الشعر

سجية الأبرار

أَثَابَكَ مَنْ أَقَامَكَ فِي الأَنَامِ = مِثَالا فِي الوَفَاءِ وَفِي الوِئَامِ
وَأَورَدكَ الكَرِيمُ زُلالَ نَهْرٍ = مِنَ الفِرْدَوسِ صَفْوًا وِرْدَ ظَامِي
فَأَنْتَ أَرَقُّ مَنْ صَاحَبْتُ قَلْبًا = وَأَكْرَمُ مَنْ يُبَادِرُ بِالسَّلامِ
أَرَى الإِحْسَانَ فِيكَ ثِمَارَ غَرْسٍ = تَجَذَّرَ أَصْلُهُ وَالفَرْعُ نَامِ
وَفِيكَ الطُّهْرَ فِي الإحْسَاسِ طَبْعًا = جَدِيرًا بِالثَّنَاءِ وَالاحْتِرَامِ
سِرَاجًا قَدْ أَضَأْتَ النَّاسَ حُبًّا = كَأَنَّكَ فِيهُمُ بَدْرُ التَّمَامِ
تُنَادِمُنِي الإِخَاءَ فَلَيتَ شِعْرِي = أَمِنْ دَمْعٍ أَرُدُّ أَمِ ابْتِسَامِ
كِلا الأَمْرَينِ قَدْ نَطَقَا فَقَالا = وَقَدْ صَمَتَ اللِسَانُ عَنِ الكَلامِ
أَرَادَ اللهُ لِلجَسَدِ اعْتِلالا = يُطَهِرُّهُ فَأَكْرَمَ بِالسّقَامِ
فَعَافَ النَّومَ مِنْ أَوجَاعِ قَلْبٍ = وَمِنْ أَلَمٍ تَمَكَّنَ فِي عِظَامِي
وَمَا كَانَتْ مُقَارَعَةُ الليَالِي = لِتُوهِنَ عَزْمَةَ الرَّجُلِ الهُمَامِ
وَلَولا الشَّوقُ لِلأَحْبَابِ أَضْنَى = لَمَا حَظِيَ الهُزَالُ بِالاهْتِمَامِ
لَعَمْرُكَ مَا أَصَابَ الدَّهْرُ مِنَّا = سِوَى مَا اللهُ قَدَّرَ فِي النِّظَامِ
صُرُوفًا لا تَقَرُّ عَلَى قَرَارٍ = وَحَالا لا تَسُرُّ عَلَى دَوَامِ
وَمَا الدُّنْيَا سِوَى نُطَفِ الأَمَانِي = تُجَدِّدُ مَا انْقَضَى فِي كُلِّ عَامِ
فَقَدْ تَلِدُ النَّضَارَ مِنَ المَآسِي = وَقَدْ تَلِدُ البَوَارَ مِنَ الغَمَامِ
وَقَدْ تَجْلُو بِمَا تَهَبُ الرَّزَايَا = وَقَدْ تَبْلُو فَتَرْشُقُ بِالسِّهَامِ
وَأَنْكَرُ مَا تَكُونُ الحَالُ فِيهَا = مَتَى احْتَزَبَ اللِئَامُ عَلَى الكِرَامِ
أَخِي حَسَّانُ قَدْ صَافَحْتَ قَلْبِي = بِمَدْحٍ فَاحَ مِنْ فَاءٍ وَلامِ
عَلِمْتَ بِأَنَّنِي مَا رُمْتُ يَومًا = سِوَى الرضْوَانِ مِنْ رَبِّ الأَنَامِ
وَتَعْلَمُ مَا جَنَاهُ عَلَيَّ صَحْبِي = وَأَعْلَمُ مَا تُرِيدُ مِنَ الوِئَامِ
مَقَامُكَ فَوْقَ مَا تَرْجُو وَلَكِنْ = رَأَيْتُ الحَقَّ أَعْيُنُهُ دَوَامِ
لَقَدْ جَارَ الذِي أَجْرَى ظُنُونًا = تَنَاثَرُ مِثْلَ عَطْسٍ مِنْ زُكَامِ
فَتُؤْذِي الأَنْقِيَاءَ إِلَى اتِّبَاعٍ = وَتَرْمِي الأَبْرِيَاءَ بِجُرْمِ رَامِ
يُحَدِّثُ بِالذِي هُوَ مِنْ حَدِيثِي = وَيَحْسَبُ أَنَّهُ فَمُ الاتِّهَامِ
كَمِثْلِ مُكَابِرٍ أَعْشَتْهُ شَمْسٌ = فَقَالَ: العَينُ أَبْصَرُ فِي الظَلامِ
أَبِالتَّفْرِيقِ تُرْتَادُ المَعَالِي = وَبِالتَّقْلِيدِ تُنْتَقَدُ المَرَامِي
وَمَنْ يُحْدَى بِأَذْنَابِ الأَفَاعِي = فَإِنَّ الوَكْرَ يَسْكُنُ فِي الخِتَامِ
أَنَا المَعْرُوفُ فِي الحَزْبِ اعْتِصَامًا = بِحَبْلِ اللَّهِ فِي لَيْلِ القَتَامِ
سَمَوْتُ بِفِكْرَتِي وَبَذَلْتُ نَفْسِي = لِأَرْفَعَ أُمَّتِي فَوْقَ الأَنَامِ
فَلَا جُودٌ يُقَاسُ بِجُودِ كَفِّي = وَلَا حِلْمٌ يُدَانِي حِلْمَ سَامِ
عَصِيُّ الدَّهْرِ لَا أَرْضَى هَوَانًا = وَيَشْهَدُ لِي إِبَائِي وَاحْتِدَامِي
وَمَهْمَا أَجْفَلَتْ قَلْبِي نفُوسٌ = فَإِنَّ نَفَائِسَ الدُّنْيَا أَمَامِي
أَكَارِمَ لا يُضَامُ بِهُمْ رَفِيقٌ = سَوَاءٌ أَهْلُ مِصْرَ وَأَهْلُ شَامِ
وَفِي أَرْضِ الجَزَائِرَ فِي حِجَازٍ = وَفِي يَمَنٍ وَفِي البَيتِ الحَرَامِ
وَفِي شعْبِ الكِوَيتِ وَفِي عُمَانٍ = وَفِي قَطَرٍ وَفِي دَارِ السَّلامِ
وَلِي فِي المَغْرِبِ الأَقْصَى إِخَاءٌ = وَفِي السُّودَانِ نَبْعُ الحُبِّ هَامِ
وَفِي كُلِّ البِلادِ لَنَا رِفَاقٌ = تُكِنُّ لَنَا المَحَبَّةَ بِالتِزَامِ
هُوَ المَولَى يُكَافِئُ مَنْ يُوَافِي = فَيُنْعِمُ فِي الرِّضَاعِ وفِي الفِطَامِ
فَمَا زِلْنَ الخُطُوب يَسِرْنَ إِثْرِي = وَلَكْنْ دَامَ بِاللهِ اعْتِصَامِي
وَأَنِّي فِي الحَوَادِثِ طَلْعُ نَخْلٍ = يُسَاقِطُ تَمْرَهُ وَالعِذْقُ دَامِ
وَأَنِّي مَا عَصَيتُ العَفْوَ يَوْمًا = وَلَمْ أَجْزِ الجَهُولَ بِالانْتِقَامِ
وَأَنِّي قَدْ أَهِمُّ بِلَومِ صَحْبِي = فَيَصْرِفُنِي الإِبَاءُ عَنِ المَلامِ
أُهَذِّبُ بِالوَقَارِ نُفُورَ نَفْسِي = وَأَخْطبُ مَا تُرِيدُ بِالاحْتِشَامِ
سَيَجْلُو اللَّهُ عَنْ قَلْبِي هُمُومًا = وَيَبْقَى النُّورُ يَسْطَعُ فِي تَمَامِي
أُسَامِحُ مَنْ أَسَاءَ لِأَنَّ طَبْعِي = يَفُوقُ بِبِرِّهِ رَشْقَ السِّهَامِ
عَفَا الرَّحْمَنُ عَنْهُمْ إِنَّ عَينِي = عَلَى هَجْرِ الأَحِبَّةِ فِي انْسِجَامِ
وَلَولا أَنْ يُقَالَ لَقُلْتُ أَهْلا = بِكُلِّ مُؤَازِرٍ لِلحَقِّ حَامِ
أُقَبِّلُ مَنْ يَثُوبُ عَنِ الخَطَايَا = وَأَقْبَلُ مَنْ يَؤُوبُ إِلَى الذِّمَامِ
فَإِنَّ الحِلْمَ أَرْفَعُ فِي مَقَامٍ = وَإِنَّ الصَّمْتَ أَسْمَعُ فِي الخِصَامِ
وَتِلكَ سَجِيَّةُ الأَبْرَارِ تَعْلُو = فَتَسْخُو بِالتَّسَامُحِ وَالتَّسَامِي
وَلَيسَ فَتَى التَّعَلُّلِ كَالمُعَنَّى = وَلا الكَلُّ المُدَلَّلُ كَالعِصَامِي
وَمَنْ يَصْدُقْ نَوَايَا البِرِّ صَلَّى = وَلَمْ يُغْرِ الجَمَاعَةَ بِالإِمَامِ
لأَنَّ اللهَ أَعْلَمُ بِالخَفَايَا = وَأَنَّ اللهَ أَعْدَلُ فِي احْتِكَامِ
أثابك من أقامك في الأنام = مثالا في الوفاء وفي الوئام
وأوردك الكريم زلال نهر = من الفردوس صفوا ورد ظامي
فأنت أرق من صاحبت قلبا = وأكرم من يبادر بالسلام
أرى الإحسان فيك ثمار غرس = تجذر أصله والفرع نام
وفيك الطهر في الإحساس طبعا = جديرا بالثناء والاحترام
سراجا قد أضأت الناس حبا = كأنك فيهم بدر التمام
تنادمني الإخاء فليت شعري = أمن دمع أرد أم ابتسام
كلا الأمرين قد نطقا فقالا = وقد صمت اللسان عن الكلام
أراد الله للجسد اعتلالا = يطهره فأكرم بالسقام
فعاف النوم من أوجاع قلب = ومن ألم تمكن في عظامي
وما كانت مقارعة الليالي = لتوهن عزمة الرجل الهمام
ولولا الشوق للأحباب أضنى = لما حظي الهزال بالاهتمام
لعمرك ما أصاب الدهر منا = سوى ما الله قدر في النظام
صروفا لا تقر على قرار = وحالا لا تسر على دوام
وما الدنيا سوى نطف الأماني = تجدد ما انقضى في كل عام
فقد تلد النضار من المآسي = وقد تلد البوار من الغمام
وقد تجلو بما تهب الرزايا = وقد تبلو فترشق بالسهام
وأنكر ما تكون الحال فيها = متى احتزب اللئام على الكرام
أخي حسان قد صافحت قلبي = بمدح فاح من فاء ولام
علمت بأنني ما رمت يوما = سوى الرضوان من رب الأنام
وتعلم ما جناه علي صحبي = وأعلم ما تريد من الوئام
مقامك فوق ما ترجو ولكن = رأيت الحق أعينه دوام
لقد جار الذي أجرى ظنونا = تناثر مثل عطس من زكام
فتؤذي الأنقياء إلى اتباع = وترمي الأبرياء بجرم رام
يحدث بالذي هو من حديثي = ويحسب أنه فم الاتهام
كمثل مكابر أعشته شمس = فقال: العين أبصر في الظلام
أبالتفريق ترتاد المعالي = وبالتقليد تنتقد المرامي
ومن يحدى بأذناب الأفاعي = فإن الوكر يسكن في الختام
أنا المعروف في الحزب اعتصاما = بحبل الله في ليل القتام
سموت بفكرتي وبذلت نفسي = لأرفع أمتي فوق الأنام
فلا جود يقاس بجود كفي = ولا حلم يداني حلم سام
عصي الدهر لا أرضى هوانا = ويشهد لي إبائي واحتدامي
ومهما أجفلت قلبي نفوس = فإن نفائس الدنيا أمامي
أكارم لا يضام بهم رفيق = سواء أهل مصر وأهل شام
وفي أرض الجزائر في حجاز = وفي يمن وفي البيت الحرام
وفي شعب الكويت وفي عمان = وفي قطر وفي دار السلام
ولي في المغرب الأقصى إخاء = وفي السودان نبع الحب هام
وفي كل البلاد لنا رفاق = تكن لنا المحبة بالتزام
هو المولى يكافئ من يوافي = فينعم في الرضاع وفي الفطام
فما زلن الخطوب يسرن إثري = ولكن دام بالله اعتصامي
وأني في الحوادث طلع نخل = يساقط تمره والعذق دام
وأني ما عصيت العفو يوما = ولم أجز الجهول بالانتقام
وأني قد أهم بلوم صحبي = فيصرفني الإباء عن الملام
أهذب بالوقار نفور نفسي = وأخطب ما تريد بالاحتشام
سيجلو الله عن قلبي هموما = ويبقى النور يسطع في تمامي
أسامح من أساء لأن طبعي = يفوق ببره رشق السهام
عفا الرحمن عنهم إن عيني = على هجر الأحبة في انسجام
ولولا أن يقال لقلت أهلا = بكل مؤازر للحق حام
أقبل من يثوب عن الخطايا = وأقبل من يؤوب إلى الذمام
فإن الحلم أرفع في مقام = وإن الصمت أسمع في الخصام
وتلك سجية الأبرار تعلو = فتسخو بالتسامح والتسامي
وليس فتى التعلل كالمعنى = ولا الكل المدلل كالعصامي
ومن يصدق نوايا البر صلى = ولم يغر الجماعة بالإمام
لأن الله أعلم بالخفايا = وأن الله أعدل في احتكام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى