الفكررؤى فلسفيةمنطق وتأصيل

فلسفة المعنى الزائف بين غرور الأنا وجلال الغاية

فلسفة المعنى الزائف والغرور: كيف تفرق بين الرسالة والنرجسية؟

لَيْسَ أَشَدَّ عَلَى الإِنْسَانِ مِنْ أَنْ يَعِيشَ بِلَا مَعنًى؛ فَالعَقْلُ الجَائِعُ لَا يَقْبَلُ الفَرَاغَ، وَالرُّوحُ إِذَا لَمْ تَجِدْ سَمَاءً تَصْعَدُ إِلَيْهَا صَنَعَتْ مِنْ دُخَانِهَا سَمَاءً. وَلِهَذَا كَانَ طَلَبُ المَعْنَى مِنْ أَقْدَمِ أَشْوَاقِ الإِنْسَانِ وَأَخْطَرِهَا مَعًا؛ فَهُوَ النِّدَاءُ العَمِيقُ الَّذِي يَرْفَعُهُ الكَائِنُ الهَشُّ فِي وَجْهِ العَدَمِ، وَالسُّؤَالُ الَّذِي يَخْلَعُ عَلَى العُمْرِ هَيْبَتَهُ، وَعَلَى الأَلَمِ تَفْسِيرَهُ، وَعَلَى السَّيْرِ وِجْهَتَهُ. غَيْرَ أَنَّ الخَطَرَ لَا يَبْدَأُ حِيْنَ يَغِيبُ المَعْنَى، بَلْ حِيْنَ يَحْضُرُ مُزَيَّفًا، مُمَوَّهًا، لَامِعًا بِمَا يَكْفِي لِيَخْدَعَ، وَفَارِغًا بِمَا يَكْفِي لِيُهْلِكَ.

فالإِنْسَانُ لَا يَحْتَمِلُ طَوِيلًا أَنْ يَرَى نَفْسَهُ عَابِرًا بِلَا غَايَةٍ، وَلَا أَنْ يَعْتَرِفَ بِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ انْدِفَاعِهِ لَيْسَ رِسَالَةً بَلْ رَغْبَةً، وَلَيْسَ نِدَاءً عَلَوِيًّا بَلْ ضَجِيجًا نَفْسِيًّا يَبْحَثُ عَنْ اسْمٍ نَبِيلٍ. وَمِنْ هُنَا تَتَوَلَّدُ أَخْطَرُ الأَقْنِعَةِ: قِنَاعُ الغَايَةِ. إِذْ يَسْتَطِيعُ الإِنْسَانُ أَنْ يَلْبَسَ شَهْوَتَهُ ثَوْبَ المَبْدَإِ، وَأَنْ يَرْفَعَ غُرُورَهُ إِلَى مَقَامِ الرِّسَالَةِ، وَأَنْ يُطْلِقَ عَلَى نَزَوَاتِهِ أَسْمَاءً كُبْرَى: الإِصْلَاحُ، الخَلَاصُ، النَّهْضَةُ، الحَقِيقَةُ، التَّارِيخُ. وَحَيْنَئِذٍ لَا يَعُودُ البَاطِلُ عَارِيًا كَيْ يُقَاوَمَ، بَلْ يَدْخُلُ فِي مَوْكِبٍ مَهِيبٍ، تَحُفُّ بِهِ الكَلِمَاتُ النَّبِيلَةُ، وَتَسْبِقُهُ الرَّايَاتُ، وَتَلْحَقُهُ الهِتَافَاتُ.

“المَعْنَى الحَقُّ لَا يَحْتَاجُ إِلَى صَخَبٍ كَثِيرٍ؛ لِأَنَّهُ يَشْتَغِلُ فِي الإِنْسَانِ قَبْلَ أَنْ يَشْتَغِلَ بِهِ الإِنْسَانُ فِي العَالَمِ. يُغَيِّرُ الدَّاخِلَ قَبْلَ أَنْ يَدَّعِيَ تَغْيِيرَ الخَارِجِ.”

يُعَلِّمُ صَاحِبَهُ أَنْ يَكُونَ أَعْدَلَ لَا أَعْلَى، وَأَرْحَمَ لَا أَشْهَرَ، وَأَصْدَقَ لَا أَوْسَعَ نُفُوذًا. أَمَّا المَعْنَى المُصْطَنَعُ فَهُوَ لَا يُهَذِّبُ النَّفْسَ، بَلْ يُضَخِّمُ صُورَتَهَا. لَا يَضَعُ الإِنْسَانَ أَمَامَ مَسْؤُولِيَّتِهِ، بَلْ يَضَعُهُ فَوْقَ الآخَرِينَ. لَا يَسْأَلُهُ: مَاذَا أَصْلَحْتَ فِيكَ؟ بَلْ يَهْمِسُ لَهُ: كَمْ أَنْتَ مُخْتَلِفٌ، كَمْ أَنْتَ مُخْتَارٌ، كَمْ يَجْهَلُ النَّاسُ مَقَامَكَ.

وَهُنَا يَنْبَغِي التَّمْيِيزُ بَيْنَ القِيمَةِ وَالنَّزْعَةِ. فَالقِيمَةُ مِعْيَارٌ يَتَجَاوَزُ الإِنْسَانَ، يُحَاكِمُهُ وَلَا يَخْضَعُ لَهُ؛ أَمَّا النَّزْعَةُ، أَوِ الشِّيمَةُ، أَوْ طَبْعُ التَّمَيُّزِ فِي النَّفْسِ، فَهِيَ طَاقَةٌ قَابِلَةٌ لِلتَّزْكِيَةِ كَمَا هِيَ قَابِلَةٌ لِلْفَسَادِ. قَدْ تَكُونَ الشَّجَاعَةُ فَضِيلَةً حِيْنَ تَخْدُمُ العَدْلَ، وَقَدْ تَصِيرُ طُغْيَانًا حِيْنَ تَخْدُمُ الأَنَا. وَقَدْ يَكُونَ طَلَبُ التَّفَرُّدِ رِفْعَةً إِنْ خَضَعَ لِلْحَقِّ، وَقَدْ يُصْبِحُ نَرْجِسِيَّةً إِذَا جَعَلَ الحَقَّ خَادِمًا لِصُورَةِ صَاحِبِهِ. فَالخَلَلُ لَا يَقَعُ حِيْنَ يَمْتَلِكُ الإِنْسَانُ طَبْعًا قَوِيًّا أَوْ هِمَّةً عَالِيَةً، بَلْ حِيْنَ يَخْلِطُ بَيْنَ حَرَارَةِ طَبْعِهِ وَقَدَاسَةِ القِيمَةِ، فَيَظُنُّ أَنَّ مَا اشْتَدَّ فِي نَفْسِهِ صَارَ حَقًّا بِمُجَرَّدِ اشْتِدَادِهِ.

مِنْ هُنَا تَنْقَلِبُ الغَايَةُ مِنْ نُورٍ إِلَى وَثَنٍ. لَيْسَتِ الوَثَنِيَّةُ دَائِمًا حَجَرًا مَنْصُوبًا فِي سَاحَةٍ؛ فَقَدْ تَكُونَ فِكْرَةً مَنْصُوبَةً فِي النَّفْسِ، يَطُوفُ حَوْلَهَا صَاحِبُهَا، وَيُقَرِّبُ إِلَيْهَا القَرَابِينَ مِنَ العَدْلِ وَالرَّحْمَةِ وَالإِنْصَافِ. كُلُّ غَايَةٍ تَنْفَصِلُ عَنِ الحَقِّ تَتَحَوَّلُ إِلَى اسْتِبْدَادٍ مُؤَجَّلٍ؛ وَكُلُّ رِسَالَةٍ لَا تَمُرُّ عَبْرَ امْتِحَانِ التَّوَاضُعِ تَصْبِحُ مَشْرُوعَ هَيْمَنَةٍ؛ وَكُلُّ مَعْنَىً لَا يَتْرُكُ فِي القَلْبِ خَشْيَةً مِنَ الظُّلْمِ، وَاسْتِحْيَاءً مِنَ الِادِّعَاءِ، وَرِقَّةً أَمَامَ مَصَائِرِ الخَلْقِ، فَهُوَ مَعْنًى مُلَوَّثٌ، وَإِنْ تَلَأْلأَ فِي العِبَارَةِ وَاتَّسَعَ فِي الشِّعَارَاتِ.

إِنَّ الغَايَةَ لَا تُزَكِّي ذَاتَهَا بِذَاتِهَا. لَيْسَتْ كُلُّ نَارٍ نُورًا، وَلَا كُلُّ انْدِفَاعٍ بُطُولَةً، وَلَا كُلُّ ثَبَاتٍ صِدْقًا. قَدْ يَكُونَ الثَّبَاتُ عِنَادًا يَرْتَدِي دِرْعَ المَبْدَإِ، وَقَدْ تَكُونَ الجُرْأَةُ طَيْشًا يَتَكَلَّمُ بِلِسَانِ الشَّجَاعَةِ، وَقَدْ يَكُونُ الإِصْرَارُ مَرَضًا نَرْجِسِيًّا نَجَحَ فِي العُثُورِ عَلَى اسْمٍ مُحْتَرَمٍ. وَلِذَلِكَ فَإِنَّ السُّؤَالُ الحَاسِمُ لَيْسَ: هَلْ يَمْلِكُ الإِنْسَانُ غَايَةً؟ بَلْ أَيُّ إِنْسَانٍ تَصْنَعُهُ هَذِهِ الغَايَةُ؟ هَلْ تَجْعَلُهُ أَوْسَعَ صَدْرًا، أَمْ أَضْيَقَ احْتِمَالًا؟ هَلْ تَزِيدُهُ بَصِيرَةً بِضَعْفِهِ، أَمْ تَجْعَلُهُ قَاضِيًا عَلَى العَالَمِ؟ هَلْ تَحْمِلُهُ عَلَى خِدْمَةِ الحَقِّ، أَمْ تَجْعَلُ الحَقَّ خَادِمًا لِرَغْبَتِهِ فِي التَّمَيُّزِ؟

البُطُولَةُ الزَّائِفَةُ تَبْدَأُ مِنْ هَذِهِ النُّقْطَةِ؛ حِيْنَ يَظُنُّ الإِنْسَانُ أَنَّهُ صَاحِبُ رِسَالَةٍ، بَيْنَمَا هُوَ فِي الحَقِيقَةِ أَسِيرُ مِرْآةٍ مُتْقَنَةٍ. يَرَى نَفْسَهُ مَرْكَزَ المَعْنَى، وَحَامِلَ الخَلَاصِ، وَاللِّسَانَ الَّذِي لَمْ يَفْهَمْهُ عَصْرُهُ بَعْدُ. قَدْ يَتَكَلَّمُ عَنِ النَّاسِ كَثِيرًا، لَكِنَّهُ لَا يُحِبُّهُمْ إِلَّا بِوَصْفِهِمْ جُمْهُورًا لِصُورَتِهِ، أَوْ مَادَّةً لِانْتِصَارِهِ، أَوْ شُهُودًا عَلَى تَفَوُّقِهِ. فَإِذَا أَطَاعُوهُ صَارُوا أَنْصَارَ الحَقِّ، وَإِذَا خَالَفُوهُ صَارُوا أَعْدَاءَ النُّور. وَهَكَذَا لَا يَعُودُ الِاخْتِلَافُ حَقًّا إِنْسَانِيًّا، بَلْ خِيَانَةً كَوْنِيَّةً؛ وَلَا يَعُودُ النَّقْدُ مُرَاجَعَةً، بَلْ عُدْوَانًا عَلَى الرِّسَالَةِ؛ وَلَا يَعُودُ الآخَرُ إِنْسَانًا لَهُ كَرَامَتُهُ، بَلْ عَقَبَةً فِي طَرِيقِ البُطُولَةِ المُتَخَيَّلَةِ.

فِي هَذَا المَوْضِعِ يَقَعُ الِاغْتِرَابُ الأَخْطَرُ، لَا اغْتِرَابُ الإِنْسَانِ عَنْ مَكَانِهِ، بَلْ اغْتِرَابُهُ عَنْ مَعْنَاهُ الأَصِيلِ. يُصْبِحُ غَرِيبًا عَنْ نَفْسِهِ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ وَجَدَهَا، لِأَنَّ الهُوِيَّةَ الَّتِي يَسْكُنُهَا لَيْسَتْ ثَمَرَةَ صِدْقٍ دَاخِلِيٍّ، بَلْ قِنَاعٌ صَنَعَهُ تَصْفِيقُ الخَارِجِ. إِنَّهُ لَا يَعُودُ يَسْأَلُ: مَنْ أَنَا أَمَامَ الحَقِّ؟ بَلْ يَسْأَلُ: كَيْفَ أَبْدُو فِي عُيُونِ النَّاسِ؟ لَا يَفْتِشُ عَنْ صَفَاءِ الإِرَادَةِ، بَلْ عَنْ اتِّسَاعِ الصُّورَةِ. وَكُلَّمَا ازْدَادَ حُضُورُ صُورَتِهِ فِي الخَارِجِ نَقَصَ حُضُورُهُ أَمَامَ نَفْسِهِ، حَتَّى يَغْدُو الإِنْسَانُ تِمْثَالًا يَمْشِي، لَهُ مَلَامِحُ الرِّسَالَةِ وَلَا رُوحَ فِيهَا، وَلَهُ هَيْئَةُ البُطُولَةِ وَلَا صِدْقَهَا.

وَأَشَدُّ مَا فِي المَعْنَى الزَّائِفِ أَنَّهُ يَمْنَحُ صَاحِبَهُ طُمَأْنِينَةً أَخْلَاقِيَّةً كَاذِبَةً. فالمَرْءُ العَادِيُّ إِذَا ظَلَمَ رُبَّمَا أَحَسَّ بِوَخْزِ الذَّنْبِ، أَمَّا صَاحِبُ الغَايَةِ الفَاسِدَةِ فَيَظْلِمُ وَهُوَ مُطْمَئِنٌّ، يَقْسُو وَهُوَ يَظُنُّ القَسْوَةَ حَزْمًا، يَحْتَقِرُ وَهُوَ يُسَمِّي الِاحْتِقَارَ بَصِيرَةً، يُبَرِّرُ الوَسِيلَةَ لِأَنَّ النِّهَايَةَ فِي خَيَالِهِ مُقَدَّسَةٌ. وَهُنَا يَبْلُغُ الخَطَرُ مُنْتَهَاهُ: أَنْ تَتَحَوَّلَ الأَخْلَاقُ مِنْ مِيزَانٍ يُحَاكِمُ المَشْرُوعَ إِلَى خَادِمٍ يُزَيِّنُهُ؛ وَأَنْ يَصِيرَ الضَّمِيرُ مُوَظَّفًا فِي بَلَاطِ الغُرُورِ، يُوَقِّعُ مَا يَشَاءُ المَلِكُ الدَّاخِلِيُّ مِنْ مَرَاسِيمَ.

وَلَيْسَتِ الأَوْهَامُ الكُبْرَى وَقْفًا عَلَى الأَفْرَادِ. فَالجَمَاعَاتُ أَيْضًا تَجُوعُ إِلَى المَعْنَى، وَرُبَّمَا كَانَ جُوعُهَا أَعْنَفَ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكْتَفِي بِأَنْ تَرَى نَفْسَهَا مَوْجُودَةً، بَلْ تُرِيدُ أَنْ تَرَى وُجُودَهَا ضَرُورَةً كَوْنِيَّةً. قَدْ تَصْنَعُ الجَمَاعَةُ لِنَفْسِهَا رِوَايَةً مُقَدَّسَةً عَنِ النَّقَاءِ، وَالِاصْطِفَاءِ، وَالمَظْلُومِيَّةِ، وَالحَقِّ الحَصْرِيِّ، ثُمَّ تَجْعَلُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ سُورًا يَحْمِيهَا مِنَ السُّؤَالِ، وَسَيْفًا تُهَاجِمُ بِهِ المُخَالِفَ. وَحِيْنَ يَدْخُلُ المَعْنَى الزَّائِفُ فِي جَسَدِ الجَمَاعَةِ يُصْبِحُ أَكْثَرَ قَسْوَةً؛ لِأَنَّ الفَرْدَ يَظْلِمُ وَهُوَ يَشْعُرُ أَنَّهُ يَحْمِلُ عِبْءَ التَّارِيخِ، وَيَتَعَصَّبُ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ يَحْرُسُ الهُوِيَّةَ، وَيُلْغِي الآخَرَ وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يُنْقِذُ الحَقِيقَةَ مِنَ التَّلَوُّثِ.

المَعْنَى الجَمَاعِيُّ الزَّائِفُ يَصْنَعُ عَالَمًا ثَنَائِيًّا فَقِيرًا: نَحْنُ وَهُمْ، نُورٌ وَظَلَامٌ، طُهْرٌ وَنَجَاسَةٌ، وَلَاءٌ وَخِيَانَةٌ. إِنَّهُ لَا يَرَى الإِنْسَانَ فِي تَعْقِيدِهِ، وَلَا الحَقِيقَةَ فِي سَعَتِهَا، وَلَا التَّارِيخَ فِي تَشَابُكِهِ، بَلْ يَحْتَاجُ إِلَى تَبْسِيطٍ عَنِيفٍ كَيْ يُحَافِظَ عَلَى حَرَارَةِ الوَهْمِ. فَكُلُّ جَمَاعَةٍ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَرَى فَضِيلَةً خَارِجَ حُدُودِهَا، أَوْ خَطًا دَاخِلَ صُفُوفِهَا، قَدْ بَدَأَتْ تَتَحَوَّلُ مِنْ جَمَاعَةِ رِسَالَةٍ إِلَى جَمَاعَةِ صَنَمٍ. وَكُلُّ هُوِيَّةٍ تَحْتَاجُ إِلَى احْتِقَارِ غَيْرِهَا كَيْ تَشْعُرَ بِكَرَامَتِهَا، فَهِيَ لَيْسَتْ هُوِيَّةً وَاثِقَةً، بَلْ جُرْحٌ يَبْحَثُ عَنْ تَاجٍ.

وَمِثْلَمَا تَصْنَعُ الجَمَاعَاتُ أَوْهَامَهَا، تَصْنَعُ البِيئَاتُ الثَّقَافِيَّةُ رُمُوزَهَا الزَّائِفَةَ حِيْنَ يَخْتَلِطُ المَعْنَى بِالسُّوقِ، وَالفِكْرَةُ بِالمِنْبَرِ، وَالرِّسَالَةُ بِالتَّصْفِيقِ. فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ تَكَلَّمَ بِاسْمِ الوَعْيِ وَاعِيًا، وَلَا كُلُّ مَنْ أَحْسَنَ صِنَاعَةَ العِبَارَةِ صَادِقًا فِي حَمْلِ المَعْنَى. قَدْ يَتَحَوَّلُ الفِكْرُ إِلَى زِينَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ، وَالثَّقَافَةُ إِلَى بِضَاعَةٍ مَعْنَوِيَّةٍ، وَالرَّمْزُ إِلَى صُورَةٍ مُدَرَّبَةٍ عَلَى الظُّهُورِ. وَحَيْنَئِذٍ يَظْهَرُ صِنْفٌ مِنَ النَّاسِ لَا يَعِيشُ آلَامَ أُمَّتِهِ بِقَدْرِ مَا يَسْتَثْمِرُهَا، وَلَا يَخْدُمُ الحَقِيقَةَ بِقَدْرِ مَا يَتَّخِذُهَا سُلَّمًا إِلَى المَنْزِلَةِ، وَلَا يَحْمِلُ المَعْنَى إِلَّا كَمَا يَحْمِلُ التَّاجِرُ بِضَاعَتَهُ: يَعْرِضُهُ حَيْثُ يَرْبَحُ، وَيُخْفِيهُ حَيْثُ يُكَلِّفُ.

وَهَذَا هُوَ الفَرْقُ بَيْنَ صَاحِبِ المَعْنَى وَصَاحِبِ المِنَصَّةِ. الأَوَّلُ يَخَافُ عَلَى الحَقِيقَةِ مِنْ نَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يَخَافَ عَلَيْهَا مِنْ خُصُومِهِ، وَالثَّانِي يَخَافُ عَلَى صُورَتِهِ مِنْ انْطِفَاءِ الأَضْوَاءِ. الأَوَّلُ يَزْدَادُ تَوَاضُعًا كُلَّمَا اتَّسَعَتْ مَسْؤُولِيَّتُهُ، وَالثَّانِي يَزْدَادُ انْتِفَاخًا كُلَّمَا اتَّسَعَ جُمْهُورُهُ. الأَوَّلُ يَقْبَلُ أَنْ يَكُونَ جِسْرًا يَعْبُرُ عَلَيْهِ النَّاسُ إِلَى مَا هُوَ أَسْمَى مِنْهُ، وَالثَّانِي يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ المَعْبَرُ وَالمَقْصِدُ وَاللَّافِتَةُ. وَمَا أَكْثَرُ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يَخْدُمُونَ المَعْنَى، وَهُمْ فِي الحَقِيقَةِ يَطْلُبُونَ مِنَ المَعْنَى أَنْ يَخْدُمَ خُلُودَهُمُ الصَّغِيرَ.

“لِذَلِكَ كَانَتْ عَلَامَاتُ المَعْنَى الفَاسِدِ ظَاهِرَةً لِمَنْ لَمْ يَسْحَرْهُ البَرِيقُ. أَوَّلُهَا القَسْوَةُ؛ فَحَيْثُ يَزْدَادُ الِادِّعَاءُ بِالنُّورِ وَتَقِلُّ الرَّحْمَةُ، فَثَمَّةَ ظَلَامٌ يَلْبَسُ ثَوْبَ الفَجْرِ.”

وَثَانِيهَا احْتِقَارُ الآخَرِينَ؛ إِذْ لَا يَصْعَدُ المَعْنَى الحَقُّ عَلَى جَمَاجِمِ البَشَرِ، وَلَا يَحْتَاجُ المُؤْمِنُ بِغَايَتِهِ إِلَى أَنْ يَصْغُرَ النَّاسُ كَيْ يَكْبَرَ. وَثَالِثُهَا تَبْرِيرُ الوَسِيلَةِ؛ فَالغَايَةُ الَّتِي لَا تَخْجَلُ مِنْ أَدَوَاتِهَا لَيْسَتْ غَايَةً شَرِيفَةً، بَلْ شَهْوَةً بَعِيدَةَ المَدَى. وَرَابِعُهَا عِبَادَةُ الذَّاتِ؛ وَهِيَ أَخْفَى العَلَامَاتِ وَأَشَدُّهَا مَكْرًا، لِأَنَّ صَاحِبَهَا قَدْ يَتَحَدَّثُ عَنِ التَّضْحِيَةِ وَالزُّهْدِ وَالخِدْمَةِ، بَيْنَمَا كُلُّ ذَلِكَ يَدُورُ فِي النِّهَايَةِ حَوْلَ تِمْثَالٍ دَاخِلِيٍّ يُرِيدُ السُّجُودَ.

إِنَّ المَعْنَى الحَقَّ لَا يُعْفِي الإِنْسَانَ مِنَ المُحَاسَبَةِ، بَلْ يَزِيدُهُ تَعَرُّضًا لَهَا. كُلَّمَا عَظُمَتِ الغَايَةُ وَجَبَ أَنْ يَشْتَدَّ مَعَهَا الخَوْفُ مِنَ الِانْحِرَافِ، لِأَنَّ الأَفْكَارَ الكُبْرَى إِذَا دَخَلَهَا الفَسَادُ أَفْسَدَتْ بِقَدْرِ اتِّسَاعِهَا. الخَطَرُ فِي المَعَانِي الصَّغِيرَةِ مَحْدُودٌ، أَمَّا المَعَانِي الكُبْرَى فَإِذَا تَلَوَّثَتْ صَارَتْ قَادِرَةً عَلَى صِنَاعَةِ المَآسِي وَهِيَ تَبْتَسِمُ لِلضَّمِيرِ. مِنْ هُنَا كَانَ لَا بُدَّ لِكُلِّ غَايَةٍ أَنْ تُقَادَ إِلَى مَحْكَمَةِ الحَقِّ، لَا أَنْ تُنَصَّبَ قَاضِيَةً عَلَيْهِ. فَالحَقُّ أَعْلَى مِنَ المَشْرُوعِ، وَأَجَلُّ مِنَ الجَمَاعَةِ، وَأَبْقَى مِنَ الزَّعِيمِ، وَأَنْقَى مِنْ طُمُوحِ الفَرْدِ إِلَى الخُلُودِ فِي ذَاكِرَةِ النَّاسِ.

وَلَا يَكُونُ تَطْهِيرُ المَعْنَى بِأَنْ يَتَخَلَّى الإِنْسَانُ عَنِ الغَايَاتِ، فَذَلِكَ مَوْتٌ آخَرُ؛ بَلْ بِأَنْ يَخْلَعَ عَنْهَا رِدَاءَ العِصْمَةِ. أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ المَعْنَى لَيْسَ رُخْصَةً لِلِاسْتِعْلَاءِ، بَلْ تَكْلِيفٌ بِالِانْصِيَاعِ. أَنْ يَسْأَلَ نَفْسَهُ دَائِمًا: هَلْ أُرِيدُ الحَقَّ أَمْ أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ صَاحِبَهُ الوَحِيدَ؟ هَلْ أَخْدُمُ الفِكْرَةَ أَمْ أَسْتَخْدِمُهَا لِأَرْفَعَ صُورَتِي؟ هَلْ أَقْبَلُ أَنْ يَظْهَرَ الصَّوَابُ عَلَى لِسَانِ خَصْمِي؟ هَلْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتَرَاجَعَ دُونَ أَنْ أَشْعُرَ أَنَّ كِيَانِي انْهَارَ؟ هَذِهِ الأَسْئِلَةُ لَيْسَتْ تَرَفًا أَخْلَاقِيًّا، بَلْ حِرَاسَةٌ دَاخِلِيَّةٌ مِنْ تَحَوُّلِ المَعْنَى إِلَى طَاغِيَةٍ.

إِنَّ الطَّرِيقَ إِلَى المَعْنَى النَّقِيِّ يَبْدَأُ مِنْ إِخْضَاعِ الغَايَةِ لِلْحَقِّ. لَا مِنْ زَخْرَفَةِ الغَايَةِ، وَلَا مِنْ إِعْلَانِهَا، وَلَا مِنْ حَشْدِ الأَدِلَّةِ حَوْلَ عَظَمَتِهَا، بَلْ مِنْ جَعْلِهَا قَابِلَةً لِلْمُرَاجَعَةِ أَمَامَ مَا هُوَ أَعْدَلُ وَأَرْحَمُ وَأَصْدَقُ. كُلُّ غَايَةٍ لَا تَزِيدُ الإِنْسَانُ إِنْصَافًا فَهِيَ مَشْبُوهَةٌ. كُلُّ رِسَالَةٍ لَا تَتْرُكُ فِي صَاحِبِهَا مِقْدَارًا مِنَ الحَيَاءِ فَهِيَ نَاقِصَةٌ. كُلُّ مَشْرُوعٍ لَا يَرَى الضُّعَفَاءَ إِلَّا وَقُودًا، وَلَا المُخْتَلِفِينَ إِلَّا تَهْدِيدًا، وَلَا الوَسَائِلَ إِلَّا جُسُورًا إِلَى النَّصْرِ، فَهُوَ مَشْرُوعٌ يَحْمِلُ فِي عُمْقِهِ بَذْرَةَ الخَرَابِ.

ثُمَّ يَأْتِي تَطْهِيرُ الإِرَادَةِ مِنْ شَهْوَةِ التَّمَيُّزِ. وَهَذِهِ هِيَ المَعْرَكَةُ الخَفِيَّةُ الَّتِي لَا يَرَاهَا الجُمْهُورُ وَلَا تُصَفِّقُ لَهَا المِنَابِرُ. أَنْ يَعْمَلَ الإِنْسَانُ لِلْمَعْنَى دُونَ أَنْ يَسْتَعْبِدَ المَعْنَى لِصُورَتِهِ. أَنْ يَفْرَحَ بِانْتِصَارِ الحَقِّ وَلَوْ لَمْ يُنْسَبْ إِلَيْهِ. أَنْ يَقْبَلُ أَنْ يَكُونَ حَجَرًا فِي بِنَاءٍ لَا يَحْمِلُ اسْمَهُ. أَنْ يُدْرِكَ أَنَّ أَصْفَى الأَعْمَالِ مَا تَحَرَّرَ مِنْ طَلَبِ الشَّاهِدِ، وَأَنَّ أَنْبَلَ الرِّسَالَاتِ مَا لَمْ تَتَحَوَّلْ إِلَى مَسْرَحٍ لِلذَّاتِ. فَلَيْسَ أَخْطَرُ عَلَى الرِّسَالَةِ مِنْ صَاحِبِهَا حِيْنَ يَغَارُ عَلَيْهَا لَا لِأَنَّهَا حَقٌّ، بَلْ لِأَنَّهَا صَارَتِ امْتِدَادًا لِغُرُورِهِ.

“المَعْنَى النَّقِيُّ يُعَلِّمُ الإِنْسَانَ أَنْ يَكُونَ كَبِيرًا دُونَ أَنْ يَتَكَبَّرَ، حَازِمًا دُونَ أَنْ يَقْسُوَ، مُخْتَلِفًا دُونَ أَنْ يَحْتَقِرَ، ثَابِتًا دُونَ أَنْ يَتَأَلَّهَ.”

إِنَّهُ لَا يُلْغِي الذَّاتَ، لَكِنَّهُ يُخَلِّصُهَا مِنْ عِبَادَتِهَا. لَا يُطْفِئُ الطَّمُوحَ، لَكِنَّهُ يَغْسِلُهُ مِنَ الحُمَّى. لَا يَكْسِرُ الإِرَادَةَ، لَكِنَّهُ يَجْعَلُهَا شَفَّافَةً أَمَامَ العَدْلِ. وَحَيْنَ يَبْلُغُ الإِنْسَانُ هَذَا المَقَامَ، لَا تَعُودُ الغَايَةُ قِنَاعًا يَخْتَبِئُ خَلْفَهُ، بَلْ مِرْآةً صَافِيَةً يَرَى فِيهَا عُيُوبَهُ قَبْلَ أَنْ يَرَى انْتِصَارَاتِهِ.

وَلَعَلَّ أَعْظَمُ امْتِحَانٍ لِلْمَعْنَى أَنْ يَتْرُكَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ رَحْمَةً مِمَّا كَانَ، لَا أَكْثَرَ صَخَبًا؛ أَكْثَرَ تَوَاضُعًا، لَا أَكْثَرَ انْتِفَاخًا؛ أَكْثَرَ قُدْرَةً عَلَى رُؤْيَةِ الحَقِّ خَارِجَ نَفْسِهِ، لَا أَكْثَرَ انْغِلَاقًا عَلَى تِمْثَالِهِ الدَّاخِلِيِّ. فَالMَعْنَى الَّذِي لَا يُهَذِّبُ صَاحِبَهُ عِبْءٌ عَلَى العَالَمِ، وَالمَعْنَى الَّذِي لَا يَرُدُّ الغُرُورَ إِلَى حَجْمِهِ خَدِيعَةٌ أَنِيقَةٌ، وَالمَعْنَى الَّذِي لَا يَمُرُّ مِنْ بَابِ الحَقِّ قَدْ يَدْخُلُ التَّارِيخَ، لَكِنَّهُ لَا يَدْخُلُ النُّورَ.

فِي النِّهَايَةِ، لَيْسَ الفَرَاغُ وَحْدَهُ مَا يُهْلِكُ الإِنْسَانَ؛ قَدْ يُهْلِكُهُ امْتِلَاءٌ كَاذِبٌ. قَدْ يَضِيعُ لَا لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ غَايَةً، بَلْ لِأَنَّهُ وَجَدَ غَايَةً تُوَافِقُ جُرْحَهُ، وَتُدَلِّلُ غُرُورَهُ، وَتَمْنَحُهُ اسْمًا فَاخِرًا لِمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَخْجَلَ مِنْهُ. وَمَنْ أَرَادَ مَعْنًى لَا يَخُونُهُ فَلْيَضَعْهُ دَائِمًا تَحْتَ عَيْنِ الحَقِّ، وَلِيَغْسِلَهُ بِالرَّحْمَةِ، وَلِيَحْرُسَهُ بِالتَّوَاضُعِ، وَلِيَتَذَكَّرْ أَنَّ الغَايَةَ الَّتِي لَا تَجْعَلُ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ إِنْسَانِيَّةً لَيْسَتْ دَرَجَاتٍ إِلَى السَّمَاءِ، بَلْ دَرَكَاتٍ جَدِيدَةً لِلْهَاوِيَةِ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى