عصافير الفرح
هَا قَدْ بَزَغَ الفَجْرُ البَاسِمُ مِنْ أَجْفَانِ لَيْلِ النَّأْيِ، وَأَطَلَّ عَلَى رُوحِي كَبِشَارَةٍ تَأَخَّرَتْ حَتَّى نَضِجَ فِي انْتِظَارِهَا الشَّوْقُ. انْشَقَّتِ العَتْمَةُ عَنْ خَيْطٍ مِنَ النُّورِ، فَأَحْسَسْتُ كَأَنَّ السَّمَاءَ نَفْسَهَا تَفْتَحُ لِي ذِرَاعَيْهَا، وَتَزُفُّ إِلَيَّ وَعْدًا ظَلَّ عَالِقًا فِي مَشَارِفِ الغَيْبِ طَوِيلًا. يَا لَهَا مِنْ خَفَقَاتٍ جَذْلَى تَتَوَاثَبُ فِي فُؤَادٍ أَضْنَاهُ الحَنِينُ، وَأَنْحَلَتْهُ سِنُونُ التَّرَقُّبِ! كَأَنَّ القَلْبَ، بَعْدَ أَنْ أَلِفَ وَحْشَةَ الطَّرِيقِ، قَدْ سَمِعَ أَخِيرًا خُطَى العَوْدَةِ تَقْتَرِبُ، فَانْتَفَضَ فِيهِ الرَّبِيعُ، وَتَفَتَّحَتْ حَوْلَ شِغَافِهِ وُرُودٌ كَانَتْ تَنَامُ تَحْتَ رَمَادِ الانْتِظَارِ.
وَهَا تَقَافَزَتْ عَصَافِيرُ الفَرَحِ عَلَى أَفْنَانِ الحَنَايَا، تُجَرِّبُ أَصْوَاتَهَا بَعْدَ بُحَّةِ صَمْتٍ طَوِيلٍ، وَتُعِيدُ إِلَى الرُّوحِ أُنْشُودَةً نَسِيَتْهَا فِي مَنَافِي الغِيَابِ. لَمْ يَعُدِ الصَّدْرُ قَفَصًا يَضِيقُ بِجَنَاحَيْهِ؛ صَارَ بُسْتَانًا يَتَّسِعُ لِلتَّغْرِيدِ، وَمَدًى تَسْرَحُ فِيهِ الأَمَانِي بِلَا خَوْفٍ مِنْ سَقْفٍ أَوْ جِدَارٍ. إِنَّهُ الرَّبِيعُ إِذًا؛ رَبِيعُ الحُلْمِ الَّذِي طَالَ شِتَاؤُهُ، وَظَلَّ يَخْتَبِئُ فِي جُذُورِ الرُّوحِ حَتَّى جَاءَ مِيعَادُهُ. رَبِيعٌ لَا يُقَاسُ بِتَفَتُّحِ الزَّهْرِ، وَإِنَّمَا بِتَفَتُّحِ الطَّرِيقِ نَحْوَكِ، وَبِقُدْرَةِ القَلْبِ عَلَى أَنْ يَرَى بَعْدَ طُولِ العَمَى مَنَارَةَ الوُصُولِ.
سَأَعُودُ أَخِيرًا إِلَى الوَطَنِ الحُلْمِ؛ إِلَى المَكَانِ الَّذِي لَمْ أَجِدْهُ فِي الخَرَائِطِ، وَوَجَدْتُهُ فِي مَعْنَاكِ. سَأَعُودُ لَا كَمَنْ يَبْلُغُ أَرْضًا بَعْدَ سَفَرٍ، وَلٰكِنْ كَمَنْ يَبْلُغُ نَفْسَهُ بَعْدَ تِيهٍ، وَيَسْتَرِدُّ مِنْ يَدِ الغُرْبَةِ اسْمَهُ وَصَوْتَهُ وَمَلَامِحَهُ. سَأَعُودُ أَحْمِلُ نَبَضَاتٍ لَطَالَمَا تَرَنَّمَتْ بِلَحْنِ الحَنِينِ، وَعَزَفَتْ عَلَى أَوْتَارِ الأَنِينِ أُنْشُودَةً اخْتَلَطَ فِيهَا الأَلَمُ بِالأَمَلِ. نَبَضَاتٍ كَانَتْ تَسْهَرُ فِي صَدْرِي حِينَ يَنَامُ العَالَمُ، وَتَعُدُّ المَسَافَةَ بَيْنَنَا دَقَّةً دَقَّةً، وَتَحْفَظُ لَكِ فِي كُلِّ خَفْقَةٍ مَوْضِعًا لَا يَطَؤُهُ سِوَاكِ. سَأَعُودُ كَطَائِرٍ مُهَاجِرٍ أَتْعَبَتْهُ مَنَافِي الفُصُولِ، وَثَقَّلَتْ أَجْنِحَتَهُ أَتْرِبَةُ السِّنِينَ. يَهْبِطُ مِنْ سَمَاءٍ بَعِيدَةٍ، يَنْفُضُ عَنْ رِيشِهِ تَجَاعِيدَ الزَّمَنِ، وَيَبْحَثُ بَيْنَ الأَغْصَانِ عَنْ فَنَنٍ حَفِظَ شَكْلَ قَدَمَيْهِ، وَعَنْ عُشٍّ لَمْ يَنْسَ رَائِحَتَهُ. سَأَعُودُ أُرْدِفُ الأَشْوَاقَ، وَأَحْمِلُهَا خَلْفِي كَجَيْشٍ مِنَ اللهْفَةِ لَا يَعْرِفُ الهَزِيمَةَ، وَأُسَابِقُ الزَّمَنَ الَّذِي سَرَقَكِ مِنِّي وَأَضَاعَنِي مِنْكِ. سَأَخْتَصِرُ مَا أَسْتَطِيعُ مِنَ الطُّرُقِ، وَأَطْوِي مَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ السَّاعَاتِ، كَأَنَّنِي أُرِيدُ أَنْ أَسْتَرِدَّ فِي لَحْظَةِ لِقَاءٍ وَاحِدَةٍ كُلَّ مَا أَخَذَهُ مِنَّا الغِيَابُ.
مَا أَطْوَلَ مَا حَلَّقْتُ فِي سَمَاوَاتٍ لَا تُشْبِهُنِي، وَمَا أَكْثَرَ مَا حَطَطْتُ عَلَى أَغْصَانٍ لَمْ تَعْرِفْ وَزْنَ حَنِينِي! كُلُّ مَرْفَأٍ بَعِيدٍ كَانَ يَرُدُّنِي إِلَى مَرْفَئِكِ، وَكُلُّ مَأْوًى عَابِرٍ كَانَ يُعَلِّمُنِي أَنَّ السَّكَنَ لَا يُقَاسُ بِمَا يُحِيطُ الجَسَدَ مِنْ جُدْرَانٍ، وَإِنَّمَا بِمَا يَسْكُنُ الرُّوحَ مِنْ أَمَانٍ. وَهَا أَعُودُ إِلَيْكِ، فَانْتَظِرِينِي. انْتَظِرِينِي كَمَا يَنْتَظِرُ الشَّاطِئُ مَوْجَةً تَاهَتْ فِي البَحْرِ، وَكَمَا يَنْتَظِرُ البَيْتُ قَدَمَيْنِ حَفِظَ صَدَاهُمَا فِي مَمَرَّاتِهِ. انْتَظِرِينِي بِذٰلِكَ الصَّبْرِ الَّذِي يَجْعَلُ مِنَ التَّرَقُّبِ عِبَادَةً، وَمِنَ الوَفَاءِ سِرَاجًا لَا تَأْكُلُهُ رِيحُ السِّنِينَ.
أَتَذَكَّرُكِ، فَتُسْرِجُ البَهْجَةُ ذُبَالَةَ مَشَاعِرِي، وَيَنْهَضُ النُّورُ فِيَّ مِنْ مَوْضِعٍ كَانَ يَسْكُنُهُ الرَّمَادُ. كَأَنَّ اسْمَكِ يَمُرُّ عَلَى أَعْتَمِ مَوَاضِعِ النَّفْسِ، فَيَرُدُّ إِلَيْهَا ضَوْءَهَا، وَيَمُرُّ عَلَى الأَحْزَانِ فَيَنْزِعُ مِنْهَا سُلْطَانَهَا. يَتَدَلَّى نُورُكِ مِنْ عَلْيَاءَ جَثَتْ تَحْتَ قَدَمَيْكِ، وَمِنْ رُقِيٍّ تَوَاضَعَ بَيْنَ يَدَيْكِ؛ فَأَنْتِ لَا تَرْتَفِعِينَ بِمَا يَصْغُرُ دُونَكِ، وَإِنَّمَا يَرْتَفِعُ مَا حَوْلَكِ لأَنَّهُ اقْتَرَبَ مِنْكِ. يَكْتَسِبُ المَكَانُ فِي حُضُورِكِ مَعْنًى، وَيَتَعَلَّمُ الضَّوْءُ مِنْ وَجْهِكِ كَيْفَ يَكُونُ رَحِيمًا. فَسُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ الجَمَالَ دَلِيلًا عَلَى الجَمَالِ، وَجَعَلَ مِنْ مَشَاهِدِ الكَوْنِ مَرَايَا صَغِيرَةً تَرُدُّ إِلَيَّ شَيْئًا مِنْكِ. فَكُلَّمَا رَأَيْتُ زَهْرًا نَقِيًّا تَذَكَّرْتُ صَفَاءَكِ، وَكُلَّمَا مَرَّ بِي نَسِيمٌ هَادِئٌ أَحْسَسْتُ أَنَّ مِنْ رِقَّتِكِ شَيْئًا يَعْبُرُ المَكَانَ.
أَبْتَسِمُ، وَيَنْشُرُ القَلْبُ جَنَاحَيْهِ فِي الأُفُقِ حَتَّى يَكَادَ يَحْتَوِيهِ. تَحْمِلُهُ نَسَائِمُ الشَّوْقِ كَنَوْرَسٍ أَلِفَ الأَعَالِيَ، غَيْرَ أَنَّ حَنِينَهُ يَرُدُّهُ دَائِمًا إِلَى المَرَافِئِ. يَطِيرُ لِيَعُودَ، وَيَبْتَعِدُ لِيَعْرِفَ مِقْدَارَ القُرْبِ، وَيَمُرُّ عَلَى البِحَارِ كُلِّهَا لِيَزْدَادَ يَقِينًا أَنَّ مَاءً وَاحِدًا فَقَطْ يَغْسِلُ عَنْهُ وَحْشَةَ السَّفَرِ. وَفَوْقَ تِلْكَ الرَّوَابِي، تُلَوِّحُ لِي بَتَلَاتُ وَرْدٍ أَهْدَيْتُكِيهَا فِي زَمَنٍ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَحْفَظَهَا، فَحَفِظَتْهَا الرُّوحُ. تَرْفَعُ رُؤُوسَهَا نَحْوِي كَأَنَّهَا تَعْرِفُ خُطَايَ، وَتَبْتَسِمُ أَقَاحٍ بِيضٌ زَرْكَشَتِ الشَّمْسُ قُلُوبَهَا بِصُفْرَةٍ رَقِيقَةٍ، فَازْدَادَ البَيَاضُ فِيهَا بَهَاءً.
أُصْغِي إِلَى هَمْسِهَا وَهُوَ يَسْرِي فِي النَّسِيمِ عِطْرًا، كَأَنَّ الزَّهْرَ قَدْ تَعَلَّمَ اللهْفَةَ مِنِّي، وَاسْتَعَارَ مِنْ شَوْقِي لُغَةً لَا يَسْمَعُهَا إِلَّا مَنْ أَتْعَبَهُ الحَنِينُ. وَمَا العِطْرُ الَّذِي يَفِيضُ مِنْهَا إِلَّا سِرٌّ صَغِيرٌ بَاحَتْ بِهِ لِلرِّيحِ، فَحَمَلَتْهُ إِلَيَّ يَقُولُ إِنَّ مَا أُهْدِيَ بِصِدْقٍ لَا يَذْبُلُ، وَإِنْ ذَبُلَتْ أَوْرَاقُهُ. مَشَاهِدُ خَطَّتْهَا يَدُ الخَالِقِ المُبْدِعِ، فَجَعَلَ فِي كُلِّ لَوْنٍ مِنْهَا شَيْئًا يُذَكِّرُنِي بِكِ، وَفِي كُلِّ رَائِحَةٍ مَمَرًّا يَقُودُ إِلَيْكِ. وَهَبَ الزَّهْرَ لَوْنَ فُؤَادِكِ، وَأَوْدَعَهُ عَبَقَ إِحْسَاسِكِ، وَجَعَلَ فِي رِقَّتِهِ مَا يُشْبِهُ حَيَاءَكِ حِينَ يَمُرُّ عَلَى الكَلَامِ فَيَرُدُّهُ أَلْطَفَ مِمَّا كَانَ.
أَطْوِي جَنَاحَيِ الحُلْمِ، وَأَضُمُّهُمَا إِلَى صَدْرِي، فَأَجِدُنِي أَحْتَوِيكِ فِي حِضْنٍ مِنَ الدِّفْءِ وَالسَّكَنِ. لَا أَعْرِفُ أَأَنَا الَّذِي أَحْمِلُكِ فِي خَيَالِي، أَمْ أَنَّ خَيَالَكِ هُوَ الَّذِي يَحْمِلُنِي وَيَحْفَظُنِي مِنَ السُّقُوطِ فِي بَرْدِ الغِيَابِ. أَضُمُّ الحُلْمَ كَمَنْ يَخْشَى عَلَيْهِ مِنَ اليَقَظَةِ، وَأُحِيطُ طَيْفَكِ بِذِرَاعَيِ الرُّوحِ، فَيَضِيقُ العَالَمُ حَوْلَنَا حَتَّى لَا يَبْقَى فِيهِ إِلَّا خَفَقَانُ قَلْبَيْنِ وَمَسَافَةٌ صَغِيرَةٌ مِنَ الصَّمْتِ. وَيَلُفُّنِي الصَّمْتُ؛ قَدْ قَيَّدَ لِسَانَهُ وَأَطْلَقَ عُيُونَهُ، وَأَرْخَى جُفُونَهُ حَيَاءً. صَمْتٌ لَا يَخْلُو مِنَ الكَلَامِ، وَإِنَّمَا يَفِيضُ بِمَا تَعْجِزُ عَنْهُ الحُرُوفُ. يَرْقُبُنَا كَشَاهِدٍ أَمِينٍ عَلَى مَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَهَادَةٍ، وَيَتَنَحَّى قَلِيلًا حَتَّى يَمُرَّ بَيْنَنَا مَا لَا يَعْبُرُهُ الصَّوْتُ. وَأَنْتِ تُرْخِينَ طَرْفَكِ فِي حَيَاءٍ، وَيَتَخَفَّفُ صَوْتُكِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا الصِّدْقِ، ثُمَّ يَصِلُ إِلَيَّ هَمْسُكِ كَأَنَّهُ آخِرُ الحَقَائِقِ الَّتِي كَانَ عَلَيَّ أَنْ أَقْطَعَ هٰذَا العُمْرَ كُلَّهُ لِأَسْمَعَهَا:
«إِنَّكَ أَنْتَ الوَطَنُ، لَا سِوَاكَ».
عِنْدَهَا أَفْهَمُ أَنَّنِي لَمْ أَكُنْ وَحْدِي العَائِدَ.
