الفكرمناهج وعقائدمنطق وتأصيل

وهم القداسة بالجغرافيا؛ هل يمنح الحجر قداسة للبشر؟

أصنامُ الترابِ ولاهوتُ الجغرافيا: في نقدِ القداسةِ بالإنابةِ والسيادةِ بالارتهانِ للمكان

على مرأى من التاريخِ وبصيرةِ العقل، يبرزُ سؤالٌ وجوديٌّ يؤرِّقُ مسيرةَ الإصلاح: هل يمنحُ الحجرُ قداسةً للبشر؟ وهل تفيضُ بركةُ الغيبِ من فيافي الجغرافيا لتصنعَ من الطينِ الآدميِّ معصومًا أو مُختارًا لمجردِ سكناهُ في أحضانِ الأثر؟ إنَّ الوقوفَ في محرابِ الحقيقةِ يقتضي منا أن نُفرقَ بحدٍّ جراحيٍّ دقيقٍ بين قداسةِ الموضع التي هي تقديرٌ إلهيٌّ ثابتٌ لا يُنكرُهُ إلا جاحد، وبين قداسةِ الموضعِ المزعومةِ للفرد التي هي وهمٌ اجتماعيٌّ يُصنَعُ في دهاليزِ المصالحِ السياسيةِ والاجتماعية.

وتكمنُ البدايةُ في إدراكِ الفارقِ الجوهريِّ بين المكانِ كشاهد والمكانِ كقائد. فالأرضُ، في فلسفةِ الوجود، لا تملكُ في ذاتِها صفةَ التفضيلِ الأخلاقيِّ التي تنتقلُ بالتبعيةِ إلى قاطنيها؛ فكلُّ بقعةٍ شرفتْ بنزولِ وحيٍ أو بمرورِ نبيٍّ أو بضمِّ جسدِ مُصلحٍ عظيم، هي في حقيقتِها مختبرُ امتحانٍ للأجيالِ اللاحقةِ وليست مخزنَ مفاخر يُغنيهم عن المكابدةِ الروحيةِ والعملِ الصالح. فالقداسةُ في جوهرِها شعلةٌ من النورِ الإلهيِّ استودعها اللهُ في أماكنَ بعينِها لحكمةٍ عليا لا يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى، لتكونَ مناراتٍ للهدى لا لتمسيَ صكوكًا للامتيازِ الطبقيِّ أو دروعًا يحتمي بها الأدعياءُ من سهامِ النقدِ والمساءلة. والمكانُ يكتسبُ شرفَهُ بالحدثِ الإلهي، أمَّا الإنسانُ فيكتسبُ شرفَهُ بمدى تمثُّلِهِ لقيمِ ذلك الحدثِ في سلوكِهِ العملي.

“إنَّ القداسةَ التي لا تُثمرُ عدلًا، والبركةَ التي لا تُنتجُ رُقيًّا، هي مجردُ أصنامٍ ذهنيةٍ تُعبدُ من دونِ الحق.”

إنَّ وهمَ القداسةِ بالجوار هو تعبيرٌ عن عجزٍ باطنيٍّ يحاولُ سدَّ فجواتِ القصورِ الأخلاقيِّ بوهجِ التاريخِ المكاني. ومن هنا، يغصُّ التاريخُ البشريُّ بنماذجَ لأممٍ سكنتْ في مهادِ النبوءاتِ وورثتْ مفاتيحَ الهياكل، لكنَّها كانت أبعدَ ما تكونُ عن روحِ الحقِّ والعدل، لأنَّها ظنتْ أنَّ شرفَ الحيزِ يُغني عن شرفِ السلوك، وأنَّ قربَ الأجسادِ من الأضرحةِ والآثارِ يعوضُ بُعدَ القلوبِ عن القيمِ والمعاني. وهذا التوهمُ يقودُ بالضرورةِ إلى ما يمكنُ تسميتُهُ بـ”نرجسيةِ الجغرافيا”، حيثُ تُصاغُ الهوياتُ الوطنيةُ أو المذهبيةُ بناءً على ادعاءات القداسةِ المطلقة؛ فترى كيانًا سياسيًا أو اجتماعيًا يروجُ لنفسِهِ كقائدٍ أوحدَ للفكرِ أو الدينِ لمجردِ أنَّ حدودَهُ الترابيةَ تضمُّ مقدسًا ما، مستغلًا عواطفَ الجماهيرِ لترسيخِ سلطةٍ لا تقبلُ المراجعة.

إنَّ خطورةَ هذا المسلكِ تكمنُ في تأميمِ المقدّس وتحويلِهِ من مشاعٍ إنسانيٍّ وروحيٍّ إلى أداةٍ للتمكينِ الدنيوي. فحين يُروَّجُ لفكرةِ أنَّ أرضًا برمتِها مقدسة، وأنَّ كلَّ من وطأَها أو نبتَ فيها هو من حُراسِ الحقيقة أو صفوةِ البشر، فإنَّنا نكونُ أمامَ عمليةِ تزييفٍ كبرى للوعي. إنَّ هذا المسلكَ لا يهدفُ لتعظيمِ الدين، بل يهدفُ لـتحصينِ السلطةِ وإسكاتِ المعارضة، فكلُّ نقدٍ لسياسة، أو اعتراضٍ على سلوك، يُصوَّرُ فورًا كأنَّهُ طعنٌ في حياضِ القداسةِ ذاتِها. فتضيعُ المقاصدُ الشرعيةُ في زحامِ الدعايةِ السياسية، ويتحولُ المكانُ المبارك من مزارٍ للروحِ والسكينةِ إلى أيقونةٍ دعائية تُباعُ وتُشترى في أسواقِ النفوذِ والتمكين والمتاجرة، وهو ما يقوّضُ تمامًا مبدأَ المساواةِ الإنسانيةِ الذي نادى بهِ الوحيُ أصلًا. بدلًا من أن يكونَ وجودُ المقدسِ في بلدٍ ما دافعًا لأهلهِ ليكونوا نموذجًا في الرُّقيِّ الإنسانيِّ والتواضعِ المعرفي، يتحولُ إلى سوطٍ رمزيٍّ يُشهرُ في وجهِ كلِّ من يحاولُ نقدَ الواقعِ أو كشفَ الخلل، تحتَ ذريعةِ أنَّ الأرضَ المباركة لا تنبتُ إلا حقًا.

وثمةَ وجهٌ آخرُ لهذا الاحتكارِ الرمزي، يتجلى في تجارةِ البركةِ السياحية. فترى من يستثمرُ وجودَ معلمٍ دينيٍّ أو أثرٍ نبويٍّ في رقعتِهِ الجغرافيةِ ليس لنشرِ قيمِ ذلك الأثر، بل لابتزازِ المشاعرِ الدينيةِ وتحصيلِ المكاسبِ الاقتصادية، مع إضفاءِ هالةٍ من الترفعِ الروحيِّ على الذاتِ الجمعيةِ تجاهَ بقيةِ العالم. وحين تُسوَّقُ القداسةُ المكانية كمنتجٍ سياحيٍّ أو كدرعٍ سياسيٍّ، فإنَّنا نكونُ أمامَ وثنيةٍ مقنعةٍ تعبدُ الاسمَ وتُضيعُ المسمى. إنَّ الحقيقةَ التي لا مراءَ فيها أنَّ الأمانَ المذكورَ في النصوصِ هو وعدٌ مشروطٌ أو وصفٌ لحالةٍ روحية، وليس شيكًا على بياضٍ يبررُ الاستبدادَ أو يسترُ التخلفَ التنمويَّ أو يحمي الفسادَ الاجتماعي. والدولةُ التي تظنُّ أنَّ ذكرَ اسمِها في الكتبِ المقدسةِ يمنحُها ميزةً تنافسيةً في سوقِ الفضيلةِ دونَ أن تُقدمَ برهانًا عمليًا من العدلِ والحريةِ والكرامةِ لمواطنيها، هي دولةٌ تعيشُ في غيبوبةٍ تاريخية. إنَّ القداسةَ التي لا تُثمرُ عدلًا، والبركةَ التي لا تُنتجُ رُقيًّا، هي مجردُ أصنامٍ ذهنيةٍ تُعبدُ من دونِ الحق. أمَّا الوصايةُ الحقيقيةُ فهي وصايةُ الخدمةِ والإعمار لا وصايةُ الامتلاكِ والاستئثار، والفرقُ بينهما هو الفرقُ بين المتواضعِ الذي يرى في عملهِ قُربى، والمتكبرِ الذي يرى في موقعِهِ ميزةً ترفعُهُ فوقَ البشر.

“السيادةُ الفكريةُ الحقةَ هي التي تكسرُ هذهِ الأغلالَ وتُعيدُ للإنسانِ وجهَهُ الكونيَّ متحررًا من صنميةِ المكان، مستندًا إلى هيبةِ الحقِّ وجلالِ الأمانة.”

ولو غُصنا في الأسبابِ النفسيةِ لهذهِ الظاهرة، لوجدنا أنَّها تمنحُ الفردَ تعويضًا زائفًا عن ضياعِ القيمةِ الفردية. فالإنسانُ الذي لا يملكُ إنجازًا حقيقيًا يفتخرُ به، يجدُ في الانتسابِ لـلبلدِ المقدس أو الجماعةِ المختارة ملاذًا يُحققُ لهُ الشعورَ بالتفوقِ الوهمي. إنَّها حالةٌ من الاستعلاءِ بالانتماءِ لا بالأداء، حيثُ يسودُ الاعتقادُ بأنَّ مجردَ العيشِ بجوارِ قبرِ نبيٍّ أو في كنفِ أثرٍ عظيمٍ يمنحُ الفردَ رتبةً أتقى أو أفضل من غيره. هذا المنطقُ هو الهادمُ الأولُ لروحِ النهضة، لأنَّهُ يُكرِّسُ الاتكاليةَ الروحيةَ والجمودَ الفكريَّ ويخلقُ حالةً من التعصبِ الجغرافي الذي يمنعُ صاحبَهُ من رؤيةِ مواطنِ الجمالِ والخيرِ في الأممِ الأخرى، ويجعلُهُ يعيشُ داخلَ شرنقةِ القداسةِ المتوهمة التي تحجبُ عنهُ نورَ الحقيقةِ الكوني.

ولنتصورْ مشهدًا افتراضيًا لمجتمعٍ بنى هويتَهُ بالكاملِ على فكرةِ الأفضليةِ المكانية. في هذا المجتمع، سيتحولُ الفكرُ إلى مجردِ حراسةٍ للقديم، وسيتحولُ النقدُ إلى خيانة، وسيكونُ المقياسُ الوحيدُ للمواطنةِ الصالحةِ هو مدى الالتزامِ بـطقوسِ التبجيل للمكانِ وتاريخه. في مثلِ هذا المناخ، يختنقُ الإبداع، وتتوارى الكفاءاتُ خلفَ أصحابِ القداسةِ الموروثة، وتتحولُ القيمُ الدينيةُ الساميةُ إلى فولكلورٍ اجتماعيٍّ يُستخدمُ لتزيينِ المجالسِ لا لتغييرِ النفوس. إنَّ هذا المجتمع، رغمَ ما يمتلكُهُ من آثارٍ عظيمة، سيظلُّ عاجزًا عن المساهمةِ في الحضارةِ الإنسانية، لأنَّهُ انشغلَ بعبادةِ الحاضنة ونسيَ الرسالة. فالمكانُ الذي كان من المفترضِ أن يكونَ منطلقًا للعالمية، تحوَّلَ بفعلِ نرجسيةِ أهلهِ إلى زنزانةٍ ضيقةٍ تحبسُ المعنى في إطاراتِ المصلحةِ الضيقة.

والأدلُّ على زيفِ هذا المنطقِ ما يُقدمُهُ التاريخُ من برهانٍ صاعقٍ: لو افترضنا جدلًا أنَّ القداسةَ تنتقلُ بالعدوى المكانيةِ أو بالوراثةِ الترابية، لكان أولى الناسِ بها من عاصروا الأنبياءَ وجاوروهم ثمَّ كفروا برسالتِهم. إنَّ التاريخَ يُخبرنا بوضوحٍ قاطعٍ أنَّ القربَ المادي لا يُغني عن القربِ الروحي شيئًا. فالقداسةُ حالةٌ من الاتصالِ القلبيِّ بالمطلق لا يمكنُ حصرُها في حدودٍ جغرافيةٍ ترسمُها الخرائطُ السياسيةُ الحديثة. إنَّ محاولةَ “قوننةِ” القداسة وربطَها بجنسيةٍ معينةٍ أو جغرافيا سياسيةٍ محدودة هي محاولةٌ لتقزيمِ الكونيِّ ليتناسبَ مع مقاساتِ الأنا المتضخمة، وهي في جوهرِها مخالفةٌ لمقصدِ الوحيِ الذي جعلَ الإيمانَ رسالةً للعالمين لا امتيازًا محصورًا في قبيلةٍ أو مدينةٍ أو دولة. فربَّ بعيدٍ في أقاصي الأرضِ يجسدُ روحَ القداسةِ في سلوكِهِ أكثرَ من ألفِ جارٍ للأثرِ لم تلامسْ التقوى شغافَ قلوبِهم.

” قداسة الزمان أو المكان لا تعني أبدا قداسة الإنسان، وأنَّ الأرضَ لا تُقدسُ أحدًا، بل الإنسانُ هو من يُقدسُ المكانَ بعملِهِ الصالحِ وتجسيدِهِ للقيمِ العليا.”

إنَّ تحريرَ الإيمانِ من ضغطِ الترابِ يتطلبُ شجاعةً في نقدِ المساراتِ التاريخيةِ التي حوَّلتِ الدينَ إلى إقطاعياتٍ جغرافية. يجبُ التأكيدُ وبكلِّ صرامةٍ فكريةٍ على أنَّ قداسة الزمان أو المكان لا تعني أبدا قداسة الإنسان، وأنَّ الأرضَ لا تُقدسُ أحدًا، بل الإنسانُ هو من يُقدسُ المكانَ بعملِهِ الصالحِ وتجسيدِهِ للقيمِ العليا. إنَّ وجودَ بيتٍ للهِ في أرضٍ ما، أو نزولَ الوحيِ بلغةِ شعبٍ ما، لا يمنحُ ذلك الشعبَ توكيلًا حصريًا بتمثيلِ الحق، بل يُلقي على عاتقِهِ مسؤوليةً أخلاقيةً مضاعفةً ليكونَ خادمًا للقيم لا سيدًا على الخلق. إنَّ شرفَ الموضعِ أمانةٌ توجبُ التواضع لا امتيازٌ يبررُ الاستعلاء؛ فرعايةُ الأماكنِ المقدسةِ شرفٌ يقتضي من أصحابهِ أن يكونوا أكثرَ الناسِ عدلًا ورحمةً وانفتاحًا لا أن ينغلقوا على أنفسِهم ويدَّعوا الأفضليةَ المطلقة. ومنطقُ السيادةِ بالوراثةِ الجغرافية منطقٌ ينتمي لعصورِ ما قبلَ الوعي، وهو يتناقضُ جذريًا مع جوهرِ الرسالاتِ السماويةِ التي جاءتْ لتحطيمِ الأصنام، سواءً كانت أصنامًا من حجرٍ أو أصنامًا من هوياتٍ مكانيةٍ متعالية.

إنَّ بناءَ البديلِ القيميِّ يقتضي إعادةَ صياغةِ الخطابِ التربويِّ والفكريِّ على أساسِ هندسةِ الاستحقاق. يجبُ تعليمُ الأجيالِ أنَّ شرفَ الانتسابِ لبلدٍ ما لا يُصرَفُ في سوقِ الفضيلةِ إلا إذا اقترنَ بتمثيلِ قيمِ ذلك البلدِ الروحيةِ في أرقى صورِها. إنَّ التباهيَ بذكرِ الاسمِ في نصوصِ الأولين مع ممارسةِ الظلمِ أو الكذبِ أو الغشِّ هو نوعٌ من انشطار الوعي الحضاري. إنَّنا بحاجةٍ إلى ترميمٍ جراحيٍّ للوعيِ الجمعيِّ يُخلِّصُهُ من أوهامِ القداسةِ بالإنابة؛ إذ كلُّ حرفٍ نزلَ من السماءِ لم يأتِ لِيُمجِّدَ ترابًا بل لِيُحييَ نفسًا، والنفوسُ لا تحيا بالجغرافيا بل بالقيمِ التي تتجاوزُ الزمانَ والمكان. فالقداسةُ قدرُ المشتركِ الإنساني وليست ملكيةً خاصةً لمن تصادفَ وجودُهُ في تلك النقطةِ من الأرض. وكلما نجحنا في الفصلِ بين جلالِ الموضع وبشريةِ المستقر، استعدنا للدينِ طهرَهُ وللفكرِ نزاهتَهُ وللإنسانِ حقيقتَهُ الجوهرية.

إنَّ الخطابَ الإصلاحيَّ الذي ننشدُهُ هو الخطابُ الذي يجرؤُ على كسرِ أصنامِ الجغرافيا مناديًا بـعالميةِ القيم وفردانيةِ الحساب. خطابٌ يرى في مكةَ والقدسِ وكلِّ بقعةٍ مباركةٍ نوافذَ على المطلق لا جدرانًا للهوية. خطابٌ يُعلمُ الناسَ أنَّ اللهَ لا ينظرُ إلى صوركم ولا إلى خرائطِكم ولا إلى حدودِكم السياسية، ولكنَّهُ ينظرُ إلى قلوبِكم وأعمالِكم. إنَّ هيبةَ الكلمةِ تقتضي منا أن نصدحَ بهذهِ الحقيقةِ دونَ مواربة: الأرضُ برمتِها هي محرابٌ للسجود، والقداسةُ التي تُباعُ كعلامة تجارية وطنية هي زيفٌ محض. إنَّ الشرفَ الحقيقيَّ هو في أن تكونَ عبدًا للحق في كلِّ مكان، لا أن تكونَ سيدًا بالباطل في مكانٍ مقدس. فمن أرادَ أن يلامسَ طهرَ القداسةِ فليُطهِّرْ نفسَهُ وسلوكَهُ أولًا، لا أن يكتفيَ بالإشارةِ إلى إحداثياتِ مسكنِهِ على الخريطة. فالقداسةُ روحٌ تسري لا صخورٌ تُبنى، فمن حازَ الروحَ فقد حازَ الفضل، ومن لم يملكْ إلا الصخرَ فسيظلُّ ترابيًا مهما زعمَ من علوٍّ ومقام.

هكذا يستقيمُ الميزان، وينجلي الزيفُ عن الحقيقة، وتعودُ الأشياءُ إلى نصابِها. فالقداسةُ للهِ وحده، والشرفُ للعملِ الصالحِ وحده، والأرضُ لمن أحياها بالجهد والعمل ومن حفظها بالعدلِ والتقوى والفداء. فلنكنْ أبناءَ القيمِ لا أبناءَ التراب، ولنطلبِ البركةَ في مراقي السلوكِ لا في إحداثياتِ الخرائط، لعلَّنا نصلُ إلى ذلك المرفأِ البعيد حيثُ لا يفضلُ إنسانٌ إنسانًا إلا بقلبٍ سليمٍ وعملٍ مستقيم، بعيدًا عن أساطيرِ الجغرافيا وأوهامِ الانتماءِ المُقدَّس. إنَّ السيادةَ الفكريةَ الحقةَ هي التي تكسرُ هذهِ الأغلالَ وتُعيدُ للإنسانِ وجهَهُ الكونيَّ متحررًا من صنميةِ المكان، مستندًا إلى هيبةِ الحقِّ وجلالِ الأمانةِ التي عجزتْ عن حملِها السمواتُ والأرضُ والجبال، وحملَها الإنسانُ بوعيهِ وسلوكِهِ لا بسكناهُ وظله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى