شرفة الذكريات
عَلَى شُرْفَةِ الذِّكْرَيَاتِ، حَيْثُ يَقِفُ العُمْرُ بَيْنَ مَا مَضَى فَلَمْ يَغِبْ، وَمَا غَابَ فَلَمْ يَمُتْ، وَحَيْثُ تَتَعَلَّقُ الأَيَّامُ بِحَوَافِّ القَلْبِ كَمَصَابِيحَ قَدِيمَةٍ لَا يُطْفِئُهَا بُعْدُ الزَّمَنِ، تَهَادَى المَسَاءُ يَرْفُلُ فِي بُرْدَتِهِ الرَّبِيعِيَّةِ البَاذِخَةِ، يَمْشِي عَلَى هُوَيْنَاهُ مِشْيَةَ المُلُوكِ حِينَ يَتَخَلَّوْنَ عَنْ صَخَبِ التِّيجَانِ، وَيَكْتَفُونَ مِنَ الجَلَالِ بِسَكِينَةٍ تُغْنِي عَنِ الإِعْلَانِ، وَمِنَ الهَيْبَةِ بِهُدُوءٍ يَسْتَغْنِي عَنِ الضَّجِيجِ.
كَانَتْ نَسَائِمُ الأَصِيلِ تَتَسَلَّلُ مِنْ شُقُوقِ الغَيْبِ كَأَنَّهَا رُسُلٌ لَطِيفَةٌ بَعَثَتْهَا السَّمَاءُ إِلَى القُلُوبِ المُتْعَبَةِ، تَحْمِلُ عَلَى أَجْنِحَتِهَا الشَّفَّافَةِ رِسَالَةً قَصِيرَةً، لَكِنَّهَا مُثْقَلَةٌ بِمَعَانٍ لا تُقَاسُ بِطُولِ العِبَارَةِ؛ رِسَالَةً صِيغَتْ بِمِدَادِ بَرْدِ الشَّمَالِ النَّبِيلِ، وَخُتِمَتْ بِخَاتَمِ السَّكِينَةِ، فَلَا تَقْرَؤُهَا إِلَّا المَشَاعِرُ الَّتِي أَتْقَنَتْ أَبْجَدِيَّةَ الحَنِينِ، وَلَا تَفْهَمُهَا إِلَّا النُّفُوسُ الَّتِي أَحْرَقَهَا هَجِيرُ الاِنْتِظَارِ حَتَّى صَارَتْ تَعْرِفُ قِيمَةَ النَّسْمَةِ إِذَا مَرَّتْ، وَمَعْنَى الظِّلِّ إِذَا انْحَنَى، وَسِرَّ الطُّمَأْنِينَةِ إِذَا لَمَسَتْ أَطْرَافَ الجُرْحِ دُونَ أَنْ تُؤْلِمَهُ.
هُنَاكَ جَلَسْتُ، لا جُلُوسَ العَابِرِ الَّذِي يَقْتَاتُ مِنْ فُضُولِ المَشَاهِدِ، بَلْ جُلُوسَ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّ لِلْمَكَانِ رُوحًا، وَلِلْمَسَاءِ لِسَانًا، وَلِلذِّكْرَيَاتِ شُرْفَةً لا يَصْعَدُ إِلَيْهَا إِلَّا مَنْ أَنْهَكَتْهُ الدُّرُوبُ وَأَبْقَاهُ الحُبُّ وَاقِفًا عَلَى حَافَّةِ الدَّهْشَةِ. جَلَسْتُ كَرَاهِبٍ يَسْتَنْطِقُ مَحَارِيبَ الصَّمْتِ، وَكَسَيَّاحٍ عَادَ مِنْ أَقَاصِي التَّعَبِ لِيَغْسِلَ قَدَمَيْهِ فِي مَاءِ الذِّكْرَى، أَتَأَمَّلُ عُيُونَ النَّهَارِ وَهِيَ تُغْمِضُ أَجْفَانَهَا الضَّوْئِيَّةَ فِي هُدُوءٍ نَبِيلٍ، كَأَنَّهَا تَعْرِفُ أَنَّ الأُفُولَ لَيْسَ انْكِسَارًا فِي جَبِينِ النُّورِ، بَلْ إِيمَاءَةُ تَسْلِيمٍ لِشُرُوقٍ آخَرَ، وَأَنَّ كُلَّ مَغِيبٍ صَادِقٍ يُخَبِّئُ فِي طَيَّاتِهِ وَعْدًا بِفَجْرٍ لَمْ يَقُلْ كَلِمَتَهُ بَعْدُ.
وَكَانَتْ نَظَرَاتُ النَّهَارِ الوَدَاعِيَّةُ إِلَى الشَّمْسِ أَكْثَرَ مِنِ انْكِسَارِ ضَوْءٍ عَلَى حَافَّةِ الأُفُقِ؛ كَانَتْ حَالَةً كَوْنِيَّةً تَنْتَشِرُ فِي رِحَابِ الفَضَاءِ الفَسِيحِ، تَسْكُبُ كُؤُوسَ السُّكُونِ فِي حَنَاجِرِ الشُّجُونِ، وَتُعَلِّمُ القَلْبَ أَنَّ الودَاعَ، إِذَا كَانَ مُطْمَئِنًّا إِلَى العَوْدَةِ، لا يَكُونُ فَقْدًا، بَلْ فَاصِلَةً مُضِيئَةً بَيْنَ نَغْمَتَيْنِ مِنْ نَشِيدٍ طَوِيلٍ. وَعَلَى خَدِّ السَّمَاءِ الصَّافِي، رَسَمَتْ خُطُوطُ الشَّفَقِ حَرَارَةَ الوَدَاعِ حُمْرَةً مُتَوَرِّدَةً، لا تَدْمَى، وَلَكِنَّهَا تَشِي بِمَا فِي القَلْبِ مِنْ وَجْدٍ مُتَهَذِّبٍ، كَأَنَّ الكَوْنَ عَرُوسٌ خَفِرَةٌ تَتَزَيَّنُ فِي خَدْرِهَا العَالِي اسْتِعْدَادًا لِاسْتِقْبَالِ القَمَرِ.
وَمَا هِيَ إِلَّا لَحَظَاتٌ، حَتَّى أَقْبَلَ الغَسَقُ بِهَيْبَتِهِ الوَادِعَةِ، يَفْرِدُ خُصْلَاتِهِ الفَاحِمَةَ عَلَى جِيدِ اللَّيْلِ المَرْمَرِيِّ، وَيَنْثُرُ عَلَى مَفْرِقِ العَتَمَةِ دُرَرًا مِنَ النُّجُومِ، لَا لِتُزَيِّنَ السَّمَاءَ فَحَسْبُ، بَلْ لِتَحْرُسَ ذَلِكَ الاِنْتِقَالَ المَهِيبَ مِنْ صَخَبِ المَادَّةِ إِلَى هُدُوءِ الرُّوحِ، وَمِنْ وَضَحِ النَّهَارِ الَّذِي يَكْشِفُ الأَشْيَاءَ إِلَى لَيْلٍ يُعِيدُهَا إِلَى أَسْرَارِهَا الأُولَى. كَانَتِ النُّجُومُ تَتَلَأْلَأُ كَحُرُوفٍ صَغِيرَةٍ كَتَبَهَا الغَيْبُ عَلَى صَفْحَةِ السَّمَاءِ، وَكَانَ كُلُّ حَرْفٍ مِنْهَا يَقُولُ لِلرُّوحِ: إِنَّ مَا يَغِيبُ عَنْ عَيْنِكِ لا يَغِيبُ عَنْ مَوَاضِعِهِ فِي القَدَرِ.
فِي ذَلِكَ العَالَمِ، حَيْثُ كُلُّ شَيْءٍ حَالِمٌ كَفِكْرَةٍ بِكْرٍ قَبْلَ أَنْ تُفْسِدَهَا العِبَارَةُ، وَوَادِعٌ كَطُمَأْنِينَةِ اليَقِينِ حِينَ يَسْتَقِرُّ فِي صَدْرٍ أَتْعَبَتْهُ الظُّنُونُ، وَأَنِيقٌ كَقَصِيدَةٍ لَمْ تَمَسَّهَا أَيْدِي التَّكَلُّفِ، انْبَثَقْتِ أَنْتِ. لَمْ تَأْتِي مَجِيئًا عَادِيًّا، وَلَمْ تَطْرُقِي بَابَ المَشْهَدِ كَمَا يَطْرُقُهُ العَابِرُونَ، بَلْ حَمَلَتْكِ إِلَيَّ قُوًى خَفِيَّةٌ مِنَ الجَمَالِ، طَيْفًا يَتَسَرْبَلُ بِعِطْرِ الرُّوحِ الصَّرْفِ، ذَلِكَ العِطْرِ الَّذِي إِذَا مَسَّ طِينَ الأَرْضِ أَحَالَهُ إِلَى جَوْهَرٍ نُورَانِيٍّ يَتَعَالَى عَنْ قَوَانِينِ الذُّبُولِ، وَإِذَا مَرَّ عَلَى الذِّكْرَى جَعَلَهَا حَاضِرًا يَتَنَفَّسُ، لا مَاضِيًا مُعَلَّقًا فِي دَفَاتِرِ الحَنِينِ.
جَلَسْتِ إِلَى جِوَارِي، فَضَاقَ الوُجُودُ عَلَى سَعَتِهِ، وَاتَّسَعَتِ المَسَافَةُ الصَّغِيرَةُ بَيْنَ كَتِفِي وَكَتِفِكِ حَتَّى صَارَتْ مَمْلَكَةً مِنَ الأُنْسِ. لَمْ يَعُدِ المَكَانُ شُرْفَةً وَمَائِدَةً وَمَسَاءً فَحَسْبُ، بَلْ صَارَ كَوْنًا صَغِيرًا تَتَرَتَّبُ أَفْلَاكُهُ عَلَى إِيقَاعِ نَفَسَيْنِ، وَتَدُورُ نُجُومُهُ حَوْلَ فِنْجَانٍ وَاحِدٍ كَأَنَّهُ قُطْبُ المَعْنَى. كَانَ قُرْبُكِ لا يُلْغِي المَسَافَةَ، بَلْ يُحَوِّلُهَا إِلَى مَجَالٍ مِنَ الكَهْرَبَاءِ الوِجْدَانِيَّةِ؛ مَسَافَةٌ تُبْقِي لِلْحُضُورِ سِرَّهُ، وَلِلنَّظْرَةِ رَهْبَتَهَا، وَلِلْحَدِيثِ طُقُوسَهُ الخَاصَّةَ.
تُقَدِّمِينَ بِأَنَامِلِكِ المَغْسُولَةِ بِمَاءِ الرِّقَّةِ قَهْوَةَ المَسَاءِ؛ تِلْكَ القَهْوَةَ الَّتِي لَمْ تَعُدْ مُجَرَّدَ مَشْرُوبٍ يُرْتَشَفُ لِتَصْحُوَ الحَوَاسُّ، بَلْ صَارَتْ طَقْسًا مِنْ طُقُوسِ التَّلَاقِي، وَسِرًّا سَائِلًا مِنْ أَسْرَارِ الحُضُورِ، وَذَوْبَ مُهَجٍ فِي بَوَاتِقِ القُرْبِ. كَانَ بُخَارُهَا يَتَصَاعَدُ كَدُعَاءٍ صَغِيرٍ، يَرْفَعُ إِلَى السَّمَاءِ رَائِحَةَ الأُنْسِ، وَيَعُودُ إِلَى القَلْبِ بِبَعْضِ مَا ضَاعَ مِنْ طُمَأْنِينَتِهِ. وَكَانَتِ الرَّشْفَةُ مِنْهَا لا تَمُرُّ عَلَى الفَمِ فَحَسْبُ، بَلْ تَمُرُّ عَلَى الذَّاكِرَةِ، فَتُوقِظُ فِيهَا مَا كَانَ نَائِمًا مِنْ مَوَاسِمِ الدَّهْشَةِ.
عَلَى المَائِدَةِ اسْتَقَرَّ فِنْجَانٌ وَاحِدٌ وَإِبْرِيقَانِ؛ فَلْسَفَةٌ صَغِيرَةٌ فِي صُورَةٍ وَادِعَةٍ، وَمَعْنًى كَبِيرٌ يَتَخَفَّى فِي تَرْتِيبٍ بَسِيطٍ. فِنْجَانٌ وَاحِدٌ يَكْفِي لِأَنْ نَصُبَّ فِيهِ مَا لَا تَسَعُهُ الفَنَاجِينُ مِنْ أَسْرَارِ القُرْبِ، وَإِبْرِيقَانِ يَسْكُبَانِ الزَّمَنَ قَطْرَةً قَطْرَةً، لِأَنَّ اللَّيْلَ سَيَطُولُ، وَلِأَنَّ لَيْلَ العَاشِقَيْنِ حِينَ يَصْفُو لا يُقَاسُ بِمَطَالِعِ الفَجْرِ، بَلْ بِمِقْدَارِ مَا يَتَفَتَّحُ فِيهِ مِنْ أَزَاهِيرِ السَّرِيرَةِ، وَبِمَا يَتَبَقَّى فِي أَوْرِدَةِ الرُّوحِ مِنْ نَشْوَةٍ بَعْدَ أَنْ تَسْكُتَ الكَلِمَاتُ.
أَرْتَشِفُ رَشْفَةً فَتَرْتَشِفِينَ أَنْتِ نَبْضَهَا قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ حَدَّ الشَّفَةِ، وَتَبْتَسِمِينَ، فَيُشْرِقُ فِي دَاخِلِي صَبَاحٌ لَا يَعْرِفُ المَغِيبَ. أَرَاكِ تَتَلَقَّيْنَ القَهْوَةَ كَمَنْ يَتَلَقَّى خَبَرًا مِنَ القَلْبِ، وَأَرَى فِي طَرِيقَةِ حَمْلِكِ لِلْفِنْجَانِ وَهْجًا مِنَ الرِّقَّةِ لا يُتَعَلَّمُ، بَلْ يُولَدُ مَعَ النُّفُوسِ المُصْطَفَاةِ لِلْحُنُوِّ. وَكُلَّمَا انْحَنَتِ الرَّائِحَةُ بَيْنَنَا، كَأَنَّهَا جِسْرٌ مِنْ بُخَارٍ دَافِئٍ، شَعَرْتُ أَنَّ الأَشْيَاءَ الصَّغِيرَةَ لا تَكُونُ صَغِيرَةً فِي الحُبِّ، بَلْ تَكُونُ مَخَابِئَ لِلْمَعْنَى الكَبِيرِ، وَنَوَافِذَ يُطِلُّ مِنْهَا الخُلُودُ عَلَى العَادِيِّ فَيُحَوِّلُهُ إِلَى مُعْجِزَةٍ يَوْمِيَّةٍ.
وَبَيْنَمَا نَحْنُ فِي هَذَا التَّوَحُّدِ السِّرِّيِّ، كَانَتِ العَصَافِيرُ المُهَاجِرَةُ، وَقَدْ أَنْهَكَهَا الدَّوَرَانُ فِي فَرَاغَاتِ الكَوْنِ، تَعُودُ إِلَى أَوْكَارِهَا الَّتِي بَنَتْهَا فِي حَنَايَا الغُصُونِ، مُغَرِّدَةً بِأَلْحَانٍ تَفِيضُ بِسَعَادَةِ الإِيَابِ بَعْدَ مُكَابَدَةِ الاِغْتِرَابِ. كَانَتْ زَقْزَقَاتُهَا تُلْقِي عَلَى ثَغْرِكِ إِشْرَاقَةً لا تُشْبِهُ إِلَّا إِشْرَاقَةَ مَنْ عَرَفَ مَعْنَى العَوْدَةِ، وَتُلْهِمُنِي الحَدِيثَ الَّذِي لا يَنْهَضُ بِهِ قَامُوسٌ مَأْلُوفٌ، لِأَنَّ بَعْضَ القُلُوبِ، إِذَا جَلَسَتْ أَمَامَ مَنْ تُحِبُّ، تَحْتَاجُ إِلَى لُغَةٍ تُخْلَقُ فِي اللَّحْظَةِ، لا إِلَى لُغَةٍ مُسْتَعَارَةٍ مِنْ أَفْوَاهِ العَابِرِينَ.
أَيَا حَبِيبَةً نُسِجَتْ مِنْ حَرِيرِ النُّورِ، يَا مَنْ أَثْمَلَتْ بِطُهْرِهَا فُؤَادِي حَتَّى بَاتَ لا يَسْتَسِيغُ خَمْرَةً سِوَى صَفَاءِ يَقِينِكِ، وَأَكْمَلَتْ بِصِدْقِهَا سَدَادَ خُطْوَتِي، وَأَعَادَتْ إِلَى جَوَادِيَ الكَلِيلِ قُدْرَتَهُ عَلَى الرَّكْضِ فِي سُهُولِ الخَيْرِ، وَأَسْرَجَتْ بِطُمُوحِهَا مِدَادِي لِيَكْتُبَكِ آيَةً فِي سِفْرِ الحُبِّ الخَالِدِ؛ مَا أَنْتِ، فِي مِيزَانِ القَلْبِ وَبَصِيرَةِ الرُّوحِ، إِلَّا بَهْجَةُ النَّفْسِ حِينَ تَتَحَرَّرُ مِنْ أَحْزَانِهَا، وَسَكَنُ الخَاطِرِ حِينَ تَسْتَبِدُّ بِهِ عَوَاصِفُ التِّيهِ، وَمَاءُ المَعْنَى حِينَ تَتَشَقَّقُ أَرْضُ الدَّاخِلِ مِنْ طُولِ الظَّمَأِ.
كُلَّمَا جَلَسْتُ إِلَيْكِ، وَانْفَرَجَتْ شَفَتَاكِ عَنْ كُنُوزِ الكَلِمِ، وَتَدَفَّقَ الحَدِيثُ مِنْ ثَغْرِكِ نَغَمَاتٍ لا تَضْرِبُ الأُذُنَ فَحَسْبُ، بَلْ تَقْرَعُ أَبْوَابَ السَّكِينَةِ فِي أَعْمَاقِي، وَسَلْسَبِيلًا مِنْ حُلْوِ هَمْسِكِ يَغْسِلُ أَدْرَانَ المَوَاجِعِ الدَّفِينَةِ؛ تُضَاءُ جَوَانِحِي المُتْعَبَةُ بِقَبَسٍ مِنْ مَشَاعِرِكِ الدُّرِّيَّةِ الَّتِي لَمْ تَدْنَسْ بِطِينِ التَّكَلُّفِ، وَلَمْ تَنْحَنِ لِرَخَاوَةِ المَصَالِحِ، وَلَمْ تُقَايِضْ صِدْقَهَا بِبَهْرَجِ القَوْلِ. إِنَّ كَلِمَتَكِ لا تَمُرُّ فِيَّ كَصَوْتٍ، بَلْ كَنَسِيمٍ مُفَسَّرٍ بِالرَّحْمَةِ، يَعْرِفُ مَوَاضِعَ اليُبْسِ فِي الرُّوحِ، فَيَمُرُّ عَلَيْهَا حَتَّى تُخْضِرَّ مِنْ جَدِيدٍ.
تَشْتَعِلُ رُوحِي بِحَرَارَةِ رُوحِكِ الفَائِضَةِ بِصِدْقِ الانْتِمَاءِ، لِتَنْبُتَ فِي صَحْرَاءِ قَلْبِي أَعْشَابُ الدِّفْءِ وَأَزَاهِيرُ الأَمَانِ. أَنْتِ هَكَذَا؛ صُغْتِ حَقِيقَتَكِ مِنْ تَوَافُقَاتٍ مُدْهِشَةٍ لا تَنَاقُضَاتٍ مُرْبِكَةٍ: عَذْبَةٌ كَمَاءِ المُزْنِ قَبْلَ أَنْ يَلْمِسَ وَجْهَ الأَرْضِ، نَقِيٌّ وِرْدُكِ كَنِيَّةِ العَارِفِينَ حِينَ يَتَجَرَّدُونَ مِنْ صَخَبِ المَطَالِبِ، عَابِقٌ وَرْدُكِ كَأَنْفَاسِ جَنَّةٍ تَسَرَّبَتْ إِلَى رِئَةِ الفَجْرِ، صَفْوٌ وُدُّكِ لا يُخَالِطُهُ جَشَعُ التَّمَلُّكِ، وَفِيرٌ نَبْعُكِ يَفِيضُ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَ، زُلَالٌ مَاؤُكِ يَشْفِي ظَمَأَ السِّنِينَ، جَمِيلٌ وَجْهُكِ حَتَّى تَقِفَ أَمَامَهُ المَجَازَاتُ حَائِرَةً، سَدِيدٌ رَأْيُكِ يَقْطَعُ طَرِيقَ الشَّكِّ كَسَيْفٍ صَقِيلٍ، جَدِيدٌ حُبُّكِ يُبْعَثُ فِي كُلِّ نَبْضَةٍ طِفْلًا لا يَشِيخُ، رَقِيقٌ قُرْبُكِ كَحَوَافِّ الحُلْمِ، وَوَثِيقٌ عَهْدُكِ كَالأَوْتَادِ الرَّاسِيَةِ حِينَ تَحْفَظُ لِلْأَرْضِ سَكِينَتَهَا.
وَأَنْتِ، فَوْقَ ذَلِكَ كُلِّهِ، لَسْتِ صُورَةً تُسَرُّ بِهَا العَيْنُ ثُمَّ تَعْبُرُ، بَلْ مَعْنًى يُقِيمُ فِي الدَّاخِلِ وَيُعِيدُ تَشْكِيلَ الرُّؤْيَا. بِكِ يَصِيرُ الوَقْتُ أَلْطَفَ، وَالمَكَانُ أَرْحَبَ، وَالكَلَامُ أَقْرَبَ إِلَى الصَّدْقِ، وَالصَّمْتُ أَقَلَّ وَحْشَةً. بِكِ تَتَعَلَّمُ الأَيَّامُ أَنْ لا تَكُونَ أَرْقَامًا فِي سِجِلِّ العُمْرِ، بَلْ حَبَّاتِ عِطْرٍ فِي مِسْبَحَةِ الذِّكْرَى، كُلَّمَا قَلَّبَهَا القَلْبُ فَاحَ مِنْهَا شَيْءٌ مِنْكِ. وَبِكِ أَعْرِفُ أَنَّ الحُبَّ لا يَكْتَمِلُ بِالاشْتِعَالِ وَحْدَهُ، بَلْ بِالقُدْرَةِ عَلَى أَنْ يَصِيرَ لِلرُّوحِ بَيْتًا، وَلِلْحَيَاةِ مَاءً، وَلِلْقَلْبِ قِبْلَةً يَعُودُ إِلَيْهَا كُلَّمَا تَعِبَ مِنْ جِهَاتِ الأَرْضِ.
وَيَتَمَطَّى الزَّمَانُ لِيَبْلُغَ المَدَارَ الأَقْصَى، حَيْثُ يَنْتَصِفُ اللَّيْلُ، وَيَخْلُو الكَوْنُ لِأَصْحَابِ النَّجْوَى. تَدْنُو النُّجُومُ مِنْ عَلْيَائِهَا، لا مُتَخَلِّيَةً عَنْ مَجْدِهَا، بَلْ مُنْصِتَةً لِمَا لا يُقَالُ إِلَّا فِي حَضْرَةِ الحُبِّ الصَّافِي. تَتَعَانَقُ هَمَسَاتُنَا فِي الفَضَاءِ المُبَارَكِ، تَصْعَدُ مَعَارِجَ الأَثِيرِ كَأَدْعِيَةٍ صَغِيرَةٍ لا تَطْلُبُ مِنَ السَّمَاءِ شَيْئًا، لأَنَّهَا قَدْ نَالَتْ، فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، مَا يُشْبِهُ الاكْتِمَالَ. وَفِي العَلْيَاءِ، تَبْتَسِمُ النُّجُومُ كَأَنَّهَا تَشْهَدُ عَلَى قَلْبَيْنِ صَارَا، فِي بُوتَقَةِ العِشْقِ الخَالِصِ، قَلْبًا وَاحِدًا يَنْبِضُ بِمِيقَاتٍ لا تَعْرِفُهُ السَّاعَاتُ، وَلِسَانًا وَاحِدًا لا يَلْهَجُ بِرَخِيصِ القَوْلِ، بَلْ يُسَبِّحُ فِي أَذْكَارِهِ الخَفِيَّةِ بِحَمْدِ المُنْعِمِ الَّذِي جَمَعَ نِصْفَيِ الرُّوحِ بَعْدَ شَتَاتِ الطُّرُقِ.
وَتَصِيرُ الشُّرْفَةُ، فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، أَكْثَرَ مِنْ شُرْفَةٍ؛ تَصِيرُ مَعْبَرًا بَيْنَ مَا نَحْيَاهُ وَمَا نَتَذَكَّرُهُ، وَبَيْنَ مَا نَمْلِكُهُ بِالأَيْدِي وَمَا لا نَمْلِكُهُ إِلَّا بِالرُّوحِ. تَصِيرُ الذِّكْرَيَاتُ حَوْلَنَا كَمَقَاعِدَ مِنْ ضَوْءٍ، يَجْلِسُ عَلَيْهَا كُلُّ مَا مَرَّ بِنَا مِنْ لَحَظَاتِ الصَّفَاءِ: أَوَّلُ نَظْرَةٍ لَمْ تَقُلْ شَيْئًا وَقَالَتْ كُلَّ شَيْءٍ، أَوَّلُ عَتَبٍ انْكَسَرَ عَلَى حَافَّةِ الوُدِّ، أَوَّلُ صَمْتٍ فَهِمْنَا فِيهِ أَنَّ القُرْبَ لا يَحْتَاجُ دَائِمًا إِلَى كَلَامٍ، وَأَوَّلُ ضَحْكَةٍ جَعَلَتِ الزَّمَنَ يَتَوَقَّفُ قَلِيلًا كَيْ يَتَعَلَّمَ مَعْنَى البَهْجَةِ.
وَفَجْأَةً، يَلُفُّ الصَّمْتُ المَكَانَ، لا لِأَنَّ الحَدِيثَ انْتَهَى، بَلْ لأَنَّ اللُّغَةَ بَلَغَتْ حَدَّهَا، وَوَقَفَتْ عَلَى عَتَبَةِ مَا لا يُقَالُ إِلَّا بِالنَّظَرِ وَالنَّبْضِ وَالاِتِّكَاءِ الوَادِعِ عَلَى حَافَّةِ الرُّوحِ. تَتَلَفَّتُ النُّجُومُ فِي فُضُولٍ رَقِيقٍ، تَدْنُو أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ حَتَّى تَكَادَ تَمَسُّ جِبَاهَنَا المُتَوَّجَةَ بِالرِّضَا، ثُمَّ تَبْتَسِمُ فِي هُدُوءٍ عَارِفٍ بِسِرِّ الخَاتِمَةِ. كَأَنَّهَا فَهِمَتْ أَنَّ بَعْضَ الحُبِّ لا تُخْتَمُ لَيْلَتُهُ بِكَلِمَةٍ، بَلْ بِسَكِينَةٍ تَنْزِلُ عَلَى القَلْبِ، فَيَعْرِفُ أَنَّهُ وَصَلَ.
ثُمَّ تَنْسُجُ النُّجُومُ مِنْ خُيُوطِ نُورِهَا الفِضِّيِّ، وَمِنْ رِقَّةِ أَحْلَامِنَا المَنْثُورَةِ، دِثَارًا سَمَاوِيًّا ثَقِيلًا بِالمَعْنَى، خَفِيفًا كَالأَنْفَاسِ، تُغَطِّي بِهِ جَسَدَيِ العَاشِقَيْنِ اللَّذَيْنِ ارْتَقَيَا، لا عَنْ الأَرْضِ، بَلْ عَنْ ضَجِيجِهَا؛ نَائِمَيْنِ بَيْنَ أَحْضَانِ الذِّكْرَى، عَلَى أَرِيكَةٍ مُعَلَّقَةٍ بَيْنَ الحُلْمِ وَاليَقَظَةِ. وَهُنَاكَ، فِي شُرْفَةِ الذِّكْرَيَاتِ، حَيْثُ لا يَفْنَى مَا صَدَقَ، وَلا يَذْبُلُ مَا سُقِيَ بِمَاءِ الوَفَاءِ، يُصْبِحُ العِشْقُ قُرْبَانًا مَقْبُولًا، لا تَرُدُّهُ السَّمَاءُ، وَتُصْبِحُ اللَّيْلَةُ وَاحِدَةً مِنْ تِلْكَ اللَّيَالِي الَّتِي لا تَسْكُنُ المَاضِي، بَلْ تَظَلُّ مَفْتُوحَةً فِي القَلْبِ كَنَافِذَةٍ عَلَى الخُلُودِ.
وَحِينَ يَرْقَدُ العُمْرُ قَلِيلًا عَلَى وَسَادَةِ هَذَا البَهَاءِ، لا يَبْقَى مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُحْمَلَ إِلَى الأَبَدِ: فِنْجَانٌ وَاحِدٌ لَمْ يَفْرَغْ مِنْ مَعْنَاهُ، إِبْرِيقَانِ شَهِدَا عَلَى طُولِ النَّجْوَى، شُرْفَةٌ عَلَّمَتِ الذِّكْرَى أَنْ تَتَنَفَّسَ، نُجُومٌ أَطَالَتِ الإِنْصَاتَ، وَأَنْتِ، يَا سَيِّدَةَ هَذَا الحُلْمِ الوَادِعِ، جَالِسَةٌ فِي أَعْمَاقِي كَحَقِيقَةٍ لا تُحْتَاجُ إِلَى بُرْهَانٍ. وَأَمَّا أَنَا، فَأَظَلُّ أَحْمَدُ اللهَ عَلَى نِعْمَةٍ جَعَلَتْ مِنْ ذِكْرَاكِ بَيْتًا، وَمِنْ قُرْبِكِ وَطَنًا، وَمِنْ لَيْلَةٍ عَلَى شُرْفَةٍ عَالِيَةٍ دَلِيلًا إِلَى أَنَّ الحُبَّ، إِذَا صَدَقَ وَتَطَهَّرَ وَتَعَالَى، لا يَكُونُ حَادِثَةً فِي العُمْرِ، بَلْ يَكُونُ العُمْرَ فِي أَبْهَى تَجَلِّيَاتِهِ.
