لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ فِي المَدِينَةِ يَعْرِفُ اسْمَهُ. كَانُوا يُسَمُّونَهُ: بَائِعَ الوُجُوهِ.
يَقَعُ حَانُوتُهُ فِي زُقَاقٍ ضَيِّقٍ خَلْفَ المَحْكَمَةِ القَدِيمَةِ، بَيْنَ دُكَّانٍ يَبِيعُ الأَكْفَانَ، وَآخَرَ يُلَمِّعُ الأَوْسِمَةَ العَسْكَرِيَّةَ الصَّدِئَةَ. لَمْ تَكُنْ عَلَى بَابِهِ لَافِتَةٌ، وَلَا مِصْبَاحٌ، وَلَا دَعْوَةٌ لِلـدَّاخِلِينَ. غَيْرَ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَجِدُونَهُ كَمَا يَجِدُ الخَائِفُ طَرِيقَهُ إِلَى كِذْبَتِهِ؛ بِلَا سُؤَالٍ، وَبِلَا دَلِيلٍ.
فِي الحَانُوتِ، كَانَتِ الأَقْنِعَةُ مُعَلَّقَةً عَلَى الجُدْرَانِ فِي صُفُوفٍ طَوِيلَةٍ: وُجُوهٌ سَاكِنَةٌ مِنَ الصَّلْصَالِ المَصْقُولِ، بَعْضُهَا يَبْتَسِمُ بِرَصَانَةٍ، وَبَعْضُهَا يَعْبِسُ بِحِكْمَةٍ، وَبَعْضُهَا يَفِيضُ حَنَانًا حَتَّى تَكَادُ تَشُمُّ مِنْهُ رَائِحَةَ الأُمُومَةِ. وَكَانَ فِي الـرُّفُوفِ العُلْيَا وَجْهُ الزَّاهِدِ، وَوَجْهُ القَاضِي الـنَّزِيهِ، وَوَجْهُ الـزَّوْجِ الوَفِيِّ، وَوَجْهُ القَاتِلِ الَّذِي تَعَلَّمَ كَيْفَ تَبْدُو يَدَاهُ Nَظِيفَتَيْنِ.
لَمْ يَكُنِ الـرَّجُلُ يَصْنَعُ أَقْنِعَةً لِلتَّنَكُّرِ، بَلْ لِلظُّهُورِ. كَانَ يَقُولُ لِزُبَائِنِهِ بِصَوْتٍ خَفِيضٍ: «القِنَاعُ الفَاشِلُ يُخْفِيكَ. القِنَاعُ المُتْقَنُ يَجْعَلُكَ مَقْبُولًا». وَكَانَتِ Mَدِينَةُ تَفْهَمُ هَذِهِ الحِكْمَةَ جَيِّدًا.
جَاءَهُ القَاضِي أَوَّلًا، قَبْلَ أَنْ يَصْعَدُ إِلَى مَنَصَّتِهِ فِي مُحَاكَمَةِ رَجُلٍ بَرِيءٍ. لَمْ يَطْلُبْ شَيْئًا كَثِيرًا؛ فَقَطْ وَجْهًا لَا تَرْتَجِفُ فِيهِ العَيْنُ حِينَ يَنْطِقُ بِالحُكْمِ. قَاسَ بَائِعُ الوُجُوهِ جَبِينَهُ، تَفَحَّصَ انْحِنَاءَةَ فَمِهِ، ثُمَّ صَنَعَ لَهُ قِنَاعًا بِمَلَامِحَ صَارَمَةٍ، عَمِيقَةِ التَّجَاعِيدِ، كَأَنَّ العَدَالَةَ بَاتَتْ فِيهِ عَادَةً مَوْرُوثَةً لَا وَظِيفَةً مَأْجُورَةً. لَبِسَهُ القَاضِي فِي اليَوْمِ التَّالِي، فَبَكَى النَّاسُ مِنْ هَيْبَةِ الحَقِّ.
وَجَاءَهُ الـتَّاجِرُ الَّذِي كَانَ يَغُشُّ المَوَازِينَ وَيُقَصِّرُ الأَقْمِشَةَ مِنْ أَطْرَافِهَا. طَلَبَ وَجْهًا يُوحِي بِالبَرَكَةِ. صَنَعَ لَهُ بَائِعُ الوُجُوهِ قِنَاعًا بِوَجْنَتَيْنِ مُمْتَلِئَتَيْنِ، وَلِحْيَةٍ وَادِعَةٍ، وَنَظْرَةٍ تُشْبِهُ دُعَاءً مَفْتُوحًا فَوْقَ البَضَائِعِ. مُنْذُ ذَلِكَ اليَوْمِ، صَارَ النَّاسُ يَشْتَرُونَ مِنْهُ وَهُمْ يَطْمَئِنُّونَ إِلَى أَنَّ الخِدَاعَ، إِذَا أَحْسَنَ الوُقُوفَ خَلْفَ مَلَامِحَ صَالِحَةٍ، بَدَا نَوْعًا مِنَ الـرِّزْقِ.
وَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ خَانَتْ زَوْجَهَا وَلَمْ تُرِدْ أَنْ تَفْقِدَ لَقَبَ العِفَّةِ بَيْنَ الجَارَاتِ. صَنَعَ لَهَا وَجْهًا نَقِيًّا، هَادِئًا، فِيهِ حُزْنٌ خَفِيفٌ يَجْعَلُ الاِتِّهَامَ وَقَاحَةً لَا سُؤَالًا. وَحِينَ خَرَجَتْ بِهِ إِلَى الحَيِّ، لَمْ يَعُدْ أَحَدٌ يَجْرُؤُ عَلَى الظَّنِّ؛ فَالْبَرَاءَةُ إِذَا أَحْكَمَتْ هَنْدَسَةَ Mَلَامِحِ صَارَتْ أَعْتَى مِنَ الحَقِيقَةِ.
وَكَثُرَ الـزُّبَائِنُ. صَارَ الحَانُوتُ مَزَارًا سِرِّيًّا لِأَهْلِ المَنَاصِبِ وَالْبُيُوتِ العَرِيقَةِ وَالْمَآتِمِ وَالأَعْرَاسِ. لَمْ تَكُنِ المَدِينَةُ تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ فَاضِلَةً، بَلْ أَنْ تَبْدُوَ كَذَلِكَ. وَكَانَ بَائِعُ الوُجُوهِ أَبْرَعَ مِنْ أَنْ يَخْذُلَهَا.
غَيْرَ أَنَّ لَهُ عَادَةً لَمْ يَعْرِفْهَا أَحَدٌ. كَانَ لَا يُسَلِّمُ قِنَاعًا قَبْلَ أَنْ يُجَرِّبَهُ عَلَى وَجْهِهِ أَوَّلًا. يُلْصِقُهُ بِرِفْقٍ، يَقِفُ أَمَامَ مِرْآتِهِ الـزِّئْبَقِيَّةِ القَدِيمَةِ، وَيَخْتَبِرُ مِقْدَارَ مَا يَمْنَحُهُ مِنْ صِدْقٍ كَاذِبٍ. فَإِنْ أَقْنَعَ نَفْسَهُ لَحْظَةً، بَاعَهُ مُطْمَئِنًّا. كَانَ يَرَى فِي ذَلِكَ شَرْطَ الصَّنْعَةِ؛ فَالْقِنَاعُ الَّذِي لَا يَخْدَعُ صَانِعَهُ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يَخْدَعَ النَّاسَ.
فِي البِدَايَةِ، كَانَ الأَمْرُ لُعْبَةً عَابِرَةً. يَرْتَدِي وَجْهَ القَاضِي، فَيَشْعُرُ أَنَّ صَوْتَهُ صَارَ أَبْطَأَ، وَأَنَّ عَيْنَيْهِ تَعَلَّمَتَا النَّظَرَ مِنْ أَعْلَى. يَرْتَدِي وَجْهَ الـتَّاجِرِ، فَتَتَّسِعُ اِبْتِسَامَتُهُ كَمَا تَتَّسِعُ يَدٌ فَوْقَ مِيزَانٍ. يَرْتَدِي وَجْهَ الزَّاهِدِ، فَيَمِيلُ رَأْسُهُ قَلِيلًا، وَتَنْسَحِبُ مِنْ كَتِفَيْهِ رَغْبَةٌ قَدِيمَةٌ فِي الضَّحِكِ.
ثُمَّ طَالَ الأَمْرُ. كُلُّ قِنَاعٍ كَانَ يَتْرُكُ عَلَى جِلْدِهِ أَثَرًا لَا يُرَى. لَا جُرْحًا، لَا نُدْبَةً، لَا لَوْنًا. شَيْءٌ أَعْمَقُ مِنْ ذَلِكَ: قَطْرَةٌ صَغِيرَةٌ مِنْ مَاءِ الوَجْهِ تَتَبَخَّرُ فِي صَمْتٍ. وَمَعَ الـسَّنَوَاتِ، لَمْ يَعُدْ يَعْرِفُ هَلْ يَخْلَعُ الأَقْنِعَةَ حَقًّا، أَمْ يُبَدِّلُ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ. صَارَ وَجْهُهُ الأَصْلِيُّ يَتَأَخَّرُ فِي العَوْدَةِ. ثُمَّ صَارَ يَعُودُ بَاهِتًا. ثُمَّ كَفَّ عَنِ الـسُّؤَالِ عَنْهُ.
كَانَ يَعْمَلُ فِي اللَّيْلِ أَكْثَرَ مِمَّا يَعْمَلُ فِي النَّهَارِ. يَجْلِسُ أَمَامَ كُتَلِ الصَّلْصَالِ، يُبَلِّلُهَا، يَعْجِنُهَا، يَشُقُّ فِيهَا مَنَافِذَ العَيْنَيْنِ، يَرْفَعُ عَظْمَةَ الخَدِّ، يَخْفِضُ زَاوِيَةَ الفَمِ، يُضِيفُ مَسْحَةَ نَدَمٍ فَوْقَ وَجْهٍ لَا يَعْرِفُ الـنَّدَمَ، أَوْ لَمْعَةَ إِيمَانٍ عَلَى جَبِينٍ لَمْ يَسْجُدْ إِلَّا لِمَصْلَحَتِهِ. وَكَانَتْ يَدُهُ، مَعَ الوَقْتِ، تَزْدَادُ مَهَارَةً حَتَّى خَافَ مِنْهَا. لَمْ تَعُدْ تَنْحِتُ مَا يَطْلُبُهُ الـزُّبُونُ، بَلْ مَا يُخْفِيهُ.
كَانَ الـرَّجُلُ يَجْلِسُ أَمَامَهُ قَلِيلًا، فَيَقْرَأُهُ كَمَا تُقْرَأُ وَرَقَةٌ شَفَّافَةٌ تَحْتَ ضَوْءِ مِصْبَاحٍ. يَعْرِفُ الكِذْبَةَ مِنِ ارْتِعَاشِ الجَفْنِ، وَالْجَرِيمَةَ مِنْ جَفَافِ الـشِّفَاهِ، وَالـرَّغْبَةَ مِنْ سُكُونِ الأَصَابِعِ. ثُمَّ يَصْنَعُ لَهُ وَجْهًا لَا يُنَاقِضُ خَطِيئَتَهُ، بَلْ يُؤَدِّبُهَا اِجْتِمَاعِيًّا، وَيَمْنَحُهَا لِبَاسًا يَصْلُحُ لِلْمَجَالِسِ.
وَفِي لَيْلَةٍ شَدِيدَةِ الـرُّطُوبَةِ، أَغْلَقَتِ Mَدِينَةُ أَبْوَابَهَا مُبَكِّرًا. كَانَ المَطَرُ يَضْرِبُ سَقْفَ الحَانُوتِ كَأَظَافِرَ صَغِيرَةٍ، وَالصَّلْصَالُ المَوْضُوعُ عَلَى الطَّاوِلَةِ يَفُوحُ بِرَائِحَةِ أَرْضٍ مَيِّتَةٍ. اِنْتَهَى بَائِعُ الوُجُوهِ مِنْ قِنَاعٍ جَدِيدٍ لِرَجُلٍ أَرَادَ أَنْ يَبْدُو أَبًا حَنُونًا فِي جَنَازَةِ اِبْنِهِ الَّذِي قَتَلَهُ إِهْمَالُهُ.
حَمَلَ القِنَاعَ إِلَى المِرْآةِ كَعَادَتِهِ. كَانَ وَجْهًا مُفْجِعًا فِي إِتْقَانِهِ: عَيْنَانِ غَائِرَتَانِ، شَفَةٌ مُرْتَجِفَةٌ، وَجَبْهَةٌ كُتِبَتْ عَلَيْهَا فَجِيعَةٌ مُحْتَرَمَةٌ لَا تَبْلُغُ حَدَّ الفَضِيحَةِ. وَضَعَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَانْطَبَقَ عَلَيْهِ بِسُرْعَةٍ غَرِيبَةٍ، كَمَا لَوْ كَانَ يَعْرِفُ طَرِيقَهُ مُنْذُ زَمَنٍ.
اِرْتَجَفَ. حَاوَلَ خَلْعَهُ، فَلَمْ يَتَحَرَّكْ. رَفَعَ يَدَهُ إِلَى جَبِينِهِ، فَشَعَرَ بِبُرُودَةِ الصَّلْصَالِ وَقَدِ اِلْتَصَقَتْ بِلَحْمِهِ. ضَغَطَ عِنْدَ الحَافَّةِ قُرْبَ أُذُنِهِ، فَسَمِعَ طَقْطَقَةً خَفِيفَةً، لَيْسَتْ مِنَ القِنَاعِ وَحْدَهُ، بَلْ مِنْ دَاخِلِهِ. اِنْتَزَعَ الوَجْهَ بِعُنْفٍ. سَقَطَ القِنَاعُ عَلَى الأَرْضِ، وَانْكَسَرَ طَرَفُهُ. تَنَفَّسَ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى المِرْآةِ.
كَانَ تَحْتَ القِنَاعِ وَجْهٌ آخَرُ. لَمْ يَكُنْ وَجْهَهُ. كَانَ وَجْهَ القَاضِي. بِمَلَامِحَ صَارَمَةٍ، وَبِعَيْنَيْنِ لَا تَشْعُرَانِ بِالذَّنْبِ حِينَ تُصْدِرَانِ حُكْمًا. تَرَاجَعَ خُطْوَةً. مَدَّ أَصَابِعَهُ إِلَى فَكِّهِ، غَرَزَ أَظَافِرَهُ عِنْدَ الحَافَّةِ، وَنَزَعَ الوَجْهَ الـثَّانِيَ. سَقَطَ عَلَى الأَرْضِ بِصَوْتٍ مَكْتُومٍ، فَانْكَشَفَ تَحْتَهُ وَجْهُ الـتَّاجِرِ: اِبْتِسَامَةٌ هَادِئَةٌ، جِلْدٌ مَشْدُودٌ، عَيْنَانِ تَعْرِفَانِ كَيْفَ تُبَارِكَانِ الـسَّرِقَةَ دُونَ أَنْ تَرِفَّا.
صَرَخَ، لَكِنَّ الصَّرْخَةَ خَرَجَتْ مِنْ فَمٍ لَيْسَ فَمَهُ. بَدأَ يُمَزِّقُ الوُجُوهَ بِلهْفَةٍ مَسْعُورَةٍ. وَجْهَ الزَّاهِدِ. وَجْهَ الخَائِنِ. وَجْهَ القَاتِلِ الوَدِيعِ. وَجْهَ الأُمِّ المَفْجُوعَةِ. وَجْهَ الـسِّيَاسِيِّ الَّذِي لَا يَكْذِبُ إِلَّا وَاقِفًا. وَجْهَ الشَّاعِرِ الَّذِي بَاعَ أَلَمَهُ كَيْ يُصَفِّقَ لَهُ الجَالِسُونَ. وَجْهَ العَابِدِ الَّذِي يَتَوَضَّأُ بِالمَاءِ وَيَغْسِلُ يَدَيْهِ مِنَ الـرَّحْمَةِ.
كَانَتِ الأَقْنِعَةُ تَتَسَاقَطُ عَلَى الأَرْضِ كَقُشُورِ جِذْعٍ مُتَعَفِّنٍ. كُلَّمَا ارْتَطَمَ وَاحِدٌ مِنْهَا بِالبِلَاطِ، تَنَاثَرَ غُبَارٌ رَمَادِيٌّ فِي الهَوَاءِ. لَمْ تَنْزِلْ قَطْرَةُ دَمٍ. لَمْ يَظْهَرْ لَحْمٌ. لَمْ تَنْكَشِفْ عَظْمَةٌ. كَأَنَّ الـرَّجُلَ لَمْ يَكُنْ يَخْلَعُ وُجُوهًا عَنْ وَجْهٍ، بَلْ طَبَقَاتٍ مِنْ فَرَاغٍ جَافٍ. اِمْتَلأَتِ الأَرْضُ حَوْلَهُ بِوُجُوهِ Mَدِينَةِ. وَكَانَتْ كُلُّهَا، عَلَى نَحْوٍ مُرَوِّعٍ، تُشْبِهُهُ قَلِيلًا.
تَوَقَّفَ عِنْدَ القِنَاعِ الأَخِيرِ. لَمْ يَعْرِفْهُ. كَانَ أَمْلَسَ تَقْرِيبًا، بِلَا مَلَامِحَ وَاضِحَةٍ، بِلَوْنِ الصَّلْصَالِ المَحْرُوقِ. لَا قَسْوَةَ فِيهِ، وَلَا وَدَاعَةَ، وَلَا نِفَاقَ ظَاهِرٌ. كَانَ يُشْبِهُ وَجْهَ إِنْسَانٍ قَبْلَ أَنْ يُقَرِّرَ مَاذَا سَيَكُونُ، أَوْ بَعْدَ أَنْ يَنْسَى ذَلِكَ نِهَائِيًّا.
مَدَّ يَدَهُ إِلَيْهِ بِحَذَرٍ. لَمَسَتْ أَصَابِعُهُ الحَافَّةَ عِنْدَ أَسْفَلِ الـذِّقْنِ. كَانَتْ مُلْتَصِقَةً بِشَيْءٍ أَعْمَقَ مِنَ الجِلْدِ. جَذَبَهَا قَلِيلًا، فَأَحَسَّ بِأَنَّ الحَانُوتَ كُلَّهُ يَتَنَفَّسُ مَعَهُ. الأَقْنِعَةُ المُعَلَّقَةُ عَلَى الجُدْرَانِ اِهْتَزَّتْ، وَبَدَتْ فَتَحَاتُ عُيُونِهَا كَأَنَّهَا تُحَدِّقُ فِيهِ، مُنْتَظِرَةً نَتِيجَةَ الـتَّجْرِبَةِ الأَخِيرَةِ. جَذَبَ بِقُوَّةٍ. اِنْسَلَخَ القِنَاعُ بِبُطْءٍ، لَا كَشَيْءٍ يُخْلَعُ، بَلْ كَشَيْءٍ يُوَدِّعُ صَاحِبَهُ.
رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى المِرْآةِ. لَمْ يَجِدْ وَجْهًا. فَوْقَ اليَاقَةِ العَالِيَةِ، لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ لَحْمٌ، وَلَا عَظْمٌ، وَلَا عَيْنَانِ، وَلَا فَمٌ، وَلَا حَتَّى جُرْحٌ يُثْبِتُ أَنَّ شَيْئًا قَدِ اِقْتُلِعَ. كَانَ هُنَاكَ تَجْوِيفٌ أَسْوَدُ سَاكِنٌ، هَوَاءٌ كَثِيفٌ بِلَا قَرَارٍ، كَأَنَّ الظَّلَامَ نَفْسَهُ جَلَسَ مَكَانَ الـرَّأْسِ وَارْتَدَى الجَسَدَ. مَدَّ يَدَهُ إِلَى الفَرَاغِ، فَدَخَلَتْ فِيهِ حَتَّى المِعْصَمِ. لَمْ يَلْمِسْ شَيْئًا.
حَاوَلَ أَنْ يُنَادِيَ بِاسْمِهِ، فَتَذَكَّرَ أَنَّهُ لَمْ يَعُدْ يَعْرِفُهُ. وَحِينَ فَتَحَ الفَجْوَةَ الَّتِي كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ فَمًا، لَمْ يَخْرُجْ صَوْتٌ. فَقَطْ تَسَاقَطَ مِنْ دَاخِلِهِ غُبَارٌ خَفِيفٌ، لَهُ رَائِحَةُ الصَّلْصَالِ حِينَ يَحْتَرِقُ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي.
فِي الصَّبَاحِ، وُجِدَ بَابُ الحَانُوتِ مَفْتُوحًا. دَخَلَ النَّاسُ خَائِفِينَ أَوَّلًا، ثُمَّ مُطْمَئِنِّينَ حِينَ لَمْ يَجِدُوا صَاحِبَهُ. كَانَتِ الأَقْنِعَةُ مُبَعْثَرَةً عَلَى الأَرْضِ، وَالمِرْآةُ الـزِّئْبَقِيَّةُ مَشْرُوخَةٌ مِنْ أَعْلَاهَا إِلَى أَسْفَلِهَا. أَمَّا عِنْدَ الطَّاوِلَةِ، فَقَدْ وَجَدُوا قِنَاعًا جَدِيدًا لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ مِنْ قَبْلُ. كَانَ قِنَاعًا بِلَا مَلَامِحَ. وَمَعَ ذَلِكَ، اِتَّفَقُوا جَمِيعًا أَنَّهُ يَصْلُحُ لِكُلِّ الوُجُوهِ. اِشْتَرَاهُ أَوَّلُ رَجُلٍ دَخَلَ. قَالَ إِنَّهُ يَحْتَاجُهُ لِلظُّهُورِ فِي عَزَاءٍ عَامٍ.
