الفكرتربية واجتماعمناهج وعقائدمنطق وتأصيل

لماذا تموت الامبراطوريات وتبقى الدول؟

من سلسلة دراسة في عوامل وظواهر أفول الامبراطورية الأمريكية المعاصرة

ليستِ الإمبراطوريَّةُ هيَ الدولةَ وقدِ امتدَّتْ حدودها فحسبُ، ولا الدولةُ هيَ الإمبراطوريَّةَ بعدَ أنْ تنكمشَ خرائطها. بينهما فرقٌ يُشْبِهُ الفرقَ بينَ الجسدِ والظلِّ؛ الدولةُ جسدٌ سياسيٌّ يسكنُ أرضًا، وتنتظمُ داخلهُ جماعةٌ بشريَّةٌ، وتعملُ فيهِ مؤسَّساتٌ وقوانينُ وسلطاتٌ، أمَّا الإمبراطوريَّةُ فهيَ الظلُّ الَّذي يُلْقِيهِ هذا الجسدُ على أراضي الآخرينَ وقراراتهمْ ومواردهمْ ومصائرهمْ. وقدْ يطولُ هذا الظلُّ أوْ يتقلَّصُ ويبقى الجسدُ، وقدْ ينكسرُ التاجُ وتظلُّ الرأسُ مرفوعةً، وقدْ تنتهي سلطةُ الأمَّةِ على العالمِ منْ غيرِ أنْ تنتهيَ قدرتها على الحياةِ والتأثيرِ والإبداعِ.

لهذا لا ينبغي أنْ نكتبَ تاريخَ الإمبراطوريَّاتِ بالحبرِ نفسهِ الَّذي نكتبُ بهِ تاريخَ الدولِ. الإمبراطوريَّةُ علاقةٌ تراتبيَّةٌ بينَ مركزٍ يمتلكُ فائضًا منَ القوَّةِ وأطرافٍ تُدْفَعُ، بدرجاتٍ مختلفةٍ، إلى ترتيبِ مصالحها داخلَ المجالِ الَّذي يُحَدِّدُهُ المركزُ. أمَّا الدولةُ فمجالٌ سياسيٌّ داخليٌّ تستمدُّ شرعيَّتها الأساسيَّةَ منْ قدرتها على تمثيلِ شعبها، وحمايةِ أرضها، وتنظيمِ مواردها، وإقامةِ قدرٍ مقبولٍ منَ القانونِ والمصلحةِ العامَّةِ. الدولةُ تطلبُ منْ مواطنيها، صراحةً أوْ ضمنًا، أنْ يعترفوا بحقِّها في الحكمِ؛ أمَّا الإمبراطوريَّةُ فتحتاجُ فوقَ ذلكَ إلى أنْ يعترفَ الآخرونَ بحقِّها في القيادةِ، أوْ يعجزوا عنْ مقاومةِ هذا الادِّعاءِ.

ومنْ هنا تستطيعُ الدولةُ أنْ تنكمشَ خارجيًّا وتزدادَ تماسكًا داخليًّا. قدْ تتخلَّى عنْ قواعدَ بعيدةٍ، أوْ تفقدُ مستعمراتٍ، أوْ تُنْهِي التزاماتٍ أمنيَّةً مُرْهِقَةً، ثمَّ تُعِيدُ توجيهَ المالِ والخيالِ السياسيِّ نحوَ مجتمعها. أمَّا الإمبراطوريَّةُ فلا تستطيعُ البقاءَ إذا فقدتِ الأطرافُ إيمانها، أوْ خضوعها، أوْ حاجتها إلى المركزِ. فهيَ لا تعيشُ داخلَ حدودٍ قانونيَّةٍ ثابتةٍ، بلْ داخلَ شبكةٍ منَ القبولِ والخوفِ والمصلحةِ والاعتمادِ. فإذا انقطعتْ هذهِ الخيوطُ، بقيَ المركزُ دولةً، وسقطَ عنهُ وصفُ الإمبراطوريَّةِ ولوْ ظلَّ غنيًّا ومسلَّحًا.

ولا يسقطُ شيءٌ واحدٌ في جميعِ نهاياتِ الإمبراطوريَّاتِ. فقدْ ينتهي الحكمُ المباشرُ للمستعمراتِ، بينما تستمرُّ التجارةُ والثقافةُ واللغةُ. وقدْ ينهارُ المجالُ الأيديولوجيُّ الَّذي كانَ يربطُ الأطرافَ بالمركزِ، بينما تبقى القوَّةُ العسكريَّةُ. وقدْ تتفكَّكُ شبكةُ القواعدِ والتحالفاتِ، أوْ يتراجعُ الامتيازُ النقديُّ الَّذي سمحَ للمركزِ بتمويلِ نُفُوذِهِ بعملةٍ يحتاجُ إليها الآخرونَ. وقدْ ينتهي الحقُّ غيرُ المعلنِ في التدخُّلِ، أوْ تنكسرُ قدرةُ القوَّةِ الكبرى على تعريفِ الشرعيَّةِ الدوليَّةِ وحدها؛ فلا تعودُ هيَ الَّتي تُقَرِّرُ وحدها منْ هوَ المعتدي، ومنْ هوَ الشرعيُّ، وأيُّ حربٍ ينبغي أنْ تُسَمَّى دفاعًا، وأيُّ مقاومةٍ ينبغي أنْ تُسَمَّى إرهابًا.

“الدولةُ جسدٌ سياسيٌّ يسكنُ أرضًا، أمَّا الإمبراطوريَّةُ فهيَ الظلُّ الَّذي يُلْقِيهِ هذا الجسدُ على أراضي الآخرينَ.”

وأعمقُ ما يسقطُ معَ الإمبراطوريَّةِ ليسَ دائمًا الأرضَ، بلِ الطاعةَ الَّتي كانتْ تحصلُ عليها منْ غيرِ أنْ تدفعَ ثمنًا كاملًا. الإمبراطوريَّةُ في ذروتها تستطيعُ إلزامَ الآخرينَ لأنَّهمْ يحتاجونَ إليها، أوْ يخافونها، أوْ يرونَ منفعتهمْ داخلَ نظامها. فإذا اضطرَّ المركزُ إلى شراءِ كلِّ ولاءٍ، وتهديدِ كلِّ حليفٍ، ومعاقبةِ كلِّ انحرافٍ، فقدْ يكونُ المجالُ الإمبراطوريُّ قائمًا في الخرائطِ، لكنَّهُ بدأَ يموتُ في وظيفتهِ. إنَّ السلطةَ الَّتي تحتاجُ إلى استعمالِ السوطِ كلَّ صباحٍ ليستْ مطمئنَّةً إلى بقاءِ القطيعِ حولها.

وتختلفُ نهاياتُ الإمبراطوريَّاتِ كما تختلفُ طرائقُ موتِ الأشجارِ؛ بعضها يُقْتَلَعُ في عاصفةٍ، وبعضها يجفُّ ببطءٍ منْ أطرافهِ، وبعضها يُقْطَعُ جذعهُ وتظلُّ جذورهُ تُرْسِلُ براعمَ جديدةً. قدْ يقعُ انسحابٌ منظَّمٌ، تُدْرِكُ فيهِ النخبةُ أنَّ كلفةَ الامتدادِ تجاوزتْ منفعتهُ، فَتُخَفِّضُ الالتزاماتِ وتحفظُ المصالحَ الأساسيَّةَ. وقدْ تتحرَّرُ الأطرافُ بعدَ صراعاتٍ وطنيَّةٍ، فينتهي الحكمُ الاستعماريُّ المباشرُ. وقدْ تأتي هزيمةٌ عسكريَّةٌ كبرى تُحَطِّمُ القدرةَ الخارجيَّةَ وَتُعِيدُ المركزَ إلى حدودهِ. وقدْ يعجزُ الاقتصادُ عنْ تمويلِ الأساطيلِ والقواعدِ والإداراتِ، فتتساقطُ الأطرافُ لأنَّ الخزينةَ لمْ تعدْ قادرةً على شراءِ الزمنِ.

وقدْ يكونُ الانهيارُ أيديولوجيًّا؛ تفقدُ الفكرةُ الَّتي وحَّدتِ المجالَ قدرتها على إقناعِ النخبِ والشعوبِ، فلا يعودُ المركزُ قادرًا على تقديمِ هيمنتهِ بوصفها رسالةً تتجاوزُ مصالحهُ. وقدْ يكونُ تفكُّكًا اتِّحاديًّا؛ تخرجُ الوحداتُ المكوِّنةُ للمجالِ الإمبراطوريِّ وتتحوَّلُ إلى دولٍ مستقلَّةٍ. وقدْ يقعُ تحوُّلٌ داخليٌّ أعمقُ؛ تكتشفُ الأمَّةُ أنَّ خلاصها في أنْ تكونَ دولةً طبيعيَّةً لا مركزًا كونيًّا، وأنَّ الجمهوريَّةَ القابلةَ للحياةِ أجدرُ بالحمايةِ منْ إمبراطوريَّةٍ لا تشبعُ.

والمشكلةُ أنَّ النخبَ الإمبراطوريَّةَ لا ترى الانكماشَ في الغالبِ بالحكمةِ نفسها الَّتي يراهُ بها المؤرِّخُ بعدَ انقضاءِ الأحداثِ. فهيَ اعتادتْ أنْ تقيسَ العظمةَ باتِّساعِ المسافةِ الَّتي يبلغها أمرها، وأنْ تربطَ أمنَ الدولةِ بقدرتها على التحكُّمِ في الأطرافِ. فإذا بدأَ العالمُ الخارجيُّ بالانفلاتِ، رأتْ في كلِّ تراجعٍ إذلالًا، وفي كلِّ استقلالٍ تمرُّدًا، وفي كلِّ تسويةٍ هزيمةً. وقدْ تُنْفِقُ ثروةَ الدولةِ كيْ تحميَ صورةَ الإمبراطوريَّةِ، كما يُنْفِقُ شيخٌ مريضٌ ما بقيَ منْ قُوَّتِهِ ليبدوَ أمامَ المرآةِ شابًّا، حتَّى لا يبقى لهُ منَ الشبابِ إلَّا الثوبُ.

وَتُقَدِّمُ بريطانيا مثالًا بالغَ الدلالةِ على إمبراطوريَّةٍ انتهتْ ودولةٍ بقيتْ. فقدْ استنزفتها الحربانِ العالميَّتانِ، وتسارعتْ بعدهما حركاتُ الاستقلالِ في مستعمراتها. ثمَّ جاءتْ أزمةُ السويسِ عامَ 1956 لتكشفَ أنَّ لندنَ وباريسَ لمْ تعودا تملكانِ حُرِّيَّةَ الحركةِ الإمبراطوريَّةَ القديمةَ؛ إذْ ارتبطَ الضغطُ الأمريكيُّ والأزمةُ الماليَّةُ بتراجعِ بريطانيا عنْ عمليَّتها في مصرَ، وأصبحتِ السويسُ رمزًا لانتهاءِ العصرِ الَّذي تستطيعُ فيهِ بريطانيا أنْ تتصرَّفَ كقوَّةٍ عالميَّةٍ مستقلَّةٍ عنْ ميزانِ القوَّةِ الأمريكيِّ. وتصفُ موادُّ الأرشيفِ الوطنيِّ البريطانيِّ الأزمةَ بوصفها لحظةً بدتْ معها أيَّامُ بريطانيا كقوَّةٍ عالميَّةٍ إمبراطوريَّةٍ منفردةٍ في طورِ الانتهاءِ.

لكنَّ بريطانيا لمْ تُمَحَ منَ الخريطةِ، ولمْ تتحوَّلْ إلى دولةٍ هامشيَّةٍ. احتفظتْ بسلاحٍ نوويٍّ مستقلٍّ تشغيليًّا، وبمقعدها الدائمِ في مجلسِ الأمنِ، وبجهازٍ دبلوماسيٍّ واستخباراتيٍّ واسعٍ، وبقدرةٍ ماليَّةٍ وثقافيَّةٍ تتجاوزُ حجمها الجغرافيَّ. وما تزالُ الحكومةُ البريطانيَّةُ تعدُّ الردعَ النوويَّ ركيزةً أساسيَّةً لأمنها ولدورها داخلَ حلفِ شمالِ الأطلسيِّ.

“أعمقُ ما يسقطُ معَ الإمبراطوريَّةِ ليسَ دائمًا الأرضَ، بلِ الطاعةَ الَّتي كانتْ تحصلُ عليها منْ غيرِ أنْ تدفعَ ثمنًا كاملًا.”

المغزى ليسَ أنَّ بريطانيا بقيتْ بالقوَّةِ نفسها، بلْ إنَّها انتقلتْ منْ امتلاكِ مساحةٍ واسعةٍ منَ العالمِ إلى التأثيرِ فيهِ منْ غيرِ حُكْمِهِ المباشرِ. فقدتِ السيادةَ على مستعمراتٍ وممرَّاتٍ ومجتمعاتٍ، لكنَّها احتفظتْ بالقدرةِ على الدبلوماسيَّةِ والتمويلِ والثقافةِ والتحالفِ. تغيَّرَ مقياسُ القوَّةِ ووظيفتها؛ لمْ تعدْ لندنُ مركزَ الشمسِ، لكنَّها لمْ تصبحْ بقعةً مُعْتِمَةً خارجَ التاريخِ. وهذا هوَ الفارقُ بينَ أُمَّةٍ تعرفُ كيفَ تُعِيدُ تعريفَ عظمتها وَأُمَّةٍ تربطُ وجودها ببقاءِ إمبراطوريَّتها. الأولى تستطيعُ تحويلَ النفوذِ منَ السيطرةِ إلى اللغةِ والتعليمِ والتجارةِ والدبلوماسيَّةِ. أمَّا الثانيةُ فتظلُّ تُطَارِدُ شبحَ التاجِ القديمِ، فتخسرُ حاضرها وهيَ تُحَاوِلُ استعادةَ ماضٍ لا يعودُ.

أمَّا الاتِّحادُ السوفيتيُّ فَيُقَدِّمُ نمطًا مختلفًا؛ فقدْ كانتِ الدولةُ والمجالُ الإمبراطوريُّ متداخلينِ داخلَ بنيةٍ اتِّحاديَّةٍ وأيديولوجيَّةٍ. لمْ يكنْ نُفُوذُهُ الخارجيُّ مجرَّدَ مستعمراتٍ بعيدةٍ، بلْ جمهوريَّاتٍ مُكَوِّنَةً للاتِّحادِ، ودولًا تابعةً في أُورُوبَّا الشرقيَّةِ، وحلفًا عسكريًّا، وشبكةً أيديولوجيَّةً دوليَّةً. وحينَ انهارتْ شرعيَّةُ الحزبِ والمركزِ، وتفكَّكتِ القدرةُ الاقتصاديَّةُ والسياسيَّةُ، لمْ تنسحبْ موسكو منْ إمبراطوريَّةٍ منفصلةٍ عنها فقطْ، بلْ تفكَّكَ الكيانُ الاتِّحاديُّ نفسهُ إلى جمهوريَّاتٍ مستقلَّةٍ عامَ 1991. ومعَ ذلكَ بقيَ المركزُ الروسيُّ. واستمرَّتْ رُوسِيَا، خلفًا للاتِّحادِ السوفيتيِّ، عضوًا في الأممِ المتَّحدةِ، وشغلتْ مقعدهُ الدائمَ في مجلسِ الأمنِ، بموجبِ رسالةِ الرئيسِ بُورِيسْ يلتسنْ في ديسمبرَ 1991، وبدعمِ دُوَلِ رابطةِ الدولِ المستقلَّةِ، واحتفظتْ بالقوَّةِ النوويَّةِ والمواردِ الطبيعيَّةِ والكتلةِ الجغرافيَّةِ الكبرى والقدراتِ العسكريَّةِ الأساسيَّةِ.

سقطتِ المنظومةُ، وتهاوى حلفُ وارسو، وانتهتِ الدعوى الشيوعيَّةُ بوصفها مشروعًا عالميًّا تقودهُ موسكو، لكنَّ رُوسِيَا لمْ تنتهِ. وما جرى بعدَ ذلكَ يكشفُ معضلةً مألوفةً؛ الفرقَ بينَ إعادةِ بناءِ مكانةِ دولةٍ كبرى وبينَ محاولةِ إعادةِ تركيبِ المجالِ الإمبراطوريِّ القديمِ. تستطيعُ الدولةُ أنْ تحميَ أمنها ومصالحها وتبنيَ علاقاتِ نُفُوذٍ، لكنَّ استعادةَ الإمبراطوريَّةِ تتطلَّبُ إعادةَ إخضاعِ شعوبٍ ودولٍ خرجتْ منْ مجالها، وهوَ ما يُحَوِّلُ الحنينَ التاريخيَّ إلى صراعٍ مستمرٍّ معَ حقائقِ السيادةِ الجديدةِ. فالدولةُ الكبرى لا تحتاجُ إلى أنْ تُعِيدَ ابتلاعَ جيرانها كيْ تُثْبِتَ أنَّها ما تزالُ كبرى. غيرَ أنَّ الوعيَ الإمبراطوريَّ يرى استقلالَ الأطرافِ بترًا منْ جسدِ المركزِ، لا ولادةً لكياناتٍ مستقلَّةٍ. ومنْ هنا تنشأُ الحروبُ الَّتي لا يكونُ مقصدها حمايةَ حدودِ الدولةِ وحدها، بلْ محوَ الحدِّ الفاصلِ بينَ أمنِ الدولةِ وشهوةِ استعادةِ المجالِ.

وَتُقَدِّمُ اليابانُ نموذجًا مختلفًا تمامًا؛ انهارَ مشروعها الإمبراطوريُّ العسكريُّ بهزيمةِ الحربِ العالميَّةِ الثانيةِ، ثمَّ أعادتْ تعريفَ الدولةِ داخلَ دستورٍ جعلَ السيادةَ للشعبِ ونصَّ في مادَّتهِ التاسعةِ على نبذِ الحربِ بوصفها حقًّا سياديًّا ووسيلةً لتسويةِ النزاعاتِ الدوليَّةِ. ومعَ أنَّ اليابانَ بنتْ لاحقًا قوَّاتِ دفاعٍ ذاتيٍّ ووسَّعتْ تفسيرَ حقِّها في الدفاعِ، فإنَّ انتقالها منْ إمبراطوريَّةٍ عسكريَّةٍ إلى دولةٍ اقتصاديَّةٍ وتقنيَّةٍ كبرى يُوَضِّحُ أنَّ فقدانَ الحقِّ في إخضاعِ الخارجِ لا يعني فقدانَ القدرةِ على الصعودِ. لقدْ خسرتِ اليابانُ مستعمراتها وجيشها الإمبراطوريَّ ومشروعها القارِّيَّ، لكنَّها لمْ تخسرْ شعبها ولا تعليمها ولا قدرتها الصناعيَّةَ. وحينَ أُعِيدَ توجيهُ الطاقةِ منَ الاحتلالِ إلى الإنتاجِ، ومنَ التوسُّعِ العسكريِّ إلى التقنيَّةِ والتجارةِ، صارَ الانكسارُ الإمبراطوريُّ بابًا لصورةٍ أُخْرَى منَ القوَّةِ. لمْ يعدِ العالمُ يخشى الجيشَ اليابانيَّ كما خشيهُ في النصفِ الأوَّلِ منَ القرنِ العشرينَ، لكنَّهُ احتاجَ إلى المصانعِ والابتكاراتِ ورأسِ المالِ اليابانيِّ.

وتحوَّلتْ تُرْكِيَا كذلكَ منْ مركزِ سلطنةٍ متعدِّدةِ الأقاليمِ إلى جمهوريَّةٍ قوميَّةٍ تركَّزتْ في الأناضولِ بعدَ تفكُّكِ الدولةِ العثمانيَّةِ؛ أُلْغِيَتِ السلطنةُ عامَ 1922، وَأُعْلِنَتِ الجمهوريَّةُ عامَ 1923، ثمَّ أُلْغِيَتِ الخلافةُ عامَ 1924. لمْ تحتفظِ الجمهوريَّةُ بحدودِ السلطنةِ ولا بطبيعةِ شرعيَّتها، لكنَّها حافظتْ على نواةٍ جغرافيَّةٍ وسكَّانيَّةٍ وسياسيَّةٍ سمحتْ بقيامِ دولةٍ جديدةٍ منْ أنقاضِ إمبراطوريَّةٍ عمرها قرونٌ.

وتكشفُ فرنسا وهولندا والبرتغالُ وإسبانيا أنَّ فقدانَ المستعمراتِ البحريَّةِ لا يُؤَدِّي وحدهُ إلى محوِ الدولةِ؛ لكنَّهُ يفرضُ إعادةَ تعريفِ الاقتصادِ والهويَّةِ والمكانةِ. ليستِ النتيجةُ واحدةً في جميعِ الحالاتِ، ولا يُوجَدُ قانونٌ آليٌّ يُحَوِّلُ كلَّ مركزٍ إمبراطوريٍّ إلى دولةٍ مزدهرةٍ. إنَّما تُوجَدُ شروطٌ تجعلُ البقاءَ مُمْكِنًا أوْ تمنعهُ.

“الفارقُ بينَ أُمَّةٍ تعرفُ كيفَ تُعِيدُ تعريفَ عظمتها، وَأُمَّةٍ تربطُ وجودها ببقاءِ إمبراطوريَّتها.”

أوَّلُ هذهِ الشروطِ وجودُ نواةٍ قوميَّةٍ وجغرافيَّةٍ متماسكةٍ تستطيعُ أنْ تستمرَّ منْ غيرِ الأطرافِ. فإذا كانتِ الدولةُ في داخلها مجرَّدَ تجميعٍ قسريٍّ لشعوبٍ لا ترى نفسها جماعةً سياسيَّةً واحدةً، فقدْ يسقطُ المركزُ معَ المجالِ. أمَّا إذا كانتْ لها أرضٌ معترفٌ بها، وسوقٌ داخليَّةٌ، ومؤسَّساتٌ عميقةٌ، وَهُوِيَّةٌ وطنيَّةٌ قادرةٌ على الحياةِ خارجَ خطابِ الإمبراطوريَّةِ، فإنَّ الانكماشَ يُصْبِحُ مُؤْلِمًا لكنَّهُ غيرُ قاتلٍ.

والشرطُ الثاني قدرةُ المؤسَّساتِ على إعادةِ تعريفِ المصلحةِ الوطنيَّةِ. الإمبراطوريَّةُ تجعلُ مصالحَ المركزِ ممتدَّةً إلى كلِّ ميناءٍ وممرٍّ وحدٍّ بعيدٍ. أمَّا الدولةُ بعدَ الإمبراطوريَّةِ فتحتاجُ إلى شجاعةِ السؤالِ؛ ما الَّذي يمسُّ أمننا فعلًا؟ وما الَّذي نحميهِ لأنَّنا اعتدنا السيطرةَ عليهِ؟ وأيُّ الالتزاماتِ تخدمُ المجتمعَ، وأيُّها تستنزفهُ كيْ تُحَافِظَ النخبةُ على وهمِ المكانةِ؟

والشرطُ الثالثُ اقتصادٌ يستطيعُ التحوُّلَ منَ الريعِ الإمبراطوريِّ إلى الإنتاجِ. فالإمبراطوريَّاتُ قدْ تعيشُ طويلًا على المواردِ المستخرجةِ، والأسواقِ المحميَّةِ، والعملاتِ المميَّزةِ، والعملِ الرخيصِ، والامتيازاتِ التجاريَّةِ. فإذا انقطعتْ هذهِ المنافعُ ولمْ يكنْ داخلَ المركزِ إنتاجٌ وابتكارٌ وسوقٌ قادرةٌ على التجدُّدِ، قدْ يتحوَّلُ الانكماشُ الخارجيُّ إلى انهيارٍ داخليٍّ. أمَّا الدولةُ الَّتي تملكُ قاعدةً علميَّةً وصناعيَّةً ومؤسَّساتٍ قابلةً للتكيُّفِ، فتستطيعُ أنْ تستبدلَ السيطرةَ بالتنافسِ.

والشرطُ الرابعُ قبولُ النخبةِ بفقدانِ بعضِ الامتيازاتِ. هذهِ أصعبُ المعاركِ؛ لأنَّ الإمبراطوريَّةَ لا تمنحُ الأمَّةَ هيبةً فقطْ، بلْ تمنحُ طبقاتٍ ومؤسَّساتٍ بعينها وظائفَ وثرواتٍ ومناصبَ وسلطاتٍ. وقدْ يكونُ استمرارُ الامتدادِ خاسرًا للدولةِ، لكنَّهُ مُرْبِحٌ لمنْ يُدِيرُونَ الجيوشَ والقواعدَ والشركاتِ والبيروقراطيَّاتِ المرتبطةَ بهِ. لذلكَ قدْ تُدَافِعُ النخبةُ عنِ الإمبراطوريَّةِ بلغةِ المصلحةِ الوطنيَّةِ، بينما تُدَافِعُ في العمقِ عنْ مكانها داخلها.

“الدولةُ بعدَ الإمبراطوريَّةِ تحتاجُ إلى شجاعةِ السؤالِ: ما الَّذي يمسُّ أمننا فعلًا؟ وما الَّذي نحميهِ لأنَّنا اعتدنا السيطرةَ عليهِ؟”

والشرطُ الخامسُ تجنُّبُ الحروبِ اليائسةِ لاستعادةِ الماضي. كثيرٌ منَ الإمبراطوريَّاتِ لا تُهْلِكُهَا الخسارةُ الأولى، بلْ محاولةُ إنكارها. تُقَاتِلُ لتحفظَ هيبتها، ثمَّ تُقَاتِلُ لتغطِّيَ فشلَ الحربِ السابقةِ، ثمَّ يُصْبِحُ الانسحابُ مستحيلًا لأنَّ الدمَ الَّذي سُفِكَ يحتاجُ في خطابها إلى معنًى. وهكذا تُسْتَنزَفُ الدولةُ دفاعًا عنْ سمعةِ إمبراطوريَّةٍ لمْ يعدْ إنقاذها مُمْكِنًا.

والشرطُ السادسُ صياغةُ هُوِيَّةٍ لا تجعلُ العظمةَ مرادفةً للسيطرةِ. فالأمَّةُ الَّتي لا تستطيعُ أنْ تتخيَّلَ كرامتها إلَّا وهيَ تُصْدِرُ الأوامرَ إلى غيرها ستعيشُ الانكماشَ بوصفهِ إذلالًا دائمًا. أمَّا الأمَّةُ الَّتي تُعَرِّفُ العظمةَ بالعلمِ والعدلِ والرفاهِ والإبداعِ والثقافةِ، فَيُمْكِنُهَا أنْ تخسرَ المستعمرةَ وتربحَ الدولةَ، وأنْ تفقدَ الجنديَّ البعيدَ وتستعيدَ المواطنَ القريبَ.

ولا تكونُ نهايةُ الإمبراطوريَّةِ دائمًا نجاةً. فقدْ يسقطُ المركزُ معها إذا كانتِ الدولةُ نفسها تركيبًا إمبراطوريًّا هشًّا، أوْ إذا فقدتِ السلطةُ شرعيَّتها لدى سكَّانها، أوْ إذا تحوَّلتِ الهزيمةُ الخارجيَّةُ إلى حربٍ أهليَّةٍ، أوْ انهارتِ العملةُ والمؤسَّساتُ والجيشُ معًا. وقدْ تسقطُ إذا عجزتِ النخبُ عنْ تصوُّرِ وطنٍ خارجَ الإمبراطوريَّةِ، أوْ كانَ الإنفاقُ على الأطرافِ وسيلةً لإبقاءِ النظامِ الداخليِّ متماسكًا؛ فإذا توقَّفتِ الغنائمُ والتحويلاتُ والتحالفاتُ انكشفَ خواءُ العقدِ الداخليِّ. الإمبراطوريَّةُ في هذهِ الحالةِ ليستْ تاجًا يُمْكِنُ خلعهُ، بلْ هيَ المساميرُ الَّتي شدَّ بها الجسدُ بعضهُ إلى بعضٍ. فإذا أُزِيلَتْ، انفكَّ البناءُ. ولهذا بقيتْ بريطانيا بعدَ إمبراطوريَّتها، بينما انحلَّ الاتِّحادُ السوفيتيُّ؛ وبقيتِ اليابانُ بعدَ مشروعها العسكريِّ، بينما اختفتْ إمبراطوريَّاتٌ لمْ يكنْ مركزها يملكُ حياةً سياسيَّةً منفصلةً عنْ مجالِ الإخضاعِ.

“أعظمُ انتصارٍ تُحَقِّقُهُ الدولةُ بعدَ الإمبراطوريَّةِ أنْ تتعلَّمَ كيفَ تكونُ كبيرةً منْ غيرِ أنْ تكونَ فوقَ غيرها.”

إنَّ سقوطَ الإمبراطوريَّةِ ليسَ إذًا حدثًا واحدًا، ولا حكمًا بالموتِ على الأمَّةِ. قدْ يكونُ كارثةً إذا أُدِيرَ بالإنكارِ، وقدْ يكونُ خلاصًا إذا استقبلَ بإعادةِ تأسيسِ العقدِ الداخليِّ. وقدْ تكونُ خسارةُ التاجِ هيَ اللحظةَ الَّتي ترى فيها الدولةُ وجهها للمرَّةِ الأولى منْ غيرِ المرايا الَّتي نصبها الخاضعونَ حولها. فليستِ المأساةُ الكبرى أنْ تتوقَّفَ أُمَّةٌ عنْ حُكْمِ العالمِ؛ المأساةُ أنْ تستهلكَ مدارسها ومدنها وثقتها بنفسها كيْ تُؤَجِّلَ الاعترافَ بأنَّ العالمَ لمْ يعدْ يقبلُ حكمها. وقدْ يكونُ أعظمُ انتصارٍ تُحَقِّقُهُ الدولةُ بعدَ الإمبراطوريَّةِ أنْ تتعلَّمَ كيفَ تكونُ كبيرةً منْ غيرِ أنْ تكونَ فوقَ غيرها، وكيفَ تُؤَثِّرُ منْ غيرِ أنْ تستعبدَ، وكيفَ تحمي نفسها منْ غيرِ أنْ تُحَوِّلَ أمنها إلى قانونٍ كونيٍّ. ولا تكونُ نهايةُ الإمبراطوريَّةِ دائمًا جنازةً وطنيَّةً؛ فقدْ تكونُ أحيانًا الفرصةَ الأخيرةَ لإنقاذِ الدولةِ منْ أعباءِ مجدها السابقِ، وردِّ القوَّةِ منْ أطرافِ الأرضِ إلى الإنسانِ الَّذي كانَ يُمَوِّلُ التاجَ منْ خُبْزِهِ، وَيُطْلَبُ منهُ أنْ يفخرَ بظلٍّ هائلٍ بينما يتشقَّقُ بيتهُ فوقَ رأسهِ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى