الشعر
محبرة العيون
جَفَّتْ دَوَاةُ الشِّعْرِ مِنْ قَلَمٍ نَبَا = فَأَسَلْتُ مِحْبَرَةَ العُيُونِ لِتَكْتُبَا وَجَلَسْتُ أَنْتَظِرُ الدَّقَائِقَ دَاعِيًا = أَمَلًا بِمَنْ يَأْتِي يُكَذِّبُ لِي النَّبَا وَشَدَهْتُ لَا فَرَحٌ يُخَفِّفُ بِالرِّضَا = فَقْدًا وَلَا حُزْنٌ يَخِفُّ فَأَطْرَبَا قَدْ كُنْتُ آمَلُ يَا سَعِيدُ بِأَنْ تَرَى = مِنِّي المَدَائِحَ لَا الرِّثَاءَ مَكَبْكَبَا وَبِأَنْ أَضُمَّكَ فِي عِنَاقِ مُهَنِّئٍ = بِالنَّصْرِ فِي وَطَنٍ يَرَاكَ الكَوْكَبَا لَا زَالَ صَوْتُكَ يَقْتَفِي فِي خَاطِرِي = قَبَسًا بَكَتْ عَيْنُ السِّرَاجِ وَقَدْ خَبَا وَيَزِيدُنِي لَهَفًا بِفَقْدِكَ يَا أَخِي = ذِكْرَى الفُؤَادِ لِطِيبِ أَيَّامِ الصِّبَا يَا مَنْ عَرَفْتُ بِهِ المَكَارِمَ كُلَّهَا = عِلْمًا وَحِلْمًا رَاشِدًا وَتَأَدُّبَا وَتَرَفُّعًا فِي هِمَّةٍ وَتَوَاضُعًا = فِي عِزَّةٍ وَتَسَهُّلًا وَتَصَعُّبَا وَشَجَاعَةً فِي فَرْضِ أَمْنِ مُوَاطِنٍ = وَبَرَاعَةً بِكْرًا مَهَرْتَ وَثَيِّبَا لَا تَعْجَبُوا إِنْ صَاحَ فِينَا طُهْرُهُ = فَالطُّهْرُ مِنْ أَثَرِ الصُّمُودِ تَعَجَّبَا بَكَتِ المَنَابِرُ فَارِسًا جَلَّتْ بِهِ = سُوحُ القِصَاصِ وَعَزْمُهُ قَدْ أَلْهَبَا قَدْ صُنْتَ عَهْدَ اللَّهِ دُونَ مَذَلَّةٍ = وَمَشَيْتَ دَرْبًا بِالنَّقَاءِ تَحَسَّبَا وَمَضَتْ رِكَابُكَ لِلْخُلُودِ كَرِيمَةً = لَمَّا رَأَتْ نُورُ الشَّهَادَةِ أَنْجَبَا فَقَدْتْ فِلِسْطِينُ الحَبِيبَةُ قَائِدًا = بِكَ يَا سَعِيدُ مُحَنَّكًا وَمُجَرَّبَا وَنَعَتْ غَطَارِيفُ الكَتَائِبِ فَارِسًا = قَدْ عَاشَ لَيْثًا إِنْ أَقَرَّ وَإِنْ أَبَى قَدْ كُنْتَ تَنْتَظِرُ الشَّهَادَةَ ضَارِعًا = وَاللَّهُ بِالمَرْجُوِّ أَكْرَمَ وَاجْتَبَى وَأَرَاكَ فِي الدُّنْيَا مَحَبَّةَ أُمَّةٍ = تَبِعَتْ جَنَازَتَكَ المَهِيبَةَ مَوْكِبَا تَبْكِيكَ يَا صَاحِ المَوَاقِفُ فِي الوَغَى = وَالدَّارُ وَالثُّوَّارُ وَالأَبُ وَالإِبَا وَعُيُونُ غَزَّةَ وَالحَرَائِرُ وَالعُلَا = وَحَنِينُ أَهْلٍ وَالأَزَاهِرُ فِي الرُّبَى مِنْ أَيْنُ يُنْتَدَبُ الأَمَانُ وَقَدْ غَدَا = صُبْحُ الأَمَانِ عَلَى رَحِيلِكَ غَيْهَبَا قَدْ كُنْتَ لِلْقَسَّامِ أَقْرَبَ مَوْرِدًا = فَجَعَلْتَ كَفَّ الغَدْرِ أَبْعَدَ مَطْلَبَا وَغَرَزْتَ فِي حَلْقِ الجَبَابِرِ شَوْكَةً = وَغَرَسْتَ حَقْلًا لِلْمَآثِرِ مُعْشِبَا وَأَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تَعِيشَ بِعِزَّةٍ = حَتَّى اتَّخَذْتَ مِنَ الكَرَامَةِ مَذْهَبَا مَا كَانَ رَدُّكَ إِذْ تَهَدَّدَكَ الرَّدَى = إِلَّا التَّصَدِّي لِلْعَدُوِّ مُقَطِّبَا فَلَقِيتَهُ وَالعَيْنُ تَطْلُبُ رَبَّهَا = وَطَرَحْتَهُ ثَوْبًا عَلَيْكَ مُخَضَّبَا ظَنُّوا بِأَنَّكَ قَدْ قُتِلْتَ وَإِنَّمَا = أَحْيُوكَ فِينَا لِلْقُلُوبِ مُقَرَّبَا إِنْ كَانَ إِحْدَى الحُسْنَيَيْنِ لِطَالِبٍ = فَكَفَى بِفِرْدَوْسِ المُهَيْمِنِ مَكْسَبَا قَدْ أَكْثَرَ الزُّعَمَاءُ نُصْحًا لِلْوَرَى = وَالمَوْتُ يَحْصُدُنَا نِزَارَ وَيَعْرُبَا لَا يَرْكَبُ الجَيْشُ العَظِيمُ رِكَابَهُ = حَتَّى يُعَدَّ لَهُ بِقُوَّةِ مَنْ سَبَا وَالعَقْلُ حِينَ العَجْزِ أَسْلَمُ لِلْوَرَى = فَدَعُوا التَّهَوُّرَ بِالجِهَادِ تَنَكُّبَا وَالدَّهْرُ إِمَّا أَنْ يُبَادِرَ مُخْصِبًا = إِنْ طَالَ صَبْرٌ أَوْ يُغَادِرُ مُجْدِبَا قَالُوا: هُوَ السَّيْلُ الَّذِي احْتَمَلَ القَذَى = وَنَقُولُ: هَذَا السَّيْلُ قَدْ بَلَغَ الزُّبَى مَوْتُ الشَّهِيدِ حَيَاةُ أُمَّةِ عِزَّةٍ = جَعَلَتْ مِنَ المَوْتِ العَزِيزِ تَقَرُّبَا فَاسْلُكْ طَرِيقَكَ يَا ابْنَ غَزَّةَ هَانِئًا = كَالبَدْرِ فِي أُفُقِ الإِبَاءِ تَأَوَّبَا لَا عَيْشَ لِلْأَحْرَارِ بَيْنَ أَرَاذِلٍ = إِلَّا إِذَا غَلَبَ الشُّمُوخُ وَأَتْعَبَا وَإِذَا أَعَادَ المَوْتُ عِزَّةَ أُمَّةٍ = سَنَقُولُ أَهْلًا بِالمَنُونِ وَمَرْحَبَا
جفت دواة الشعر من قلم نبا = فأسلت محبرة العيون لتكتبا وجلست أنتظر الدقائق داعيا = أملا بمن يأتي يكذب لي النبا وشدهت لا فرح يخفف بالرضا = فقدا ولا حزن يخف فأطربا قد كنت آمل يا سعيد بأن ترى = مني المدائح لا الرثاء مكبكبا وبأن أضمك في عناق مهنئ = بالنصر في وطن يراك الكوكبا لا زال صوتك يقتفي في خاطري = قبسا بكت عين السراج وقد خبا ويزيدني لهفا بفقدك يا أخي = ذكرى الفؤاد لطيب أيام الصبا يا من عرفت به المكارم كلها = علما وحلما راشدا وتأدبا وترفعا في همة وتواضعا = في عزة وتسهلا وتصعبا وشجاعة في فرض أمن مواطن = وبراعة بكرا مهرت وثيبا لا تعجبوا إن صاح فينا طهره = فالطهر من أثر الصمود تعجبا بكت المنابر فارسا جلت به = سوح القصاص وعزمه قد ألهبا قد صنت عهد الله دون مذلة = ومشيت دربا بالنقاء تحسبا ومضت ركابك للخلود كريمة = لما رأت نور الشهادة أنجبا فقدت فلسطين الحبيبة قائدا = بك يا سعيد محنكا ومجربا ونعت غطاريف الكتائب فارسا = قد عاش ليثا إن أقر وإن أبى قد كنت تنتظر الشهادة ضارعا = والله بالمرجو أكرم واجتبى وأراك في الدنيا محبة أمة = تبعت جنازتك المهيبة موكبا تبكيك يا صاح المواقف في الوغى = والدار والثوار والأب والإبا وعيون غزة والحرائر والعلا = وحنين أهل والأزاهر في الربى من أين ينتدب الأمان وقد غدا = صبح الأمان على رحيلك غيهبا قد كنت للقسام أقرب موردا = فجعلت كف الغدر أبعد مطلبا وغرزت في حلق الجبابر شوكة = وغرست حقلا للمآثر معشبا وأبيت إلا أن تعيش بعزة = حتى اتخذت من الكرامة مذهبا ما كان ردك إذ تهددك الردى = إلا التصدي للعدو مقطبا فلقيته والعين تطلب ربها = وطرحته ثوبا عليك مخضبا ظنوا بأنك قد قتلت وإنما = أحيوك فينا للقلوب مقربا إن كان إحدى الحسنيين لطالب = فكفى بفردوس المهيمن مكسبا قد أكثر الزعماء نصحا للورى = والموت يحصدنا نزار ويعربا لا يركب الجيش العظيم ركابه = حتى يعد له بقوة من سبا والعقل حين العجز أسلم للورى = فدعوا التهور بالجهاد تنكبا والدهر إما أن يبادر مخصبا = إن طال صبر أو يغادر مجدبا قالوا: هو السيل الذي احتمل القذى = ونقول: هذا السيل قد بلغ الزبى موت الشهيد حياة أمة عزة = جعلت من الموت العزيز تقربا فاسلك طريقك يا ابن غزة هانئا = كالبدر في أفق الإباء تأوبا لا عيش للأحرار بين أراذل = إلا إذا غلب الشموخ وأتعبا وإذا أعاد الموت عزة أمة = سنقول أهلا بالمنون ومرحبا
