الشعر
بندول الليالي
أَمَا سَئِمَ الخَرَابُ مِنَ الغُرَابِ = وَآمِلَةُ الشَّرَابِ مِنَ السَّرَابِ؟ وَثَاكِلَةٌ تَنُوحُ عَلَى بَنِيهَا = وَقَدْ عَرَشُوا التَبَابَ عَلَى اليَبَابِ؟ لَقَدْ ظَمِئَتْ شِفَاهُ المَاءِ حَتَّى = تَسَوَّلَتِ اللُّعَابَ مِنَ الكِلابِ وَأَوْجَسَتِ الجِبَالُ مِنَ الأَفَاعِي = فَخَرَّتْ وَهْيَ تَرْجُفُ فِي اضْطِرَابِ وَشَأْسُ الرِّيحِ قَدْ ذَهَبَتْ جُذَاذًا = عَلَى وَجَلٍ مِنَ السُّبُلِ الصِّعَابِ وَمَا فَتِئَ المُحَدِّقُ فِي الرَّزَايَا = يَفِرُّ مِنَ الغَرَائِبِ لاغْتِرَابِ كَأَنَّ سَفِينَةَ العَرَبِ اسْتَقَرَّتْ = عَلَى الجُودِيِّ لَكِنْ بِانْقِلابِ فَذَاكَ الشَّرْقُ تِنِّينٌ مَرِيدٌ = يَرُدُّ عَلَى الإِسَاءَةِ بِالعِقَابِ وَذَاكَ الغَرْبُ غُولٌ مُسْتَخِفٌّ = يُلَوِّحُ بِالدِّرُوعِ وَبِالحِرَابِ وَأُمَّتُنَا عَلَى الخَدَّينِ تَسْخُو = بِلَطْمٍ لا يَكِلُّ وَبِانْتِحَابِ تُدَاسُ فَتَشْتَكِي أَغْلالَ عَجْزٍ = وَتُنْخَسُ فِي احْتِلابٍ واحْتِطَابِ وَتَلْعَبُ وَهْيَ تُذْبَحُ فِي هَوَانٍ = وَتَصْخَبُ حِينَ تُنْصَحُ بِالسِّبَابِ لَقَدْ هَرِمَتْ طُيُورُ الفَأْلِ فِينَا = وَأَخْلَدَتِ العُقُولُ إِلَى التَّغَابِي وَصَارَ اليَأْسُ بَنْدُولَ اللَيَالِي = يُرَاوِحُ بَيْنَ نَأْيٍ وَاقْتِرَابِ خَزَايَا رَغْمَ رَفْعِ الأَنْفِ كِبْرًا = عَرَايَا رَغْمَ بَهْرَجَةِ الثِّيَابِ نُحَاصِرُ ظِلَّنَا إِنْ طَالَ عَنَّا = وَنَحْقِرُ طَلَّنَا أَسْرَى الجَنَابِ وَنَحْلِبُ ضَرْعَنَا العَجْفَاءَ شَأْوًا = وَنَنْدُبُ مَجْدَنَا عِنْدَ الخِطَابِ أَتَحْيَا أُمَّةٌ عَقَرَتْ بَنِيهَا = وَعَقَّتْ كُلَّ مُنْصَاعٍ وَآبِ؟ أَتَرْقَى أُمَّةٌ حَقَرَتْ نِسَاءً = فَلَمْ يَحْفَظْنَ فَاتِحَةَ الكِتَابِ؟ قَدِ اخْتَلَطَتْ عَلَى قَوْمِي الـمَعَانِي = فَمَا فَرَقُوا الضَّبَابَ مِنَ الرَّبَابِ وَظَنُّوا اللَيْثَ يُؤْمَنُ مِثْلَ هِرٍّ = وَأَنَّ الكَلْبَ يَغْدُرُ كَالذِّئَابِ يُقَدَّمُ فِي المَنَابِرِ كُلُّ عَيٍّ = وَفِي الإِعْلامِ إِمَّعَةٌ وَصَابِي وَفِي هَرَجِ الخُطُوبِ كَلِيلُ رَأْيٍ = وَفِي حَرَجِ الحَوَادِثِ غَيْرُ عَابِي وَأُغْمِدَ كُلُّ ذِي أَرَبٍ جَلِيلٍ = وَجَلْجَلَ بِالهَوَى عَبْدُ التَّصَابِي وَذُو صَلَفٍ مَتَى سَمِعَ التَّنَادِي = إِلَى شَرَفٍ تَأَذَّنَ بِانْسْحِابِ أَمِنْ دَلَجٍ نَغُضُّ عَلَى قَذَاةٍ؟ = وَمِنْ نَفَجٍ نَخُوضُ بِلا حِسَابِ؟ فَمَاذَا لَو أَصَابْتْنَا اللَيَالِي = بِفِتْنَتِهَا تُؤَجِّجُ كُلَّ خَابِ؟ وَهَلْ يُجْدِي العِتَابُ لِمَنْ تَوَلَّى؟ = وَمَنْ جَحَدَ المَوَدَّةَ فِي العِتَابِ فَإِنَّ غَضَاضَةَ الأَهْوَاءِ تَسْبِي = وَتُشْغِلُ بِالرِّغَابِ عَنِ المُصَابِ وَإِنَّ لِدَيْدَنِ الدَّهْرِ احْتِكَامًا = وَإِنْ قَهَرَ الهُدَى قَانُونُ غَابِ يَظَلُّ اللَيْثُ عِنْدَ الهِرِّ لَيْثًا = وَإِنْ وَثَبَا بِلا ظُفْرٍ وَنَابِ وَلَيْسَ الصَّفْرُ كَالذَّهَبِ الـمُصَفَّى = وَلا الدِّيكُ المُزَرْكَشُ كَالعُقَابِ وَإِنْ تَكُ نِعْمَةً أُتْرِفْتَ فِيهَا = وَلَمْ تَشْكُرْ فَتِلكَ يَدُ العَذَابِ وَإِنْ لَمْ تَسْتَقِمْ أَخْلاقُ قَوْمٍ = عَلَى رَشَدٍ تَوَارَوا بِالحِجَابِ عَسَى قَدَرٌ يُوَافِقُ صِدْقَ عَزْمٍ = فَيَصْلُحَ شَأْنُنَا بَعْدَ اسْتِلابِ وَيَمْسَحُ دَمْعَةً لِلدَّهْرِ تَجْرِي = عَلَى أَهْلِ المُرُوءَةِ وَالصَّوَابِ أَلا لَيْتَ الخِلالَ تَعُودُ نَهْرًا = فَأَرْشُفَ مِنْ مَعَانِيهَا العِذَابِ وَتَزْدَهِرُ المَنَاقِبُ فِي رِجَالٍ = وَتَنْتَشِرُ المَحَبَّةُ فِي الشِّعَابِ وَتَبْتَهِجُ الكَرَامَةُ فِي شُيُوخٍ = وَتَنْبَلِجُ الصَّرَامَةُ فِي شَبَابِ دَأَبْتُ عَلَى التَّفَاؤُلِ رُغْمَ سُخْطِي = فَلَو دَأَبَ المُثَبِّطُ مِثْلَ دَابِي أَحُضُّ عَلَى الفَضَائِلِ فِي يَقِينٍ = وَأَحْتَمِلُ التَّطَاوُلَ بِاحْتِسَابِ وَأَصْفَحُ وَالوُجُودُ يَرُدُّ صَفْحِي = وَأَمْنَحُ وَالجُحُودُ يَسُدُّ بَابِي وَلا أَؤْذِي الخَصِيمَ وَإِنْ تَجَنَّى = وَأَهْوَى الصَّادِقِينَ وَلا أُحَابِي وَأَذْرَعُ شُرْفَةَ الأَيَّامِ شَوْقًا = إِلَى غَدِ أُمَّةٍ عَالِي القِبَابِ وَكَمْ مِنْ هِمَّةٍ حَوْلِي لِصِيدٍ = تَوَافَقَ مَا بِهَا أَرَبًا وَمَا بِي فَسَيفُ العَدْلِ بِالتَّسْدِيدِ مَاضٍ = وَسَيفُ العَذْلِ بِالتَّهْدِيدِ نَابِ وَيَمُّ العُمْرِ لُجِّيٌّ أُجَاجٌ = وَفُلْكُ الصَبْرِ يَمْخُرُ فِي العُبَابِ وَيَأْبَى الحُرُّ أَنْ يَحْيَا بِذُلٍّ = وَإِنْ صَبَّ الإِبَاءُ كُؤُوسَ صَابِ وَلَكِنَّ الزَّمَانَ وَإِنْ تَأَنَّى = لَمُنْجِزُ وَعْد بَارِقَةِ السَّحَابِ فَقَدْ يَأْتِي الأَمَانُ مِنِ ارْتِيَاعٍ = وَقَدْ يَأْتِي اليَقِينُ مِنِ ارْتِيَابِ وَقَدْ يَلِدُ الحُفَاةُ بُنَاةَ مَجْدِ = وَقَدْ يَئِدُ المَآبُ أَسَى الغِيَابِ وَقَدْ يَعِدُ المَثَابُ وِدَادَ حُرٍّ = فَيَطْمَعُ ذُو السَّجِيَّةِ فِي المَثَابِ بِكُلِّ مُهَذَّبٍ سَمْحٍ نَبِيلٍ = وَفِيِّ العَهْدِ يُؤْلَفُ فِي اصْطِحَابِ بِحُرٍّ مِنْ بَنِي الإِنْصَافِ بَحْرٍ = إِلَى الأَصْحَابِ مُنْبَسِطَ الرِّحَابِ وَمُعْتَصِمٍ بِحَبْلِ اللهِ آوَى = إِلَيهِ الصِّدْقَ مُكْتَمِلَ النِّصَابِ يَجُودُ فَلا يَعُقُّ الكَفَّ زِنْدٌ = وَلا يَرْضَى الدَّنِيَّةَ فِي الطِلابِ وَيَرْعَى بِالسَّمَاحَةِ حِينَ يَمْضِي = وَيَسْعَى بِالمُرُوءَةِ فِي الإِيَابِ أَبَا بَدْرٍ أَسَرْتَ النَّفْسَ حَتَّى = غَلَبْتَ بِرَوْحِهَا نَفْحَ الرَّوَابِي وَأَكْرَمَ حُسْنُ رَدِّكَ نَسْحَ دُرِّي = فَكَانَ الصَّمْتُ أَبْلَغَ فِي الجَوَابِ وَإِنِّي مَا ثَمِلْتُ بِخَمْرِ كَأسٍ = وَلَكِنْ بِالمَكَارِمِ فِي الصِّحَابِ فَخُذْ مِنْ مُهْجَتِي مَا شِئْتَ حُبًّا = وَدَعْنِي فِي السُّلافَةِ قَدْرَ قَابِ وَخَفِّفْ وَطْأةَ الإِبْهَارِ عَنِّي = فَإِنِّي قَدْ عَجَزْتُ عَنِ الثَّوَابِ لأَنِّي لَمْ أَجِدْ كَفَّ امْتِنَانٍ = تّفُضُّ التِّبرَ عَنْ نَفَضِ التُّرَابِ
أما سئم الخراب من الغراب = وآملة الشراب من السراب؟ وثاكلة تنوح على بنيها = وقد عرشوا التباب على اليباب؟ لقد ظمئت شفاه الماء حتى = تسولت اللعاب من الكلاب وأوجست الجبال من الأفاعي = فخرت وهي ترجف في اضطراب وشأس الريح قد ذهبت جذاذا = على وجل من السبل الصعاب وما فتئ المحدق في الرزايا = يفر من الغرائب لاغتراب كأن سفينة العرب استقرت = على الجودي لكن بانقلاب فذاك الشرق تنين مريد = يرد على الإساءة بالعقاب وذاك الغرب غول مستخف = يلوح بالدروع وبالحراب وأمتنا على الخدين تسخو = بلطم لا يكل وبانتحاب تداس فتشتكي أغلال عجز = وتنخس في احتلاب واحتطاب وتلعب وهي تذبح في هوان = وتصخب حين تنصح بالسباب لقد هرمت طيور الفأل فينا = وأخلدت العقول إلى التغابي وصار اليأس بندول الليالي = يراوح بين نأي واقتراب خزايا رغم رفع الأنف كبرا = عرايا رغم بهرجة الثياب نحاصر ظلنا إن طال عنا = ونحقر طلنا أسرى الجناب ونحلب ضرعنا العجفاء شأوا = ونندب مجدنا عند الخطاب أتحيا أمة عقرت بنيها = وعقت كل منصاع وآب؟ أترقى أمة حقرت نساء = فلم يحفظن فاتحة الكتاب؟ قد اختلطت على قومي المعاني = فما فرقوا الضباب من الرباب وظنوا الليث يؤمن مثل هر = وأن الكلب يغدر كالذئاب يقدم في المنابر كل عي = وفي الإعلام إمعة وصابي وفي هرج الخطوب كليل رأي = وفي حرج الحوادث غير عابي وأغمد كل ذي أرب جليل = وجلجل بالهوى عبد التصابي وذو صلف متى سمع التنادي = إلى شرف تأذن بانسحاب أمن دلج نغض على قذاة؟ = ومن نفج نخوض بلا حساب؟ فماذا لو أصابتنا الليالي = بفتنتها تؤجج كل خاب؟ وهل يجدي العتاب لمن تولى؟ = ومن جحد المودة في العتاب فإن غضاضة الأهواء تسبي = وتشغل بالرغاب عن المصاب وإن لديدن الدهر احتكاما = وإن قهر الهدى قانون غاب يظل الليث عند الهر ليثا = وإن وثبا بلا ظفر وناب وليس الصفر كالذهب المصفى = ولا الديك المزركش كالعقاب وإن تك نعمة أترفت فيها = ولم تشكر فتلك يد العذاب وإن لم تستقم أخلاق قوم = على رشد تواروا بالحجاب عسى قدر يوافق صدق عزم = فيصلح شأننا بعد استلاب ويمسح دمعة للدهر تجري = على أهل المروءة والصواب ألا ليت الخلال تعود نهرا = فأرشف من معانيها العذاب وتزدهر المناقب في رجال = وتنتشر المحبة في الشعاب وتبتهج الكرامة في شيوخ = وتنبلج الصرامة في شباب دأبت على التفاؤل رغم سخطي = فلو دأب المثبط مثل دابي أحض على الفضائل في يقين = وأحتمل التطاول باحتساب وأصفح والوجود يرد صفحي = وأمنح والجحود يسد بابي ولا أؤذي الخصيم وإن تجنى = وأهوى الصادقين ولا أحابي وأذرع شرفة الأيام شوقا = إلى غد أمة عالي القباب وكم من همة حولي لصيد = توافق ما بها أربا وما بي فسيف العدل بالتسديد ماض = وسيف العذل بالتهديد ناب ويم العمر لجي أجاج = وفلك الصبر يمخر في العباب ويأبى الحر أن يحيا بذل = وإن صب الإباء كؤوس صاب ولكن الزمان وإن تأنى = لمنجز وعد بارقة السحاب فقد يأتي الأمان من ارتياع = وقد يأتي اليقين من ارتياب وقد يلد الحفاة بناة مجد = وقد يئد المآب أسى الغياب وقد يعد المثاب وداد حر = فيطمع ذو السجية في المثاب بكل مهذب سمح نبيل = وفي العهد يؤلف في اصطحاب بحر من بني الإنصاف بحر = إلى الأصحاب منبسط الرحاب ومعتصم بحبل الله آوى = إليه الصدق مكتمل النصاب يجود فلا يعق الكف زند = ولا يرضى الدنية في الطلاب ويرعى بالسماحة حين يمضي = ويسعى بالمروءة في الإياب أبا بدر أسرت النفس حتى = غلبت بروحها نفح الروابي وأكرم حسن ردك نسح دري = فكان الصمت أبلغ في الجواب وإني ما ثملت بخمر كأس = ولكن بالمكارم في الصحاب فخذ من مهجتي ما شئت حبا = ودعني في السلافة قدر قاب وخفف وطأة الإبهار عني = فإني قد عجزت عن الثواب لأني لم أجد كف امتنان = تفض التبر عن نفض التراب
