الشعر

ما يغني الذوائق

بِهَذَا الشِّعْرِ تَبْلُغُ كُلَّ شَاهِقْ = وَتَسْقِي بِالشُّعُورِ يَبَابَ خَافِقْ
وَتَمْسَحُ بِالوِدَادِ عَلَى فُؤَادٍ = يَرَاكَ عَلَى جَبِينِ الصِّدْقِ بَارِقْ
عَرِفْتُكَ ذَلكَ الإِنْسَانِ مَهْمَا = دَهَاهُ الزَّيفُ لا يَأتِي البَوَائِقْ
وَكُنْتُ إِذَا أَشَرْتُ إِلَى سَبِيلٍ = إِلى الخَيْرَاتِ كُنْتَ القَومَ سَابِقْ
إِذَا مَا الحَرْفُ أَوْغَلَ فِيكَ وَصْفًا = تَفَتَّحَ فِي دُجَى المَعْنَى شَقَائِقْ
فَمَا بَرٌّ يُلامُ وَأَنْتَ بَرٌّ = وَلا حُرٌّ يُضَامُ بِعَهْدِ وَامِقْ
تُضِيءُ لِكُلِّ مُنْكَسِرٍ طَرِيقًا = كَأَنَّكَ فِي يَدِ الأَيَّامِ فَالِقْ
وَحِينَ يُضَيِّعُ الفُرْسَانُ دَرْبًا = تَظَلُّ عَلَى يَدِ العَزْمِ السَّوَابِقْ
وَحِينَ يُهَاجِرُ الإِحْسَانُ عَنْهُمْ = تَرُدُّ إِلَى مَنَابِعِهِ الخَلَائِقْ
وَتَبْنِي مِنْ غُبَارِ الجُرْحِ صَرْحًا = يُظِلُّ المَجْدَ مَا احْمَرَّتْ بَوَارِقْ
وَتَمْلَأُ وَحْشَةَ الدُّنْيَا حَنِينًا = كَأَنَّكَ فِي مَفَازَتِهَا مَرَافِقْ
وَإِنْ جَفَّتْ عُرُوقُ الحُلْمِ يَوْمًا = جَرَى مِنْ نَبْضِكَ العَذْبِ الرَّوَائِقْ
لَكَ القَلْبُ الَّذِي لَوْ مَسَّ صَخْرًا = أَلَانَ الصَّخْرَ وَانْفَتَحَتْ مَغَالِقْ
لَكَ النَّفْسُ الَّتِي تَأْبَى انْحِنَاءً = إِذَا سَجَدَتْ لِزِينَتِهَا الحَقَائِقْ
فَلَسْتَ مَجَازَ مَدْحٍ فِي قَرِيضٍ = وَلَكِنْ أَنْتَ فِي الأَرْوَاحِ رَائِقْ
إِذَا ضَاقَتْ مَجَارِي الحُبِّ فِيهَا = فَأَنْتَ لِمَاءِ رِقَّتِهَا أَبَارِقْ
وَمَا أَعْطَاكَ رَبُّكَ غَيْرَ نُورٍ = لِتَكْشِفَ عَنْ أَزَاهِيرِ الحَدَائِقْ
فَكَمْ أَحْيَيْتَ مِنْ أَرْضٍ يَبَابٍ = وَكَمْ وَسَّعْتَ فِي صَدْرٍ مَضَائِقْ
وَكَمْ عَلَّمْتَ هَذَا الشِّعْرَ يَرْقَى = إِلَى مَا فَوْقَ أَجْنِحَةِ الخَوَارِقْ
فَإِنْ قَالُوا: تَنَاهَى الشِّعْرُ زَهْوًا = أَتَاهُمْ مِنْكَ مَا يُغْنِي الذَّوَائِقْ
وَإِنْ سَأَلُوا عَنْ مَعْنَاكَ فِيهِم = فَأَنْتَ الصِّدْقُ إِذْ يَعْلُو البَوَاسِقْ
بهذا الشعر تبلغ كل شاهق = وتسقي بالشعور يباب خافق
وتمسح بالوداد على فؤاد = يراك على جبين الصدق بارق
عرفتك ذلك الإنسان مهما = دهاه الزيف لا يأتي البوائق
وكنت إذا أشرت إلى سبيل = إلى الخيرات كنت القوم سابق
إذا ما الحرف أوغل فيك وصفا = تفتح في دجى المعنى شقائق
فما بر يلام وأنت بر = ولا حر يضام بعهد وامق
تضيء لكل منكسر طريقا = كأنك في يد الأيام فالق
وحين يضيع الفرسان دربا = تظل على يد العزم السوابق
وحين يهاجر الإحسان عنهم = ترد إلى منابعه الخلائق
وتبني من غبار الجرح صرحا = يظل المجد ما احمرت بوارق
وتملأ وحشة الدنيا حنينا = كأنك في مفازتها مرافق
وإن جفت عروق الحلم يوما = جرى من نبضك العذب الروائق
لك القلب الذي لو مس صخرا = ألان الصخر وانفتحت مغالق
لك النفس التي تأبى انحناء = إذا سجدت لزينتها الحقائق
فلست مجاز مدح في قريض = ولكن أنت في الأرواح رائق
إذا ضاقت مجاري الحب فيها = فأنت لماء رقتها أبارق
وما أعطاك ربك غير نور = لتكشف عن أزاهير الحدائق
فكم أحييت من أرض يباب = وكم وسعت في صدر مضائق
وكم علمت هذا الشعر يرقى = إلى ما فوق أجنحة الخوارق
فإن قالوا: تناهى الشعر زهوا = أتاهم منك ما يغني الذوائق
وإن سألوا عن معناك فيهم = فأنت الصدق إذ يعلو البواسق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى