الشعر

أحج روحًا

مِنْ رَجْفَةِ الشَّوْقِ فِي الأَجْفَانِ لَمْ أَنَمِ = أُقَلِّبُ الطَّرْفَ بَينَ السُّهْدِ وَالسَّجَمِ
ظَمْآنُ أَطْمَعُ فِي إِنْجَازِ مَا وَعَدَتْ = حَيرَانَ أَسْمَعُ فِي هَمْسِ الهَوَى سَدَمِي
مَلَأْتِ رَوْضَكِ يَا بِنْتَ الرَّبِيعِ شَذًا = فَهَلْ سَفَحْتِ عَلَى خَدِّ الوُرُودِ دَمِي
وَهَلْ صَبَبْتِ لِأَوْرَاقِ الخَرِيفِ صِبًا = أَعَادَ قَلْبَ الفَتَى مِنْ سَطْوَةِ الهَرَمِ
وَهَلْ أَصَابَكِ مِنْ هَارُوتَ فِتْنَتُهُ = حَتَّى سُحِرْتُ بِحُسْنِ الجِسْمِ وَالشِّيَمِ
فَمَا تُمَدُّ إِلَى غَيْرِ الدُّعَاءِ يَدِي = وَلَيسَ تَتْبَعُ إِلا بِالرِّضَا قَدَمِي
وَلَيسَ تُبْصِرُ إِلا المُجْتَبَى مُقَلِي = وَلَيسَ يَنْطِقُ إِلا بِالثّنَاءِ فَمِي
يَا سَاهِمَ الطَّرْفِ تَرْجُو الوَصْلَ مَنْ بَخِلَتْ = بِهِ عَلَيكَ أَمَا لِلشَّوقِ مِنْ سَأَمِ
حَسْبُ الفُؤَادِ ذُهُولًا أَنْ يَذُوبَ أَسًى = بِالسَّادِرَاتِ وَأَنْ يَلْتَذَّ بِالأَلَمِ
كَأَنَّمَا الصَّبْرُ صَابٌ وَالجَوَى وَصَبٌ = وَالذِّكْرَيَاتُ بَقَايَا السُّمِّ وَالدَّسَمِ
وَبِي مِنَ الوَجْدِ مَا يَذْوِي الوُجُودُ بِهِ = مِنَ الحَنِينِ وَمَا يُوهِي مِنَ السَّقَمِ
أُغَالِبُ الدَّمْعَ فِي أَجْفَانِ مُحْتَشِمٍ = وَأَكْتُمُ الحُزْنَ فِي وِجْدَانِ مُبْتَسِمِ
لَمَّا شَدَدْتِ بِلَحْظٍ قُلْتُ يَا كَبِدِي = أُصِبْتُ قَبْلَكَ مِنْ سَهْمٍ عَلَيكَ رُمِي
أُخِذْتَ مِنْ حَيثُ لا قَاعٌ تَلُوذُ بِهِ = مِنَ العُيُونِ وَلا تَقْوَى إِلَى عَلَمِ
يَا وَيْحَ نَفْسِكَ قَدْ أَوْرَدْتَهَا تَلَفًا = وَبَاتَ أَمْرُكَ بَينَ الصَّرْمِ وَالصَّلَمِ
فَمَا انْقَلَبْتَ عَلَى هِنْدٍ بِذِي حَرَضٍ = وَلا سَلِمْتَ إِلَى سَلْمَى بِذِي سَلَمِ
وَلا لَقِيتَ مِنَ الآرَامِ سَانِحَةً = وَلا بَقِيتَ عَزِيزَ الجَنْبِ فِي الأَجَمِ
لا كُنْتَ يَا قَلْبُ إِنْ أَصْبَتْكَ غَانِيَةٌ = فَكَمْ مِنَ العِشْقِ قَدْ أَفْضَى إِلَى النَّدَمِ
مَحَضْتُكَ الصِّدْقَ وَالأَيَّامُ فِي كَذِبٍ = وَعِشْتُكَ الحَقَّ وَالأَحْلامُ فِي بَكَمِ
وَصُنْتُ قَدْرَكَ عَنْ جَهْلٍ وَعَنْ زَلَلٍ = فَهَلْ سَتَعْصِي لِسَانَ النُّصْحِ إِنْ يَلُمِ
يَا غَافِلًا عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ مُنْشَغِلًا = بِالمُلْهِيَاتِ مِنَ الأَوْطَارِ وَالنَّغَمِ
قِيثَارَةُ الرُّوحِ نَاجَتْ مُهْجَتِي فَسَجَتْ = وَانْسَابَ فِيهَا الهُدَى كَالنُّورِ فِي الظُّلَمِ
قَدْ كُنْتُ مُتَّهِمًا صَرْفَ الزَّمَانِ وَقَدْ = ظَنَنْتُ أَنِّي بِصَرْفِي غَيرُ مُتَّهَمِ
حَتَّى جَرَيتُ عَلَى رُجْمٍ وُعِظْتُ بِهَا = وَلَيسَ أَوْقَعَ مِثْلُ الوَعْظِ بِالرُّجُمِ
هِيَ الحَيَاةُ سَرَابٌ لا رَوَاءَ بِهَا = وَلَوْ حَبَتْكَ كُنُوزَ الدُّرِّ وَالحَشَمِ
لَذِيذُ عَيْشِكَ مَهْمَا طَالَ لَيسَ لَهُ = إِلا الفَنَاءُ وَمَهْمَا طَابَ كَالحُلُمِ
تَجْرِي عَلَيكِ يَدُ الأَقْدَارِ نَافِذَةً = فِي صَفْحَةِ اللَّوْحِ مِمَّا خُطَّ بِالقَلَمِ
وَكُلُّ خَفْقَةِ قَلْبٍ فِيكَ تَسْمَعُهَا = يَسْرِي بِكَ المَوْتُ مَسْرَى الرُّوحِ فِي الأَدَمِ
كَمْ ظَنَّ قَبْلَكَ مِنْ عَبْدٍ وَمِنْ مَلِكٍ = بَأَنْ تَدُومَ لَهُ الدُّنْيَا فَلَمْ تَدُمِ
مَضَوا عَلَى الدَّهْرِ وَالآثَارُ فِي عَدَمٍ = وَغَايَةُ الخَلْقِ وَالأَيَّامِ لِلعَدَمِ
فَهَلْ ضَمِنْتَ مِنَ الأَيَّامِ مِنْ دَعَةٍ = وَهَلْ أَمِنْتَ أَذَى مِنْ سَيْلِهَا العَرِمِ
غَوْلُ الحَوَادِثِ إِنْ خَانَتْكَ تَجْرِبَةٌ = أَمْضَى مِنَ السَّيْفِ فِي الهَامَاتِ وَالهِمَمِ
وَرُبَّ حَالٍ يُرِيكَ الدَّهْرُ نِعْمَتَهَا = وَفِي لُبَابَتِهَا ضَرْبٌ مِنَ النِّقَمِ
يَا مَنْ يُسَوِّفُ عِنْدَ اللهِ تَوْبَتَهُ = احْذَرْ فَإِنَّ رَسُولَ المَوْتِ غَيرُ عَمِي
مَاذَا تَقُولُ لِرَبٍّ جِئْتَهُ ثَمِلًا = وَلَمْ تُصَلِّ لَهُ يَوْمًا وَلَمْ تَصُمِ
مَاذَا تَقُولُ وَعَينُ الذُّلِّ صَاغِرَةٌ = وَفُوكَ يُخْتَمُ لا يَقْوَى عَلَى الكَلِمِ
فَدَعْ غُرُورَكَ بِالدُّنْيَا وَزِينَتَهَا = وَعُدْ لِرَبِّكَ بِالطَّاعَاتِ وَاسْتَقِمِ
نَادَى المُنَادِي إِلَى دَرْبِ الهُدَى سُبُلًا = وَأَذَّنَ الحَجُّ فِي أُمِّ القُرَى فَقُمِ
الحَجُّ فَرْضٌ عَلَى التَّعْجِيلِ يَعْمُرُهُ = مَنِ اسْتَطَاعَ وَلَيسَ الحَجُّ فِي الهَرَمِ
بَطْحَاءُ مَكَّةَ فِي الآفَاقِ قَدْ صَدَحَتْ = بِرَحْمَةِ اللهِ فَاسْعَ اليَومَ وَاغْتَنِمِ
بَطْحَاءَ مَكَّةَ يَا خَيْرَ البِلادِ لَهَا = طُهْرًا تَتُوقُ قُلُوبُ الجِنِّ وَالنَّسَمِ
سُبْحَانَكَ الله كَمْ أَوْلَيتَ مِنْ نِعَمٍ = وَكَانَ بَيْتُكَ فِينَا أَكْرَمَ النِّعَمِ
جَعَلْتَ أَفْئِدَةً تَهْوِي إِلَيهِ بِهَا = تُجِيبُ دَعْوَةَ إِبْرَاهِيمَ فِي القِدَمِ
حَتَّى أَتَاهُ مِنَ الآفَاقِ مَنْ رَكِبَتْ = عَلَى سَنَامٍ وَمَنْ يَمْشِي عَلَى قَدَمِ
فِي رِحْلَةِ العُمْرِ يَسْعَى القَوْمُ فِي عَجَلٍ = بِالضَّامِرَاتِ وَيَسْعَى اللهُ بِالرُّحَمِ
لَمَّا وَصَلْتُ إِلَى المِيقَاتِ أَدْرَكَنِي = مِنَ التَّضَرُّعِ مَا أَدْرَكْتُ مِنْ ضَرَمِ
خَلَعْتُ عَنِّي ثِيَابَ الزِّيفِ مُغْتَسِلًا = مِنَ الذُّنُوبِ وَمَا فِي القَلْبِ مِنْ سَخَمِ
نَظَرْتُ حَولِي فَكَانَ النَّاسُ فِي حُرُمٍ = وَقَدْ تَسَاوَى ذَوُو التِّيجَانِ بِالخَدَمِ
لَبَّيكَ حَجًّا لَكَ اللَّهُمَّ يَا أَحَدًا = يَشْدُو بِهَا القَلْبُ فِي وَهْدٍ وَفِي أَكَمِ
لَبَّيكَ لَبَّيكَ لا رَبٌّ سِوَاكَ وَلا = أَرْجُو سِوَاكَ رِضًا يَا عَامِرَ الكَرَمِ
لَبَّيكَ حَمْدًا وَإِيمَانًا وَتَزْكِيَةً = لَبَّيكَ لَبَّيكَ فِي حِلٍّ وَفِي حَرَمِ
إِلَى رِحَابِكَ يَا رَحْمَنُ قَافِلَتِي = فَلا تَكِلْنِي وَكُنْ لِي خَيرَ مُعْتَصَمِ
أَتَيتُ بَابَكَ أَرْجُو قِسْمَةً بِرِضًا = وَمَنْ يُقِمْ عِنْدَ بَابِ اللهِ يَقْتَسِمِ
بَابَ السَّلامِ سَلامُ اللهِ أُمْهِرُهُ = نَجْوَى الفُؤَادِ بِشَوقٍ غَيرِ مُنْفَصِمِ
مَا إِنْ دَلَفْتُ وَعَينُ الشَّوقِ خَاشِعَةٌ = حَتَّى ذَرَفْتُ بِجِفْنٍ غَيرِ مُحْتَشِمِ
وَقَفْتُ فِي الصَّحْنِ لا سَاقٌ تُطِيعُ وَلا = عَقْلٌ يَثُوبُ وَلا أُذْنٌ بِلا صَمَمِ
أُخِذْتُ فِي جُنُبَاتِ الطُّهْرِ مُنْصَدِعًا = حَتَّى شَهَقْتُ بِصَوتٍ غَيرِ مُنْكَتِمِ
وَحَامَتِ الرُّوحُ بُشْرَى حَوْلَ كَعْبَتِهِ = كَأَنَّ مِنِّي كَثِيرَ الشَّوقِ لَمْ يَحُمِ
لَو يَبْذُلُ الدَّهْرُ مِنْهُ الكَوْنَ حِينَئِذٍ = لَمْ أُبْدِلِ الكَونَ بِالنَّشْوَى وَلَمْ أَسُمِ
أَدَرْتُ ذَاكِرَةَ التَّارِيخِ فِي خَلَدِي = فِي السَّابِقَاتِ مِنَ الأَيَّامِ وَالأُمَمِ
هَذَا الخَلِيلُ يَؤُمُّ البَيتَ يَرْفَعُهُ = مِنَ القَوَاعِدِ يَقْضِي الهَمَّ بِالتَّمَمِ
وَذَا المَقَامُ وَإِسْمَاعِيلُ فِي شَرَفٍ = طَوْعَ الأُبُوَّةِ فِي ذَبْحٍ وَفِي وَأَمِ
وَتِي قُرَيشُ بِدَارِ النَّدْوَةِ اجْتَمَعَتْ = مِنْ كُلِّ طَاغِيَةٍ فِي النَّاسِ مُحْتَكِمِ
هَذَا أَبُو لَهَبٍ تَبَّتْ يَدَاهُ طَغَى = فِي النَّاسِ كِبْرًا وَأَحْنَى الرَّأْسَ لِلصَّنَمِ
هُنَا تَنَزَّلَ جِبْرِيلُ الأَمِينُ عَلَى = خَيرِ البَرِيَّةِ فِي حُكْمٍ وَفِي شِيَمِ
هُنَا مُحَمَّدُ فَوْقَ الشِّرْكِ بَدْرُ دُجًى = يَهْدِي الوَرَى سُبُلًا مِنْ دِينِهِ القِيَمِ
أَقَامَ دَولَةَ إِيمَانٍ وَمَعْرِفَةٍ = وَطَهَّرَ البَيتَ مِنْ شِرْكٍ وَمِنْ وَخَمِ
يَا قَاصِدَ البَيْتِ إِنَّ البَيْتَ مَغْفِرَةٌ = تُطَهِّرُ النَّفْسَ مِنْ كِبْرٍ وَمِنْ بَرَمِ
طَافَتْ بِكَ الرُّوحُ تَبْغِي نَيْلَ مَكْرُمَةٍ = تُسَبِّحُ اللهَ فِي شَوْقٍ وَفِي شَمَمِ
مَنْ يَرْتَجِ اللهَ يَلْقَ الخَيْرَ مُنْهَمِرًا = يُهْدِي السَّكِينَةَ مِنْ رَوْعٍ وَمِنْ جَشَمِ
هَذَا السَّبِيلُ فَسِرْ فِي إِثْرِ خَطْوَتِهِ = بَينَ الجُمُوعِ وَهَذَا الرُّكْنُ فَاسْتَلِمِ
وَطُفْ كَمَا طَافَ تَدْعُو اللهَ مُبْتَهِلًا = تَرْجُو الشَّفَاعَةَ ثُمَّ الحِجْرَ فَالْتَزِمِ
وَصَلِّ سُنَّتَهُ خَلْفَ المَقَامِ وَكُنْ = فِي السَّاجِدِينَ لِرَبِّ النَّاسِ وَاسْتَهِمِ
وَإِنْ ظَمِئْتَ فَذِكْرُ اللهِ كَأْسُ نَدًى = وَمَاءُ زَمْزَمَ تَرْوِي رِيقَ كُلِّ ظَمِي
ثُمَّ اسْعَ سَبْعًا وَلا تَبْخَلْ بِأَدْعِيَةٍ = تَفُزْ بِمَا قُلْتَ لا فِيهَا وَمَا نَعَمِ
فَالجِسْمُ يَسْعَى إِلَيهَا مَرْوَةً وَصَفًا = وَالرُّوحُ تَسْعَى إِلَى الرُّضْوَانِ وَالنِّعَمِ
وَفِي مِنًى تَلْتَقِي إِنْ شِئْتَ تَرْوِيَةً = بِكُلِّ مُنْشَغِلٍ بِالذِّكْرِ مُنْسَجِمِ
وَسِرْ إِلَى عَرَفَاتِ اللهِ مُجْتَهِدًا = وَتُبْ إِلَى اللهِ وَابْكِ النَّفْسَ مِنْ أَثَمِ
وَادْعُ الكَرِيمَ بِمَا تَرْجُو يُجِبْكَ بِهِ = وَإِنْ سَأَلْتَ ذُرَى الفِرْدَوسِ لَمْ تُضَمِ
وَإِنْ نَفَرْتَ مَعِ الحُجَّاجِ صَوْبَ مِنًى = فَكُنْ بِشَرْعِ الهُدَى لِلنَّاسِ فِي أَمَمِ
وَإِنْ رَجَمْتَ فَقَصِّرْ وَاتَّبِعْ سُبُلًا = وَاحْلُلْ ثِيَابَكَ وَانْحَرْ فِدْيَةً بِدَمِ
فَإِنْ تَعَجَّلْتَ فِي يَومَينِ لا جَرَمٌ = وَإِنْ تَأَخَّرْتَ فَامْكُثْ غَيرَ مُجْتَرَمِ
وَعُدْ لِمَكَّةَ طُفْ بِالبَيتِ وَارْنُ لَهُ = بِالهَاطِلاتِ وَدَاعَ القَطْرِ لِلدِّيَمِ
يَا رِحْلَةَ النُّورِ بِالإِيمَانِ مَا فَتِئَتْ = فِي كُلِّ عَامٍ لِقَاءَ الطُّهْرِ وَالسَّلَمِ
هُنَا الأُخُوَّةُ بِالإِسْلامِ قَدْ جَمَعَتْ = كُلَّ الأَحِبَّةِ مِنْ عُرْبٍ وَمِنْ عَجَمِ
هُنَا تَوَحَّدَتِ الآرَاءُ وَاعْتَصَمَتْ = تَقْوَى القُلُوبِ بِحَبْلِ الوَاحِدِ الحَكَمِ
هَابَتْ عُرَاهَا حُشُودُ الكُفْرِ وَاحْتَزَبَتْ = لِتَطْعَنَ الدِّينَ فِي المِنْهَاجِ وَالنُّظُمِ
قَالُوا الشَّعَائِرُ لِلأَوْثَانِ مَرْجِعُهَا = وَفِي المَشَاعِرِ مَا يَعْصَى عَلَى الفَهِمِ
وَقِيلَ كَيفَ يُرَى إِبْلِيسُ تَرْجُمُهُ = كُلُّ الجُمُوعِ وَرَغْمَ الرَّجْمِ لَمْ يَهِمِ
وَكَيفَ تَلْثِمُ شَيْئًا ثُمَّ تَحْقِرُهُ = وَكَيفَ تَزْعُمُ أَنَّ الخَيْرَ فِي الخِيَمِ
خَابَ اللِئَامُ وَفِي البُّهْتَانِ قَدْ رُكِسُوا = فَدِينُكَ الحَقُّ يَسْتَعْصِي عَلَى التُّهَمِ
هَلْ أَدْرَكُوا القَدَرَ المَحْتُومَ هَلْ عَقِلُوا = مَعْنَى الوَفَاءِ لِفَحْوَى العَهْدِ وَالذِّمَمِ
وَهَلْ أَقَامُوا عَلَى دِينٍ لِيَحْتَقِرُوا = شَرْعَ المُهَيمِنِ فِي قُدْسِيَّةِ القِيَمِ
إِنَّا لَنَعْبُدُ رَبَّ العَرْشِ طَاعَتُهُ = فَرْضٌ عَلَى العَبْدِ فِي فَهْمٍ وَفِي غَمَمِ
وَمَا الشَّعَائِرُ إِلا مِنْ شَرِيعَتِهِ = لِنَنْهَلَ العَفْوَ مِنْ نَبْعِ الهُدَى الشَّبِمِ
يَا أُمَّةَ الحَقِّ عُودِي لِلهُدَى وَدَعِي = أَوْهَامَ مُحْتَفِلٍ بِاللَّهْوِ مُحْتَدِمِ
فَلَيسَ غَيْرُ حِمَى الدَّيَّانِ يَحْفَظُكُمْ = مِنْ عَجْزِ هِمَّةِ مَقْهُورٍ وَمِنْ وَصَمِ
لا يَأْنَفُ الذُّلَّ إِلا مَنْ يَقُومُ لَهُ = وَلا يَفُوزُ بِتَاجِ المَجْدِ غَيرُ كَمِي
وَالمَوْتُ أَكْرَمُ لِلأَحْرَارِ مِنْ دَعَةٍ = تَسْقِي النُّفُوسَ شَرَابَ الذُّلِّ وَالرَّغَمِ
وَلَيسَ يَنْفَعُ لِلإِنْسَانِ مَعْذِرَةً = أَنْ قَالَ كِدْتُ فَكَادَ الدَّهْرُ بِاللُّجُمِ
وَمَنْ يُجَازِ الوَرَى بِالشَّرِّ يُجْزَ بِهِ = وَمَنْ يُوَازِ بِسِيمَا الخَيرِ يَتَّسِمِ
يَا رَبِّ إِنَّ سَنَا الغُفْرَانِ غَايَتُنَا = وَقَولُكَ الحَقُّ فَاغْفِرْ زَلَّةَ القَدَمِ
وَامْسَحْ إِلَهِي خَطَايَانَا وَمَا كَسَبَتْ = أَيْدِي العِبَادِ مِنَ الآثَامِ وَاللَّمَمِ
بَذَلْتُ نَفْسِي لَكَ اللَّهُمَّ مُحْتَسِبًا = وَقَدْ خَفَضْتُ جَنَاحَ الذُّلِّ فَاحْتَكِمِ
أَحُجُّ رُوحًا وَفِي الرِّضْوانِ لِي أَمَلٌ = فَاقْبَلْ دُعَائِي مَعِ الحُجَّاجِ فِي الحَرَمِ
وَارْفَعْ مَقَامِي بِمَا أَسْدَيتَ مِنْ نِعَمٍ = بَيْنَ الخَلائِقِ وَاكْتُبْ حُسْنَ مُخْتَتَمِ
من رجفة الشوق في الأجفان لم أنم = أقلب الطرف بين السهد والسجم
ظمآن أطمع في إنجاز ما وعدت = حيران أسمع في همس الهوى سدمي
ملأت روضك يا بنت الربيع شذا = فهل سفحت على خد الورود دمي
وهل صببت لأوراق الخريف صبا = أعاد قلب الفتى من سطوة الهرم
وهل أصابك من هاروت فتنته = حتى سحرت بحسن الجسم والشيم
فما تمد إلى غير الدعاء يدي = وليس تتبع إلا بالرضا قدمي
وليس تبصر إلا المجتبى مقلي = وليس ينطق إلا بالثناء فمي
يا ساهم الطرف ترجو الوصل من بخلت = به عليك أما للشوق من سأم
حسب الفؤاد ذهولا أن يذوب أسى = بالسادرات وأن يلتذ بالألم
كأنما الصبر صاب والجوى وصب = والذكريات بقايا السم والدسم
وبي من الوجد ما يذوي الوجود به = من الحنين وما يوهي من السقم
أغالب الدمع في أجفان محتشم = وأكتم الحزن في وجدان مبتسم
لما شددت بلحظ قلت يا كبدي = أصبت قبلك من سهم عليك رمي
أخذت من حيث لا قاع تلوذ به = من العيون ولا تقوى إلى علم
يا ويح نفسك قد أوردتها تلفا = وبات أمرك بين الصرم والصلم
فما انقلبت على هند بذي حرض = ولا سلمت إلى سلمى بذي سلم
ولا لقيت من الآرام سانحة = ولا بقيت عزيز الجنب في الأجم
لا كنت يا قلب إن أصبتك غانية = فكم من العشق قد أفضى إلى الندم
محضتك الصدق والأيام في كذب = وعشتك الحق والأحلام في بكم
وصنت قدرك عن جهل وعن زلل = فهل ستعصي لسان النصح إن يلم
يا غافلا عن سبيل الحق منشغلا = بالملهيات من الأوطار والنغم
قيثارة الروح ناجت مهجتي فسجت = وانساب فيها الهدى كالنور في الظلم
قد كنت متهما صرف الزمان وقد = ظننت أني بصرفي غير متهم
حتى جريت على رجم وعظت بها = وليس أوقع مثل الوعظ بالرجم
هي الحياة سراب لا رواء بها = ولو حبتك كنوز الدر والحشم
لذيذ عيشك مهما طال ليس له = إلا الفناء ومهما طاب كالحلم
تجري عليك يد الأقدار نافذة = في صفحة اللوح مما خط بالقلم
وكل خفقة قلب فيك تسمعها = يسري بك الموت مسرى الروح في الأدم
كم ظن قبلك من عبد ومن ملك = بأن تدوم له الدنيا فلم تدم
مضوا على الدهر والآثار في عدم = وغاية الخلق والأيام للعدم
فهل ضمنت من الأيام من دعة = وهل أمنت أذى من سيلها العرم
غول الحوادث إن خانتك تجربة = أمضى من السيف في الهامات والهمم
ورب حال يريك الدهر نعمتها = وفي لبابتها ضرب من النقم
يا من يسوف عند الله توبته = احذر فإن رسول الموت غير عمي
ماذا تقول لرب جئته ثملا = ولم تصل له يوما ولم تصم
ماذا تقول وعين الذل صاغرة = وفوك يختم لا يقوى على الكلم
فدع غرورك بالدنيا وزينتها = وعد لربك بالطاعات واستقم
نادى المنادي إلى درب الهدى سبلا = وأذن الحج في أم القرى فقم
الحج فرض على التعجيل يعمره = من استطاع وليس الحج في الهرم
بطحاء مكة في الآفاق قد صدحت = برحمة الله فاسع اليوم واغتنم
بطحاء مكة يا خير البلاد لها = طهرا تتوق قلوب الجن والنسم
سبحانك الله كم أوليت من نعم = وكان بيتك فينا أكرم النعم
جعلت أفئدة تهوي إليه بها = تجيب دعوة إبراهيم في القدم
حتى أتاه من الآفاق من ركبت = على سنام ومن يمشي على قدم
في رحلة العمر يسعى القوم في عجل = بالضامرات ويسعى الله بالرحم
لما وصلت إلى الميقات أدركني = من التضرع ما أدركت من ضرم
خلعت عني ثياب الزيف مغتسلا = من الذنوب وما في القلب من سخم
نظرت حولي فكان الناس في حرم = وقد تساوى ذوو التيجان بالخدم
لبيك حجا لك اللهم يا أحدا = يشدو بها القلب في وهد وفي أكم
لبيك لبيك لا رب سواك ولا = أرجو سواك رضا يا عامر الكرم
لبيك حمدا وإيمانا وتزكية = لبيك لبيك في حل وفي حرم
إلى رحابك يا رحمن قافلتي = فلا تكلني وكن لي خير معتصم
أتيت بابك أرجو قسمة برضا = ومن يقم عند باب الله يقتسم
باب السلام سلام الله أمهره = نجوى الفؤاد بشوق غير منفصم
ما إن دلفت وعين الشوق خاشعة = حتى ذرفت بجفن غير محتشم
وقفت في الصحن لا ساق تطيع ولا = عقل يثوب ولا أذن بلا صمم
أخذت في جنبات الطهر منصدعا = حتى شهقت بصوت غير منكتم
وحامت الروح بشرى حول كعبته = كأن مني كثير الشوق لم يحم
لو يبذل الدهر منه الكون حينئذ = لم أبدل الكون بالنشوى ولم أسم
أدرت ذاكرة التاريخ في خلدي = في السابقات من الأيام والأمم
هذا الخليل يؤم البيت يرفعه = من القواعد يقضي الهم بالتمم
وذا المقام وإسماعيل في شرف = طوع الأبوة في ذبح وفي وأم
وتي قريش بدار الندوة اجتمعت = من كل طاغية في الناس محتكم
هذا أبو لهب تبت يداه طغى = في الناس كبرا وأحنى الرأس للصنم
هنا تنزل جبريل الأمين على = خير البرية في حكم وفي شيم
هنا محمد فوق الشرك بدر دجى = يهدي الورى سبلا من دينه القيم
أقام دولة إيمان ومعرفة = وطهر البيت من شرك ومن وخم
يا قاصد البيت إن البيت مغفرة = تطهر النفس من كبر ومن برم
طافت بك الروح تبغي نيل مكرمة = تسبح الله في شوق وفي شمم
من يرتج الله يلق الخير منهمرا = يهدي السكينة من روع ومن جشم
هذا السبيل فسر في إثر خطوته = بين الجموع وهذا الركن فاستلم
وطف كما طاف تدعو الله مبتهلا = ترجو الشفاعة ثم الحجر فالتزم
وصل سنته خلف المقام وكن = في الساجدين لرب الناس واستهم
وإن ظمئت فذكر الله كأس ندى = وماء زمزم تروي ريق كل ظمي
ثم اسع سبعا ولا تبخل بأدعية = تفز بما قلت لا فيها وما نعم
فالجسم يسعى إليها مروة وصفا = والروح تسعى إلى الرضوان والنعم
وفي منى تلتقي إن شئت تروية = بكل منشغل بالذكر منسجم
وسر إلى عرفات الله مجتهدا = وتب إلى الله وابك النفس من أثم
وادع الكريم بما ترجو يجبك به = وإن سألت ذرى الفردوس لم تضم
وإن نفرت مع الحجاج صوب منى = فكن بشرع الهدى للناس في أمم
وإن رجمت فقصر واتبع سبلا = واحلل ثيابك وانحر فدية بدم
فإن تعجلت في يومين لا جرم = وإن تأخرت فامكث غير مجترم
وعد لمكة طف بالبيت وارن له = بالهاطلات وداع القطر للديم
يا رحلة النور بالإيمان ما فتئت = في كل عام لقاء الطهر والسلم
هنا الأخوة بالإسلام قد جمعت = كل الأحبة من عرب ومن عجم
هنا توحدت الآراء واعتصمت = تقوى القلوب بحبل الواحد الحكم
هابت عراها حشود الكفر واحتزبت = لتطعن الدين في المنهاج والنظم
قالوا الشعائر للأوثان مرجعها = وفي المشاعر ما يعصى على الفهم
وقيل كيف يرى إبليس ترجمه = كل الجموع ورغم الرجم لم يهم
وكيف تلثم شيئا ثم تحقره = وكيف تزعم أن الخير في الخيم
خاب اللئام وفي البهتان قد ركسوا = فدينك الحق يستعصي على التهم
هل أدركوا القدر المحتوم هل عقلوا = معنى الوفاء لفحوى العهد والذمم
وهل أقاموا على دين ليحتقروا = شرع المهيمن في قدسية القيم
إنا لنعبد رب العرش طاعته = فرض على العبد في فهم وفي غمم
وما الشعائر إلا من شريعته = لننهل العفو من نبع الهدى الشبم
يا أمة الحق عودي للهدى ودعي = أوهام محتفل باللهو محتدم
فليس غير حمى الديان يحفظكم = من عجز همة مقهور ومن وصم
لا يأنف الذل إلا من يقوم له = ولا يفوز بتاج المجد غير كمي
والموت أكرم للأحرار من دعة = تسقي النفوس شراب الذل والرغم
وليس ينفع للإنسان معذرة = أن قال كدت فكاد الدهر باللجم
ومن يجاز الورى بالشر يجز به = ومن يواز بسيما الخير يتسم
يا رب إن سنا الغفران غايتنا = وقولك الحق فاغفر زلة القدم
وامسح إلهي خطايانا وما كسبت = أيدي العباد من الآثام واللمم
بذلت نفسي لك اللهم محتسبا = وقد خفضت جناح الذل فاحتكم
أحج روحا وفي الرضوان لي أمل = فاقبل دعائي مع الحجاج في الحرم
وارفع مقامي بما أسديت من نعم = بين الخلائق واكتب حسن مختتم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى