كُلَّمَا ادْلَهَمَّتْ غَيَاهِبُ الخُطُوبِ، وَتَشَعَّبَتْ فِي حَنَايَا الرُّوحِ مَسَالِكُ الغُيُوبِ، تَهَادَى إِلَيَّ سَنَا طَيْفِكِ كَمَا يَنْسَرِبُ الضِّيَاءُ إِلَى رَدْهَةٍ أُوصِدَتْ مَنَافِذَهَا سُدْفَةٌ مِنَ صُرُوفِ الدَّهْرِ؛ فَلَا يَسْتَأْذِنُ لِلْوُلُوجِ بَابًـا، وَلَا يَرْفَعُ لِلنِّدَاءِ صَوْتًـا، بَيْدَ أَنَّهُ يُعِيدُ جَوْهَرَ الأَشْيَاءِ فِي مَكَامِنِ الذَّاتِ، وَيُعِيدُ صِيَاغَةَ العَالَمِ بِلَمْسَةٍ حَانِيَةٍ. أَقْرَأُ قَسَمَاتِكِ بِتُؤَدَةٍ تُشَاكِلُ صَمْتَ المُتَبَتِّلِ فِي مِحْرَابِهِ، فَكَانَتْ كُلُّ لَفْتَةٍ لُغَةً تَتَهَادَى فِي صَدْرِي تَهَادِيَ النَّسِيمِ فِي الرَّوْضِ العَلِيلِ، تَسْرِي فِي أَعْطَافِ الفُؤَادِ سَرَيَانَ البُرْءِ فِي العِلَّةِ، تَنْقُشُ أَثَرَهَا وَتَسْتَقِرُّ فِي السُّوَيْدَاءِ، تَرْتَادُ مَجَاهِلَ النَّفْسِ، وَتَتْرُكُ فِيهَا وَشْمًـا مِنَ النُّورِ لَا يَمَّحِي. فِي مَنْطِقِكِ سِرٌّ لَدُنِيٌّ يَهْتَدِي إِلَى عُرُوجِ القَلْبِ بِلَا خَرَائِطَ، يَسْتَحِثُّ المَعْنَى قَبْلَ ارْتِدَادِ الشُّعُورِ، وَيُحِيلُ اللُّغَةَ مِنْ كَثَافَةِ المَبْنَى إِلَى لَطَافَةِ المَعْنَى حَتَّى تَغْدُوَ نَفَسًـا يَتَرَدَّدُ فِي الصُّدُورِ بِرُوحٍ مُجَرَّدَةٍ، وَنَفَسًـا عُلْوِيًّـا يَتَرَقَّى عَنْ دَنَسِ المَادَّةِ. حِينَمَا تَتَجَلَّيْنَ فِي مَقَامِ الصَّفَاءِ هَذَا، مُتَحَرِّرَةً مِنْ مَوَازِينِ الحِسَابَاتِ وَأَغْلَالِ التَّكَلُّفِ، يَضِيقُ الكَوْنُ وَيَتَّسِعُ مَدَاكِ، وَتَغْدُو الحَقَائِقُ أَنْصَعَ جَلَاءً، وَيَصِيرُ الجَمَالُ فِيكِ بَدِيهَةً كَوْنِيَّةً تُغْنِي عَنِ الشَّرْحِ وَالتَّبْيَانِ، وَيَصِيرُ الكَمَالُ نَامُوسًـا كَوْنِيًّـا لَا يَفْتَقِرُ إِلَى بُرْهَانٍ.
أَهْوَى فِيكِ، فَوْقَ مَا تُحِيطُ بِهِ البَلَاغَةُ، تِلْكَ اللَّحْظَةَ الَّتِي تَعْتَصِمِينَ فِيهَا بِالسَّكِينَةِ بَدَلًـا مِنَ الِارْتِجَالِ، وَتُسْلِمِينَ لِلْقَلْبِ زِمَامَ القَوْلِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَبِدَّ بِهِ لَظَى الِانْفِعَالِ. ثَمَّةَ نُسْخَةٌ مِنْ كِيَانِكِ حِينَ تَسْكُنُ، تَكُونُ أَدْنَى إِلَى مَاهِيَّةِ الضِّيَاءِ؛ تَرْنُو فَلَا تَجْرَحُ، وَتَنْطِقُ فَلَا تُثْقِلُ، وَتَصِلُ إِلَى العُمْقِ دُونَ صَخَبِ اصْطِدَامٍ. هَذِهِ النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ لَا تَرْتَهِنُ لِمُحَاكَمَةٍ أَوْ دِفَاعٍ؛ لِأَنَّهَا تَنْسَابُ بِخُطًى وُئِيدَةٍ نَاعِمَةٍ، تَمْتَلِكُ الآفَاقَ دُونَ أَنْ تَثْلِمَ رَهَافَةَ اللَّطَفِ. كُلَّمَا أَوْغَلْتِ فِي مَعَارِجِ هَذَا النَّقَاءِ، انْفَسَحَتْ بَيْنَنَا فَضَاءَاتُ الثِّقَةِ النَّجِيبَةِ وَاقْتَرَبَتْ لَنَا مَسَافَاتُ الأُنْسِ الرَّحِيبَةِ، وَكَأَنَّ جَذْوَةَ الحُبِّ تَتَنَفَّسُ مِلْءَ رِئَتَيْهَا حِينَ تُعْتَقُ مِنْ رِبْقَةِ القُيُودِ وَفُضُولِ الشُّرُوطِ.
وَمَا هَذَا الشُّعُورُ الَّذِي يَعْتَرِينِي بِحَضْرَتِكِ إِلَّا رُجُوعُ الغَرِيبِ إِلَى وَطَنِهِ القَدِيمِ؛ فَلَسْتِ مَحْضَ امْرَأَةٍ عَبَرَتْ فِي يَبَابِ العُمْرِ، بَلْ أَنْتِ فِي عَقِيدَةِ القَلْبِ اسْتِعَادَةٌ لِزَمَنِ الفِطْرَةِ الأُولَى، حِينَ كَانَتِ المَعَانِي عُرَاةً مِنَ الزَّيْفِ. إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَكِ لُغَةً ثَالِثَةً لَا تَنْتَمِي لِقَوَامِيسِ البَشَرِ، حُرُوفُهَا مِنْ نَبْضٍ وَسَكَنَاتُهَا مِنْ نُورٍ، نَتَبَادَلُ بِهَا شَفْرَةَ الرُّوحِ دُونَ أَنْ نُحَرِّكَ شِفَاهًـا، وَكَأَنَّنَا تَعَاهَدْنَا عَلَى المَحَبَّةِ فِي عَالَمِ الذَّرِّ قَبْلَ أَنْ تَكْتَسِيَ أَرْوَاحُنَا قُمْصَانَ الطِّينِ. فَأَنْتِ المَلَاذُ حِينَ تَضِيقُ بِالحَقِيقَةِ العِبَارَةُ، وَأَنْتِ التَّأْوِيلُ حِينَ يَسْتَغْلِقُ عَلَى الفَهْمِ المَجَازُ.
يُدْهِشُنِي فِيكِ هَذَا التَّوَقُّدُ الذِّهْنِيُّ الَّذِي يَتَسَرْبَلُ بِالوَقَارِ فَلَا يَسْتَجْدِي الِالتِفَاتَ، وَهَذَا الدِّفْءُ الرَّصِينُ الَّذِي يَنْبُعُ مِنْ ذَاتِهِ فَلَا يَبْتَغِي الثَّنَاءَ. إِنَّ أُنُوثَتَكِ لَا تَتَبَدَّى فِي هَيْئَةِ زِينَةٍ مَصْنُوعَةٍ، بَلْ تَنْبَثِقُ كَرُؤْيَةٍ نَيِّرَةٍ، وَإِيمَاءَةٍ حَكِيمَةٍ، وَعِبَارَةٍ رَشِيقَةٍ تُدْرِكُ يَوَاقِيتَ المَضِيِّ وَمَوَاقِيتَ الوُقُوفِ. وَهَمْسُكِ لَا يُزَاحِمُ الخَوَاطِرَ، بَلْ يَفْسَحُ لَهَا مَدَارًا فِي مَلَكُوتِ التَّأَمُّلِ، ثُمَّ يَسْتَوِي عَلَى عَرْشِ الفُؤَادِ مُطْمَئِنًّـا، كَأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ حُضُورَهُ الرَّهِيفَ هُوَ الغَايَةُ وَالمُنْتَهَى. لِذَا، لَسْتُ أَسْرِدُ مَحَامِدَكِ تَعْدَادًـا لِلصِّفَاتِ وَسَرْدًـا لِلْمَنَاقِبِ، بَلْ لِأَنَّ بَعْضَ الحُضُورِ لَهُ سُطْوَةٌ تَفْرِضُ لُغَتَهَا القُدْسِيَّةَ الَّتِي لَا تُحَاكَى، وَبَعْضَ اللَّحَظَاتِ لَا تُسْتَنْطَقُ إِلَّا بِتَرْتِيلٍ ثَانٍ يَنْفُذُ إِلَى جَوْهَرِ الخُلُودِ.
أُحِبُّكِ فِي جَمِيعِ تَجَلِّيَاتِكِ، فِي رَصَانَةِ عَقْلِكِ وَجُمُوحِ رُوحِكِ، فِي صَمْتِكِ حِينَ يَكُونُ الصَّمْتُ أَسْمَى بَيَانًـا، وَفِي بَسَمَاتِكِ حِينَ تُعِيدُ لِلْكَوَنِ تَرْتِيبَهُ البَهِيجَ وَنِظَامَهُ الأَوَّلَ. أُحِبُّكِ كَمَا تُعْشَقُ الحَوَاضِرُ العَتِيقَةُ الَّتِي نَحْفَظُ دُرُوبَهَا شِبْرًا شِبْرًا، ثُمَّ نَسْتَشِفُّ فِي كُلِّ إِشْرَاقَةٍ مَكَامِنَ سِحْرِهَا البِكْرِ الَّذِي لَمْ يَمَسَّهُ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ. وَالآنَ، وَمِدَادُ الوَجْدِ يَجْرِي مَجْرَى الرُّوحِ فِي الجَسَدِ، يَتَقَدَّمُ الشَّوْقُ بِوَثَبَاتٍ وَاثِقَةٍ، لَا يَلْوِي عَلَى بُعْدٍ، وَلَا يُقِرُّ بِتَسْوِيفٍ أَوْ إِعْرَاضٍ. لِقَاؤُنَا دَانٍ كَقَطْفِ الجَنَّةِ، أُوقِنُ بِذَلِكَ يَقِينَ الأَشْيَاءِ الَّتِي لَا تَعْتَرِيهَا الظُّنُونُ، وَكَمَا تُصَانُ العُهُودُ الحَقَّةُ حِينَ تُنْفَثُ بِهَمْسِ الثِّقَةِ وَشُمُوخِ اليَقِينِ الَّذِي لَا يَتَزَعْزَعُ، لِيَكُونَ وَصْلُنَا قَدَرًا مَحْتُومًـا كَشُرُوقِ الشَّمْسِ بَعْدَ طُولِ مُغِيبٍ.
