معارج الانضباط نحو سيادة الروح
فِي غَيَاهِبِ التَّكْوِينِ الرُّوحِيِّ العَمِيقِ، حِينَ تَصْطَفُّ جُمُوعُ البَشَرِ عَلَى مَوَائِدِ العَادِيِّ المُسْتَهْلَكِ، وَتَتَسَابَقُ الأَيْدِي المُعْتَلَّةُ إِلَى قَطْفِ ثِمَارِ الوَهْمِ الرَّخِيصَةِ، تَقِفُ أَرْوَاحٌ عُلْوِيَّةُ النَّسَبِ، أَرُسْتُقْرَاطِيَّةُ الخَفَقَاتِ، تَأْبَى أَنْ تَشْرَبَ مِنْ كَأْسِ الرَّدَاءَةِ، أَوْ أَنْ تَتَوَسَّدَ غُبَارَ الهَامِشِ العَبَثِيِّ، أَوْ أَنْ تَسْتَأْجِرَ مَكَانَتَهَا مِنْ أَلْسِنَةِ العَابِرِينَ. هُنَاكَ، فِي ذُرْوَةِ ذَلِكَ التَّجَلِّي الاسْتِثْنَائِيِّ المَهِيبِ، لَا تَهْبِطُ الهَيْبَةُ مَنًّا مَجَّانِيًّا تُلْقِيهِ سَمَاءُ الصُّدَفِ عَلَى كَاهِلِ غَافِلٍ، وَلَا تُشْتَرَى بِأَوْسِمَةِ الزَّيْفِ النُّحَاسِيَّةِ الَّتِي تَتَقَلَّدُهَا صُدُورُ الفَرَاغِ، بَلْ تُنْحَتُ نَحْتًا فِي صَخْرَةِ المُكَابَدَةِ، وَتُشَيَّدُ شَيْدًا فِي أَعْمَاقِ النَّفْسِ، وَتُكْتَبُ بِمِدَادِ الأَعْصَابِ المَشْدُودَةِ إِلَى أُفُقِ المُطْلَقِ.
إِنَّهَا صِنَاعَةٌ كَوْنِيَّةٌ شَاقَّةٌ، وَهَنْدَسَةٌ دَاخِلِيَّةٌ مُعَقَّدَةٌ، وَمَلْحَمَةٌ شَخْصِيَّةٌ لَا يَقْوَى عَلَيْهَا إِلَّا مَنْ قَبِلَ أَنْ يُعِيدَ تَشْكِيلَ وُجُودِهِ مِنْ صِفْرِ العَدَمِ، نَاحِتًا تِمْثَالَ مَجْدِهِ الخَاصِّ مِنْ صَخْرَةِ الوَاقِعِ الأَصَمِّ، بِإِزْمِيلِ اليَقِينِ وَمِطْرَقَةِ الصَّبْرِ وَمِيزَانِ الكَرَامَةِ. وَحِينَ تَبْلُغُ النَّفْسُ هَذَا المَقَامَ، لَا تَعُودُ كَائِنًا يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ فَحَسْبُ، بَلْ تَغْدُو آيَةً بَيَانِيَّةً تَمُرُّ فِي المَشْهَدِ جَلَالًا؛ تَسْبِقُهَا رَهْبَتُهَا كَرِيحٍ حَاسِمَةٍ عَلَى أَعْدَاءِ الرُّقِيِّ، وَيَتْبَعُهَا نُورُهَا كَشَمْسٍ بَكْرٍ لَا تَعْرِفُ المَغِيبَ.
وَأَوَّلُ مَعَارِجِ هَذَا الصُّعُودِ المَهِيبِ يَبْدَأُ مِنْ مِحْرَابِ الانْضِبَاطِ؛ ذَلِكَ النَّامُوسِ الصَّارِمِ الَّذِي يُمَزِّقُ عَبَاءَةَ الفَوْضَى، وَيَصْقُلُ خَشَبَةَ الطَّيْشِ، وَيُحَوِّلُ النَّزَوَاتِ المُتَنَاثِرَةَ إِلَى سَهْمٍ وَاحِدٍ يُصِيبُ قَلْبَ الغَايَةِ. فَالانْضِبَاطُ فِي عُرْفِ السَّادَةِ لَيْسَ قَيْدًا ثَقِيلًا يَخْنُقُ حُرِّيَّةَ الكِيَانِ، بَلْ هُوَ شِرَاعُ الخَلَاصِ الَّذِي يُوَجِّهُ سَفِينَةَ الرُّوحِ فِي خِضَمِّ تَلَاطُمِ المُشَتِّتَاتِ. بِهِ تَقِفُ النَّفْسُ أَمَامَ مِرْآةِ رَغَبَاتِهَا المَحْمُومَةِ، شَاهِرَةً سَيْفَ الإِرَادَةِ البَتَّارِ، لِتُقَلِّمَ أَظَافِرَ الشَّهَوَاتِ العَابِرَةِ، وَتَكْشِطَ زَوَائِدَ المَيْلِ العَبَثِيِّ الَّذِي يَسْتَنْزِفُ أَعْمَارَ الدَّهْمَاءِ فِي مَسَالِكِ اللَّامَعْنَى.
هُنَاكَ تَتَرَوَّضُ النَّبْضَةُ، وَتَتَهَذَّبُ اللَّفْتَةُ، وَتَتَعَلَّمُ الجَوَارِحُ أَدَبَ الانْتِمَاءِ إِلَى الغَايَةِ. فَلَا تَبْقَى الخُطْوَةُ مُجَرَّدَ حَرَكَةٍ فِي الفَرَاغِ، بَلْ تَصِيرُ مَوْقِفًا مَحْسُوبًا بِمِيزَانِ الذَّهَبِ، وَلَا تَبْقَى الرَّغْبَةُ نَارًا تَعْبَثُ بِالهَشِيمِ، بَلْ تَغْدُو جَمْرَةً مُؤَدَّبَةً فِي مَوْقِدِ المَشْرُوعِ الأَعْلَى. وَفِي أَتُونِ هَذَا الرَّبْطِ الحَازِمِ بَيْنَ النَّبْضَةِ التَّائِهَةِ وَالفِكْرَةِ الرَّاسِخَةِ، تَتَحَوَّلُ الجَوَارِحُ كُلُّهَا إِلَى جَيْشٍ طَائِعٍ يَقُودُهُ عَقْلٌ حَصِيفٌ، لَا تُلْهِيهِ سَوَاقِطُ الطَّرِيقِ، وَلَا تُغْرِيهِ بَهْرَجَةُ المَحَطَّاتِ المُزَيَّفَةِ، وَلَا تَسْتَفِزُّهُ لَذَّةٌ عَابِرَةٌ إِذَا كَانَ فِي انْقِيَادِهِ لَهَا خِيَانَةٌ لِلمَقَامِ.
ثُمَّ تَلْتَحِفُ هَذِهِ النَّفْسُ، بَعْدَ أَنْ أَتْقَنَتْ حُكْمَ إِمْبِرَاطُورِيَّتِهَا الدَّاخِلِيَّةِ، بِبُرْدَةِ الصِّدْقِ المُرْعِبِ فِي جَلَالِهِ؛ وَهُوَ صِدْقٌ يَتَجَاوَزُ مُجَرَّدَ مُطَابَقَةِ اللِّسَانِ لِلحَدَثِ، لِيَبْلُغَ حَالَةً مِنَ التَّجَرُّدِ الوُجُودِيِّ أَمَامَ مَحْكَمَةِ الحَقِيقَةِ. الصِّدْقُ فِي هَذَا المَقَامِ لَيْسَ فَضِيلَةً هَادِئَةً تُعَلَّقُ عَلَى جِدَارِ السُّلُوكِ، بَلْ انْعِتَاقٌ كُلِّيٌّ مِنْ أَقْنِعَةِ المُدَاهَنَةِ، وَتَحَرُّرٌ جَذْرِيٌّ مِنْ بُهْتَانِ المُجَامَلَاتِ اللَّزِجَةِ الَّتِي يَعْتَاشُ عَلَى فُتَاتِهَا قِصَارُ القَامَاتِ. إِنَّهُ نَقَاءٌ قَاسٍ، وَشَفَافِيَّةٌ لَا تُجَامِلُ العَتَمَةَ، وَوُقُوفٌ عَارِي الصَّدْرِ فِي كَبِدِ الشَّمْسِ، حَيْثُ لَا يُمْكِنُ لِلطِّلَاءِ أَنْ يَصْمُدَ، وَلَا لِلقِنَاعِ أَنْ يَسْتُرَ تَشَقُّقَ الوَجْهِ.
بِهَذَا الصِّدْقِ تَخْلُقُ النَّفْسُ مِهَابَتَهَا القَاهِرَةَ؛ إِذْ لَا شَيْءَ يُخِيفُ الكَائِنَاتِ المُتَلَوِّنَةَ قَدْرَ مِثُولِ كِيَانٍ لَا يَخْشَى حَقِيقَتَهُ، وَلَا يَفْزَعُ مِنْ ظِلِّهِ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى مَسْرَحٍ لِيُثْبِتَ أَنَّهُ مَوْجُودٌ. فَالصَّادِقُ العَمِيقُ لَا يَتَكَلَّمُ كَيْ يَنْجُوَ، بَلْ يَتَكَلَّمُ كَيْ لَا تَنْجُوَ الأَكْذُوبَةُ مِنْ نُورِهِ. وَحِينَ يَحْضُرُ، يَسْقُطُ عَنْ وُجُوهِ المُنَافِقِينَ طِلَاؤُهُمُ المُتَشَقِّقُ دُونَ أَنْ يَمُدَّ يَدَهُ إِلَيْهِمْ؛ فَمُجَرَّدُ حُضُورِ الحَقِيقَةِ مِقْصَلَةٌ لِرُؤُوسِ الزَّيْفِ، وَمُجَرَّدُ انْتِصَابِ النُّورِ فَضِيحَةٌ لِلظِّلَالِ.
وَمَا كَانَ لِهَذَا الصَّرْحِ أَنْ يَرْتَفِعَ إِلَى مَدَارَاتِ الخُلُودِ لَوْلَا جُذُورُ الثَّبَاتِ الَّتِي تَضْرِبُ فِي أَعْمَاقِ اليَقِينِ. فَفِي اللَّحَظَاتِ المَفْصِلِيَّةِ الَّتِي تَمِيدُ فِيهَا الأَرْضُ مِنْ تَحْتِ أَقْدَامِ الرَّعْدِيدِ، وَتَتَكَالَبُ عَوَاصِفُ التَّهْمِيشِ وَرِيَاحُ الإِنْكَارِ لِتَقْتَلِعَ شَجَرَةَ الأَمَانِي، تَنْتَصِبُ الرُّوحُ السِّيَادِيَّةُ كَطَوْدٍ أَخَذَ مَقَاسَاتِهِ مِنْ وَتَدِ السَّمَاءِ، لَا تَلْوِيهِ عَوَاصِفُ الفِتَنِ، وَلَا تُزَلْزِلُهُ مَعَاوِلُ الخِذْلَانِ، وَلَا تَصْرِفُهُ وَحْشَةُ الطَّرِيقِ عَنْ وِجْهَتِهِ.
الثَّبَاتُ هُنَا لَيْسَ جُمُودَ الحَجَرِ الأَبْكَمِ، وَلَا بَلَادَةَ الحِسِّ حِينَ يَفْقِدُ قُدْرَتَهُ عَلَى الِاسْتِجَابَةِ، بَلْ هُوَ مُرُونَةُ الفُولَاذِ الدِّمَشْقِيِّ؛ يَتَلَقَّى ضَرَبَاتِ المَطَارِقِ عَلَى سِنْدَانِ الأَيَّامِ، فَلَا يَزْدَادُ بِهَا إِلَّا صَلَابَةً وَلَمَعَانًا. فِي لُجَّةِ الأَحْدَاثِ الدَّامِيَةِ الَّتِي تُسْقِطُ أَدْعِيَاءَ القُوَّةِ صَرْعَى عَلَى أَرْصِفَةِ الحَيْرَةِ، يَبْقَى صَاحِبُ الهَيْبَةِ مُتَبَتِّلًا فِي مِحْرَابِ ذَاتِهِ، مَاسِكًا بِجَمْرَةِ مَبْدَئِهِ اللَّاهِبَةِ حَتَّى تَفُوحَ مِنْهَا رَائِحَةُ احْتِرَاقِهِ المَجِيدِ. كُلَّمَا اشْتَدَّ حُلْكُ الظَّلَامِ فِي دُرُوبِهِ، انْبَجَسَ مِنْ صَدْرِهِ نُورٌ ذَاتِيٌّ يَعْصِمُ قَدَمَهُ مِنَ السُّقُوطِ، وَكُلَّمَا عَزَّ النَّصِيرُ وَنَكَصَ الرِّفَاقُ، اتَّخَذَ مِنْ ذَاتِهِ الوَافِيَةِ جَيْشًا يَفْتَحُ بِهِ قِلَاعَ المُسْتَحِيلِ.
وَمِنْ رَحِمِ هَذَا الِاحْتِرَاقِ الصَّامِدِ، وَمِنْ بَيْنِ شُقُوقِ التَّجْرِبَةِ القَاسِيَةِ، يَتَفَتَّقُ بَرْعَمُ الحِكْمَةِ، لِيُتَوِّجَ مَسِيرَةَ النَّفْسِ بِتَاجِ البَصِيرَةِ النَّافِذَةِ. وَالحِكْمَةُ المَنْشُودَةُ لَيْسَتْ حَصِيلَةً مَعْرِفِيَّةً بَارِدَةً تُكَدَّسُ بَيْنَ دَفَّتَيْ كِتَابٍ، وَلَا صَفْصَفَةَ عِبَارَاتٍ تُلْقَى فِي صَالُونَاتِ التَّنْظِيرِ الأَجْوَفِ، بَلْ هِيَ الإِكْسِيرُ الذَّهَبِيُّ المُسْتَخْلَصُ مِنْ قَطَرَاتِ الدَّمْعِ وَالدَّمِ، مِنْ سُمُومِ الخَيْبَاتِ القَاتِلَةِ وَرَحِيقِ الانْتِصَارَاتِ العَصِيَّةِ مَعًا. هِيَ العَيْنُ النَّسْرِيَّةُ الَّتِي تَرْمُقُ خَرَائِطَ المَشْهَدِ مِنْ شَوَاهِقِ الرُّؤْيَةِ، فَتَقْرَأُ مَا يُضْمِرُهُ القَوْلُ فِي رَجْفَةِ نَبْرَتِهِ، وَمَا يُخْفِيهِ الوَجْهُ فِي تَرَدُّدِ مَلَامِحِهِ، وَمَا تُبَيِّتُهُ النَّفْسُ فِي ظِلِّ سُكُونِهَا المُرْتَبِكِ.
بِهَذِهِ الحِكْمَةِ، تُهَنْدِسُ الرُّوحُ فِيزْيَاءَ هَيْبَتِهَا عَبْرَ إِتْقَانِ فَنِّ المَسَافَاتِ؛ تَعْرِفُ بِمِقْدَارِ شَعْرَةٍ مَتَى تَدْنُو لِتُدْفِئَ بِمَوَدَّتِهَا قَلْبًا مَكْلُومًا يَسْتَحِقُّ العَنَاءَ، وَمَتَى تَنْأَى سِنِينَ ضَوْئِيَّةً، لِتَلْتَفَّ بِعَبَاءَةِ الغُمُوضِ المُوَقَّرِ حِينَ يَسْتَشْرِي طُوفَانُ الثَّرْثَرَةِ فِي أَسْوَاقِ البَشَرِ. وَالصَّمْتُ فِي قَامُوسِ هَذِهِ الحِكْمَةِ لَيْسَ غِيَابًا هَزِيلًا لِلُّغَةِ، بَلْ هُوَ أَبْلَغُ حُضُورٍ لِبَلَاغَةِ الِاسْتِغْنَاءِ؛ حَيْثُ تَنْطِقُ مَلَامِحُ الوَقَارِ بِمَا تَعْجِزُ عَنْ حَمْلِهِ قَرَاطِيسُ البَيَانِ، وَيَغْدُو الحُضُورُ الصَّامِتُ قَصِيدَةً مُعَلَّقَةً بِأَحْرُفٍ مِنْ نَارٍ وَنُورٍ عَلَى جُدْرَانِ الرُّوحِ.
وَلِأَنَّ هَذِهِ الهَيْبَةَ المَنْحُوتَةَ فِي الصَّخْرِ لَيْسَتْ طَيْفًا أَخْرَسَ يَتَوَارَى خَلْفَ سُتُرِ الكِتْمَانِ الدَّائِمِ، فَإِنَّهَا تَتَجَلَّى فِي أَسْمَى طُقُوسِهَا حِينَ تَنْطِقُ. عِنْدَئِذٍ تَغْدُو اللُّغَةُ بَيْنَ يَدَيْهَا طِينَةً خَلْقِيَّةً طَيِّعَةً، تُصَاغُ مِنْهَا بَوَاذِخُ القَوْلِ وَفَرَائِدُ المَعَانِي. فَالنَّفْسُ السِّيَادِيَّةُ لَا تَلُوكُ الكَلِمَاتِ المُبْتَذَلَةَ الَّتِي شَاخَتْ فِي أَشْدَاقِ العَامَّةِ، وَلَا تَسْتَعِيرُ مُعْجَمَهَا مِنْ أَرْصِفَةِ التَّكْرَارِ، بَلْ تَنْتَقِي حُرُوفَهَا مِنِ انْبِجَاسَاتِ الضَّوْءِ الأَوَّلِ، وَتَنْقُشُهَا بِنَبْرَةِ العَارِفِ بِأَنَّ الكَلِمَةَ الحَقَّةَ دَمٌ يَسْرِي فِي أَوْرِدَةِ الخُلُودِ.
فِي هَذَا الفَيْضِ التَّكْثِيفِيِّ، تَتَحَوَّلُ الصُّوَرُ المَجَازِيَّةُ إِلَى كَائِنَاتٍ حَيَّةٍ؛ لَهَا أَجْنِحَةٌ تُحَلِّقُ بِالعُقُولِ نَحْوَ مَا وَرَاءَ المُمْكِنِ، وَلَهَا أَنْيَابٌ تَفْتَرِسُ التَّفَاهَةَ قَبْلَ أَنْ تَهْبِطَ عَلَى مَائِدَةِ الذَّائِقَةِ. وَهَكَذَا يَصِيرُ البَيَانُ الفَارِهُ سَيْفًا مَسْلُولًا يَذُودُ عَنْ حِمَى الإِمْبِرَاطُورِيَّةِ الفِكْرِيَّةِ النَّادِرَةِ، مُدْمِجًا جَزَالَةَ الأَصَالَةِ العَتِيقَةِ بِسُيُولَةِ الخَيَالِ الحَدِيثِ فِي نَسِيجٍ عُضْوِيٍّ يُبْهِرُ العُقُولَ، وَيَخْطَفُ الأَلْبَابَ، وَيُعِيدُ إِلَى اللُّغَةِ شَرَفَهَا بَعْدَ أَنْ أَنْهَكَتْهَا أَفْوَاهُ المُسْتَنْسِخِينَ.
حَتَّى إِذَا اكْتَمَلَتْ بِنْيَةُ هَذِهِ الأَرْكَانِ، وَاسْتَوَى البُنْيَانُ عَلَى سُوقِهِ، تَتَرَبَّعُ النَّفْسُ فِي النِّهَايَةِ عَلَى عَرْشِ الِاسْتِقْلَالِ السِّيَادِيِّ، لِتُعْلِنَ مِيلَادَ إِمْبِرَاطُورِيَّتِهَا الحُرَّةِ، العَصِيَّةِ عَلَى الِاحْتِوَاءِ وَالتَّدْجِينِ. وَالِاسْتِقْلَالُ فِي هَذِهِ المَرْتَبَةِ لَيْسَ انْفِصَالًا يَتِيمًا عَنِ الخَلْقِ، وَلَا انْطِوَاءً مَرِيضًا يَخْشَى المُوَاجَهَةَ، بَلْ هُوَ الذُّرْوَةُ المُتَأَلِّقَةُ لِلِاكْتِفَاءِ الرُّوحِيِّ وَالفِكْرِيِّ. هِيَ نَفْسٌ قَدْ قَطَعَتْ بِنَصْلِ حِكْمَتِهَا كُلَّ الحِبَالِ السِّرِّيَّةِ الَّتِي تَرْبِطُهَا بِمَرَاسِي التَّبَعِيَّةِ، فَلَا تَسْتَجْدِي جُذُورَ وُجُودِهَا مِنْ مَرَايَا النَّاسِ المُعْتِمَةِ، وَلَا تَنْتَظِرُ التَّعْمِيدَ بِمَاءِ الرِّضَا فِي مَعَابِدِ المَدْحِ المَوْسِمِيِّ.
لَقَدْ شَيَّدَتْ هَذِهِ الرُّوحُ فِي أَعْمَاقِهَا وَطَنًا أَكْبَرَ مِنَ الوَاقِعِ؛ سَمَاؤُهُ الفِكْرُ الرَّحِيبُ، وَتُرَابُهُ الإِبْدَاعُ الجَامِحُ، وَهَوَاؤُهُ الأَنَفَةُ البَاذِخَةُ الَّتِي لَا تَعْرِفُ مَعْنَى الِانْحِنَاءِ إِلَّا فِي مِحْرَابِ الجَلَالِ الأَعْظَمِ. وَحِينَ تَسْتَقِلُّ هَذِهِ الرُّوحُ اعْتِقَادًا وَجَمَالًا، تَتَوَقَّفُ عَنِ الدَّوَرَانِ فِي أَفْلَاكِ الكَوَاكِبِ البَاهِتَةِ، وَتَتَحَوَّلُ هِيَ بِذَاتِهَا إِلَى شَمْسٍ مَرْكَزِيَّةٍ، تَمْنَحُ الضِّيَاءَ وَالدِّفْءَ لِمَنْ حَوْلَهَا دُونَ طَمَعٍ فِي رَدِّ جَمِيلٍ، وَتُعِيدُ تَعْرِيفَ الأَشْيَاءِ بِمُجَرَّدِ أَنْ تُسْقِطَ عَلَيْهَا شُعَاعَ نَظَرَتِهَا.
وَبِهَذَا المِعْرَاجِ الرُّوحِيِّ المُكَثَّفِ، مِنِ انْضِبَاطٍ يَنْحَتُ خُشُونَةَ الطِّينِ، وَصِدْقٍ يُضِيءُ دَيَاجِيرَ العَتَمَةِ، وَثَبَاتٍ يَقْهَرُ حَتْمِيَّةَ التَّآكُلِ، وَحِكْمَةٍ تَقْرَأُ مَا وَرَاءَ الأَقْنِعَةِ، وَاسْتِقْلَالٍ يُعَانِقُ أُفُقَ المُطْلَقِ، تَصْنَعُ النَّفْسُ أُسْطُورَتَهَا التَّارِيخِيَّةَ. تُصْبِحُ ذَاتُهَا حَرَمًا آمِنًا، لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا مَنْ تَطَهَّرَ بِشَرِيعَةِ الوُدِّ الصَّافِي وَالِارْتِقَاءِ الفِكْرِيِّ، وَمِحْرَابًا مَهُوبًا لَا تُرْفَعُ فِي جَنَبَاتِهِ إِلَّا صَلَوَاتُ الجَمَالِ الخَالِصِ وَمُنَاجَاةُ التَّفَرُّدِ العَزِيزِ.
هَكَذَا تَقِفُ الرُّوحُ، فِي تَمَامِ اسْتِحْقَاقِهَا، حَامِلَةً بَيْنَ جَوَانِحِهَا قَلْبًا يَصْهَرُ الحَدِيدَ بِنَبْضَاتِ كِبْرِيَائِهِ، وَعَقْلًا يَنْسُجُ خُيُوطَ الخُلُودِ عَلَى نَوْلِ الِابْتِكَارِ، فَتُفْرَضُ هَيْبَتُهَا النَّبِيلَةُ عَلَى سَجَّادَةِ التَّارِيخِ الإِنْسَانِيِّ، لَا بِسَوْطِ التَّسَلُّطِ الخَشِنِ، وَلَا بِغُرُورِ الفَرَاغِ الأَجْوَفِ، بَلْ بِسَطْوَةِ الجَمَالِ البَيَانِيِّ، وَعُمْقِ الِاسْتِغْنَاءِ الذَّاتِيِّ، وَجَلَالِ الرُّوحِ الَّتِي كُلَّمَا تَبَتَّلَتْ فِي عُزْلَتِهَا مُتَرَفِّعَةً عَنِ الدَّنَايَا، ارْتَفَعَتْ هَامَتُهَا فِي العَالَمِينَ، حَتَّى لَامَسَتْ، فِي يَقِينٍ هَادِئٍ، سِدْرَةَ المَعْنَى الَّتِي لَا يَبْلُغُهَا إِلَّا مَنْ صَانَ دَاخِلَهُ مِنَ الفَوْضَى، وَطَهَّرَ لِسَانَهُ بِالصِّدْقِ، وَثَبَتَ حِينَ مَالَتِ الجِبَالُ، وَحَكُمَ مَسَافَاتِهِ بِالحِكْمَةِ، وَاسْتَقَلَّ بِرُوحِهِ حَتَّى صَارَ وَحْدَهُ أُمَّةً مِنْ نُورٍ.
