الفكرتربية واجتماعمنطق وتأصيل

آليات الدفاع النفسي

كيف تحمي النفس أوهامها من الانهيار؟

لا تكذبُ النّفسُ على صاحبها غالبًا كذبًا بدائيًّا فاضحًا، ولا تقولُ له في وضح النّهار: إنّ الباطلَ حقٌّ، وإنّ القبحَ جمالٌ، وإنّ الهزيمةَ نصرٌ. النّفسُ أذكى من ذلك، وأشدُّ براعةً في إدارةِ ممالكها الداخليّة. إنّها لا تبني أوهامها من حجارةِ الكذبِ العاريةِ وحدها، بل من مزيجٍ عجيبٍ من أنصافِ الحقائقِ، والذكرياتِ المنتقاةِ، والتأويلاتِ المريحةِ، والأعذارِ المهذّبةِ، والآلامِ القديمةِ، والانحيازِ التأكيديّ، والخوفِ من الانكشافِ، وحاجةِ الإنسانِ إلى أن يبقى قادرًا على احترامِ صورتهِ في المرآة. ولهذا يستطيعُ الإنسانُ أن يستمرَّ في الخطأ زمنًا طويلًا دون أن يشعرَ أنّه خائنٌ للحقيقةِ، لا لأنّهُ لا يملكُ ضميرًا بالضرورةِ، بل لأنّ ضميرَهُ حُوصِرَ بجهازٍ كاملٍ من الدفاعاتِ النّفسيّةِ التي تمنعُ الحقيقةَ من الوصولِ إليه في صورتها العارية.

والنّفسُ لا تفعلُ ذلك دائمًا بدافعِ الشرّ المحضِ، بل كثيرًا ما تبدأُ دفاعاتُها بوصفها محاولةً لإنقاذِ صاحبها من ألمٍ يفوقُ طاقتَهُ. فالإنسانُ ليس كتلةً من الصلابةِ، ولا يستطيعُ أن يتحمّلَ كلَّ حقيقةٍ دفعةً واحدةً، ولا أن يرى كلَّ عيوبهِ مرّةً واحدةً، ولا أن يقفَ أمام كلِّ خساراتهِ بلا تمهيدٍ. لذلك تمتلكُ النّفسُ، بقدرٍ ما، آليّاتٍ تخفّفُ الصدمةَ، وتؤجّلُ الانهيارَ، وتمنحُ الإنسانَ وقتًا حتّى يستجمعَ قدرتهُ على الفهمِ والاحتمال. لكنّ المأساةَ تبدأُ حين يتحوّلُ هذا الدفاعُ المؤقّتُ إلى نظامِ حكمٍ دائمٍ في الداخل؛ حين لا يعودُ المسكّنُ جسرًا إلى العلاجِ، بل يصيرُ بديلًا عنه؛ وحين لا تعودُ النّفسُ تحمي صاحبَها من الألمِ حتّى يشفى، بل تحمي الوهمَ من الحقيقةِ حتّى يبقى. فالدفاعُ النّفسيُّ، في أصلهِ، مسكّنٌ لا علاجٌ، ومظلّةٌ مؤقّتةٌ لا بيتٌ يقيمُ فيه الإنسانُ عمرَهُ كلَّه. فإذا اتخذَ من المظلّةِ وطنًا، عاشَ عمرَهُ منحنيًا تحت سقفٍ واطئٍ، يخافُ من شمسِ الحقيقةِ أكثرَ ممّا يخافُ من عفنِ الظلّ.

“الدفاعُ النّفسيُّ، في أصلهِ، مسكّنٌ لا علاجٌ، ومظلّةٌ مؤقّتةٌ لا بيتٌ يقيمُ فيه الإنسانُ عمرَهُ كلَّه.”

أولى هذه الحيلِ وأبسطُها الإنكار؛ ذلك البابُ القديمُ الذي تقفُ عنده النّفسُ وتقولُ للواقع: أنتَ غيرُ موجودٍ. والإنكارُ لا يأتي دائمًا في صورةِ عبارةٍ صريحةٍ تقول: “هذا لم يحدث.” فقد يكونُ أرقَّ من ذلك وأخبثَ؛ قد يكونُ عبورًا سريعًا فوق الحقيقةِ، أو تأجيلًا لا ينتهي، أو تجاهلًا منظّمًا، أو قدرةً مدهشةً على رؤيةِ كلِّ شيءٍ إلّا الشيءَ الأوضحَ. ينكرُ الإنسانُ أنّ علاقتهُ تنهارُ، مع أنّ البرودةَ تملأُ البيتَ كضبابٍ ثقيلٍ. ينكرُ أنّ عادتهُ صارت إدمانًا، مع أنّ عمرَهُ يتسرّبُ منها كلَّ يومٍ. ينكرُ أنّ قسوتهُ جرحتْ من يحبّ، مع أنّ ملامحَهم تغيّرت أمامهُ. ينكرُ أنّ مسارهُ انحرفَ، مع أنّ قلبَهُ يعرفُ أنّهُ لم يعد يمشي إلى ما كان يؤمنُ به. والإنكارُ هنا ليس جهلًا بالواقعِ، بل رفضٌ لاستقباله؛ كأنّ النّفسَ تغلقُ الستائرَ وتظنُّ أنّ الليلَ انتهى لأنّها منعتِ العينَ من رؤيةِ الظلام.

وخطورةُ الإنكارِ أنّهُ يمنحُ الإنسانَ راحةً رخيصةً في الحاضرِ، مقابلَ خرابٍ مؤجّلٍ في المستقبل. ما تنكرُهُ لا يختفي، بل يتراكمُ خارجَ بابِ الوعي، كالماءِ المحبوسِ خلف سدٍّ تصدّعت حجارتهُ. وكلّما طالَ الإنكارُ احتاجتِ النّفسُ إلى جهدٍ أكبرَ في حراسةِ الباب، حتّى يصبحَ جزءٌ عظيمٌ من طاقةِ الإنسانِ مخصّصًا لمنعِ الحقيقةِ من الدخول. ينشغلُ لا لأنّهُ قويٌّ، ويضحكُ لا لأنّهُ مطمئنٌّ، ويدافعُ لا لأنّهُ مقتنعٌ، بل لأنّهُ لو توقّف قليلًا لسمعَ طرقَ الواقعِ على الباب. لذلك لا ينبغي أن نخدعَ أنفسنا بصورةِ الإنسانِ الذي يبدو ثابتًا وهو ينكر؛ قد لا يكونُ ثابتًا، بل متصلّبًا من شدّةِ الخوف. والصلابةُ الناتجةُ عن الإنكارِ ليست قوّةً، بل تجمّدٌ قبل الانكسار.

ثمّ يأتي الإسقاطُ، وهو من أدهى دفاعاتِ النّفس، لأنّ الإنسانَ فيه لا يكتفي بالهروبِ من عيبهِ، بل يراهُ في وجهِ غيره. كأنّ النّفسَ لا تحتملُ أن تعترفَ بأنّ الخللَ يسكنُها، فتخلعهُ من داخلها وتعلّقهُ على صدرِ الآخرين. البخيلُ يرى الناسَ طامعين، والمتكبّرُ يرى كلَّ من حولهِ متكبّرين، والحسودُ يكثرُ من اتّهامِ الناسِ بالحسدِ، والعاجزُ يصفُ الناجحين بأنّهم محظوظون أو منافقون أو أصحابُ علاقاتٍ، ومن لا يطيقُ النقدَ يتّهمُ كلَّ ناقدٍ بالعدوان. في الإسقاطِ لا يحاربُ الإنسانُ عيبَهُ، بل يطاردُ ظلَّهُ في الشوارع. يرفعُ صوتَهُ ضدَّ قبحٍ يسكنُهُ، وينشئُ معركةً خارجيّةً تعفيهِ من المعركةِ الأشدِّ في الداخل. وما أخطرَ أن يصبحَ الإنسانُ واعظًا ضدَّ خطيئتهِ حين يراها في الآخرين فقط، أعمى عنها حين تلبسُ ملامحهُ.

“في الإسقاطِ لا يحاربُ الإنسانُ عيبَهُ، بل يطاردُ ظلَّهُ في الشوارع.”

الإسقاطُ يمنحُ صاحبَهُ شعورًا زائفًا بالطهارةِ، لأنّهُ يجعلُهُ في موقعِ القاضي بدلَ موقعِ المتّهم. فما دام العيبُ في الخارج، فهو بريءٌ. وما دام الآخرون هم المشكلة، فهو ضحيّةٌ أو مصلحٌ أو ناقدٌ أو صاحبُ بصيرةٍ. وهكذا يحمي الإنسانُ صورتهُ لا بإصلاحها، بل بتشويهِ المرايا المحيطةِ به. ومن هنا نفهمُ لماذا يغضبُ بعضُ الناسِ من عيوبٍ بعينها غضبًا يفوقُ حجمَها؛ ليس لأنّهم أنقى من غيرهم بالضرورةِ، بل لأنّ تلك العيوبَ تلمسُ جرحًا مخفيًّا فيهم. إنّهم لا يحتملون رؤيتَها في الخارجِ لأنّها تذكّرُهم، من حيث لا يشعرون، بما يرفضون رؤيتَهُ في الداخل. وبعضُ المعاركِ الأخلاقيّةِ التي يخوضُها الناسُ ليست طلبًا للحقّ، بل محاولةً لطردِ شبحٍ داخليٍّ لا يريدون الاعترافَ به.

أمّا الكبتُ فهو حيلةُ الدفن. حين لا تستطيعُ النّفسُ أن تعالجَ الألمَ أو تعترفَ به، تدفعهُ إلى منطقةٍ معتمةٍ في الداخل، كمن يحملُ جثّةً في الليلِ ويخفيها في قبوِ البيتِ ثمّ ينامُ على أملِ أنّ البيتَ صار نظيفًا. لكن ما يُدفَنُ بلا اعترافٍ لا يموتُ، بل يتغيّرُ شكلهُ. يعودُ في هيئةِ غضبٍ غيرِ مفهومٍ، أو حساسيّةٍ مفرطةٍ، أو قلقٍ دائمٍ، أو قسوةٍ على من لا ذنبَ لهم، أو نفورٍ من أشياءَ لا يعرفُ الإنسانُ سببَ نفورهِ منها، أو حزنٍ ينهضُ من غيرِ مناسبةٍ ظاهرةٍ. إنّ الذاكرةَ التي تُدفَنُ بلا اعترافٍ تتحوّلُ إلى شبحٍ يديرُ البيتَ من القبو؛ لا تراهُ الأسرةُ، لكنّها تسمعُ خطواتهِ في الليلِ، وترى الأبوابَ تُفتحُ وتُغلقُ بلا يدٍ ظاهرةٍ، وتشعرُ أنّ شيئًا ما في المكانِ ليس سليمًا.

والكبتُ لا يلغي الحقيقةَ، بل يحرمُها من اللغة. والألمُ الذي يُحرَمُ من اللغةِ يبحثُ عن جسدٍ يتكلّمُ من خلاله. قد يصيرُ صداعًا، أو أرقًا، أو انفجارًا عند تافه الأسبابِ، أو خوفًا من مواقفَ لا تستحقُّ الخوفَ، أو تعلّقًا مرضيًّا بأشخاصٍ يعيدون فتحَ الجرحِ القديم. لذلك فإنّ بعضَ ردودِ أفعالنا ليست ابنةَ اللحظةِ وحدها، بل ابنةُ مقبرةٍ داخليّةٍ لم تُفتَحْ منذ زمن. يظنُّ الإنسانُ أنّهُ غضبَ لأنّ أحدَهم تأخّرَ في الردّ، والحقيقةُ أنّ التأخّرَ لمسَ في داخلهِ جرحَ الإهمالِ القديم. يظنُّ أنّهُ انهارَ بسببِ نقدٍ صغيرٍ، والحقيقةُ أنّ النقدَ أيقظَ ذاكرةً طويلةً من الشعورِ بعدمِ الكفاية. ومن لم يفتحِ القبوَ بشجاعةٍ سيظلُّ البيتُ كلُّهُ محكومًا بما دُفِنَ فيه.

ومن الدفاعاتِ الدقيقةِ التهوين؛ أن يحوّلَ الإنسانُ الكارثةَ إلى تفصيلٍ، والجرحَ إلى خدشٍ عابرٍ، والخيانةَ الصغيرةَ إلى مزاجٍ، والقسوةَ المتكرّرةَ إلى “طبعٍ”، والإدمانَ إلى “تسليةٍ”، والتقصيرَ إلى “ظرفٍ”، والظلمَ إلى “سوءِ تفاهمٍ”. في التهوينِ لا ينفي الإنسانُ الخطأَ كلّيًّا، بل يصغّرهُ حتّى يفقدَ دافعَهُ إلى تغييره. يقولُ: الأمرُ ليس كبيرًا. كلُّ الناسِ يفعلون ذلك. لا داعيَ للمبالغةِ. كانت مجرّدَ كلمةٍ. كان مجرّدَ تصرّفٍ. أنا لم أقصد. وهكذا يضعُ الخطأَ في ثوبٍ أصغرَ من حجمهِ حتّى يختنقَ ضميرُ الإنسانِ فلا يتحرّكَ. وخطورةُ التهوينِ أنّهُ يبدو عقلانيًّا أحيانًا؛ فهو يحاربُ الإفراطَ في الدراما، وهذا في ذاتهِ محمودٌ، لكنّهُ يتحوّلُ إلى خيانةٍ للحقيقةِ حين يُستعمَلُ ضدَّ الألمِ المشروعِ وضدَّ المسؤوليّةِ الواضحةِ.

التهوينُ يجعلُ الإنسانَ يعيشُ بجوارِ حريقٍ صغيرٍ كلَّ يومٍ، ويقنعُ نفسهُ أنّهُ دفءٌ. يهوّنُ من إهانتهِ لمن يحبُّ حتّى تموتَ المحبّةُ بصمتٍ. يهوّنُ من تأجيلهِ حتّى يشيخَ مشروعهُ في المهد. يهوّنُ من عادةٍ تسرقُ انتباهَهُ حتّى يكتشفَ أنّ عمرًا كاملًا صارَ فتاتًا بين يديها. يهوّنُ من كذبةٍ صغيرةٍ حتّى تنشأَ بينهُ وبين الحقيقةِ ألفُ ستارة. إنّ معظمَ الخرابِ لا يبدأُ في صورةِ انهيارٍ هائلٍ، بل في صورةِ أشياءَ “ليست كبيرةً” تتكرّرُ حتّى تصبحَ كبيرةً جدًّا. والإنسانُ الذي يهوّنُ دائمًا لا ينجو من الألمِ، بل يفقدُ جهازَ الإنذارِ الداخليَّ الذي كان يمكنُ أن ينقذَهُ قبل أن تمتدَّ النار.

“إنّ معظمَ الخرابِ لا يبدأُ في صورةِ انهيارٍ هائلٍ، بل في صورةِ أشياءَ ليست كبيرةً تتكرّرُ حتّى تصبحَ كبيرةً جدًّا.”

ومن الحيلِ التي تبدو أخلاقيّةً في ظاهرها تضخيمُ أخطاءِ الآخرين. حين يعجزُ الإنسانُ عن احتمالِ خطئهِ، يفتّشُ عن خطأٍ أكبرَ عند غيرهِ؛ لا ليطلبَ العدلَ، بل ليخفّفَ وطأةَ الذنبِ عن نفسه. كأنّهُ يقولُ في سرّهِ: نعم، أخطأتُ، لكن انظروا إلى فلان، خطؤهُ أعظمُ. أو: لماذا تذكرون تقصيري وتنسون فسادَ غيري؟ وليس في مقارنةِ الأخطاءِ دائمًا باطلٌ، فقد يكونُ السياقُ مهمًّا، وقد يكونُ كشفُ الظلمِ واجبًا. لكنّ المشكلةَ حين يتحوّلُ خطأُ الآخرين إلى مخدّرٍ لضميرِ الإنسان، لا إلى معيارٍ للعدل. بعضُ الناسِ لا يطلبون الحقيقةَ حين يفضحون الآخرين، بل يطلبون تخفيضَ العقوبةِ عن أنفسهم. إنّهم لا يريدون أن ينطفئَ الباطلُ في كلِّ مكانٍ، بل يريدون أن تبدوَ عتمتُهم أقلَّ سوادًا بجوارِ عتمةٍ أشدّ.

وهذه الحيلةُ خطيرةٌ لأنّها تمنحُ صاحبَها لذّةً مزدوجةً؛ لذّةَ الهروبِ من النفسِ، ولذّةَ التفوّقِ الأخلاقيِّ على غيره. بدل أن يقولَ: ماذا فعلتُ أنا؟ يقولُ: انظروا ماذا فعلوا هم. بدل أن يرمّمَ بيتَهُ، يقفُ عند نوافذِ البيوتِ الأخرى يعدّدُ شقوقَها. ومع الوقتِ يصبحُ بارعًا في النقدِ، فاشلًا في التوبة؛ حاضرًا في محاكمِ الآخرين، غائبًا عن محكمةِ نفسه. والإنسانُ الذي يقضي عمرَهُ في تضخيمِ أخطاءِ غيرهِ قد يكتسبُ عينًا حادّةً، لكنّهُ يفقدُ قلبًا شجاعًا. يرى القذى في عيونِ الناس، لا لأنّهُ لا يوجدُ قذى، بل لأنّهُ يخافُ من الجذعِ القائمِ في عينهِ.

ثمّ يأتي الهروبُ إلى الانشغالِ، وهو دفاعٌ محبوبٌ عند العصرِ الحديث، لأنّ المجتمعَ كثيرًا ما يمدحُهُ ويصفّقُ له. لا أحدَ يسألُ الإنسانَ المشغولَ جدًّا: ممّ تهرب؟ بل يقالُ له غالبًا: أنتَ ناجحٌ، منتجٌ، طموحٌ، مطلوبٌ، واسعُ العلاقاتِ، كثيرُ المشاريع. غير أنّ الانشغالَ قد يكونُ عملًا شريفًا، وقد يكونُ ستارًا وجوديًّا. يصبحُ دفاعًا نفسيًّا حين يستخدمُهُ الإنسانُ كي لا يسمعَ صوتَهُ الداخليَّ. كلّما لاحَ سؤالٌ مؤلمٌ فتحَ مشروعًا جديدًا، أو شاشةً جديدةً، أو حديثًا طويلًا، أو سفرًا، أو علاقةً، أو معركةً جانبيّةً، أو هدفًا متلاحقًا. لا يهدأُ لأنّهُ لو هدأَ لتكلّمتِ الأشياءُ التي تركَها في الداخلِ بلا جواب. إنّهُ يشبهُ رجلًا يرفعُ صوتَ المذياعِ كلّما سمعَ أنينًا من غرفةٍ مغلقةٍ في بيتهِ.

وهنا يتخفّى الهروبُ في ثيابٍ محترمةٍ. قد يهربُ الإنسانُ إلى العملِ من فشلِ علاقتهِ، وإلى خدمةِ الناسِ من عجزهِ عن مواجهةِ نفسهِ، وإلى الجدلِ الفكريِّ من جرحٍ شخصيٍّ لم يعالجهُ، وإلى النشاطِ الاجتماعيّ من وحدةٍ لا يحتملُها، وإلى السفرِ من فراغٍ لا يريدُ أن يسمّيه، وإلى العبادةِ الظاهرةِ أحيانًا من حسابٍ داخليٍّ لم يكتمل. وليس المقصودُ أنّ كلَّ عملٍ أو نشاطٍ أو سفرٍ أو علاقةٍ هروبٌ، فهذا ظلمٌ للمعاني. لكن المقصودَ أنّ الفعلَ الواحدَ قد يحملُ نيّةً مختلفةً؛ وقد يكونُ البناءُ الحقيقيُّ بناءً، وقد يكونُ بناءَ جدارٍ جديدٍ بين الإنسانِ ونفسهِ. والفرقُ يظهرُ في لحظةِ الصمتِ: هل يعودُ الإنسانُ من انشغالهِ أكثرَ صدقًا واتزانًا، أم يعودُ أكثرَ خوفًا من أن يتوقّفَ؟

ومن أخطرِ الدفاعاتِ صناعةُ صورةٍ بديلةٍ عن الذات. هنا لا يكتفي الإنسانُ بإخفاءِ حقيقتهِ، بل يبني شخصيّةً كاملةً يعيشُ داخلها كما يعيشُ الممثّلُ في دورٍ طالَ حتّى نسيَ وجهَهُ الأصليَّ. قد يصنعُ صورةَ المصلحِ الذي يهربُ من فسادٍ داخليٍّ لم يجرؤْ على مواجهتهِ. أو الواعظِ الذي يتقنُ خطابَ الاعترافِ للناسِ ولا يطيقُ أن يعترفَ لنفسهِ. أو المثقّفِ الذي يحوّلُ عجزَهُ العمليَّ إلى تنظيرٍ فخمٍ عن تعقيدِ الواقع. أو الزاهدِ الذي يجعلُ زهدَهُ ستارًا لكبرٍ خفيٍّ، فيحتقرُ الناسَ باسمِ التعالي عن الدنيا. أو الضحيّةِ الدائمةِ التي تستخدمُ ألمَها لإلغاءِ مسؤوليّتها، فتجعلُ كلَّ خطأٍ جديدٍ امتدادًا لجراحٍ قديمةٍ لا يُسمَحُ لأحدٍ أن يناقشَها. هذه الصورُ البديلةُ ليست أكاذيبَ سطحيّةً، بل أقنعةٌ نمت عليها ملامحُ الإنسانِ حتّى صارت جزءًا من وجههِ الاجتماعيّ.

وتكمنُ قوّةُ هذا الدفاعِ في أنّهُ يستعملُ موادَّ نبيلةً أحيانًا. الإصلاحُ قيمةٌ، والوعظُ قيمةٌ، والثقافةُ قيمةٌ، والزهدُ قيمةٌ، والألمُ الحقيقيُّ يستحقُّ الرحمةَ. لكنّ النفسَ حين تهربُ قد تختبئُ داخل القيمةِ نفسها. فتكونُ المشكلةُ لا في المبدأ، بل في استعمالهِ كقلعةٍ تمنعُ الدخولَ إلى الداخل. المصلحُ الذي لا يصلحُ نفسَهُ يتحوّلُ إصلاحهُ إلى منصّةٍ. والواعظُ الذي لا يعترفُ يتحوّلُ وعظُهُ إلى سلطةٍ. والمثقّفُ الذي لا يعملُ يتحوّلُ فكرُهُ إلى تعويضٍ. والزاهدُ المتكبّرُ يجعلُ البساطةَ لباسًا للأنا لا تحريرًا منها. والضحيّةُ التي تلغي مسؤوليّتها باسم جرحها تحوّلُ الألمَ إلى عرشٍ. وهكذا لا يكونُ القناعُ قبيحًا دائمًا؛ أحيانًا يكونُ القناعُ جميلًا جدًّا، ولذلك يصعبُ خلعُهُ.

“النّفسُ حين تهربُ قد تختبئُ داخل القيمةِ نفسها؛ فتكونُ المشكلةُ لا في المبدأ، بل في استعمالهِ كقلعةٍ تمنعُ الدخولَ إلى الداخل.”

هذه الصورُ البديلةُ تمنحُ الإنسانَ هويّةً جاهزةً تحميهِ من السؤال. فإذا قيلَ له: راجعْ نفسكَ، قال: أنا صاحبُ رسالةٍ. وإذا قيلَ له: اعترفْ بخطئكَ، قال: أنا أكثرُ من تألّم. وإذا قيلَ له: انزلْ من تنظيركَ إلى العملِ، قال: الواقعُ لا يفهمني. وإذا قيلَ له: تواضعْ، قال: أنا فقط أعرفُ قدرَ نفسي. وهكذا لا تكونُ الهويّةُ طريقًا إلى الحقيقةِ، بل حصنًا ضدّها. وما أكثرَ من لا يدافعون عن ذواتهم الحقيقيّةِ، بل عن الشخصيّةِ التي صنعوها كي لا يروها. وخلعُ هذا القناعِ مؤلمٌ جدًّا؛ لأنّ الإنسانَ لا يشعرُ أنّهُ يتركُ كذبةً، بل يشعرُ كأنّهُ يفقدُ نفسهُ. لذلك يحتاجُ الأمرُ إلى شجاعةٍ نادرةٍ: أن أميّزَ بيني وبين الدورِ الذي حماني طويلًا حتّى صار يسجنني.

ومتى تنكسرُ هذه الدفاعات؟ غالبًا لا تسقطُ بالوعظِ المباشر، لأنّ الوعظَ إذا دخلَ على نفسٍ محصّنةٍ بالدفاعاتِ تحوّلَ فورًا إلى مادّةٍ جديدةٍ للدفاع. من ينكرُ سيقولُ: هذا لا ينطبقُ عليّ. ومن يُسقِطُ سيقولُ: بل أنتم كذلك. ومن يهوّنُ سيقولُ: تبالغون. ومن يصنعُ صورةً بديلةً سيجعلُ النصَّ دليلًا على صدقهِ لا مرآةً لخللهِ. لذلك كثيرًا ما تنكسرُ الدفاعاتُ عند صدمةٍ لا تستطيعُ اللغةُ القديمةُ احتواءَها: خسارةٍ فادحةٍ، فشلٍ يتكرّرُ حتّى لا يعودَ قابلًا للتجميلِ، مرضٍ يعرّي هشاشةَ الجسدِ، فراقٍ يكشفُ ما كان الإنسانُ يؤجّلهُ، انكشافٍ عامٍّ، انهيارِ علاقةٍ، أو لحظةِ صدقٍ نادرةٍ تأتي بلا موعدٍ، كبرقٍ يضيءُ الغرفةَ كلَّها في ثانيةٍ واحدةٍ. عندها يرى الإنسانُ، ولو للحظةٍ، ما كان يدفعهُ خارجَ وعيهِ سنواتٍ طويلةً.

لكنّ الحكيمَ لا ينتظرُ الكارثةَ كي يرى نفسَهُ. من علاماتِ النضجِ أن يبادرَ الإنسانُ إلى تفكيكِ دفاعاتهِ برفقٍ وحزمٍ، قبل أن تهدمَها الحياةُ فوق رأسهِ. أن يتعلّمَ الإصغاءَ إلى الملاحظاتِ التي تضايقُهُ، فقد يكونُ الضيقُ دليلَ قربها من موضعٍ حسّاسٍ. أن يراقبَ الأعذارَ التي يكرّرُها، فقد تكونُ بابًا إلى نمطٍ خفيٍّ. أن يسألَ نفسهُ: ما الحقيقةُ التي أغضبُ كلّما اقتربَ منها أحد؟ ما العيبُ الذي أراهُ كثيرًا في الآخرين؟ ما الشيءُ الذي أهوّنُ منه دائمًا؟ ما الخطأُ الذي أبرّرهُ باسمِ الجرح؟ ما الدورُ الذي لا أستطيعُ التخلّي عنه؟ هذه الأسئلةُ لا تُطرحُ لجلدِ الذاتِ، بل لتحريرِها من الحرّاسِ الذين زادوا في حراستها حتّى منعوا عنها الهواء.

ولا يمكنُ تفكيكُ الدفاعاتِ النّفسيّةِ بالقسوةِ وحدها، لأنّ القسوةَ تزيدُ النفسَ خوفًا فتضاعفُ دفاعاتِها. ولا يمكنُ تفكيكُها بالتدليلِ وحدهُ، لأنّ التدليلَ يمنحُ الدفاعاتِ إقامةً دائمةً. الطريقُ الأعدلُ هو الصدقُ الرحيمُ؛ أن نمنحَ النفسَ أمانًا كافيًا لترى، وصرامةً كافيةً لتتغيّرَ. فالذي يخافُ من الحقيقةِ يحتاجُ أوّلًا أن يعرفَ أنّ الاعترافَ لن يلغيَ قيمتَهُ، وأنّ الخطأَ لا يعني أنّهُ خطأٌ كلُّهُ، وأنّ القناعَ كان يحميهِ يومًا لكنّهُ لم يعد يصلحُ بيتًا. ثمّ يحتاجُ أن يسمعَ بوضوحٍ أنّ استمرارَ القناعِ خيانةٌ للنموّ، وأنّ الألمَ المؤجّلَ لا يزولُ، وأنّ من يحمي الوهمَ اليومَ يدفعُ ثمنَهُ غدًا من عمرهِ وعلاقاتهِ وطمأنينتهِ. الرحمةُ تفتحُ البابَ، والصدقُ يمنعُ الإنسانَ من النومِ على العتبةِ.

“الرحمةُ تفتحُ البابَ، والصدقُ يمنعُ الإنسانَ من النومِ على العتبةِ.”

ومن هنا تظهرُ قيمةُ الصحبةِ الصادقةِ، والمعلّمِ الصادقِ، والعلاقةِ التي تمنحُ أمانًا دون أن تتحوّلَ إلى تصفيقٍ. الإنسانُ وحدهُ قد يخدعُ نفسَهُ طويلًا، ولذلك يحتاجُ أحيانًا إلى عينٍ رحيمةٍ لا تنخدعُ بأقنعتهِ، وإلى صوتٍ لا يفضحُهُ للتشفّي بل يكشفُهُ للنجاةِ. لكنّ مثلَ هذه الصحبةِ نادرةٌ؛ لأنّ معظمَ الناسِ إمّا يجاملون حتّى يتركوكَ في وهمكَ، أو يهاجمون حتّى تزيدَ دفاعَكَ. أمّا الصادقُ الحكيمُ فيعرفُ كيف يقولُ لك: أراكَ، ولا أكرهكَ؛ هذا عيبُكَ، وليس نهايتَكَ؛ هذا قناعُكَ، وليس وجهَكَ؛ هذا دفاعُكَ، وقد حماكَ زمنًا، لكنّهُ اليومَ يمنعُكَ أن تكبرَ. مثلُ هذا الصوتِ قد يكونُ نعمةً من نعمِ اللهِ على النفسِ، لأنّهُ يساعدُها أن تخرجَ من سردابها دون أن تشعرَ أنّها تُساقُ إلى المشنقةِ.

ومع ذلك تبقى المسؤوليّةُ الأخيرةُ على الإنسانِ نفسِهِ. فلا أحدَ يستطيعُ أن يخلعَ عنهُ دفاعاتهِ إن كان قد جعلَها عقيدتَهُ. قد يأتيهِ الناصحُ، والكتابُ، والتجربةُ، والصدمةُ، والمرضُ، والفشلُ، وتكرارُ النتيجةِ نفسها، ثمّ يظلُّ قادرًا على صناعةِ تفسيرٍ جديدٍ يحمي الوهمَ. النّفسُ بارعةٌ في النجاةِ من الأدلّةِ إذا كانت لا تريدُ الحقيقةَ. ولذلك كان الصدقُ مع الذاتِ قرارًا روحيًّا قبل أن يكونَ مهارةً تحليليّةً. أن يريدَ الإنسانُ أن يرى، ولو أوجعتْهُ الرؤيةُ. أن يفضّلَ حقيقةً تهدمُ قناعَهُ على كذبةٍ تحافظُ على زينتهِ. أن يقولَ لدفاعاتهِ: شكرًا لأنّكم حميتموني يومًا، لكنّكم اليومَ تمنعونني من الحياةِ.

وعليه، فإنّ آليّاتِ الدفاعِ النّفسيِّ تشبهُ حرّاسًا وُضِعُوا أوّلَ الأمرِ على أبوابِ النفسِ كي لا يقتحمَها الألمُ دفعةً واحدةً، ثمّ طالَ بهم المقامُ حتّى صاروا يمنعون عنها الحقيقةَ نفسَها. الإنكارُ يغلقُ البابَ، والإسقاطُ يرمي الظلَّ على وجوهِ الآخرين، والكبتُ يدفنُ الشبحَ في القبو، والتهوينُ يصغّرُ النارَ حتّى ينامَ أهلُ البيتِ قربَها، وتضخيمُ أخطاءِ الآخرين يحوّلُ محكمةَ النفسِ إلى محكمةٍ للناس، والانشغالُ يرفعُ الضجيجَ فوق صوتِ الجرح، وصناعةُ الصورةِ البديلةِ تمنحُ الإنسانَ قناعًا جميلًا يختنقُ تحتهُ ببطءٍ. وكلُّها قد تبدأُ حمايةً، لكنّها إن طالتْ صارت تعطيلًا؛ وقد تبدأُ رحمةً مؤقّتةً، لكنّها إن استقرّت صارت سجنًا.

إنّ النفسَ التي تحتمي من الحقيقةِ لا تنجو، بل تؤجّلُ انهيارَها. وما لم يتحوّلِ الدفاعُ إلى وعيٍ، صار الوهمُ بيتًا، وصارت النفسُ حارسةً لسجنها، تلمّعُ قضبانَهُ كلَّ صباحٍ وتظنُّهُ نافذةً. وليس الشفاءُ أن يهدمَ الإنسانُ دفاعاتهِ بعنفٍ حتّى يتركَ نفسهُ عاريةً للبردِ، بل أن يفتحَ فيها بابًا للضوءِ، وأن يميّزَ بين الحارسِ الذي يحميهِ من الانهيارِ والحارسِ الذي يمنعُهُ من الخروجِ. فإذا استطاعَ أن يقولَ: كنتُ أنكرُ، كنتُ أُسقِطُ، كنتُ أدفنُ، كنتُ أهوّنُ، كنتُ أضخّمُ أخطاءَ غيري، كنتُ أهربُ إلى الانشغالِ، كنتُ أعيشُ في صورةٍ بديلةٍ؛ إذا استطاعَ أن يقولَ ذلك دون أن يفنيَ نفسهُ خجلًا، ودون أن يبرّئَها كذبًا، فقد بدأَ أوّلَ الصدقِ. ومن بدأَ الصدقَ لم تسقطْ أوهامُهُ كلُّها في يومٍ واحدٍ، لكنّها لم تعد مملكةً مطلقةً؛ صار في جدارِها شقٌّ يدخلُ منه النورُ، والنورُ إذا دخلَ بيتَ النفسِ مرّةً صار الظلامُ فيه مضطرًّا إلى التراجعِ، ولو ببطءٍ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى