تجاعيد الغياب
عَلَى حَوَافِّ الغَدِيرِ السِّرِّيِّ المَنْسِيِّ فِي خَاصِرَةِ الزَّمَانِ، حَيْثُ تَتَخَلَّعُ المَوَادُّ عَنْ كَثَافَتِهَا الطِّينِيَّةِ السَّمِيكَةِ لِتَلْبَسَ شَفَافِيَةَ الأَرْوَاحِ المُحَلِّقَةِ، جَلَسْتُ وَحْدِي بِجَلَالِ الخَلْوَةٍ التِي لا تُشْبِهُ الوَحْشَةَ، وَالانْفِرَادٍ الذي لا يَسْتَعِيرُ أُنْسَهُ مِنْ ضَجِيجِ العَابِرِينَ. كَانَ ذَلِكَ المَكَانُ مِحْرَابًا طَبِيعِيًّا فَارِهَ السُّكُونِ، تَنْفَتِحُ فِيهِ أَبْوَابُ الرُّؤْيَا عَلَى مَشْهَدٍ كَوْنِيٍّ مُهَذَّبِ الرَّهْبَةِ، تَفَتَّقَتْ فِيهِ أَكْمَامُ السَّرَائِرِ الخَفِيَّةِ، وَتَعَانَقَتْ فِيهِ غُصُونُ المَعَانِي البِكْرِ، لِتَنْسُجَ فَوْقَ الرُّوحِ قُبَّةً مِنْ ظِلَالٍ نَاعِمَةٍ، مُشَبَّعَةٍ بِحَنَانٍ يَقْطُرُ كَرَذَاذِ السَّكِينَةِ عَلَى صَحْرَاءِ الوُجْدَانِ.
لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الثَّغْرُ المَائِيُّ مُجَرَّدَ حَيِّزٍ عَابِرٍ فِي تَقَاسِيمِ الأَرْضِ، بَلْ كَانَ امْتِدَادًا شُعُورِيًّا لِسَاحَاتِ صَدْرِي، وَمِرْآةً كُبْرَى تَعْكِسُ مَا يَغِيبُ عَنِ العَيْنِ وَيَسْكُنُ فِي طَبَقَاتِ البَصِيرَةِ. كَانَتْ صَفْحَتُهُ السَّاكِنَةُ تُلَمْلِمُ مَا بَعْثَرَتْهُ الأَيَّامُ مِنْ خُطًى وَأَسْئِلَةٍ وَأَشْوَاقٍ، وَتَرُدُّ إِلَى النَّفْسِ بَعْضَ تَرْتِيبِهَا الأَوَّلِ، كَأَنَّ المَاءَ لا يَعْكِسُ الوُجُوهَ فَحَسْبُ، بَلْ يَعْكِسُ أَيْضًا مَا انْحَنَى فِي الدَّاخِلِ، وَمَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَقِيمَ فَلَمْ يَجِدْ إِلَّا الصَّمْتَ عَوْنًا.
وَكَانَتْ خُيُوطُ الشَّمْسِ الوَاهِيَةُ، وَهِيَ تَلْفِظُ أَنْفَاسَهَا الضَّوْئِيَّةَ الأَخِيرَةَ عَلَى عَتَبَاتِ الأُفُقِ الغَائِرِ، تَعْمَلُ كَنَسَّاجٍ مَاهِرٍ يَحُوكُ رِدَاءَ الأَصِيلِ مِنْ حُمْرَةٍ شَفَقِيَّةٍ نَبِيلَةٍ، تُشْبِهُ فِي هُدُوئِهَا العَمِيقِ هُدُوءَ ابْتِسَامَتِكِ حِينَ تَمُرُّ عَلَى خَوَاطِرِي، فَتُبَدِّدُ قَلَقَهَا، وَتُهَدِّئُ رَوْعَهَا، وَتَجْعَلُ الدَّمَ، بَعْدَ طُولِ احْتِدَامٍ، أَقْرَبَ إِلَى مَاءِ الطُّمَأْنِينَةِ مِنْهُ إِلَى نَارِ التَّوَجُّسِ. كَأَنَّ الكَوْنَ اسْتَرَقَ مِنْ شِفَاهِكِ لَوْنًا، وَمِنْ نَبْرَةِ صَوْتِكِ حَرْفًا مِنْ حُرُوفِ السَّلَامِ الأَوَّلِ، فَصَارَ المَغِيبُ أَقَلَّ وَحْشَةً، وَصَارَتِ العَتَمَةُ المُقْبِلَةُ أَشْبَهَ بِعَبَاءَةٍ حَانِيَةٍ لا بِسِتَارٍ ثَقِيلٍ.
وَخَلْفَ تِلْكَ الرَّابِيَةِ المُكَلَّلَةِ بِتِيجَانِ الوَقَارِ، كَانَتْ عَيْنُ البَصِيرَةِ تَلْمَحُ امْتِدَادَ بِسَاطِ الرَّبِيعِ؛ مُخْمَلِيَّ التَّكْوِينِ، أَخْضَرَ الدِّيبَاجَةِ، يَفْرِشُ ذَاتَهُ فِي أُنَاقَةٍ وَادِعَةٍ لِيَحْتَفِيَ بِتِلْكَ الظِّبَاءِ النَّافِرَةِ فِي أَقَاصِي البُعْدِ. ظِبَاءٌ لا تَحْمِلُ مِنَ الطِّينِ ثِقَلَهُ، بَلْ تَرْمُزُ لِتِلْكَ الأَشْوَاقِ الجَمُوحِ الَّتِي تَرْعَى فِي سُهُولِ النَّفْسِ المُمْتَدَّةِ، خَفِيفَةَ الوَطْءِ، عَصِيَّةً عَلَى الاِقْتِنَاصِ، تَتَحَرَّكُ فِي رَشَاقَةِ قَصِيدَةٍ شَارِدَةٍ، أَوْ فِي رِقَّةِ ذِكْرَى مُطَهَّرَةٍ تَمْشِي عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهَا فِي مَمَرَّاتِ الدَّمِ.
كَانَتْ تَرْعَى فِي ذَلِكَ البَرَاحِ كَأَنَّهَا أَفْكَارٌ عُذْرِيَّةٌ فِي ذِهْنِ عَارِفٍ ضَاقَتْ بِهَا قَوَالِبُ اللُّغَةِ، فَتَرَكَهَا تَمْرَحُ فِي بَرَارِي الجَمَالِ، لا يَحْكُمُهَا قَيْدٌ إِلَّا شَرَفُ كَيْنُونَتِهَا، وَلا يَصُونُهَا سُورٌ إِلَّا مَا فِيهَا مِنْ بَهَاءٍ فِطْرِيٍّ يَأْبَى الاِبْتِذَالَ. هُنَاكَ، بَيْنَ الغَدِيرِ وَالرَّابِيَةِ وَرِعْيِ الظِّبَاءِ، كَانَتِ الطَّبِيعَةُ تَتَكَلَّمُ بِلُغَةٍ لا تَنْطِقُ، وَتَكْشِفُ، فِي صَمْتِهَا، أَنَّ الأَشْيَاءَ الجَمِيلَةَ لا تَحْتَاجُ إِلَى ضَجِيجٍ كَيْ تُثْبِتَ حُضُورَهَا.
وَفِي غَمْرَةِ هَذَا الاِسْتِغْرَاقِ العَذْبِ، كَانَتْ زَقْزَقَاتُ العَصَافِيرِ المَسَائِيَّةِ تَصْعَدُ مِنْ أَغْصَانِهَا كَأَنَّهَا تَرْجَمَةٌ شَفِيفَةٌ لِرَجْفَةِ صَدْرِي. لَمْ تَكُنْ أَصْوَاتًا غَرِيزِيَّةً تُبَعْثِرُهَا الحَنَاجِرُ الصَّغِيرَةُ فِي الهَوَاءِ، بَلْ كَانَتْ تَرَاتِيلَ مِنْ شَفَقٍ، تُطْرِبُ كِيَانِي المُرْهَقَ بِمُكَابَدَةِ الغِيَابِ، وَتَدْعُو حَوَاسِّيَ كُلَّهَا إِلَى أَنْ تَتَخَفَّفَ مِنْ وَظَائِفِهَا العَادِيَّةِ، وَتُنْصِتَ بِخُشُوعٍ إِلَى مَا وَرَاءَ جِدَارِ الصَّوْتِ. كَانَتْ تِلْكَ الأَطْيَارُ تُغَرِّدُ بِلَحْنٍ مُشْرَئِبٍّ نَحْوَ السَّمَاوَاتِ، رَقِيقٍ كَخَيْطِ ضَوْءٍ مَغْسُولٍ بِمَاءِ الوَرْدِ، يُمَرِّرُ أَلَمَ الاِنْتِظَارِ عَلَى أَعْصَابِي، ثُمَّ يَرُدُّهُ إِلَيَّ أَجْمَلَ وَأَهْدَأَ وَأَقْرَبَ إِلَى الرِّضَا.
كُلَّمَا أَصَخْتُ إِلَى هَذَا الشَّجَنِ، حَمَلَنِي التَّغْرِيدُ عَلَى صَهَوَاتِ رَجْعِهِ، مُحَلِّقًا بِي خَارِجَ أَسْوَارِ السِّجْنِ المَادِّيِّ، إِلَى بَرْزَخٍ عُلْوِيٍّ لا تَثْقُلُ فِيهِ السَّاعَاتُ، وَلا يَفْرِضُ فِيهِ المَكَانُ حُدُودَهُ عَلَى اتِّسَاعِ الرُّوحِ. هُنَاكَ، حَيْثُ يَغْدُو الشَّوْقُ أَوْسَعَ مِنَ المَسَافَةِ، وَتَصِيرُ اللَّحْظَةُ أَعْمَقَ مِنْ عُمْرٍ كَامِلٍ، أَغْمَضْتُ عَيْنَيَّ. أَغْمَضْتُهُمَا لا هَرَبًا مِنَ المَشْهَدِ، بَلْ دُخُولًا إِلَيْهِ مِنْ بَابٍ أَصْدَقَ؛ فَالإِبْصَارُ المَادِّيُّ، حِينَ يَغْمُرُ القَلْبَ طَيْفُكِ، يَتَرَاجَعُ مُتَأَدِّبًا لِتَتَقَدَّمَ البَصِيرَةُ.
بِإِغْمَاضِ العَيْنَيْنِ انْقَشَعَ حِجَابُ المَسَافَةِ، وَانْفَتَحَ بَابُ الغَيْبِ الدَّاخِلِيِّ، فَرَأَيْتُكِ يَقِينًا شَاخِصًا بَيْنَ الجُفُونِ وَالمُقَلِ؛ كَوْكَبًا دُرِّيًّا يَمْحُو بَقَايَا الشَّكِّ، وَيُشَارِكُنِي احْتِسَاءَ كُؤُوسِ هَذَا الجَمَالِ الَّذِي صَاغَتْهُ صَنْعَةُ خَالِقٍ مُبْدِعٍ، وَرَتَّبَتْهُ لِيَكُونَ مَسْرَحًا لِلِقَاءِ الأَرْوَاحِ حِينَ تَتَحَاوَرُ فِي غِيَابِ الأَجْسَادِ. وَمَا أَعْجَبَ أَنْ تَكُونِي بَعِيدَةً فِي المَكَانِ، ثُمَّ تَصِيرِينَ، فِي لَحْظَةِ إِغْمَاضٍ، أَقْرَبَ إِلَيَّ مِنْ نَبْضِي.
شَيْئًا فَشَيْئًا، وَبِقَانُونٍ خَفِيٍّ يَحْكُمُ إِيقَاعَ العِشْقِ وَحَرَكَةَ الأَفْلَاكِ المَعْنَوِيَّةِ، بَدَأَ حَدِيثُ العَصَافِيرِ يَخْفُتُ كَمُقَدِّمَةٍ لِصَلَاةٍ خَاشِعَةٍ. تَرَاجَعَتْ مَوْجَاتُ ذَلِكَ البَوْحِ العَالِي كَأَنَّ الكَائِنَاتِ أَشْفَقَتْ عَلَى قَلْبِي المُتَلَهِّفِ، فَآثَرَتِ الاِنْسِحَابَ بِنُبْلٍ لِتُفْسِحَ المَجَالَ لِمَا هُوَ أَعْمَقُ مِنْ لُغَةِ الصَّوْتِ. هُنَاكَ بَدَأَ الصَّمْتُ يَنْسَابُ فِي المَكَانِ؛ صَمْتٌ لا يُشْبِهُ صَمْتَ الفَرَاغِ، وَلا غِيَابَ الضَّجِيجِ فَحَسْبُ، بَلْ صَمْتٌ حَيٌّ، نَبِيلُ السَّكِينَةِ، يَتَسَلَّلُ إِلَى مَسَامِ المَكَانِ كَنَسِيمٍ عَارِفٍ، وَيَضَعُ عَلَى كَتِفِ الرُّوحِ يَدًا مِنْ طُمَأْنِينَةٍ عَمِيقَةٍ.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الكَوْنِيَّةِ الفَاصِلَةِ، لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَحَدٌ سِوَايَ، وَيَا لَعَظَمَةِ تِلْكَ الوَحْدَةِ حِينَ تَكُونُ مُكْتَظَّةً بِكِ! لا أَحَدَ عَلَى ضِفَافِ الغَدِيرِ المُرْتَجِفِ شَوْقًا، وَلا صَوْتَ غَيْرُ نَبْضٍ يَتَذَكَّرُ، حَتَّى بَقَايَا الشَّمْسِ الذَّهَبِيَّةِ كَانَتْ قَدْ لَمْلَمَتْ أَطْرَافَ ضَوْئِهَا، وَمَضَتْ تَتَوَارَى خَلْفَ الأَكَمَةِ فِي سُكُونٍ نَبِيلٍ، كَأَنَّهَا تُسَلِّمُ المَشْهَدَ إِلَى لَيْلٍ لا يُخِيفُ، بَلْ يَحْرُسُ مَا تَرَكَتْهُ مِنْ دِفْءٍ.
ذَهَبَتِ الشَّمْسُ، لَكِنَّهَا، قَبْلَ أَنْ تُرْخِيَ أَجْفَانَهَا فَوْقَ سَرِيرِ الغَسَقِ، الْتَفَتَتْ إِلَيَّ بِنَظْرَةٍ أَخِيرَةٍ خَاطِفَةٍ، مُشَبَّعَةٍ بِأَسْرَارِ النِّهَايَاتِ النَّبِيلَةِ وَوَحْيِ البِدَايَاتِ المُنْتَظَرَةِ، فَبَعَثَتْ فِي أَوْصَالِي قَبَسًا مِنْ دِفْءٍ، وَأَنْهَارًا مِنْ أَمَلٍ لا يُسَلِّمُ الرُّوحَ لِثِقَلِ الاِنْكِسَارِ. وَبَدَا لِي أَنَّ مَغِيبَهَا لَيْسَ نِهَايَةً، بَلْ تَهْيِئَةٌ لِفَجْرٍ آخَرَ، كَمَا أَنَّ العَتَبَ بَيْنَنَا، مَهْمَا اسْتَطَالَ ظِلُّهُ، لَيْسَ قَطِيعَةً، بَلْ مَعْبَرٌ إِلَى صَفَاءٍ أَجْدَدَ، وَامْتِحَانٌ لِمَعْدِنِ الوُدِّ حِينَ تَمُرُّ عَلَيْهِ نَارُ الحَيَاةِ.
إِنَّ الشَّمْسَ، فِي حَرَكَتِهَا الفَلَكِيَّةِ الَّتِي لا تَعْرِفُ الخَلَلَ، إِنَّمَا تَخْتَصِرُ بِمَغِيبِهَا مَسَافَةً طَوِيلَةً بَيْنَ وَهَجِهَا وَشَجَنِ القَمَرِ، تَمَامًا كَمَا تَخْتَصِرُ اللَّهْفَةُ الصَّادِقَةُ مَسَافَاتِ الخِلَافِ المُصْطَنَعِ بَيْنَنَا. تَمْضِي كَيْ تَغْفُوَ شُمُوسُ النَّفْسِ عَنْ ثَوْرَتِهَا المُؤَقَّتَةِ، ثُمَّ تَسْتَيْقِظَ بَعْدَ حِينٍ عَلَى فَجْرٍ أَهْدَأَ وَأَنْقَى، فَجْرٍ لا مُتَّسَعَ فِيهِ لِغَبَشِ الظُّنُونِ، وَلا طَرِيقَ فِيهِ لِكَدَرٍ يَخْدِشُ صَفَاءَهُ. فِي ضَوْءِ ذَلِكَ الفَجْرِ نَغْسِلُ مَا تَرَاكَمَ عَلَى أَكْتَافِنَا مِنْ غَسَقِ العَتَبِ المُرِّ، وَنَمْسَحُ مَا أَوْرَثَتْهُ مُكَابَدَاتُ الأَيَّامِ مِنِ الْتِبَاسِ المَشَاعِرِ.
وَهَا هُوَ الصَّفْحُ يَقْدَمُ نَحْوَنَا فِي مَوْكِبٍ مِنْ بَهَاءٍ هَادِئٍ، لا يَتَكَلَّفُ وَقَارَهُ، وَلا يَرْفَعُ صَوْتَهُ، بَلْ يَجِيءُ كَمَاءٍ صَافٍ يَمُرُّ عَلَى حَوَافِّ الجُرْحِ فَيُخَفِّفُ حِدَّتَهُ، وَيُعِيدُ إِلَى اللَّحْمِ الرُّوحِيِّ قُدْرَتَهُ عَلَى الالْتِئَامِ. وَهَا هُوَ العَفْوُ يَدْنُو كَمُتَصَوِّفٍ طَاهِرٍ خَرَجَ مِنْ خَلْوَتِهِ، لا لِيَمْحُوَ الذَّاكِرَةَ، بَلْ لِيُطَهِّرَهَا مِنْ مَرَارَةِ القَطِيعَةِ، وَلِيَجْعَلَ مِنَ الأَخْطَاءِ البَشَرِيَّةِ دَرَجًا إِلَى فَهْمٍ أَرْحَمَ، لا حِجَارَةً تُرْمَى فِي وَجْهِ الوُدِّ.
إِنَّهَا ذَاتُ الأَيْدِي الَّتِي عَرَفَتْ حَرَارَةَ البِنَاءِ، فَلَا يَلِيقُ بِهَا أَنْ تُطِيلَ الإِقَامَةَ فِي بَرْدِ الجَفْوَةِ. هِيَ الأَيْدِي ذَاتُهَا الَّتِي تَتَعَلَّمُ، عِنْدَ كُلِّ عَوْدَةٍ، أَنْ تَجْمَعَ مِنْ بَيَاضِ الغَيْمِ وَضَوْءِ النُّجُومِ أَكَالِيلَ حُرُوفٍ مَبْلُولَةً بِمَاءِ اليَاسَمِينِ، لِتُطَوِّقَ بِهَا جِيدَ مَكَانَتِكِ فِي القَلْبِ، وَتُعَطِّرَ بِهَا صَمْتَكِ حِينَ يَصِيرُ الصَّمْتُ أَبْلَغَ مِنْ عِتَابٍ طَوِيلٍ. وَهَكَذَا يَعُودُ التَّوَاصُلُ بَيْنَنَا مِيثَاقَ شَرَفٍ لا تَنْقُضُهُ أَهْوَاءُ اللَّيَالِي، وَلا تُفْسِدُهُ غَيْمَةٌ عَابِرَةٌ مَهْمَا أَطَالَتْ ظِلَّهَا عَلَى النَّهَارِ.
وَأَيُّ قَسْوَةٍ تَسْكُنُ هَنْدَسَةَ البُعْدِ حِينَ يَتَسَلَّلُ إِلَى مَسَافَاتِ الوُدِّ، فَيُوهِمُ القَلْبَ أَنَّ الطَّرِيقَ انْقَطَعَ، وَأَنَّ المَاءَ الَّذِي كَانَ يَجْرِي بَيْنَنَا قَدْ جَفَّ! لَكِنَّ ذَلِكَ الوَهْمَ لا يَقْوَى عَلَى أَنْ يَهْدِمَ مَا بُنِيَ عَلَى طُهْرِ السَّرِيرَةِ وَصِدْقِ الوِجْدَانِ. إِنَّ التَّجَافِي بَيْنَ الأَرْوَاحِ المُحِبَّةِ لَيْسَ سُقُوطًا فِي نِسْيَانٍ مُهِينٍ، بَلْ وُقُوفٌ مُؤْلِمٌ عَلَى عَتَبَةِ التَّأَمُّلِ؛ لِتَعْرِفَ النَّفْسُ مِقْدَارَ فَقْرِهَا إِذَا بَعُدَتْ عَنْ مَنْبَعِهَا، وَلِتُدْرِكَ أَنَّ كُلَّ الأَنْهَارِ لا تُغْنِي عَنْ قَطْرَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ حُنُوِّكِ الصَّافِي.
كُنْتُ، فِي لَحَظَاتِ الغِيَابِ، أَرَى رُوحِي كَقَافِلَةٍ أَضَاعَتْ نَجْمَهَا فِي صَحْرَاءِ اللَّيْلِ، تَبْحَثُ عَنْ دَلِيلٍ لا يَخُونُ خُطَاهَا، فَلَا تَجِدُ إِلَّا طَيْفَ وَجْهِكِ يُضِيءُ لَهَا مَا اسْتَغْلَقَ مِنَ الطَّرِيقِ. كَأَنَّكِ قُطْبُ الرَّحَى الَّذِي تَدُورُ حَوْلَهُ مَدَارَاتِي كُلُّهَا، فَإِنِ اخْتَلَّتْ مَسَافَةٌ صَغِيرَةٌ بَيْنَنَا، اضْطَرَبَتْ فِيَّ جِهَاتٌ كَثِيرَةٌ، وَإِنْ عَادَ الرِّضَا، عَادَتِ الأَفْلَاكُ إِلَى نِظَامِهَا، وَاسْتَقَامَتْ بُوصَلَةُ الدَّاخِلِ عَلَى مَوْضِعِ نَجْمِهَا الأَوَّلِ.
يَا لَعَجَبِ القَلْبِ حِينَ يُحِبُّ حُبًّا حَقًّا! إِنَّهُ لا يَخْضَعُ لِمَعَايِيرِ الرِّبْحِ وَالخَسَارَةِ، وَلا يَقِيسُ مَا بَيْنَ الأَرْوَاحِ بِمِيزَانِ المُعَامَلَةِ البَارِدَةِ، بَلْ يَتَسَامَى عَنْ شَهْوَةِ الاِنْتِصَارِ، وَيُفَضِّلُ أَنْ يَكُونَ جَمِيلًا عَلَى أَنْ يَكُونَ غَالِبًا. فِي مَيْدَانِ هَذَا القَلْبِ، يُسَابِقُ العَفْوُ العَتَبَ، وَيَلْحَقُ الصَّفْحُ بِنَارِ الغَضَبِ قَبْلَ أَنْ تَأْكُلَ هَشِيمَ العَهْدِ، وَتَبْقَى الرُّوحُ مُعَلَّقَةً بَيْنَ مَدِّ الأَوْبَةِ وَجَزْرِ الوَجَعِ، بَيْنَ حَرَارَةِ الفِرَاقِ وَنَعِيمِ الاِشْتِيَاقِ، حَتَّى تَجِدَ صَدْرًا يَلُمُّ شَعَثَهَا، وَقَلْبًا يُدْفِئُ مَا أَصَابَتْهُ بُرُودَةُ الأَيَّامِ.
لَقَدْ بَاتَ فِي يَقِينِي أَنَّ نَفْسَ العَاشِقِ الصَّادِقِ لا تُخْلَقُ لِلقَرَارِ البَارِدِ، وَلا لِسَكِينَةٍ خَاوِيَةٍ لا يَمُرُّ بِهَا الوَجْدُ، بَلْ هِيَ مَحْكُومَةٌ بِأَنْ تَتَقَلَّبَ عَلَى جَمْرِ حَالَاتِهَا، وَأَنْ تَحْمِلَ فِي وَقَارِهَا لَهَبًا، وَفِي كِبْرِيَائِهَا حَاجَةً، وَفِي عِزَّتِهَا رِقَّةً لا تُكْشَفُ إِلَّا لِمَنْ يَسْتَحِقُّ. لا تَسْتَكِينُ هَذِهِ النَّفْسُ حَقًّا، وَلا تُلْقِي عَصَا تَرْحَالِهَا المُضْنِي، إِلَّا إِذَا وَجَدَتْ ذَلِكَ الصَّدْرَ المُؤَسِّسَ لِطُمَأْنِينَتِهَا الكُبْرَى؛ الصَّدْرَ الَّذِي يَلُمُّ شَعَثَ الرُّوحِ، وَيَحْمِيهَا مِنْ صَقِيعِ الأَيَّامِ، وَيُعِيدُ إِلَيْهَا، بِنَظْرَةٍ وَاحِدَةٍ، مَا سَلَبَهُ الغِيَابُ مِنْ دِفْئِهَا.
وَمِنْ مَقَامِ هَذَا الوُدِّ الرَّفِيعِ، الَّذِي لا يَطَؤُهُ إِلَّا مَنْ عَرَفَ أَنَّ الحُبَّ مَسْؤُولِيَّةٌ لا زِينَةٌ، وَمِيثَاقٌ لا نَزْوَةٌ، أَقِفُ أَمَامَ بَابِكِ المُوَارَبِ عَلَى ضَوْءِ الخُلُودِ. بَعْدَ أَنْ طَوَيْتُ هَذِهِ المَسَافَاتِ فِي أَوْرِدَةِ التَّأَمُّلِ، وَبَعْدَ أَنْ اسْتَنْطَقْتُ الغَدِيرَ وَالشَّمْسَ وَطُيُورَ المَسَاءِ، هَلْ تُرَانِي أَحْمِلُ إِلَيْكِ مُجَرَّدَ اعْتِذَارٍ بَاهِتٍ؟ إِنَّ الاِعْتِذَارَ، حِينَ يَصْدُرُ عَنْ رُوحٍ تَعْرِفُ قَدْرَ الوُدِّ، لا يَكُونُ انْكِسَارًا، وَلا اسْتِجْدَاءً، وَلا طَلَبًا لِرِضًا عَابِرٍ يَمُرُّ بِالمَوْقِفِ مَرَّ السَّحَابِ، بَلْ يَكُونُ كَشْفًا نَبِيلًا عَنِ المَعْنَى، وَاعْتِرَافًا بِأَنَّ العَتَبَ بَيْنَنَا لَمْ يَكُنْ يَوْمًا رَغْبَةً فِي الهَدْمِ، بَلْ شُعْلَةً صَغِيرَةً اخْتَبَرَتْ مَتَانَةَ الذَّهَبِ فِي رَوَابِطِنَا.
لا أَسُوقُ إِلَيْكِ أَعْذَارًا مُنَمَّقَةً تُحَاوِلُ أَنْ تُزَيِّنَ الخَلَلَ، وَلا كَلِمَاتٍ عَابِرَةً تُرِيدُ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ المَوْقِفِ بِسَلَامٍ سَطْحِيٍّ، بَلْ أَفْتَحُ أَمَامَكِ صَفْحَةَ رُوحٍ تَعْتَرِفُ، بِكُلِّ نُبْلِهَا وَصِدْقِهَا، أَنَّ الحُبَّ الكَبِيرَ لا يَخْلُو مِنْ عَتَبٍ، وَلَكِنَّهُ يَرْفُضُ أَنْ يَجْعَلَ العَتَبَ آخِرَ الكَلَامِ. أَجِيءُ لا بِمَنْطِقِ الخَائِفِ، بَلْ بِيَقِينِ مَنْ عَرَفَ قَدْرَكِ فِي دَاخِلِهِ، وَعَرَفَ أَنَّ رِضَاكِ لَيْسَ مَكْسَبًا صَغِيرًا، بَلْ طُمَأْنِينَةُ قَلْبٍ، وَوَطَنُ رُوحٍ، وَمَاءُ أَيَّامٍ.
إِنَّ هَذَا الَّذِي أَحْمِلُهُ إِلَيْكِ لَيْسَ اعْتِذَارَ المُخْطِئِ المَرْعُوبِ الَّذِي يَلْتَمِسُ طَوْقَ النَّجَاةِ فِي بَحْرٍ هَائِجٍ، بَلْ هُوَ حَجُّ العَارِفِ الَّذِي يُدْرِكُ تَمَامَ الإِدْرَاكِ أَنَّ مِحْرَابَ رِضَاكِ هُوَ كَعْبَةُ قَلْبِهِ الوَحِيدَةُ، وَأَنَّ الطَّوَافَ المُقَدَّسَ حَوْلَ هَالَةِ عَفْوِكِ السَّخِيِّ هُوَ أَسْمَى مَرَاتِبِ الاِسْتِحْقَاقِ الرِّاقِي لِعَاشِقٍ سَيِّدٍ لا يَرْضَى مِنْ مَقَامَاتِ الحُبِّ المُبْتَذَلَةِ إِلَّا بِذُرْوَةِ سَنَامِهَا، وَلا يَشْرَبُ إِلَّا مِنَ عَيْنِ التَسْنِيمِِ الخَالِصَةِ الَّتِي تُقَرِّبُهُ زُلْفَى إِلَى مَدَارِكِ الجَمَالِ المَحْضِ، وَهُوَ إِعْلَانُ بَيْعَةٍ تَشْهَدُ عَلَيْهَا الكَوَاكِبُ فِي مَدَارَاتِهَا؛ بَيْعَةٍ تَنْزِعُ عَنِّي ثِيَابَ المُكَابَرَةِ لِتُلْبِسَنِي دُرُوعَ الاِنْتِمَاءِ الأَبَدِيِّ إِلَى وَطَنِكِ المَحْفُوظِ مِنْ دَنَسِ الزَّوَالِ، وَعَوْدَةُ العَارِفِ إِلَى مِحْرَابِهِ، وَرُجُوعُ القَلْبِ إِلَى مَصْدَرِ طُمَأْنِينَتِهِ، وَإِقْرَارُ الرُّوحِ بِأَنَّ العَفْوَ حِينَ يَصْدُرُ مِنْ قَلْبٍ كَقَلْبِكِ، لا يَمْحُو الخَطَأَ وَحْدَهُ، بَلْ يُعِيدُ لِلْمَعْنَى نُضْرَتَهُ، وَلِلْعَهْدِ نَقَاءَهُ، وَلِلرُّوحِ قُدْرَتَهَا عَلَى أَنْ تُحِبَّ مِنْ جَدِيدٍ بِثِقَةٍ أَصْفَى.
أَمُدُّ إِلَيْكِ يَدَ الصِّدْقِ، عَارِيَةً إِلَّا مِنْ نُورِ نِيَّتِهَا، لِأَلْتَمِسَ ذَلِكَ العِنَاقَ الرُّوحِيَّ الَّذِي تَذُوبُ فِيهِ ًايدُ الغِيَابِ، وَتَسْكُنُ فِيهِ قُوَى الشَّدِّ وَالجَذْبِ بَيْنَنَا، وَنَعُودُ مَعًا نَسِيجًا وَاحِدًا، تَدَاخَلَتْ فِيهِ سَدَى الرُّوحِ بِلُحْمَةِ اليَقِينِ. وَلْنَمْضِ، بَعْدَ هَذَا الغَسَقِ، إِلَى فَجْرٍ أَرْحَمَ، نَصْنَعُ بِمَاءِ وُدِّنَا السِّرِّيِّ رَبِيعًا دَائِمًا فِي جَوْفِ هَذَا الوُجُودِ المُتْعَبِ، وَنَتَعَلَّمُ، مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، أَنَّ الحُبَّ الَّذِي يَبْقَى لَيْسَ هُوَ الَّذِي لا تَعْصِفُ بِهِ الرِّيحُ، بَلْ هُوَ الَّذِي يَعْرِفُ كَيْفَ يَخْرُجُ مِنَ الرِّيحِ أَنْقَى، وَأَثْبَتَ، وَأَقْرَبَ إِلَى نُورِهِ الأَوَّلِ.
