْفَ تَجْعَلُ مِنَ الشَّوْقِ قِنْدِيلًا لا يَنْطَفِئُ عَلَى عَتَبَاتِ الرَّجَاءِ.

وَمِنْ شُرُفَاتِ هَذَا الحَنِينِ الْبَاذِخِ وَالأَنِينِ الصَّارِخِ، لَسْتُ أَسْتَجْدِي مِنْ مَائِدَةِ العِشْقِ فُتَاتَ لِقَاءٍ، فَنَحْنُ مَعْشَرَ الْمُتَبَتِّلِينَ فِي هَذَا الْمِحْرَابِ صَاغَتْنَا أَقْدَارُ الْمَعَالِي لِنَكُونَ سَادَةَ النَّبْضِ لَا عَبِيدَهُ. إِنَّ وُجُودَكِ فِي مَدَارَاتِي لَيْسَ صُدْفَةً كَوْنِيَّةً عَابِرَةً يَذْرُوهَا هَبَاءُ الْفَنَاءِ، بَلْ هُوَ الْمِيثَاقُ الْأَوَّلُ الَّذِي كُتِبَ بِمِدَادِ الْأَزَلِ فِي اللَّوْحِ قَبْلَ أَنْ يَتَخَلَّقَ الطِّينُ. فَإِنِّي كُلَّمَا أَرَدْتُ الِانْعِتَاقَ مِنْ جَاذِبِيَّتِكِ الصَّارِمَةِ، شَدَّنِي قَانُونُكِ الْأَسْمَى إِلَى الْمَرْكَزِ؛ لِتُدْرِكَ رُوحِي أَنَّ الْهُرُوبَ مِنْكِ لَيْسَ إِلَّا ارْتِمَاءً مَحْمُومًا فِيكِ، وَأَنَّ الْمَسَافَةَ بَيْنَ حَوَافِّ رُوحِي وَيَقِينِكِ هِيَ ذَاتُهَا الْمَسَافَةُ بَيْنَ الْعَدَمِ الْمُوحِشِ وَخَلَاصِ الْوُجُودِ الْمُطْلَقِ. هَا أَنَا أُشْرِعُ أَبْوَابَ الْبَوْحِ قَبْلَ أَنْ يَطْوِيَ الْغَسَقُ رِدَاءَهُ، حَامِلًا بَيْنَ جَوَانِحِي لَوْعَةَ القَلَقِ وَحَرَارَةَ النَّزَقِ. كُلُّ نَبْضَةٍ بَاتَتْ جَيْشًا يَزْحَفُ نَحْوَ أَمْصَارِ يَقِينِكِ، يُطَالِبُ بِحَقِّهِ المَحْتُومِ فِي الِاسْتِيطَانِ حَيْثُ لَا وَطَنَ سِوَى حُدُودِ رِضَاكِ. لَقَدْ تَعَرَّيْتُ مِنْ كُلِّ خِيَارَاتِ البَشَرِ، وَلَمْ يَبْقَ لِي سِوَى هَذَا الشَّوْقِ الْعَاتِي الَّذِي لَا يُبْقِي وَلَا يَذَرُ، يَسُوقُنِي سَوْقًا إِلَى مِحْرَابِكِ الْمَكْنُونِ، لِأُعْلِنَ أَنَّ قَوَانِينَ الْفِيزْيَاءِ قَدْ سَقَطَتْ، وَأَنَّ الْمَسَافَاتِ مَا هِيَ إِلَّا وَهْمٌ طِينِيٌّ تَتَجَاوَزُهُ رُوحٌ عَرَفَتْ طَرِيقَهَا نَحْوَ مُسْتَقَرِّ النُّورِ.

عَلِّمِينِي كَيْفَ أَصْنَعُ مِنْ بَقَايَا ذِكْرَيَاتِ العُمْرِ، وَمِنْ نَزْفِ الجِرَاحَاتِ، إِكْسِيرَ غَدٍ أَجْمَلَ، نَبْحَثُ فِيهِ عَنْ عَالَمِ الصَّفْحِ الرَّحِيبِ، وَعَنْ صُبْحٍ يَحْمِلُ نَجْوَى البِشَارَاتِ، وَيُزَيِّنُ وَجْهَ البَشَاشَاتِ بِأَلْوَانِ الذِّكْرَى وَالوُدِّ وَالحَنِينِ. عَلِّمِينِي كَيْفَ أَفْتَحُ لِلْعَتَبِ بَابًا يَدْخُلُ مِنْهُ طَاهِرًا وَيَخْرُجُ مَغْفُورًا، وَكَيْفَ أَجْعَلُ مِنَ الصَّمْتِ جِسْرًا لا جِدَارًا، وَمِنَ المَسَافَةِ مِسَاحَةً لِنُضْجِ الحُبِّ لا مَنْفًى لِلْقَلْبِ. عَلِّمِينِي أَنْ أُصْغِيَ إِلَى مَا تَقُولُهُ رِقَّتُكِ حِينَ لا تَتَكَلَّمُ، وَأَنْ أَقْرَأَ مَا تَكْتُبُهُ عَيْنَاكِ عَلَى صَفْحَةِ الهَوَاءِ مِنْ آيَاتِ الأَمَانِ.

وَإِنِّي، حِينَ أَقُولُ إِنِّي اشْتَقْتُ إِلَى نَفْسِي، لا أَعْنِي تِلْكَ الَّتِي تَحْمِلُ اسْمِي وَتَمْضِي فِي النَّاسِ عَلَى قَدَمَيْهَا، بَلْ أَعْنِي نَفْسِي الَّتِي تَتَفَتَّحُ فِي قُرْبِكِ، وَتَسْتَوِي فِي رِضَاكِ، وَتَتَعَلَّمُ مِنْ طُهْرِكِ أَنَّ الحَيَاةَ، مَهْمَا تَكَاثَرَتْ فِيهَا خُيُوطُ الغُبَارِ، قَادِرَةٌ أَنْ تَعُودَ صَافِيَةً إِذَا مَرَّتْ عَلَيْهَا كَفٌّ حَانِيَةٌ مِنْكِ. تِلْكَ النَّفْسَ الَّتِي لا تَعْرِفُ طَرِيقَهَا إِلَى ذَاتِهَا إِلَّا إِذَا أَطَلَّ طَيْفُكِ مِنْ نَافِذَةِ الرُّوحِ، فَقَالَ لَهَا بِغَيْرِ صَوْتٍ: هَا هُنَا مَوْطِنُكِ، وَهَا هُنَا سَرِيرَةُ ضَوْئِكِ، وَهَا هُنَا يَسْتَقِيمُ مَا مَالَ مِنْكِ عَلَى أَكْتَافِ الأَيَّامِ.

اشْتَقْتُ إِلَى نَفْسِي، فَجِئْتُ أَبْحَثُ عَنْكِ، وَعِنْدَ مَشَارِفِ الفَجْرِ المَاثِلِ شَوْقًا سَيَظَلُّ دَوْمًا لِلْعَاشِقِينَ لِقَاءٌ؛ لِقَاءٌ لَا تُدْرِكُهُ ظُنُونُ الْفَنَاءِ، بَلْ تُخَلِّدُهُ ذَاكِرَةُ الْجَلَالِ مِيثَاقًا سِيَادِيًّا عَصِيًّا عَلَى الزَّوَالِ؛ لِقَاءٌ لا تُحَدِّدُهُ الخُطَى، وَلا تَحْبِسُهُ المَسَافَةُ، وَلا يُفْسِدُهُ مَا يَعْلَقُ بِالقَلْبِ مِنْ غُبَارِ العَتَبِ. هُنَاكَ، حَيْثُ يَغْسِلُ الفَجْرُ وَجْهَ العَالَمِ بِمَاءِ البَدَايَاتِ، سَأُطِلُّ عَلَيْكِ مِنْ بَابِ الشُّكْرِ، وَأَقُولُ لِمَا تَبَقَّى مِنْ عُمْرِي: قَدْ وَجَدْتُ نَفْسِي حِينَ وَجَدْتُهَا، وَقَدْ عُدْتُ إِلَيَّ حِينَ عُدْتُ إِلَيْهَا، وَمَا بَيْنَ نَفْسِي وَنَفْسِهَا إِلَّا ذَلِكَ الحُبُّ الَّذِي لا يَزَالُ يَصْنَعُ مِنَ الجُرْحِ زَهْرَةً، وَمِنَ الغِيَابِ مِصْبَاحًا، وَمِنَ الوَجْدِ طَرِيقًا إِلَى اللهِ وَإِلَى الجَمَالِ وَإِلَى السَّكِينَةِ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى