الشعر

قنديل الغد

وَجَمَ اللِسَانُ وَأَجْهَشَ القَلْبُ النَدِي = وَخَجِلْتُ مِنْ عَيْنِي وَأُسْقِطَ فِي يَدِي
الجُرْمُ أَعْظَمُ مِنْ قَصَائِدِ شَاعِرٍ = وَالهَمُّ أَجْثَمُ مِنْ أَسَى المُتَوَجِّدِ
وَالحُزْنُ أَلْجَمَ مَنْطِقِي مِمَّا أَرَى = فَبِأَيِّ حَرْفٍ بَعْدَ ذَلِكَ أَبْتَدِي
يَا حُرْقَةَ الْوِجْدَانِ مِنْ هَرْفِ النُّهَى = تَزْهُو بِمَا اكْتَسَبَتْ وَلَمَّا تَرْشُدِ
قَدْ هَزَّنِي الخَطْبُ الجَلِيلُ وَعَادَنِي = غَضَبٌ بِرَجْعِ لَهِيبِهِ المُتَجَدِّدِ
فَكَأَنَّ صَدْرِي مِنْ حَرَارَةِ مَا بِهِ = أَمْسَى يُقَلَّبُ فَوْقَ جَمْرَةِ مَوْقِدِ
مِنْ كُلِّ مَنْ أَهْدَى الوَفَاءَ لِخَائِنٍ = أَوْ كُلِّ مَنْ أَبْدَى الْوَلَاءَ لِقُنْفُدِ
أَوْ كُلِّ مَنْ عَفَرَ الْأُخُوَّةَ بِالْأَذَى = إِنْ لَمْ يَكُنْ كَفَرَ الْهُدَى فَكَأَنْ قَدِ
أَوْ سَادِرٍ لَمَّا تَفَتَّقَ ذِهْنُهُ = ظَنَّ النَّجَاةَ مَعَ الْغَرِيرِ الْمُلْحِدِ
حَردَ الزَّمَانُ فَلَمْ تَزَلْ زُمَرُ الْهَوَى = تَعْتَدُّ فِي زُمَرِ الهُدَاةِ وَتَعْتَدِي
وَتَهَافَتُوا حَتَّى تَجَرَّأَ فَاجِرٌ = وَأَتَى بِكُلِّ جَرِيرَةٍ لَمْ تُعْهَدِ
هِيَ أَزْمَةُ الْأَخْلَاقِ فِي أُمَمٍ تَرَى = أَنَّ الْبَسَالَةَ شِيمَةُ الْمُسْتَعْبَدِ
تَهَبُ الْمَكَانَةَ لِلَّئِيمِ وَتَزْدَرِي = حلْمَ الْكَرِيمِ وَتَحْتَفِيَ بِالْمُفْسِدِ
تَرَكُوا الزِّمَامَ لِمُفْرِطٍ وَمُفَرِّطٍ = لِيَجُورَ فِي سَفَهٍ عَلَى مَنْ يَهْتَدِي
لَوْ كَانَ فِيهِمْ أَرْطَبُونُ زَمَانِهِ = إِلَّا تَمَنَّى قَبْلُ أَنْ لَمْ يُولَدِ
مَاذَا تُؤَمِّلُ فِي الصُّقُورِ إِذَا ارْتَضَتْ = حُكْمَ الْهَوَانِ مِنَ الْغُرَابِ الْأَسْوَدِ
وَإِلَامَ تَبْتَعِثُ الْسُّرَاةَ إِلَى النَّدَى = إِنْ كَانَ أَنْدَى مَنْ سَرَى مَنْ يَجْتَدِي
يَا أُمَّةَ المِلْيَارِ وَالنِّصْفِ التِي = نَامَتْ عَلَى ضَعَةٍ وَهَامَتْ فِي الدَّدِ
غَفلَتْ زَمَانًا فَاِسْتَبَاحَ حِيَاضَهَا = عَبْدُ الأَنَا فِي الدَّهْرِ غَيْرَ مُؤَيَّدِ
مَا بَالُ مَنْ رَكِبَ المَذَلَّةَ خَاشِعًا = وَأَمَامَ شَرْعِ اللَّهِ شَيخَ تَمَرُّدِ
دَاسُوا عَلَى اَلدِّينِ الْحَنِيفِ وَقَدْ دَرَوْا = أَنْ لَمْ يَعُدْ فِي الْقَوْمِ غَيْرَةُ هُدْهُدِ
كَيْفَ ارْتَضَيْتُمْ أَنْ تُدَنْسَ أَرْضُكُمْ = وَيَجُورُ فِيكُمْ كُلُّ أَرْعَنَ أَرْعَدِ
وَتَرَكْتُمُ نَسْلَ الزُّنَاةِ تَسُوْمُكُمْ = فَتَرُوحُ فِي عِرْضِ الحَصَانِ وَتَغْتَدِي
وَالفَارِسُ المَأْمُوْلُ مَا وَرَدَ الوَغَى = يَرْجُو الفِداءَ وَلا سَرَى بِمُهَنَّدِ
أَيُدَاسُ بَيْتُ اللهِ؟ يَا وَيْحَ الذِي = لَمْ يَضْطَرِبْ مِنْ هَوْلِ هَذَا المَشْهَدِ
أَيْنَ اتِّبَاعُ الْحَقِّ أَيْنَ مَكَانُهُ = وَمَقَامُهُ فِي قَلْبِ كُلِّ مُوَحِّدِ؟
أَيْنَ اِنْتِقَامُ الْحُرِّ أَيْنَ سِلاحُكُمْ = أَيْنَ الْتِزَامُ أَخِ التُّقَى المُتَهَجِّدِ
أَيْنَ الْحَمِيَّةُ فِي نُفُوسِ مَنْ ادَّعَوْا = أَيْنَ الْكَرَامَةُ سَيِّدًا عَنْ سَيِّدِ
وَإِلَى مَتَى يَحْدُو التَّشَرْذُمُ رَكْبَنَا = مِثْلَ القَوَافِلِ فِي مَجَاهِلِ فَدْفَدِ
وَإِلَى مَتَى يَضَعُ النِّفَاقُ خِلالَنَا = مَنْ قَامَ فَيْمَا رَامَ قِيْلَ لَهُ اقْعُدِ
وَإِلَى مَتَى الدُّنْيَا تُزَيِّنُ قُبْحَهَا = مَا بَيْنَ بَارِقِ عَسْجَدٍ وَزَبَرْجَدِ
قَدْ خَاصَمَتْنِي الرُّوحُ وَاشْتَكَتِ الرُّؤَى = مِنْ فِتْنَةٍ تَعْرَى وَضَيْمٍ يَرْتَدِي
وَأَنَا إِلَى الْجُودِيِّ أَدْعُو مَنْ أَبَى = لِنُقِيْمَ دِيْنَ اللهِ فَوْقَ الفَرْقَدِ
أَدْعُو إِلَى الْإِنْسَانِ مَوْثِقَ رَحْمَةٍ = وَأُعِدَّ لِلْأَوْطَانِ بَيْرَقَ سُؤْدُدِ
حَتَّى إِذَا سَخِرُوا اسْتَوَيْتُ عَلَى الْمَدَى = أَقْتَادُ فُلْكَ الصَّبْرِ فِي الزَّمَنِ الرَّدِي
مِنْ زَيْتِ مَأْسَاتِي اشْتَعَلْتُ قَضِيَّةً = وَهَبَبْتُ أُسْرِجُ فِيكَ قِنْدِيلَ الْغَدِ
رُوحِي عَلَى كَفِّي وَخَيْلِي فِي دَمِي = وَإِلَيْكَ أُشْهِرُ مُصْحَفِي وَمُهَنَّدِي
أَرْنُو إِلَى السُّورِ الْعَتِيقِ وَأَقْتَفِي = أَثَرَ الْبُرَاقِ إِلَى الْقِبَابِ الْخُرَّدِ
وَأَدُقُّ أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِدَعْوَةٍ = عُمَرِيَّةُ العَزمَات عُلْيَا الْمَقْصِدِ
وَأَضُمُّ فِي الطُّرُقَاتِ مِنْ عَبَقِ الْأُلَى = تَارِيخَ عِزٍّ رَاسِخٍ لَمْ يَنْفَدِ
وَأَقُصُّ مِنْ عَيْنَيْكَ أَلْفَ حِكَايَةٍ = لِلصَّامِدِينَ عَنِ التُّرَاثِ الأَمْجَدِ
إِنَّا الْجِبَالُ الرَّاسِيَاتُ صُخُورُهَا = فِي الْأَرْضِ أَصْلَدُ مِنْ رِمَالِ تَهَوِّدِ
إِنَّا حُمَاةُ الْقُدْسِ زَيْتُونُ الْفِدَى = مَهْمَا يَزِدْ فِينَا التَّجَبُّرُ نَزْدَدِ
يَا ثَانِيَ الْحَرَمَيْنِ ثَمَّةَ ثَالِثٌ = فِي الْأَسْرِ حَنَّ أَسًى لِأَوَّلِ مَسْجِدِ
اَلْقُدْسُ بُوصَلَةُ الصِّرَاعِ وَطُهْرُهَا = أَغْلَى الْقِلَاعِ وَلَنْ تَكُونَ لِمُعْتَدِ
وَالْقُدْسُ عَهْدُ اللَّهِ كَيْفَ يَخُونُهُ = بِالْغَدْرِ وَالْخِذْلَانِ كُلُّ مُعَبَّدِ
وَإِلَامَ تَقْتَرِفُ الْقَبِيلَةُ هَضْمَهَا = لِلْقِبْلَةِ الْأُولَى وَمَسْرَى أَحْمَدِ
مَنْ لَمْ يَدُنْ لِلدِّينِ دَانَ لِدَوْلَةٍ = وَمَنِ ابْتَغَى الطَّاغُوتَ رَبًّا يُصْهَدِ
إِنَّ الجِهَادَ سَبِيلُ كُلِّ كَرَامَةٍ = فِيْهِ النَّجْاةُ مِنَ الهَوَانِ الأَنْكَدِ
وَبِهِ اِكْتَسَى الإِسْلامُ أَفْخَرَ حلَّةٍ = وَبِهِ أَعَزَّ اللّهُ دِينَ مُحَمَّدِ
يَا قَوْمِ لَا تَهِنُوا وَأَنْتُمْ أُمَّةٌ = فِيهَا الوَفَاءُ دَلِيْل طِيْبِ المَحْتِدِ
إِنِّي أَرَى الْأَيَّامَ تُسْفِرُ وَجْهَهَا = شَمْطَاءَ تَحْرُقُ كُلَّ أَخْضَرَ أَمْلَدِ
وَأَرَى الْمَشَاعِرَ فِي الْقُلُوبِ تَبَلَّدَتْ = يَا لَيْتَهَا يَا قَوْمِ لَمْ تَتَبَلَّدِ
سَيُذِيقُنَا الْمَوْتُ الزُّؤَامُ كُؤُوسَهُ = إِنْ غَرَّتِ الدُّنْيَا وَلَمْ نَتَوَحَّدِ
وَتَظَلُّ تَنْهَشُنَا الذِّئَابُ فَرِيسَةً = إِنْ لَمْ نَسُدْ خُلُقًا وَلَمْ نَتَأَسَّدِ
هَيَّا نَعُدْ لِلذَّاتِ أَكْرَمَ أُمَّةٍ = وَنَسِيرُ دَرْبَ المَجْدِ وَاليَدُ فِي اليَدِ
لا رَمْزَ لا ثَورَاتِ لا رَبًّا سِوَى = رَبِّ الخِلائِقِ ذِي الجَلالِ السَّرْمَدِي
دُسْتُوْرُنَا القُرْآنُ مَنْهَجُنَا الهُدَى = وَبِغَيْرِ شَرْعِ مُحَمَّدٍ لا نَقْتَدِي
هَيَّا نُدَاوِ الْجُرْحَ قَبْلَ تَعَفُّنٍ = وَنَلُمَّ شَمْلَ الْحُبِّ بَعْدَ تَشَرُّدِ
فَإِذَا ابْتَلاكَ الْهَمُّ فَارْتَقِ هِمَّةً = ثُمَّ اسْتَعِنْ بِاللَّهِ رَبِّكَ وَاسْجُدِ
وجم اللسان وأجهش القلب الندي = وخجلت من عيني وأسقط في يدي
الجرم أعظم من قصائد شاعر = والهم أجثم من أسى المتوجد
والحزن ألجم منطقي مما أرى = فبأي حرف بعد ذلك أبتدي
يا حرقة الوجدان من هرف النهى = تزهو بما اكتسبت ولما ترشد
قد هزني الخطب الجليل وعادني = غضب برجع لهيبه المتجدد
فكأن صدري من حرارة ما به = أمسى يقلب فوق جمرة موقد
من كل من أهدى الوفاء لخائن = أو كل من أبدى الولاء لقنفد
أو كل من عفر الأخوة بالأذى = إن لم يكن كفر الهدى فكأن قد
أو سادر لما تفتق ذهنه = ظن النجاة مع الغرير الملحد
حرد الزمان فلم تزل زمر الهوى = تعتد في زمر الهداة وتعتدي
وتهافتوا حتى تجرأ فاجر = وأتى بكل جريرة لم تعهد
هي أزمة الأخلاق في أمم ترى = أن البسالة شيمة المستعبد
تهب المكانة للئيم وتزدري = حلم الكريم وتحتفي بالمفسد
تركوا الزمام لمفرط ومفرط = ليجور في سفه على من يهتدي
لو كان فيهم أرطبون زمانه = إلا تمنى قبل أن لم يولد
ماذا تؤمل في الصقور إذا ارتضت = حكم الهوان من الغراب الأسود
وإلام تبتعث السراة إلى الندى = إن كان أندى من سرى من يجتدي
يا أمة المليار والنصف التي = نامت على ضعة وهامت في الدد
غفلت زمانا فاستباح حياضها = عبد الأنا في الدهر غير مؤيد
ما بال من ركب المذلة خاشعا = وأمام شرع الله شيخ تمرد
داسوا على الدين الحنيف وقد دروا = أن لم يعد في القوم غيرة هدهد
كيف ارتضيتم أن تدنس أرضكم = ويجور فيكم كل أرعن أرعد
وتركتم نسل الزناة تسومكم = فتروح في عرض الحصان وتغتدي
والفارس المأمول ما ورد الوغى = يرجو الفداء ولا سرى بمهند
أيداس بيت الله؟ يا ويح الذي = لم يضطرب من هول هذا المشهد
أين اتباع الحق أين مكانه = ومقامه في قلب كل موحد؟
أين انتقام الحر أين سلاحكم = أين التزام أخ التقى المتهجد
أين الحمية في نفوس من ادعوا = أين الكرامة سيدا عن سيد
وإلى متى يحدو التشرذم ركبنا = مثل القوافل في مجاهل فدفد
وإلى متى يضع النفاق خلالنا = من قام فيما رام قيل له اقعد
وإلى متى الدنيا تزين قبحها = ما بين بارق عسجد وزبرجد
قد خاصمتني الروح واشتكت الرؤى = من فتنة تعرى وضيم يرتدي
وأنا إلى الجودي أدعو من أبى = لنقيم دين الله فوق الفرقد
أدعو إلى الإنسان موثق رحمة = وأعد للأوطان بيرق سؤدد
حتى إذا سخروا استويت على المدى = أقتاد فلك الصبر في الزمن الردي
من زيت مأساتي اشتعلت قضية = وهببت أسرج فيك قنديل الغد
روحي على كفي وخيلي في دمي = وإليك أشهر مصحفي ومهندي
أرنو إلى السور العتيق وأقتفي = أثر البراق إلى القباب الخرد
وأدق أبواب السماء بدعوة = عمرية العزمات عليا المقصد
وأضم في الطرقات من عبق الألى = تاريخ عز راسخ لم ينفد
وأقص من عينيك ألف حكاية = للصامدين عن التراث الأمجد
إنا الجبال الراسيات صخورها = في الأرض أصلد من رمال تهود
إنا حماة القدس زيتون الفدى = مهما يزد فينا التجبر نزدد
يا ثاني الحرمين ثمة ثالث = في الأسر حن أسى لأول مسجد
القدس بوصلة الصراع وطهرها = أغلى القلاع ولن تكون لمعتد
والقدس عهد الله كيف يخونه = بالغدر والخذلان كل معبد
وإلام تقترف القبيلة هضمها = للقبلة الأولى ومسرى أحمد
من لم يدن للدين دان لدولة = ومن ابتغى الطاغوت ربا يصهد
إن الجهاد سبيل كل كرامة = فيه النجاة من الهوان الأنكد
وبه اكتسى الإسلام أفخر حلة = وبه أعز الله دين محمد
يا قوم لا تهنوا وأنتم أمة = فيها الوفاء دليل طيب المحتد
إني أرى الأيام تسفر وجهها = شمطاء تحرق كل أخضر أملد
وأرى المشاعر في القلوب تبلدت = يا ليتها يا قوم لم تتبلد
سيذيقنا الموت الزؤام كؤوسه = إن غرت الدنيا ولم نتوحد
وتظل تنهشنا الذئاب فريسة = إن لم نسد خلقا ولم نتأسد
هيا نعد للذات أكرم أمة = ونسير درب المجد واليد في اليد
لا رمز لا ثورات لا ربا سوى = رب الخلائق ذي الجلال السرمدي
دستورنا القرآن منهجنا الهدى = وبغير شرع محمد لا نقتدي
هيا نداو الجرح قبل تعفن = ونلم شمل الحب بعد تشرد
فإذا ابتلاك الهم فارتق همة = ثم استعن بالله ربك واسجد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى