في غياهبِ نفسٍ أرهقتها تقلباتُ الزمنِ، وأثقلتها وطأةُ السؤالِ، ينبثقُ السؤالُ كنبضِ جرحٍ قديمٍ لم يندمل؛ لا كسُؤَالًا يُطرح ليفتح بابًا يُوصد من بعدهِ فتنتهي الحكايةُ وتُطوى الصفحةُ، بل كسُؤَالًا يلدُ بواباتٍ من الريحِ تتلاطمُ في الصدرِ، ويخلقُ فضاءاتٍ تُستنشقُ بنهمٍ ثم تُنتزعُ عنها الأنفاسُ شَيْئًا فشيئًا كما تُنتزعُ الروحُ من جسدٍ يحتضرُ، حتى يصبحَ الوجودُ ذاتهُ هو السؤالُ، والسؤالُ هو الوجودُ، فلا يعود ثمة فرقٌ بين الباحثِ والمبحوثِ عنه، ولا بين الظامئِ والماءِ.
هناك، في تلك الأعماقِ السحيقةِ حيث لا تتكلمُ النفسُ إلا بلغةِ الصمتِ المقدسِ، وبصوتٍ خافتٍ يسكنُ أعماقَ الأعماقِ ولا يكاد يُسمعُ، تنشأُ الحقيقةُ كما تنشأُ النارُ في خشبٍ رطبٍ في عراءٍ. ليست لحظةً واحدةً تلك التي تشتعلُ فيها العظمةُ وتتجلى الإشراقةُ، بل مخاضٌ طويلٌ من الاحتراقِ الذي لا يعلنُ عن نفسه في صخبٍ أو ضجيجٍ، ومن الحرارةِ التي تخفي سرَّها في أحضانِ الصمتِ الرهيبِ، ومن الضوءِ الذي لا يصرخُ متبجحًا بوجودهِ، بل يسكنُ متواريًا في الظلالِ ينتظرُ من يكتشفهُ.
والسؤال، في جوهره، ليس طلب جوابٍ فحسب. إنه طريقة وجود. فالإنسان، حين يظن أنه يعيش ملء الحياة، ويستنشق عبيرها، ويقطف ثمارها، يكون في الغالب يمرّ على حياته مرور الغريب على ديار لا يعرفها؛ مرورًا فيزيائيًا أجوف لا روح فيه ولا معنى، يقطف من الأحداث ما يستطيع قطفه بأصابع مرتعشة، ويسمي ذلك حياةً بجرأةٍ مفقودة المعنى، عَارِيَةً من اليقين. لكن الحياة، في جوهرها الذي لا يُدرك إلا بعد طول تأمل، ليست ما يُقطف من ثمارٍ ظاهرة تُرى بالعين المجردة، بل ما يستبقي منك بعد القطاف، وما يبقى عالقًا في الروح؛ ذلك الأثر الذي لا يُمحى كوشمٍ محروق في اللحم، وما يحوّلك من مجرد كائن يتلقى الضربات في صمت، إلى كائنٍ يستحيل التلقي في كيانه سيفًا يقطع العدم ويشق الظلمات، ثم يعيد تشكيله في بوتقة روحه الملتهبة.
هذه الإعادة، هذا التحول الخفي، ليست عملية خارجية تُشاهد بالعيون العادية وتُرصد من بعيد، بل صيرورة داخلية سرية لا تُرى إلا حين تتوقف عن التظاهر بأنك تملك نفسك، وحين تكفّ عن الادعاء بأن لديك سيطرةً كاملة على ما يجري في أعماقك. فمن أوهام الإنسان الكبرى أنه يظن نفسه سيد باطنه، بينما هو كثيرًا ما يكون شاهدًا مرتبكًا على زلازل لا يعرف متى بدأت ولا أين ستنتهي.
الحقيقة، في عُريها القاسي، ليست ثوبًا يُلبس ويُخلع حسب المزاج والحال، بل هي فعل التعرّي الذي لا رجعة فيه.
النفس ليست غرفةً مغلقة ذات جدران صماء تحفظ الأسرار في صناديقها، ولا صندوقًا موصدًا بأقفال ثقيلة يحفظ الأشياء في ترتيبٍ ميت، بل هي ساحة مفتوحة على اللانهاية من الانفجارات الصغيرة المتوالية، ومن الارتدادات الخفية التي لا تُلاحظ إلا حين تسكت الضوضاء، وتهدأ العواصف، وتستقر الزوابع. في كل لحظة نعتقد فيها أننا نعرف حقيقة ما نحن عليه ونمسك بخيوط ذواتنا، نكون في الواقع نعيد ترتيب الجمل القديمة داخل رؤوسنا المثقلة بالأوهام، ونلبسها ثوبًا جديدًا من الثقة الزائفة.
لكن الحقيقة، في عُريها القاسي، ليست ثوبًا يُلبس ويُخلع حسب المزاج والحال، ولا صورةً مزوّقة تُعرض على شاشة مضيئة لتبهر الناظرين، بل هي فعل التعرّي الذي لا رجعة فيه؛ أن تكتشف بألمٍ عميق ووعيٍ مرير أن ما كنت تسميه “أنا” ليس أكثر من شبكة عنكبوتية رقيقة من الأسماء المتداخلة، وأن الاسم لا يخلق الشيء في حقيقته ولا يمنحه الوجود، بل قد يختزله ويقتله ويسلبه جوهره حين يتحول من أداة تعريف إلى قيدٍ على المعنى.
الاختزال هو أعمق أعداء الروح الحرة، وأشد ما يقيّد جناحيها عن الطيران في فضاءات المعنى. حين تُختزل الحياة بكل اتساعها وتعقيدها إلى “منجزات” تُعدّ وتُحصى وتُوضع في خانات، تتحول الروح إلى آلة صماء تنتج وتستهلك في حركة آلية لا روح فيها، لا إلى كيان يعيش ويتنفس ويشعر ويحلم. وحين تُختزل المشاعر الإنسانية العميقة المتشعبة إلى “حالات” نفسية مؤقتة يمكن تصنيفها وتسميتها، تصبح النفس مجرد صندوق مهمل من التفاعلات الكيميائية الباردة، تُدار بإيقاع ميكانيكي يشبه النبض الأجوف، لا بإيقاع عضوي حي يشبه السؤال الملحّ الذي لا يهدأ.
الاختزال هو أعمق أعداء الروح الحرة، وأشد ما يقيّد جناحيها عن الطيران في فضاءات المعنى.
وحين تُختزل الذات الإنسانية بكل تعقيداتها وتناقضاتها إلى “هوية” جَامِدَةً محددة الملامح، تتحول إلى قناع ثقيل يُلبس بإكراهٍ وقسر، لا إلى وجهٍ أصيل حي يُكتشف في المرايا الداخلية ويتغير مع كل نظرة. والإنسان الذي يعيش داخل هذا الاختزال لا يعيش حَقًّا، بل يتسلق سُلّمًا موحشًا لا يفضي إلى شيء ذي بال، يتسلق فقط ليتسلق، لكي يقول بفخرٍ أَجْوَفَ: “أنا تسلّقت”، دون أن يسأل نفسَهُ: إلى أين؟ ولماذا؟ وماذا بقي مني بعد كل هذا الصعود؟
لكن ماذا لو كان السُّلم نفسه جُزْءًا من السجن الكبير الذي نعيش فيه؟ ماذا لو كان كل ما نسميه تقدمًا وارتقاءً ونجاحًا ليس إلا تزيينًا أنيقًا للجدران التي تحبسنا، وطلاءً جميلًا لقضبان السجن؟ إننا نخدع أنفسنا حين نظن أننا نرتقي كلما ابتعدنا عن الأسئلة المقلقة، لأن الأسئلة ترهق الروح وتتعب العقل وتسلب الراحة، فنفرّ منها هاربين إلى الإجابات الجاهزة المعلّبة التي تريحنا من حمل السؤال الثقيل. نفضّل “الوضوح” المصطنع لأنه يمنحنا وهم الاستقرار، ونفرّ من الغموض لأنه يطالبنا بأن نكون أحياء على نحوٍ أشد.
لكن الهدوء، في كثيرٍ من الأحيان، موتٌ متخفٍّ في ثياب السلام، ونوم عميق نظنه صحوًا. فالوجود لا يُفهم في عمقه إلا حين يُعاش كطاقة متذبذبة مشتعلة بين الخوف والرغبة، كما يتذبذب اللهب بين الانطفاء والاشتعال دون أن يستقر على حال. والحياة التي لا ترتجف ليست حياةً كاملة، بل انتظام مريح في حافة الغياب.
الخوف ليس عدوًا يُطرد من القلب ويُحارب بكل قوة، بل هو مرآة الحقيقة التي لا تكذب. الخوف يخبرك بصوتٍ لا ينافق أنك على حافة شيء مهم، وأنك تقف على عتبة تحول كبير، وأنك إذا لم تقفز في الهاوية وتخاطر بنفسك، ستبقى على سطح نفسك المسطّح الضحل، ولن تعرف عمقك الحقيقي ولن تكتشف ما يكمن في قاع روحك. ليس الخوف نقيض الشجاعة دائمًا؛ قد يكون بوابتها. فالذي لا يخاف لا يعرف قيمة القفزة، والذي لا يرتجف لا يدرك معنى العبور.
والرغبة ليست شهوةً حسية عابرة فحسب، بل هي التماس الحياة للذات البائسة الضائعة، وصرخة الروح المكلومة: “أريد أن أكون، أريد أن أوجد بحق”. والإنسان الذي لا يملك رغبةً عميقة تحركه وتدفعه، هو إنسان يعيش كمن يسبح في ماءٍ لا يلامس جلده ولا يبلّل روحه، وكمن يمشي في الحياة ولا تلامس قدماه الأرض. والرغبة، حين تصفو من ابتذالها، ليست طلب امتلاك، بل طلب حضور؛ ليست جوعًا إلى الأشياء، بل عطشًا إلى المعنى الذي يبرر الوقوف في وجه العدم.
الحياة ليست مشروعًا يُنجز ويُقال بعده انتهى الأمر، بل لحظةً متواصلةً منسابةً كالنهر، جيل يوصل لجيل وقيمة تؤدي إلى قيمة، وتجارب تتراكم وتتداخل لتبني حضارة.
الذات، حين تفكّر في نفسها وتنظر في مرآتها الداخلية، تريد أن تكون متماسكة كصخرة واحدة صلبة لا تتزعزع. لكنها ليست كذلك في حقيقتها. هي كتلة مشتعلة من التناقضات المتصارعة، ومن الأجزاء المتنافرة التي لا تجد موضعًا هادئًا إلا في لحظة نادرة من الصمت المقدس، لحظة تأتي كالبرق ثم تمضي. والصمت هنا ليس غياب الكلام، بل حضور مركّز كثيف مشبع بالمعنى، ولحظة انسحاب واعٍ من السرد الذي نعيده على أنفسنا كل يوم، ذلك السرد الذي نحكي به قصتنا للآخرين ولأنفسنا حتى نصدق أننا نحن القصة.
وحين يسكت السرد المزيّف ويتوقف العرض، تظهر الحقيقة عارية؛ أن النفس ليست “قصة” تُروى للآخرين ليستمعوا ويصفّقوا، بل حالة تُعاش في الصمت والخفاء. والحياة، في جوهرها المكنون، ليست قصةً تُحكى بل تجربة تُعاش. والتجربة ليست ما يحدث لك في الخارج من أحداث وظروف، بل ما يحدث داخلك حين يحدث لك شيء في الخارج؛ كيف تستقبله روحك، وكيف يتردد صداه في أعماقك، وكيف يغير ترتيبك السري للألم والمعنى والرجاء.
لذلك، لا يكفي أن تمرّ بالأحداث مرور الكرام كعابر سبيل، بل عليك أن تسمح لها بأن تمرّ عبرك كما يمرّ النهر عبر الأحجار فيشكّلها ويصقلها، وكما يمرّ الضوء عبر الزجاج فيحوّله. هذا المرور الذي يخترق الكيان هو ما يصنعك ويبنيك حجرًا فوق حجر، وهو ما يكسرك ويحطمك ليعيد تشكيلك من جديد. والكسر ليس فشلًا مخزيًا يُختبأ منه ويُنكر، بل اكتشاف مؤلم أنك لم تكن كما تظن نفسك، وأنك كنت تعيش في وهم جميل لا في حقيقة راسخة.
إن الكسر مرآة، والمرآة لا تجامل. الكسر هو أن ترى بوضوح قاسٍ أنك كنت مبنيًا على قناعة واهية، وأن القناعة ليست دائمًا حقيقة، بل قد تكون طبقة رقيقة تغطي فراغًا موحشًا. وعندما تُكسر، وتتحطم، وتتناثر أجزاؤك، يُظهر الفراغ نفسه في عريه المخيف، فإذا به ليس نهايةً فقط، بل مساحة شاسعة للوجود الذي لم تعرفه من قبل، وإمكانية لا حدود لها لأن تولد مرة أخرى من جهة لم تكن تتوقعها. فالفراغ ليس عدمًا خالصًا، بل قد يكون رحمًا أسود للحقيقة.
والوجود الحقيقي لا يُبنى على سؤال “ماذا أريد؟” في صورته السطحية العابرة، بل على سؤال “من أنا حين أريد؟” وهذه الصياغة الدقيقة تعيد تعريف الرغبة من جذورها، فليست الرغبة ما يحرّكك فحسب، بل ما يظهرك في حقيقتك ويكشف عن جوهرك. الرغبة تكشف من أنت تحت الأقنعة المتراكمة عبر السنين، تكشف الوجه الذي كنت تخفيه حتى عن نفسك. وهي ليست دائمًا جميلة أو مقبولة، لكنها في كثيرٍ من الأحيان صادقة. والصدق هنا ليس كلمة أخلاقية تُقال في الخطب، بل نوع من الشفافية المطلقة مع الذات، شفافية تحتاج إلى شجاعة نادرة.
والشفافية ليست أن تقول الحقيقة للآخرين بصوتٍ عالٍ وتتباهى بصدقك، بل أن تُسقط عن نفسك الأقنعة الثقيلة التي تخفيها عنك أنت نفسك. هذا السقوط مؤلم كالجرح الغائر، لأنه يُظهر لك أنك كنت تعيش في صورة لا في حياة، وأنك كنت تمثل دورًا لا تعيش ذاتك. وربما كان أشد ما في الإنسان التباسًا أنه قد يصدق الدور من كثرة ما أداه، حتى إذا خلعت الحياة عنه القناع صاح مذعورًا كأنها نزعت وجهه.
ثم تأتي لحظة فارقة في رحلة الوعي، يتوقف فيها الإنسان عن البحث المضني عن “معنى” الحياة بوصفه جوابًا كليًا مغلقًا، ويبدأ في البحث عن “طريقة” العيش التي تليق به. فالمعنى، إذا صار فكرة معلّبة، قد يكون وهمًا جميلًا يطمئن القلب ويريح البال، لكنه يعطيك سببًا للعيش فحسب، لا حياةً تُعاش بكل الحواس. أما طريقة العيش فهي الحياة نفسها في تجليها المباشر؛ كيف تتنفس بوعي وحضور، كيف تفكر بعمق لا بسطحية، كيف تحب بصدق لا بادعاء، كيف تخاف دون جبنٍ يشلّك، كيف تصمت دون موتٍ داخلي، كيف تجاهر دون تبجّحٍ أجوف، كيف تخفي دون نفاقٍ يقتل الروح، كيف تقف عند حدودك دون أن تسقط في هاوية اللامبالاة، وكيف تتجاوز حدودك دون أن تفقد نفسك في الضياع.
الحدود ليست سجنًا دائمًا، بل قد تكون شكلًا رفيعًا من أشكال الوعي بالذات. والوعي لا يختصر نفسه في المعرفة الجافة التي تحفظ في الكتب، بل يختصر نفسه في الحسّ الحي الذي ينبض. أنت تعرف أن شيئًا ما يجري في أعماقك ويقلقك، لكنك لا تستطيع أن تصفه بالكلمات العادية ولا تجد له اسمًا، ثم تكتشف أن وصفه لا يغيره في شيء، وأن التسمية لا تحلّ المشكلة دائمًا. التغيير الحقيقي يحدث حين تتغير علاقتك به من الداخل، حين يتحول إحساسك به في الصميم. وهذا هو الفرق الجوهري بين المعرفة والتجربة؛ المعرفة تعرّفُكَ بما هو خارجك في العالم، أما التجربة فتعرّفُكَ بما هو داخلك، وتكشف لك من نفسك ما كان مستترًا خلف ضجيج التفسير.
النفس ليست شيئًا تملكه كما تملك الأشياء، بل سرّ يُكتشف في رحلة لا تنتهي. هي ليست كائنًا سلبيًا يتأثر بما يحدث فحسب، بل هي كائن خلّاق يخلق ما يحدث في داخله بقوته الذاتية، ويصنع عالمه الداخلي بيديه
النفس تريد أن تُفهم بشغف ورغبة ملحّة، لكن فهم النفس ليس علمًا يُدرس في الكتب ويُحفظ في الذاكرة، بل ممارسة روحية تشبه التأمل الطويل الذي لا ينتهي. والتأمل ليس نظرًا في معنى الأشياء الظاهرة فحسب، بل نظر في كيفية تعلّقك بها وارتباطك بها، في طبيعة العلاقة الخفية التي تربطك بالعالم. أنت لا تفكّر في الأشياء وحدها، بل تفكّر في علاقتك بالأشياء، في كيف تراها، وكيف تشعر تجاهها، وكيف تتركها تدخل إلى باطنك فتقيم فيه أو تجرحه أو تعيد تشكيله.
وهنا يكمن السر الأعظم؛ أن النفس ليست كائنًا سلبيًا يتأثر بما يحدث فحسب، بل هي كائن خلّاق يخلق ما يحدث في داخله بقوته الذاتية، ويصنع عالمه الداخلي بيديه. ما يحدث في الخارج ليس دائمًا أكثر من مرآة لما يحدث في الداخل، وما تراه في العالم قد يكون انعكاسًا لما في روحك. لذلك، لا تطلب من العالم أن يتغير لتشعر بالسلام، فالعالم لن يتغير من أجلك. السلام لا يأتي من الخارج الصاخب المضطرب، بل من انسحابك التدريجي الواعي من الاستجابة اللامتناهية للمحفزات التي لا تنتهي. السلام أن تعود إلى نفسك، لا كمن يعود إلى بيتٍ قديم مهجور، بل كمن يعود إلى منبع يعرفه وينبوع يكتشفه في اللحظة ذاتها.
في هذه العودة المباركة القاسية، التي تحمل الألم والنعمة معًا، تتضح حقيقة مرّة؛ أن الإنسان لا يصبح “أفضل” إلا حين يتخلص من حاجته المحمومة إلى أن يكون أفضل. فهذه الحاجة قد تكون أحيانًا نوعًا خفيًا من الاستعلاء على النفس، وتحويلًا للحياة إلى مشروع مضنٍ لا نهاية له، وإلى سباق لا يتوقف. الحياة ليست مشروعًا يُنجز ويُقال بعده انتهى الأمر، بل لحظة متواصلة منسابة كالنهر. واللحظة لا تُدرك في كنهها إلا حين تُحسّ بها بكل كيانك، حين تكون فيها لا حولها، وحين تكفّ عن تحويلها إلى مادة للشرح والتقييم.
الإحساس هنا ليس عاطفة عابرة تأتي وتذهب، بل وعي بالجسد الحي الذي يحملك، ووعي بالزمن الذي يجري، ووعي بالوجود الكلي الذي يحيط بك. والوعي ليس أداة تُستخدم ثم تُرمى، بل جوهر يُعاش ويُتنفس في كل لحظة. الإنسان الذي يعيش بوعيٍ متأمل لا يصبح مختلفًا عن الآخرين فحسب، بل يصبح أكثر حقيقة في وجوده، أكثر أصالة، وأكثر قربًا من جوهره. والحقيقة ليست قناعة تُلبس أو تُخلع حسب الظروف، بل نوع سامٍ من الشفافية مع الواقع؛ أن ترى الأشياء كما هي، دون أن تُلبسها أسماء مريحة تخدّرك وتطمئنك.
وهذا لا يعني أن تصبح قاسيًا متحجرًا أو بلا رحمة، بل أن تصبح صادقًا بما يكفي لتحمل رحمتك دون أن تشوهها بالكذب والتجميل. فالرحمة الحقيقية ليست تلطيفًا كاذبًا للألم ولا تخديرًا له، بل رؤية الألم كما هو في قسوته وعمقه، ثم القدرة على أن تظل إنسانًا أمامه. من لا يرى الألم لا يرحم، بل يتهرب. ومن يراه ولا يبقى رحيمًا، يتحجر. وبين الهروب والتحجر تقف النفس الناضجة، دامعة العينين، ثابتة القلب.
الوعي ليس أداة تُستخدم ثم تُرمى، بل جوهر يُعاش ويُتنفس في كل لحظة. الإنسان الذي يعيش بوعيٍ متأمل لا يصبح مختلفًا عن الآخرين فحسب، بل يصبح أكثر حقيقة في وجوده، أكثر أصالة، وأكثر قربًا من جوهره.
وهكذا، في النهاية التي هي بداية أخرى، تتضح الصورة في جلالها؛ النفس ليست شيئًا تملكه كما تملك الأشياء، بل سرّ يُكتشف في رحلة لا تنتهي. واكتشاف النفس ليس خروجًا من العالم والانعزال عنه، بل دخول أعمق إليه، وغوص في طبقاته الخفية. العالم ليس خلفك في الماضي البعيد، بل هو فيك في الحاضر الحي، وفيك أيضًا هو خارجك، فأنت والعالم يتبادلان المرايا. والسؤال الذي يستمر ما دمت حيًا لا يتنفس في الندوات وحدها، ولا يطرح باللسان فحسب، بل يُعاش بالكيان كله؛ كيف أعيش داخل الحياة لا على هامشها؟ كيف أحضر دون أن أتبخر؟ كيف أكون دون أن أبيع روحي بثمن بخس؟
ومن يعيشه بصدق لا يطلب من الآخرين أن يفهموه أو يصفقوا له، لأن الفهم هنا ليس كلمةً تُقال، ولا شهادةً تُمنح، بل أثر خفي يبقى في الوجود بعد أن نمضي، وصدىً يتردد في الزمن دون أن يحتاج إلى شاهد. فالإنسان حين يصل إلى هذه اللحظة في رحلته، يشعر بيقين عميق أن كل ما سبق من مشاهد حياته وفصولها كان تدريبًا شاقًا على الوقوف في الظلمة دون أن يختنق، وعلى احتمال الغموض دون أن يفقد قلبه، وعلى مصاحبة السؤال دون أن يستعجل قتله بجواب ناقص.
والظلمة ليست عدوًا يُحارب بالسلاح، بل مسرح مقدس للضوء الذي لا يُرى بالعيون العادية إلا حين يُحسّ بالقلب. والضوء الذي يُرى في غياهب الظلمة ليس نورًا خارجيًا يضيء الطريق أمامك فحسب، بل نور داخلي ينبع من الذات، يستعيد لهجة وجودك الأصلية التي نسيتها. عندئذ لا يعود السؤال “من أنا؟” بصيغته المألوفة التي كررتها ألف مرة، بل يصير؛ كيف أكون حاضرًا في هذا الوجود دون أن أفرّط في نفسي؟ كيف أعبر هذا العالم دون أن أترك روحي معلقة على أبواب الآخرين؟
وهذا الحضور ليس استدعاءً للحياة أن تأتي إليك وتطرق بابك، بل استدعاء للنفس إلى نفسها، كما تستدعي الريح العاتية الغبار المتناثر في الهواء؛ لا لتشوّهه أو تفنيه، بل لتُظهره في رقصته الأبدية، وتمنحه شكلًا ومعنى. فالنفس لا تُدرك حين تُحبس في تعريف، بل حين تتحرك في أفقها. والوجود لا يمنح سره لمن يريد امتلاكه، بل لمن يقبل أن يصاحبه كسرّ لا ينفد.
فيا أيها الإنسان السائر في دروب الوجود الموحشة، اعلم أن الحقيقة ليست وجهةً تُبلغ فتستريح وتضع عصا الترحال، بل رحلةً تُعاش فتتحول في كل خطوة. والنفس، في عمقها السحيق الذي لا يُسبر غوره، ليست لغزًا يُحلّ فينتهي الأمر ويُطوى الملف، بل سرّ يُعاش فيزداد غموضًا وجمالًا كلما اقتربت منه. اسكن ظلمتك بشجاعة ولا تهرب، وأضئ من داخلك بصدق لا بزيف، ولا تخف من السؤال الذي لا ينتهي، فهو وحده ما يبقيك حيًا، ووحده ما يمنعك من أن تتحول إلى قناع يمشي على الأرض.
ومن عرف أن السؤال ليس جرحًا في المعرفة بل نبضها، وأن الظلمة ليست نفيًا للنور بل امتحانًا له، وأن النفس لا تُمتلك بل تُصاحب، أدرك أن الحياة لا تطلب منه جوابًا أخيرًا بقدر ما تطلب منه حضورًا صادقًا. هناك، عند ذلك الحد الفاصل بين الخوف والرجاء، بين الكسر والانبثاق، بين الصمت والكلمة، يبدأ الإنسان في أن يكون. لا أن يبدو، ولا أن يشرح وجوده للآخرين، بل أن يحيا، كامل الارتجاف، كامل النقص، كامل الشوق، كأنه للمرة الأولى يضع يده على صدره ويَقُولُ: “هنا، في هذا الموضع الخفي، يبدأ الوجود.”
