الفكرمناهج وعقائدمنطق وتأصيل

شعب لدولة أم دولة لشعب؟

هل الشعب للدولة أم الدولة للشعب؟ تفكيك الاستعباد المقنع والخطاب الشعبوي

ليسَ السؤالُ هلْ نحتاجُ إلى دولةٍ أمْ لا، فالعقلُ السياسيُّ الناضجُ لا يناقشُ الدولةَ بوصفِها وهمًا يمكنُ الاستغناءُ عنهُ، ولا يتعاملُ معَها كما لوْ كانتْ عبئًا زائدًا على الوجودِ الإنسانيِّ. إنَّ الدولةَ، في أصلِ مَعناها، ضرورةٌ منْ ضروراتِ الاجتماعِ البشريِّ؛ إذْ لا تستقيمُ حياةُ الناسِ بلا قانونٍ، ولا يستقرُّ حقٌّ بلا قوةٍ عادلةٍ تحميهِ، ولا تصانُ المصالحُ المتشابكةُ بلا إطارٍ عامٍّ يضبطُها ويمنعُها منَ التحولِ إلى فوضى أو افتراسٍ. لكنَّ السؤالَ الأعمقَ، والأكثرَ خطورةً، والأشدَّ التصاقًا بجوهرِ الكرامةِ الإنسانيةِ هوَ؛ لمنْ وُجِدتِ الدولةُ؟ هلْ وُجِدَ الشعبُ ليكونَ مادةً في يدِ الدولةِ، ووقودًا لخطابِها، ورصيدًا لهيبتِها، وذريعةً لبقاءِ سلطتِها حدًّا يصلُ في بعضِ الدولِ لاستعبادٍ مقنعٍ، أمْ وُجِدتِ الدولةُ لتكونَ أداةً في خدمةِ الشعبِ، تحفظُ أمنَهُ، وتصونُ حقوقَهُ، وتنظمُ مصالحَهُ، وتمنعُ تغولَ الأقوياءِ عليهِ؟

“ما أكثرَ ما تختبئُ المأساةُ السياسيةُ لا في غيابِ الدولةِ، بلْ في حضورِ دولةٍ فقدت| ترتيبَها الأخلاقيَّ، فنسيتْ أنَّها وسيلةٌ، وتخيلتْ نفسَها غايةً، ونسيتْ أنَّ الشعبَ هوَ الأصلُ.”

هنا تبدأُ المعركةُ الحقيقيةُ على مَعنى الدولةِ، لا على شكلِها وحدَهُ. فقدْ تحملُ الدولةُ دستورًا جميلًا، وعلمًا مرفوعًا، ونشيدًا مؤثرًا، ومؤسساتٍ أنيقةً، وخطاباتٍ عاليةً عنِ الوطنِ والسيادةِ والمصلحةِ العامةِ، لكنَّها في عمقِ الممارسةِ قدْ تتحولُ إلى آلةٍ تطلبُ منَ الإنسانِ أن يخدمَها أكثرَ مما تخدمُهُ، وأن يضحيَ منْ أجلِ صورتِها أكثرَ مما تصونُ كرامتَهُ، وأن يصمتَ باسمِ هيبتِها أكثرَ مما تكفلُ لهُ حقَّهُ في السؤالِ والمحاسبةِ. وما أكثرَ ما تختبئُ المأساةُ السياسيةُ لا في غيابِ الدولةِ، بلْ في حضورِ دولةٍ فقدتْ ترتيبَها الأخلاقيَّ، فنسيت| أنَّها وسيلةٌ، وتخيلتْ نفسَها غايةً، ونسيتْ أنَّ الشعبَ هوَ الأصلُ، وراحتْ تطلبُ منْهُ أن يبرهنَ كلَّ يومٍ أنَّهُ جديرٌ بالوجودِ تحتَ ظلِّها.

ولكيْ يُفْهَمَ هذا السؤالُ على وجهِهِ الصحيحِ، لا بدَّ منِ استحضارِ ما سبقَ منْ تفكيكٍ لمفهومِ الدولةِ والوطنِ والسلطةِ والوطنيةِ والمواطنةِ. فالدولةُ ليستْ كائنًا مقدسًا قائمًا بذاتِهِ، وليست| روحًا غامضةً تحلقُ فوقَ الناسِ، وليستْ ذاتًا مستقلةً عنِ المجتمعِ؛ إنَّها في حقيقتِها العمليةِ بنيةٌ مؤسسيةٌ وقانونيةٌ، وفي ممارستِها الواقعيةِ قدْ تتحولُ إلى مجموعةِ أشخاصٍ متنفذينَ، وأجهزةٍ نافذةٍ، ونخبٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ وإعلاميةٍ، تتحدثُ باسمِ الدولةِ وتديرُ مواردَها وتحتكرُ تفسيرَ مصالحِها. وهنا يقعُ الخلطُ الأخطرُ؛ يُقَالُ “الدولةُ” بينما المقصودُ في الواقعِ سلطةٌ قائمةٌ، أو حزبٌ حاكمٌ، أو جهازٌ إداريٌّ، أو شبكةُ مصالحَ، أو نخبةٌ متحالفةٌ معَ القرارِ. فإذا لمْ نفرقْ بينَ الدولةِ بوصفِها إطارًا عامًا لخدمةِ المجتمعِ، وبينَ منْ يتولونَ إدارتَها في لحظةٍ تاريخيةٍ معينةٍ، أمكنَ لكلِّ متنفذٍ أن يلبسَ قناعَ الدولةِ، وأن يجعلَ الاعتراضَ عليهِ اعتراضًا عليها، وأن يجعلَ نقدَ فسادِهِ إساءةً لهيبتِها، وأن يجعلَ مساءلةَ قراراتِهِ طعنًا في مصلحتِها.

وهذا هوَ البابُ الذي يدخلُ منْهُ الخطابُ الشعبويُّ. فالشعبويةُ السياسيةُ لا تعيشُ على المعاني الدقيقةِ، بلْ على الشعاراتِ الواسعةِ. إنَّها لا تحبُّ المواطنَ المفكرَ، بلِ الحشدَ المنفعلَ. ولا تحبُّ الأسئلةَ المركبةَ، بلِ الإجاباتِ الغريزيةَ السريعةَ. لذلكَ تتلاعبُ بالوطنيةِ، وتستثمرُ الخوفَ، وتخلقُ أعداءً دائمينَ، وتوحي للناسِ أنَّ منْ يقفُ معَ الزعيمِ أو الحزبِ أو السلطةِ فهو معَ الوطنِ، ومنْ يسألُ أو ينتقدُ أو يطالبُ بالحقوقِ فهو خائنٌ متآمرٌ أو على الأقلِّ مشكوكٌ في وطنيتِهِ. وحينَ تُسْتَعْمَلُ مفرداتٌ مثلُ “الوطنِ”، و”الدولةِ”، و”الأمنِ”، و”المصلحةِ الوطنيةِ”، و”الثوابتِ”، و”الهيبةِ”، دونَ ضبطٍ ولا تعريفٍ ولا مساءلةٍ، تتحولُ إلى أدواتٍ لإغلاقِ المجالِ العامِّ، لا لفتْحِهِ؛ وإلى أسلحةٍ رمزيةٍ تُرْفَعُ في وجهِ المواطنِ، لا إلى معانٍ جامعةٍ تحمي كرامتَهُ.

“حينَ تتحولُ الوطنيةُ إلى معيارٍ لتقييدِ الحرياتِ، والتفتيشِ في الضمائرِ، فإنَّنا لا نكونُ أمامَ وطنيةٍ راشدةٍ، بلْ أمامَ إدارةٍ سياسيةٍ للمشاعرِ، تستعملُ الوطنَ لإخضاعِ المواطنِ بدلَ أن تستعملَ الدولةَ لخدمتِهِ.”

وقدْ سبقَ الطرحُ بأنَّ جوهرَ الوطنيةِ ليسَ العلمَ ولا النشيدَ ولا اليومَ الوطنيَّ ولا الاحتفالاتِ ولا كثافةَ الشعاراتِ، معَ أنَّ هذه الرموزَ قد تكونُ جميلةً ومهمةً حينَ تبقى في موضعِها الطبيعيِّ. لكنَّ الخطرَ يبدأُ حينَ تتحولُ الرموزُ إلى بديلٍ عنِ العدالةِ، وحينَ يصبحُ رفعُ العلمِ أهمَّ منْ صيانةِ كرامةِ الإنسانِ، وحينَ يصبحُ ترديدُ النشيدِ أعلى مقامًا منْ محاسبةِ الفاسدِ، وحينَ يصبحُ الاحتفالُ باليومِ الوطنيِّ غطاءً لحياةٍ يوميةٍ لا يشعرُ فيها المواطنُ أنَّ وطنَهُ يحتضنُهُ فعلًا. عندئذٍ لا تعودُ الوطنيةُ قيمةً أخلاقيةً، بلْ طقسًا إلزاميًا ووثنيةً مقدسةً؛ ولا تعودُ المواطنةُ عقدًا منَ الحقوقِ والواجباتِ، بلِ امتحانًا عاطفيًا يُقَاسُ فيهِ الناسُ بمقدارِ تصفيقِهِمْ، لا بمقدارِ صدقِهِمْ ونزاهتِهِمْ ومساهمتِهِمُ الحقيقيةِ.

بلْ قدْ يبلغُ التلاعبُ حدًّا أبعدَ، حينَ تُصَاغُ الوطنيةُ في صورةِ شعاراتٍ عنصريةٍ أو إقصائيةٍ، تجعلُ حبَّ الوطنِ مشروطًا بكراهيةِ الآخرِ، أو تجعلُ الانتماءَ محصورًا في نمطٍ ثقافيٍّ واحدٍ، أو تجعلُ المواطنَ الصالحَ هوَ منْ يطابقُ الأغلبيةَ في ذوقِها وسلوكِها وخياراتِها، لا منْ يحترمُ القانونَ ويصونُ الحقوقَ ويشاركُ في البناءِ. وهنا يقعُ الخلطُ المتعمدُ بينَ الوطنيةِ والمواطنةِ؛ فالوطنيةُ شعورُ انتماءٍ وحرصٍ ومسؤوليةٍ، أما المواطنةُ فهيَ وضعٌ قانونيٌّ وأخلاقيٌّ يقومُ على الحقوقِ والواجباتِ المتبادلةِ. قدْ يختلفُ الناسُ في حرارةِ مشاعرِهِمْ، وفي طقوسِ تعبيرِهِمْ، وفي علاقتِهِمْ بالرموزِ، لكنَّهُمْ يظلونَ مواطنينَ ما داموا ملتزمينَ بالعقدِ العامِّ. أما حينَ تتحولُ الوطنيةُ إلى معيارٍ لتقييدِ الحرياتِ، واستبعادِ الخياراتِ, والتفتيشِ في الضمائرِ، وقياسِ الناسِ بمقدارِ انفعالِهِمُ الظاهرِ، فإنَّنا لا نكونُ أمامَ وطنيةٍ راشدةٍ، بلْ أمامَ إدارةٍ سياسيةٍ للمشاعرِ، تستعملُ الوطنَ لإخضاعِ المواطنِ بدلَ أن تستعملَ الدولةَ لخدمتِهِ.

منْ هنا يصبحُ السؤالُ: هلِ الشعبُ للدولةِ أمِ الدولةُ للشعبِ؟ سؤالًا كاشفًا، لأنهُ يجبرُنا على رؤيةِ الجذرِ الذي تنبتُ منهُ كلُّ هذه الانحرافاتِ. فإذا قيلَ إنَّ الشعبَ للدولةِ، فإنَّ المعنى العمليَّ لذلكَ أنَّ الإنسانَ يصبحُ تابعًا للهيكلِ ومستعبَدًا لأهوائِها، وأنَّ المواطنTarget يصبحُ وسيلةً لحمايةِ صورةِ الجهازِ، وأنَّ الحقوقَ تصبحُ قابلةً للتأجيلِ أو التعليقِ كلما قيلَ إنَّ الدولةَ تحتاجُ إلى ذلكَ. في هذا التصورِ، لا تُقَاسُ الدولةُ بمقدارِ ما تقدمُهُ للناسِ منْ أمنٍ وعدلٍ وكرامةٍ، بلْ يُقَاسُ الناسُ بمقدارِ ما يقدمونَهُ لها منْ طاعةٍ وصمتٍ وتضحيةٍ واحتمالٍ. يصبحُ المواطنُ صالحًا بقدرِ ما يطيعُ، لا بقدرِ ما يعي؛ وبقرارِ ما يصمتُ، لا بقدرِ ما ينصحُ؛ وبقدرِ ما يرددُ، لا بقدرِ ما يبني؛ وبقدرِ ما يقبلُ الأذى باسمِ المصلحةِ العليا، لا بقدرِ ما يطالبُ بأن تكونَ هذه المصلحةُ واضحةً وعادلةً وخاضعةً للمحاسبةِ.

أما إذا قيلَ إنَّ الدولةَ للشعبِ، فإنَّ المعادلةَ تستعيدُ ترتيبَها الطبيعيَّ. لا يعني ذلكَ أنَّ الشعبَ يفعلُ ما يشاءُ بلا قانونٍ، ولا أنَّ المواطنَ يتحللُ منْ واجباتِهِ، ولا أنَّ الحريةَ تتحولُ إلى فوضى، ولا أنَّ الدولةَ تصبحُ خادمةً مذلولةً لرغباتِ الأفرادِ المتقلبةِ. بلْ يعني أنَّ الدولةَ، بكلِّ قوَّتِها ومؤسساتِها ومواردِها ورموزِها، تستمدُّ مشروعيتَها منْ وظيفتِها في خدمةِ الإنسانِ والمجتمعِ، وأنَّ قوَّتَها ليست| قيمةً في ذاتِها، بلْ قيمةٌ بمقدارِ ما تحمي الضعيفَ، وتردعُ المعتديَ، وتصونُ الحقوقَ، وتنظمُ مصالحَهُ، وتمنعُ الفسادَ، وتوفرُ شروطَ الحياةِ الكريمةِ. الدولةُ للشعبِ لا تعني دولةً رخوةً بلا هيبةٍ، بلْ دولةً تعرفُ أنَّ هيبتَها الحقيقيةَ لا تأتي منْ خوفِ الناسِ منْها، بلْ منْ ثقتِهِمْ بها، ومنْ عدلِها، ومنْ قدرتِها على إخضاعِ الأقوياءِ للقانونِ قبلَ الضعفاءِ.

“الذي يطلبُ منَ المواطنِ أن يصمتَ باسمِ الدولةِ ليسَ الدولةَ المجردةَ، بلْ جهةٌ تخشى كلامَهُ. والذي يتهمُ الناقدَ بأنَّهُ ضدَّ الدولةِ ليسَ الدولةَ، بلْ منْ لا يريدُ أن يُسْأَلُ عنْ أدائِهِ.”

الفرقُ بينَ التصورينِ ليسَ لغويًا، بلْ وجوديٌّ. في التصورِ الأولِ، تصبحُ الدولةُ فوقَ الشعبِ، وتصبحُ السلطةُ فوقَ المحاسبةِ، وتصبحُ الوطنيةُ أداةً لإسكاتِ الأسئلةِ، وتصبحُ المصلحةُ العامةُ لفظًا واسعًا يصلحُ لتبريرِ كلِّ شيءٍ. في التصورِ الثاني، تصبحُ الدولةُ أمانةً عامةً، والسلطةَ وكالةً مؤقتةً، والوطنيةَ مسؤوليةً أخلاقيةً، والمصلحةَ العامةَ نتيجةَ توازنٍ بينَ الحقوقِ والحرياتِ والعدالةِ والأمنِ والكرامةِ. في التصورِ الأولِ، يقالُ للمواطنِ: أنتَ مدينٌ للدولةِ دائمًا. في التصورِ الثاني، يقالُ للدولةِ: أنتِ مدينةٌ للمواطنِ الذي هوَ سببُ وجودِكِ أصلًا. في التصورِ الأولِ، يُطْلَبُ منَ الشعبِ أن يبررَ حاجتَهُ إلى حقوقِهِ. في التصورِ الثاني، تُطْلَبُ منَ الدولةِ أن تبررَ كلَّ قيدٍ تفرضهُ على هذه الحقوقِ. في التصورِ الأولِ، تصبحُ التضحيةُ قاعدةً. في التصورِ الثاني، تصبحُ التضحية_ استثناءً مشروعًا حينَ تكونُ ضرورةً وعادلةً ومؤقتةً وشفافةً.

والسؤالُ الأهمُّ هنا؛ من المستفيدُ منْ كلِّ سيناريو؟ حينَ يُقَالُ إنَّ الشعبَ للدولةِ، فإنَّ أولَ المستفيدينَ هُمُ الذينَ يتحدثونَ باسمِ الدولةِ، لا الدولةُ بمعناها النبيلِ. يستفيدُ السياسيُّ الذي يريدُ تحويلَ موقعِهِ المؤقتِ إلى قداسةٍ دائمةٍ. يستفيدُ الحزبُ الذي يريدُ أن يجعلَ برنامجَهُ الخاصَّ مرادفًا لمصلحةِ الوطنِ. يستفيدُ الجهازُ الإداريُّ الذي يخشى المساءلةَ ويريدُ أن يجعلَ نقدَهُ إضعافًا لهيبةِ الدولةِ. يستفيدُ الفاسدُ الذي يختبئُ خلفَ الرموزِ الكبرى، فإذا كُشِفَ فسادُهُ قالَ إنَّ كشفَهُ يضرُّ بصورةِ البلادِ. تستفيدُ النخبُ الاقتصاديةُ التي تمررُ مصالحَها باسمِ النموِّ والمصلحةِ العامةِ، وتطلبُ منَ الفقراءِ شدَّ الأحزمةِ بينما تبقى أحزمتُها واسعةً رخوةً. يستفيدُ الإعلامُ الموجهُ الذي يبيعُ للجماهيرِ حماسةً بدلَ الحقيقةِ، ويصنعُ لهُمْ عدوًا كلما احتاجتِ السلطةُ إلى صرفِ النظرِ عن عجزِها. يستفيدُ كلُّ منْ يريدُ شعبًا قابلًا للتعبئةِ لا مجتمعًا قادرًا على التفكيرِ.

في سيناريو “الشعبُ للدولةِ”، تكونُ الدولةُ في الخطابِ كائنًا ساميًا، لكنَّها في الواقعِ غالبًا تتحولُ إلى غطاءٍ لأصحابِ القوةِ. فالذي يطلبُ منَ المواطنِ أن يصمتَ باسمِ الدولةِ ليسَ الدولةَ المجردةَ، بلْ جهةٌ تخشى كلامَهُ. والذي يطالبُهُ بالتضحيةِ الدائمةِ باسمِ الدولةِ ليسَ الدولةَ بوصفِها عقدًا عامًا، بلْ إدارةٌ أو نخبةٌ تريدُ نقلَ كلفةِ قراراتِها إلى الأضعفِ. والذي يتهمُ الناقدَ بأنَّهُ ضدَّ الدولةِ ليسَ الدولةَ، بل| منْ لا يريدُ أن يُسْأَلُ عنْ أدائِهِ. لذلكَ يجبُ دائمًا أن نترجمَ العباراتِ الكبرى إلى أسئلتِها الواقعيةِ؛ عندما يقالُ “مصلحةُ الدولةِ” نسألُ: مصلحةُ منْ تحديدًا؟ وعندما يقالُ “هيبةُ الدولةِ” نسألُ: هيبةُ القانونِ أمْ هيبةُ المسؤولِ؟ وعندما يقالُ “أمنُ الدولةِ” نسألُ: أمنُ المجتمعِ أمْ أمنُ السلطةِ منَ المجتمعِ؟ وعندما يقالُ “سمعةُ الدولةِ” نسألُ: هلِ المقصودُ إصلاحُ الواقعِ أمْ إخفاءُ العيوبِ؟ وعندما يقالُ “على الشعبِ أن يضحيَ” نسألُ: منْ يقررُ حجمَ التضحيةِ؟ ومنْ يشاركُ فيها؟ ومنْ يُعْفَى منْها؟ ومنْ يحاسبُ إنْ كانت| بلا جدوى؟

أما المستفيدُ منْ سيناريو “الدولةُ للشعبِ” فهو الشعبُ بمعناهُ الواسعِ أولًا، والدولةُ الحقيقيةُ ثانيًا، والسلطةُ الرشيدةُ ثالثًا. يستفيدُ المواطنُ لأنهُ لا يعودُ مجردَ تابعٍ، بلْ صاحبُ حقٍّ وشريكٌ في المصيرِ. يستفيدُ الضعيفُ لأنَّ الدولةَ حينَ تكونُ للشعبِ تصبحُ مطالبةً بحمايتِهِ منَ الأقوى، لا بحمايةِ الأقوى منْهُ. تستفيدُ المؤسساتُ لأنَّها تكتسبُ ثقةَ الناسِ، والثقةُ أقوى منَ الخوفِ في بناءِ الاستقرارِ الطويلِ. تستفيدُ السلطةُ نفسُها إذا كانتْ رشيدةً، لأنَّ المساءلةَ تحميها منَ العمى، والنقدَ يمنعُ أخطاءَها منَ التراكمِ، والشفافيةَ تجعلُ قراراتِها أكثرَ رسوخًا في القبولِ العامِّ. ويستفيدُ الوطنُ لأنَّ الانتماءَ إليهِ لا يعودُ قائمًا على الإكراهِ والتخوينِ، بلْ على شعورٍ حقيقيٍّ بأنَّ هذا الكيانَ يحمي أبناءَهُ ولا يستعملُهُمْ.

وفي المقابلِ، منْ يدفعُ الثمنَ في كلِّ سيناريو؟ إذا كانَ الشعبُ للدولةِ، يدفعُ الثمنَ المواطنُ العاديُّ أولًا؛ منْ دخلِهِ، ووقتِهِ، وصوتِهِ، وكرامتِهِ، وحقِّهِ في السؤالِ. يدفعُ الفقيرُ الثمنَ حينَ تتحولُ “المصلحةُ العليا” إلى ضرائبَ ورسومٍ وتقشفٍ لا يطالُ أصحابَ الامتيازاتِ بالقدرِ نفسِهِ. ويدفعُ صاحبُ الرأيِ الثمنَ حينَ يصيرُ النقدُ تهمةً. ويدفعُ المختلفُ الثمنَ حينَ تتحولُ الوطنيةُ إلى قالبٍ إجباريٍّ يقيسُ صدقَ الانتماءِ بمقدارِ التشابهِ. وتدفعُ الأقلياتُ الثمنَ حينَ تصبحُ وحدةُ الدولةِ ذريعةً لمحوِ الخصوصياتِ المشروعةِ. ويدفعُ المجتمعُ كلُّهُ الثمنَ حينَ يتعلمُ النفاقَ، فيقولُ الناسُ في العلنِ ما لا يعتقدونَ، ويخفونَ في داخلِهِمْ مرارةً لا تجدُ طريقًا صحيًا إلى التعبيرِ. بلْ تدفعُ الدولةُ نفسُها الثمنَ في النهايةِ، لأنَّها تفقدُ ثقةَ المجتمعِ، وحينَ تفقدُ الدولةُ الثقةَ لا يبقى لها إلا القسرُ، والقسرُ مهما طالَ لا يصنعُ ولاءً حقيقيًا، ولا يعيشُ أمدًا طويلًا.

أما إذا كانتِ الدولةُ للشعبِ، فإنَّ الثمنَ الذي يدفعهُ أصحابُ الامتيازاتِ غيرِ المشروعةِ هوَ فقدانُ القدرةِ على الاحتكارِ. يدفعُ الفاسدُ ثمنَ الشفافيةِ، ويدفعُ المتنفذُ ثمنَ سيادةِ القانونِ، ويدفعُ السياسيُّ ثمنَ المساءلةِ، ويدفعُ الإعلامُ الموجهُ ثمنَ انكشافِ التلاعبِ، وتدفعُ النخبُ المغلقةُ ثمنَ مشاركةِ الناسِ في تعريفِ المصلحةِ العامةِ. لكنَّهُ ثمنٌ صحيٌّ، لأنهُ لا يهدمُ الدولةَ بلْ يطهرُها. فالدولة_ لا تضعفُ حينَ يُحَاسَبُ الفاسدُ باسمِها، بلْ تقوى. ولا تنهارُ حينَ يُسْأَلُ المسؤولُ، بلْ تنضجُ. ولا تُهَانُ حينَ يُكْشَفُ خللُها، بلْ تُهَانُ حينَ يُطْلَبُ منَ الناسِ أن يباركوا الخللَ ويهللوا لهُ.

إنَّ قلبَ العلاقةِ بينَ الشعبِ والدولةِ لا يصنعُ الاستبدادَ السياسيَّ وحدَهُ، بلْ يصنعُ استبدادًا أخلاقيًا وثقافيًا أعمقَ. فعندما يُرَبَّى الإنسانُ على أنَّ الدولةَ فوقَهُ دائمًا، يتعلمُ أنَّ كرامتَهُ قابلةٌ للمساومةِ، وأنَّ حقوقَهُ مؤجلةٌ بطبيعتِها، وأنَّ صوتَهُ خطرٌ، وأنَّ عقلَهُ يجبُ أن يتحركَ داخلَ الحدودِ التي ترسمُها السلطةُ. ومعَ الوقتِ لا يحتاجُ الاستبدادُ إلى عصًا ظاهرةً في كلِّ لحظةٍ، لأنَّ الخوفَ يستقرُّ في الداخلِ، ولأنَّ المواطنَ يتعلمُ الرقابةَ الذاتيةَ، ولأنَّ المجتمعَ نفسَهُ يتحولُ إلى جهازِ تفتيشٍ على أفرادِهِ. هنا لا يعودُ القمعُ مجردَ ممارسةٍ منْ أعلى، بلْ ثقافةً تنتشرُ أفقيًا؛ مواطنٌ يخونُ مواطنًا، وجماعةٌ تشككُ في جماعةٍ، وأغلبيةٌ تطردُ أقليةً معنويًا منَ الوطنِ، وكلُّ ذلكَ باسمِ الدولةِ والوطنِ والوحدةِ.

ومثلُ هذا الانقلابِ على البداهةِ والعدالةِ والمنطقِ يفسدُ حتى مَعنى التضحيةِ. فالتضحيةُ في مَعناها النبيلِ فعلٌ أخلاقيٌّ عظيمٌ، وقدْ تحتاجُ المجتمعاتُ في لحظاتِ الخطرِ الحقيقيِّ إلى تضامنٍ واسعٍ، وإلى احتمالٍ مشتركٍ، وإلى تقديمِ بعضِ المصالحِ الخاصةِ لحمايةِ الكيانِ العامِّ. لكنَّ التضحيةَ لا تكونُ نبيلةً إلا إذا كانتْ عادلةً في توزيعِها، واضحةً في غايتِها، محددةً في زمنِها، خاضعةً للمساءلةِ، ومشتركةً بينَ الطبقاتِ والفئاتِ. أما التضحيةُ التي تُطْلَبُ منَ الفقراءِ وحدَهُمْ، أو منَ المعارضينَ وحدَهُمْ، أو منَ المواطنينَ العاديينَ وحدَهُمْ، بينما تبقى امتيازاتُ النخبِ آمنةً، فهيَ ليستْ تضحيةً وطنيةً بلْ جبايةً معنويةً وماديةً وتجسيدًا لمنطقِ “السادةِ والعبيدِ” وسياسةِ الاستعبادِ المقنعِ باسمِ الدولةِ وباسمِ الوطنيةِ. والتضحيةُ التي لا يُسْمَحُ لأحدٍ بسؤالِها؛ لماذا؟ وإلى متى؟ ولصالحِ منْ؟ ليستْ تضحيةً، بلْ خضوعٌ وتسلطٌ واستعبادٌ.

ولذلكَ لا يصحُّ أن يُقَالُ للناسِ: إنْ كنتمْ تحبونَ الوطنَ فاصمتوا. بلْ يقالُ لهُمْ: إنْ كنتمْ تحبونَ الوطنَ فاسألوا بوعيٍ، واعملوا بصدقٍ، وحاسبوا بعدلٍ، ولا تسمحوا لأحدٍ أن يحولَ حبَّكُمْ إلى قيدٍ. لا يصحُّ أن يقالَ: إنْ كنتم| تحترمونَ الدولةَ فلا تنتقدوها. بلْ يقال…: إنْ كنتمْ تحترمونَ الدولةَ فامنعوا فسادَها، وراقبوا سلطتَها، وصونوا مؤسساتِها منَ التحولِ إلى ملكياتٍ خاصةٍ. لا يصحُّ أن يقالَ: إنْ كنتمْ مواطنينَ صالحينَ فقدموا واجباتِكُمْ دونَ حديثٍ عنْ حقوقِكُمْ. بلْ يقالُ: المواطنةُ لا تكونُ صالحةً إلا حينَ يتوازنُ فيها الحقُّ والواجبُ، وحينَ يعرفُ المواطنُ أنَّهُ ليسَ عبدًا مهذبًا في مرفقٍ سياسيٍّ، بلْ شريكٌ حرٌّ في عقدٍ عامٍّ.

إنَّ الدولةَ للشعبِ لا تعني أنَّ الشعبَ معصومٌ منَ الخطأِ، ولا أنَّ الجماهيرَ دائمًا على حقٍّ، ولا أنَّ الغضبَ الشعبيَّ يكفي لإنتاجِ سياسةٍ رشيدةٍ. فالشعبُ قدْ يُخْدَعُ، وقدْ ينساقُ، وقدْ يظلمُ تحتَ تأثيرِ الخوفِ أو الدعايةِ أو العصبيةِ، ولهذا تحتاجُ الدولةُ إلى مؤسساتٍ وقانونٍ ودستورٍ وضماناتٍ لا إلى مجردِ مزاجٍ جمعيٍّ متقلبٍ. لكنَّ هذه المؤسساتِ نفسَها يجبُ أن تبقى خادمةً للحقِّ العامِّ، لا مالكةً لهُ. فالصوابُ ليسَ في عبادةِ الشعبِ، كما ليسَ في عبادةِ الدولةِ؛ الصوابُ في بناءِ عقدٍ يجعلُ الإنسانَ غايةً، والقانونَ ميزانًا، والمؤسساتِ أدواتٍ، والسلطةَ وكالةً، والمصلحةَ العامةَ نتيجةً لتوازنٍ عقلانيٍّ بينَ الحريةِ والعدالةِ والأمنِ والكرامةِ.

ومنْ هنا يتضحُ المنهجُ الصحيحُ للتعاطي معَ هذا البابِ. أولًا، يجبُ تحريرُ المفاهيمِ منِ الاختطافِ منْ شاكلةِ أنَّ الوطنَ ليسَ السلطةَ، والدولةَ ليستِ الحكومةَ، والحكومةَ ليستِ الشعبَ، والشعبَ ليسَ كتلةً واحدةً بلا اختلافٍ، والوطنيةَ ليستِ الطاعةَ، والمواطنةَ ليستِ الحماسةَ، والمصلحةَ العامةَ ليستْ ما يقولُهُ الأقوى. ثانيًا، يجبُ ردُّ الدولةِ إلى أصلِ وظيفتِها التي هيَ الأمنُ والعدلُ وتنظيمُ المصالحِ وحمايةُ الحقوقِ. ثالثًا، يجبُ اعتبارُ كلِّ قيدٍ على الحريةِ أو كلِّ تضحيةٍ مطلوبةٍ منَ الناسِ أمرًا يحتاجُ إلى تبريرٍ واضحٍ، لا إلى شعارٍ عاطفيٍّ. رابعًا، يجبُ أن يكونَ السؤالُ الدائمُ أمامَ كلِّ سياسةٍ: كيفَ تخدمُ الإنسانَ الذي وُجِدتِ الدولةُ منْ أجلِهِ؟ خامسًا، يجبُ أن تُقَاسُ الوطنيةُ بالسلوكِ العمليِّ منْ مثلِ النزاهةِ، احترامِ القانونِ، حمايةِ المالِ العامِّ، خدمةِ المجتمعِ، قولِ الحقيقةِ، لا بمجردِ الطقوسِ والأصواتِ والشعاراتِ.

والأهمُّ منْ ذلكَ كلِّهِ أنْ نعيدَ ترتيبَ المقاماتِ؛ الإنسانُ ليسَ فوقَ القانونِ، لكنَّهُ قبلَ الدولةِ منْ حيثُ الغايةُ والمعنى. والدولةُ ليستْ عدوًا للإنسانِ، لكنَّها ليستْ إلهًا عليهِ. والشعبُ ليسَ مادةً للفوضى، لكنَّهُ ليسَ قطيعًا للسلطةِ. والسلطةُ ليستْ شرًّا بذاتِها، لكنَّها تفسدُ حينَ لا تُرَاقَبُ. والوطنيةُ ليستْ وهمًا، لكنَّها تتحولُ إلى وهمٍ خطيرٍ حينَ تنفصلُ عنِ العدلِ. والدولةُ ليستْ عبئًا، لكنَّها تصبحُ عبئًا حينَ تطلبُ منَ الناسِ أن ينسوْا أنَّها أُنشِئَتْ منْ أجلِهِمْ.

إنَّ الشعبَ لمْ يوجدْ للدولةِ كما يوجدُ الوقودُ للمحركِ، ولا كما توجدُ الحجارةُ للبناءِ، ولا كما توجدُ الأرقامُ في دفاترِ الإدارةِ. الشعبُ هوَ أصلُ المَعنى السياسيِّ كلِّهِ. منْ عَرَقِهِ تُبْنَى المؤسساتُ، ومنْ مواردِهِ تُمَوَّلُ الميزانياتُ، ومنْ ثقتِهِ تُسْتَمَدُّ الشرعيةُ، ومنْ صبرِهِ تستمرُّ الأزماتُ، ومنْ وعيِهِ تنهضُ الحضاراتُ. أما الدولةُ فهيَ الشكلُ المنظمُ لهذهِ الإرادةِ العامةِ، والأداةُ التي ينبغي أن تحميَ هذا الوجودَ لا أن تبتلعَهُ. فإذا تحولتْ إلى قوةٍ تطالبُ الشعبَ بأن يفنى في صورتِها، فقدْ خانتْ وظيفتَها؛ وإذا بقيت| جسرًا يعبرُ بهِ الشعبُ إلى أمنٍ وعدلٍ وكرامةٍ، فقدْ أدتْ مَعناها.

“الدولةُ العادلةُ القويةُ لا تقومُ إلا بشعبٍ حرٍّ مسؤولٍ؛ فالدولةُ وُجِدتْ منْ أجلِ الإنسانِ لا الإنسانُ منْ أجلِ الدولةِ، وكلُّ سياسةٍ تنسى هذه الحقيقةَ تسيرُ نحو نقيضِ الشرعيةِ.”

وفي النهايةِ، ليستِ القضيةُ أن نختارَ بينَ دولةٍ قويةٍ وشعبٍ حرٍّ، كما يحبُّ الخطابُ المضللُ أن يوهمَنا. الدولة_ العادلةُ القويةُ لا تقومُ إلا بشعبٍ حرٍّ مسؤولٍ، والشعبُ الحرُّ لا يستغني عنْ دولةٍ عادلةٍ قويةٍ. القضيةُ الحقيقيةُ هيَ؛ أيَّ قوةٍ نريدُ؟ قوةً تحمي الإنسانَ أمْ قوةً تخضعُهُ؟ وأيَّ حريةٍ نريدُ؟ حريةً تبني العقدَ العامَّ أمْ حريةً تهدمُهُ؟ وأيَّ وطنيةٍ نريدُ؟ وطنيةً تجعلُ المواطنَ شريكًا أمْ وطنيةً تجعلُهُ خادمًا صامتًا؟ وأيَّ دولةٍ نريدُ؟ دولةً تعرفُ أنَّ عظمتَها في خدمةِ شعبِها، أمْ دولةً تطلبُ منْ شعبِها أن يصغرَ كيْ تبدوَ عظيمةً؟

الصوابُ المنهجيُّ أنَّ الدولةَ للشعبِ لا بِمَعنى الدلالِ الفوضويِّ، بلْ بِمَعنى الغايةِ الأخلاقيةِ والسياسيةِ. وأنَّ الشعبَ للدولةِ لا يكونُ صحيحًا إلا في حدودِ الواجباتِ العادلةِ التي يفرضُها العقدُ المشتركُ، لا في مَعنى الذوبانِ والخضوعِ والتنازلِ الدائمِ. فلا دولةَ بلا شعبٍ، ولا شعبَ آمنٌ بلا دولةٍ، لكنَّ الدولةَ تفقدُ شرعيتَها حينَ تنسى أنَّها وسيلةٌ، والشعبَ يفقدُ حريتَهُ حينَ يقبلَ أن يكونَ مجردَ أداةٍ. وبينَ هذينِ الانحرافينِ يقومُ الميزانُ العادلُ: دولةٌ قويةٌ بالحقِّ، وشعبٌ حرٌّ بالمسؤوليةِ، وسلطةٌ محدودةٌ بالمحاسبةِ، وطنيةٌ متصلةٌ بالكرامةِ، ومصلحةٌ عامةٌ لا تُعَرَّفُ ضدَّ الإنسانِ، بلْ منْ أجلِهِ وبهِ وفي خدمتِهِ.

يجبُ ترسيخُ المفاهيمِ الصحيحةِ والحقيقيةِ والتي على رأسِها ما ذُكِرَ آنفًا أنَّ الدولةَ هيَ الشكلُ المنظمُ للإرادةِ العامةِللشعبِ وليستْ كائنًا هلاميًا غريبًا هبطَ علينا منَ الفضاءِ، ومنْ أرادَ أن يحميَ الدولةَ حقًّا، فليمنعْها منَ التحولِ إلى صنمٍ مقدسٍ. ومنْ أرادَ أن يحميَ الشعبَ، فليمنعْهُ منَ السقوطِ في الفوضى أو الانفعالِ الأعمى. ومنْ أرادَ أن يحميَ الوطنَ، فليحمِ المَعنى منَ المتاجرينَ بهِ، والرمزَ منَ المختبئينَ خلفَهُ، والمصلحةَ العامةَ منَ الذينَ يكتبونَها على مقاسِ مصالحِهِمْ. عندئذٍ فقطْ لا يعودُ السؤالُ “هلِ الشعبُ للدولةِ أمِ الدولةُ للشعبِ؟” مجردَ مقابلةٍ لفظيةٍ، بلْ يصبحُ مفتاحًالاستردادِ السياسةِ منَ التزييفِ، والوطنيةِ منَ الابتذالِ، الدولةِ منَ التأليهِ، والشعبِ منَ الاستعبادِ. وعندئذٍ تستقيمُ الحقيقةُ الكبرى أنَّ الدولةَ وُجِدتْ منْ أجلِ الإنسانِ، لا الإنسانُ منْ أجلِ الدولةِ؛ وكلُّ سياسةٍ تنسى هذه الحقيقةَ تبدأُ، مهما تجملتْ بالشعاراتِ، في السيرِ نحو نقيضِ الشرعيةِ التي تدَّعي حمايَتَها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى