الشعر

الحب الحنيف

أَلَدُّ مِنْ نِقْمَةِ الْمَوتُورِ مَا اقْتَرَفَهْ = أَغْرَاهُ عَرْفُ الشَّغَافِ الْعَفِّ فَاقْتَطَفَهْ
سَالَتْ عَلَى وَجْنَةِ الْوَجْدِ ابْتِسَامَتُهُ = وَتَرْجَمَتْ مِنْ حَدِيثِ الصَّمْتِ مَا نَزَفَهْ
لَمْ يَدْرِ أَنَّ الَّذِي يَخْشَى عَلَى يَدِهِ = بِالظُّفْرِ يَنْسِجُ مِنْ خَيْشِ النَّوَى تَلَفَهْ
مَا اعْشَوْشَبَتْ بِالْهَوَى الْعُذْرِيِّ أَفْئِدَةٌ = إِلَّا وَأَرْعَى بِهَا مَهْمَا اتَّقَى صَلَفَهْ
تَبَرَّأَ الْوَعْدُ مِنْ كَفٍّ مَدَدْتُ لَهُ = وَمِنْ يَمِينٍ عَلَى صَدْرِ الصّبَا حَلَفَهْ
مَا حَمْحَمَتْ خَيْلُهُ إِلَّا وَسَرْبَلَهَا = دِرْعَ الْوَقَارِ فَأَيَّانَ الْهَوَى ثَقَفَهْ
لَوْلَا تَأَنَّى فَلَمْ يَأْنَسْ إِلَى قصَصٍ = مِنْ شَهْرَزَادَ وَلَكِنْ صَرْفُهَا صَرَفَهْ
بِنْتُ الْخَيَالِ هَوَتْ بِالصَّدِّ عَاكِفَةً = عَلَى جُذَاذِ فُؤَادٍ حَطَّمَتْ رَهَفَهْ
وَابْنُ الْخَلِيلِ نَمَى الْحُبَّ الْحَنِيفَ فَمَا = يُوَجِّهُ الْقَلْبَ إِلَّا مُسْلِمًا شَغَفَهْ
أَحْنَتْ عَلَى بَدْرِهِ شَمْسِي فَحَادَ بِهَا = صَوْبَ الْكُسُوفِ وَنُورِي الْبَرُّ مَا خَسَفَهْ
وَالشَّمْسُ مَا أَفَلَتْ فِي لَيْلِ غُرْبَتِهَا = وَإِنَّمَا مِنْ قُصُورِ الْعَيْنِ أَنْ تَصِفَهْ
يَا مَنْ أَضَاعَتْ هَوَى رُوحِي بِمَا زَعَمَتْ = كَأَنَّ نَبْضِي كِتَابٌ ضَيَّعَتْ صُحُفَهْ
لَمْ تَحْفَظِي العَهْدَ إِذْ مَاجَتْ بِنَا سُؤُلٌ = وَحَادَ قَلْبُكِ عَنْ إِدْرَاكِ مَا خَصَفَهْ
وَاسْتَيْقَظَ الجُرْحُ فِي أَعْمَاقِ مِحْنَتِهِ = يَرْثِي غَرَامًا بَرِيئًا ذِئْبُهُمْ خَطَفَهْ
أَوْدَعْتُكِ السِّرَّ مَكْنُونًا بِقَافِيَةٍ = سَالَتْ دُمُوعًا وَنَبْضُ الحُبِّ مَا كَشَفَهْ
مَاذَا جَنَيْتِ سِوَى وَهْمٍ تُلَاحِقُهُ = عَيْنَاكِ حَتَّى غَدَا فِي وَهْمِهِ هَدَفَهْ
أَزْلَفْتُ قَلْبِي غُلُوًّا فِيكِ مِنْ وَمَقٍ = كَصَائِمٍ يَرْتَجِي الرِّضْوَانَ فِي عَرَفَةْ
وَجِئْتُ أَنْحَرُ عِرْفَانِي عَلَى طَبَقٍ = وَلَوْ حَبَبْتِ فُؤَادِي الْحَتْفَ لَازْدَلَفَهْ
يَا مَنْ تَبَوَّأْتِ جَنَّاتِ النُّهَى نُزُلًا = وَفِي جنَانِكَ لَمْ يُبْدِ النَّدَى كَلَفَهْ
لَا تَسْكُبِي الْيَأْسَ فِي كَأْسِ السِّنِينَ أَسَى = فَرَشْفَةُ السُّمِّ لَا تُبْقِي الَّذِي رَشَفَهْ
وَلَا تَدُعِّي حَنِينَ الطِّينِ مِنْ وَرَعٍ = فَصَبْوَةُ الْمَاءِ لَيْسَتْ نُطْفَةً وَتَفَهْ
وَلَا تُرَاعِي إِذَا مَا الْهَجْرُ أَيْوَبَنِي = فَإِنَّ لِلشَّوْقِ إِلْحَافًا وَلِي أَنَفَةْ
مَا أَنْتِ إِلَّا أَنَا رُوحٌ تَشِعُّ عَلَى = جِرْمَيْنِ مِنْ عَسْجَدٍ ذَابَا بِهَمْسِ شَفَةْ
وَالنَّفْسُ سِرٌّ سَرَى لَا حَدْسَ يُدْرِكُهَا = وَلَا يُحِيطُ بِهَا وَصْفٌ صَفَا وَصِفَةْ
وَأَنْتِ شِعْرِي الَّذِي لَوْ عَنَّ فِي زَمَنٍ = لَبَشَّ مِنْهُ زُهَيْرٌ وَانْتَشَى طَرَفَةْ
كَأَنَّهُ عَادَ مِنْ سِرْدَابِ غَيْبَتِهِ = لِيُدْهِشَ الذَّوْقَ مِنْ إِبْدَاعِ مَا اغْتَرَفَهْ
وَمَا تَسَلَّقَ قَدْرِي غَيْرُ مُنْتَهِزٍ = كَالْفَأْرِ مِنْ حَوْبَةِ اللَّيْثِ امْتَرَى شَرَفَهْ
عُودِي لِذَاتِكِ لَمْ تَتْرُكْ بِمَا اقْتَرَفَتْ = فِي مُهْجَةِ الصَّبِّ نَبْضًا لِلَّذِي أَلِفَهْ
إِنِّي تَرَفَّعْتُ عَنْ حُبٍّ يُكَبِّلُنِي = فَطَائِرُ العِزِّ يَأْبَى كَفًّ مَنْ قَذَفَهْ
حَلَّقْتُ فِي وِحْدَتِي الشَّمَّاءِ مُعْتَكِفًا = كَاللَّيْثِ مَا هَمَّهُ فِي الغَابِ مَنْ خَلَفَهْ
لَنْ يَقْطِفَ الشَّوْكُ أَزْهَارًا سَقَيْتُ بِهَا = رُوحَ المَعَانِي وَغَيْمُ السِّحْرِ قَدْ وَكَفَهْ
وَالشِّعْرُ عِنْدِيَ مِحْرَابٌ أَلُوذُ بِهِ = مَهْمَا تَمَادَى زَمَانِي أَوْ سَقَى سَرَفَهْ
لَا كُنْتَ يَا قَلْبُ إِنْ أَمْسَيْتَ إِمَّعَةً = يَرَى الْوُجُودَ وَلَكِنْ لَا يَرَى طَرَفَهْ
إِنْ كَانَ يَسَفَعُ نَخْلَ الْحلْمِ نَمْلُ أَذَىً = فَكَيْفَ يُسْعِفُ نَحْلَ الْمُجْتَنِي سَعَفَةْ
قِفْ فِي مَدَى الْحُبِّ لَا تَعْدُ الْمُنَى بِهَوَىً = فَأَيُّ عِشْقٍ لِمَنْ يُضْنِيكَ مَحْضُ سَفَهْ
وَلِلْمَشَاعِرِ بَيْضَاءَ الرُّؤَى دِيَمٌ = تَأْسَى بِعَصْفٍ وَإِنْ أَبْدَى الصَّدَى أَسَفَهْ
فَنَرْجِسُ الْقَلْبِ لَا يَسْمُو بِلَا ثِقَةٍ = وَلُؤْلُؤُ الْحُبِّ لَا يَنْمُو بِلَا صَدَفَةْ
ألد من نقمة الموتور ما اقترفه = أغراه عرف الشغاف العف فاقتطفه
سالت على وجنة الوجد ابتسامته = وترجمت من حديث الصمت ما نزفه
لم يدر أن الذي يخشى على يده = بالظفر ينسج من خيش النوى تلفه
ما اعشوشبت بالهوى العذري أفئدة = إلا وأرعى بها مهما اتقى صلفه
تبرأ الوعد من كف مددت له = ومن يمين على صدر الصبا حلفه
ما حمحمت خيله إلا وسربلها = درع الوقار فأيان الهوى ثقفه
لولا تأنى فلم يأنس إلى قصص = من شهرزاد ولكن صرفها صرفه
بنت الخيال هوت بالصد عاكفة = على جذاذ فؤاد حطمت رهفه
وابن الخليل نمى الحب الحنيف فما = يوجه القلب إلا مسلما شغفه
أحنت على بدره شمسي فحاد بها = صوب الكسوف ونوري البر ما خسفه
والشمس ما أفلت في ليل غربتها = وإنما من قصور العين أن تصفه
يا من أضاعت هوى روحي بما زعمت = كأن نبضي كتاب ضيعت صحفه
لم تحفظي العهد إذ ماجت بنا سؤل = وحاد قلبك عن إدراك ما خصفه
واستيقظ الجرح في أعماق محنته = يرثي غراما بريئا ذئبهم خطفه
أودعتك السر مكنونا بقافية = سالت دموعا ونبض الحب ما كشفه
ماذا جنيت سوى وهم تلاحقه = عيناك حتى غدا في وهمه هدفه
أزلفت قلبي غلوا فيك من ومق = كصائم يرتجي الرضوان في عرفة
وجئت أنحر عرفاني على طبق = ولو حببت فؤادي الحتف لازدلفه
يا من تبوأت جنات النهى نزلا = وفي جنانك لم يبد الندى كلفه
لا تسكبي اليأس في كأس السنين أسى = فرشفة السم لا تبقي الذي رشفه
ولا تدعي حنين الطين من ورع = فصبوة الماء ليست نطفة وتفه
ولا تراعي إذا ما الهجر أيوبني = فإن للشوق إلحافا ولي أنفة
ما أنت إلا أنا روح تشع على = جرمين من عسجد ذابا بهمس شفة
والنفس سر سرى لا حدس يدركها = ولا يحيط بها وصف صفا وصفة
وأنت شعري الذي لو عن في زمن = لبش منه زهير وانتشى طرفة
كأنه عاد من سرداب غيبته = ليدهش الذوق من إبداع ما اغترفه
وما تسلق قدري غير منتهز = كالفأر من حوبة الليث امترى شرفه
عودي لذاتك لم تترك بما اقترفت = في مهجة الصب نبضا للذي ألفه
إني ترفعت عن حب يكبلني = فطائر العز يأبى كف من قذفه
حلقت في وحدتي الشماء معتكفا = كالليث ما همه في الغاب من خلفه
لن يقطف الشوك أزهارا سقيت بها = روح المعاني وغيم السحر قد وكفه
والشعر عندي محراب ألوذ به = مهما تمادى زماني أو سقى سرفه
لا كنت يا قلب إن أمسيت إمعة = يرى الوجود ولكن لا يرى طرفه
إن كان يسفع نخل الحلم نمل أذى = فكيف يسعف نحل المجتني سعفة
قف في مدى الحب لا تعد المنى بهوى = فأي عشق لمن يضنيك محض سفه
وللمشاعر بيضاء الرؤى ديم = تأسى بعصف وإن أبدى الصدى أسفه
فنرجس القلب لا يسمو بلا ثقة = ولؤلؤ الحب لا ينمو بلا صدفة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى